وقد ذكرنا أدلتهم في عقد الوصية، والهبة في المرض معتبرة بالوصية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 9032
المسألة الرابعة
في اشتراط القبض في هبة المريض
[م-١٨٤٢] إذا وهب الرجل شيئًا من ماله فلم تقبض الهبة حتى مات، فإن كان الواهب صحيحًا بطلت الهبة في قول عامة أهل العلم.
وإن كان الواهب مريضًا فاختلف العلماء في بطلان الهبة بفوات القبض على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يشترط القبض في هبة المريض كالهبة من الصحيح، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب الحنابلة (١).
قال السرخسي: «ولا يجوز هبة المريض، ولا صدقته إلا مقبوضة، فإذا قبضت جازت» (٢).
وجاء في الحاوي: «إذا وهب لأجنبي في مرضه الذي مات منه هبة، فإن لم يقبضها حتى مات فالهبة باطلة؛ لأنها لا تتم إلا بالقبض. وإن أقبضه قبل الموت صحت الهبة، وكانت من الثلث تمضي إن احتملها الثلث، ويرد منها ما عجز الثلث عنه» (٣).
стр. 9033
القول الثاني:
إذا مات الواهب المريض قبل إقباض الهبة، فالهبة صحيحة، وتأخذ حكم الوصية، وبه قال ابن أبي ليلى، وهو مذهب المالكية (١).
قال أبو عبد الله الفاسي: «إذا تصدق وهو مريض مرضًا مخوفًا، واستمر مريضًا إلى أن مات، فإن الصدقة تبطل لحق الورثة في المال، وتصير وصية تخرج من الثلث بعد أن كانت من رأس المال، وتجري عليها أحكام الوصية فإن كانت بالثلث فأقل لغير وارث نفذت، ولا تفتقر لحوز» (٢).
القول الثالث:
أن الوارث بالخيار بين إمضائها بالعقد الماضي أو المنع، وهذا أحد القولين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (٣).
جاء في الحاوي: «لو مات الواهب قبل القبض ففيها قولان:
أحدهما: أن وارثه بالخيار بين إقباضها بالعقد الماضي أو المنع .... » (٤).
وجاء في المغني: «الواهب إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة، كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا قبضوا، وإن شاؤوا منعوا، والوصية تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم» (٥).
стр. 9034
سبب الخلاف:
الهبة في مرض الموت مترددة بين الوصية وبين الهبة، فكونها ناجزة في الحال، فهي هبة، وكونها لا تصح للوارث، وتصح لغيره بقدر الثلث فأقل إلا أن يجيز الورثة فهي وصية، فالجمهور غلبوا جانب الهبة، فاشترطوا القبض؛ لأنها ناجزة في الحال، وليست متوقفة على موت الواهب، والمالكية غلبوا جانب الوصية لكونها لا تصح لوارث، وتخرج من الثلث، وأرى أن قول الجمهور أقوى؛ لأن الصيغة هبة منجزة، وكونها لا تنفذ إلا بحدود الثلث ليس لأنها وصية، وإنما لردع الواهب حتى لا يحرم الوارث قبل موته.
وأما وجه من قال: إن الوارث بالخيار إن شاء أمضاها بالعقد الماضي، وإن شاء ردها، فلعله رأى أن في هذا شبهًا في تصرف الفضولي الموقوف على إجازة المالك، والمالك ا لحقيقي هو الوارث، فكان الخيار له، والله أعلم.
* * *
стр. 9035
الفرع السابع
في هبة الحامل
[م-١٨٤٣] اختلف الفقهاء في حكم هبة الحامل على خمسة أقوال:
القول الأول:
هبة الحامل من رأس المال ما لم يضربها المخاض، فإذا ضربها المخاض فعطيتها من الثلث، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
جاء في البناية: «والحامل إذا ضربها المخاض، وهو الطلق يكون تبرعها من الثلث» (٢).
وفي الأم: «والحامل يجوز ما صنعت في مالها، ما لم يحدث لها مرض مع حملها، أو يضربها الطلق فإن ذلك مرض مخوف» (٣).
وجه من قال: إذا ضربها الطلق صار مخوفًا:
أن المرأة لا تخاف الموت من مجرد الحمل، والآلام منه لا تكون مخوفة حتى يضربها الطلق، فأشبهت صاحب الأمراض الممتدة قبل أن يصير صاحب فراش.
стр. 9036
القول الثاني:
الحامل إذا صار لها ستة أشهر فعطيتها من الثلث، وهذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد. وقال إسحاق: إذا أثقلت لا يجوز لها إلا الثلث، ولم يحد (١).
حجة هذا القول:
أن المرأة الحامل أول حملها بشر وسرور، وليس بمرض، ولا خوف؛ لأن الله ﵎ قال في كتابه ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وقال ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فالمرأة الحامل إذا أثقلت لم يجز لها قضاء إلا في ثلثها، فأول الإتمام ستة أشهر، قال الله ﵎ في كتابه العزيز ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فإذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث (٢).
ولأن ستة الأشهر وقت يمكن الولادة فيه، وهي من أسباب التلف.
القول الثالث:
هبة الحامل كالصحيح، وبه قال الحسن، والزهري، وهو القول الثاني
стр. 9037
للشافعي، ورجحه ابن حزم (١).
وقال به بعض الشافعية في النساء التي توالت ولادتها من كبار السن، لسهولة ذلك عليهن؛ لاعتيادهن، وأن الأغلب سلامتهن (٢).
جاء في المهذب: «وإن ضرب الحامل الطلق فهو مخوف لأنه يخاف منه الموت. وفيه قول آخر: أنه غير مخوف لأن السلامة منه أكثر» (٣).
حجة هذا القول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
وجه الاستدلال:
أن الأمر في الآية مطلق، فلم يخص صحيحًا من مريض، ولا حاملًا من حائل، ولا آمنًا من خائف، ولا مقيمًا من مسافر ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ولو أراد الله تعالى تخصيص شيء من ذلك لبينه على لسان رسول ﵊.
الدليل الثاني:
أن الغالب على الحامل السلامة وليس الهلاك.
стр. 9038
الدليل الثالث:
ولأن الحامل لو أنفقت مالها في ملاذها وشهواتها اعتبر ذلك من رأس مالها، فأولى أن يكون من رأس مالها ما تتقرب به من الهبات والصدقات.
الدليل الرابع:
استصحاب الحال: وذلك أنهم لما اتفقوا على جواز هبتها في الصحة وجب استصحاب حكم الإجماع في حالة الحمل إلا أن يدل دليل من كتاب أو سنة بينة، ولا دليل في التفريق بين الحامل وغيرها.
القول الرابع:
الحمل مخوف من ابتدائه، وهذا قول ابن المسيب (١).
حجة هذا القول:
قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
فسوى الله بين آلام الوضع، وآلام الحمل.
(ث-٢٦٦) وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج قال:
قال لي عطاء: ما صنعت الحامل في حملها فهو وصية قلت: أرأي؟ قال: بل سمعناه (٢).
[إسناده صحيح].
(ث-٢٦٧) وروى عبد الرزاق، قال: عن معمر، عن قتادة قال: ما صنعت
стр. 9039
الحامل في حملها فهو وصية. قال معمر: وأخبرني من سمع عكرمة يقول مثل ذلك (١).
[صحيح عن قتادة].
الراجح:
أن المرأة الحامل إن كانت في السابق تتعرض للموت لقلة الرعاية الصحية، وعدم توفر الإمكانيات للقيام بالعمليات القيصرية، فهي الآن وبفضل الله ، ثم فضل تقدم الرعاية في كثير من البلاد الإسلامية لم يعد الحمل يشكل سببًا غالبًا للموت، نعم لو كان ذلك في بلاد لا تتوفر فيها الرعاية الصحية، ويشكل الوفيات في الولادة مرضًا مخوفًا فإنه يمكن أن نعتبر هبات المرأة إذا ضربها الطلق من الثلث، والله أعلم.
* * *
стр. 9040
الفرع الثامن
في هبة المرتد
وجوب قتل المرتد لا يمنع من صحة تصرفاته كالحربي.
وقيل:
ما كان سببًا لزوال عصمة الدم كان سببًا لزوال عصمة المال.
[م-١٨٤٤] اختلف العلماء في بطلان هبة المرتد، وخلافهم راجع إلى اختلافهم في حكم تصرفه في ماله بعد ردته:
فمن قال: إن ملك المرتد لماله يزول بردته أبطل هبته، وسائر تصرفاته.
ومن قال: إن ملكه لا يزول عنه بردته، فاختلفوا:
فقيل: لا تبطل هبته؛ لأن وجوب قتله لا يمنع من صحة هبته كالحربي.
وقيل: تصرفه في ماله حال ردته موقوف، فإن مات على ردته بطلت، وإن رجع إلى الإسلام قبل موته نفذت هبته، وسائر تصرفاته، هذا هو الخلاف في الجملة، وإليك تفصيل ما أجمل.
القول الأول:
أن تصرف المرتد في أمواله حال ردته موقوف، فإن أسلم صحت عقوده، وإن مات أو قتل، أو لحق بدار الحرب بطلت. وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو حنيفة في المرتد فقط دون المرتدة، والفرق عنده راجع إلى أن المرتد يجب قتله إلا أن يرجع إلى الإسلام بخلاف المرتدة (١).
стр. 9041
جاء في فتح القدير: «وما باعه، أو اشتراه، أو أعتقه، أو وهبه، أو رهنه، أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته فهو موقوف، فإن أسلم صحت عقوده، وإن مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب بطلت. وهذا عند أبي حنيفة» (١).
قال الكاساني: «وأما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف، فتجوز تصرفاتها في مالها بالإجماع؛ لأنها لا تقتل، فلم تكن ردتها سببًا لزوال ملكها عن أموالها بلا خلاف، فتجوز تصرفاتها» (٢).
جاء في حاشية الجمل: «والمعتمد أن وصيته موقوفة كسائر تصرفاته» (٣).
وقال النووي: «وفي زوال ملكه عن ماله بها أقوال، أظهرها: إن هلك مرتدًا بان زواله بها، وإن أسلم بان أنه لم يزل .... وإذا وقفنا ملكه فتصرفه إن احتمل الوقف، كعتق، وتدبير، ووصية موقوف إن أسلم نفذ وإلا فلا» (٤).
وقال في الإنصاف: «ومن ارتد عن الإسلام لم يزل ملكه بل يكون موقوفًا، وتصرفاته موقوفة، فإن أسلم: ثبت ملكه وتصرفاته، وإلا بطلت» (٥).
وفي كشاف القناع: «ويكون ملكه موقوفًا، فإن أسلم ثبت ملكه، وإن قتل أو مات كان ماله فيئًا» (٦).
وقال أبو الخطاب الحنبلي: «ولا يزول ملك المرتد عن ماله بنفس الردة، بل
стр. 9042
يكون موقوفًا، وإن تصرف وقع تصرفه موقوفًا، فإن عاد إلى الإسلام نفذ تصرفه، وإن قتل على كفره لم ينفذ تصرفه» (١).
وجه كون تصرفه موقوفًا:
أن الواجب في المرتد أن يستتاب، فقد يتوب، وقد يصر على ردته، لهذا لم يكن القول بزوال الملك بمجرد الردة حتى يتبين لنا أنه مصر على ردته إلى حين إنفاذ حد الردة فيه، فإن رجع وتاب رجع إليه ملكه، ونفذت هبته، وإن أصر على ردته حتى قتل تبين لنا زوال ملكه بالردة، فبطلت هبته.
ولأن ملكه قد تعلق به حق غيره مع بقاء ملكه فيه، فكان تصرفه موقوفًا كتبرع المريض.
وأما الدليل على التفريق بين الرجل والمرأة في الردة عند الحنفية فقد ذكرنا أدلتهم وتمت مناقشتها في وصية المرتد، فانظرها هناك.
القول الثاني:
أن هبة المرتد باطلة، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
جاء في حاشية العدوي: «أما هبة الصغير، والسفيه، والمرتد فباطلة» (٣).
стр. 9043
وقال الصاوي: «أما بطلانها في المرتد فلزوال ملكه حال الردة» (١).
حجة هذا القول:
إذا كانت الردة سببًا لزوال عصمة الدم، حيث توجب الردة قتل المرتد، فهي سبب لزوال عصمة المال؛ لأن المال تبع لعصمة النفس.
القول الثالث:
هبة المرتد صحيحة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، واختاره المزني من الشافعية (٢)، إلا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يقول ينفذ كما ينفذ من الصحيح حتى يعتبر تبرعاته من جميع المال، وعند محمد رحمه الله تعالى ينفذ كما ينفذ من المريض؛ لأنه مشرف على الهلاك.
وحجتهما في صحة هبته:
الحجة الأولى:
القياس على الحربي، حيث هبة الحربي صحيحة، فكذلك المرتد.
الحجة الثانية:
أن الصحة تعتمد على الأهلية، والنفاذ يعتمد على الملك.
والأهلية قائمة لكونه مخاطبًا، ألا ترى أن القتل يحسب عليه بارتداده.
والملكية صحيحة؛ لقيام صفة الحرية، وملكه باق على ماله كسائر تصرفاته،
стр. 9044
ويقضى من ماله ديونه، وكسبه بعد ردته كسب صحيح، ولا يشترط للملكية أن يكون مسلمًا، فالكفار يتمتعون بحق الملكية لأموالهم، نعم ما يتوقف على الإسلام كالنكاح والإرث، والذبح يبطل منه لاشتراط الإسلام بخلاف ما يتعلق بالمال فلا يبطل، والملكية لا تنعدم بالردة، وإنما تأثير ردته في إباحة دمه، وذلك لا يؤثر على ملكيته، كالمقضى عليه بالرجم والقصاص، إلا أن محمدًا رحمه الله تعالى قال: هو مشرف على الهلاك فيكون بمنزلة المريض في التصرف (١).
القول الرابع:
إن تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه، وإن تصرف قبل الحجر عليه فعلى الخلاف السابق، وهذا قول في مذهب الحنابلة.
جاء في المغني: «وتصرفات المرتد في ردته بالبيع، والهبة، والعتق، والتدبير والوصية، ونحو ذلك موقوف؛ إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحًا، وإن قتل أو مات على ردته، كان باطلا. وهذا قول أبي حنيفة.
وعلى قول أبي بكر، تصرفه باطل؛ لأن ملكه قد زال بردته. وهذا أحد أقوال الشافعي.
وقال في الآخر: إن تصرف قبل الحجر عليه، انبنى على الأقوال الثلاثة، وإن تصرف بعد الحجر عليه، لم يصح تصرفه كالسفيه» (٢).
стр. 9045
الراجح:
أن الهبة تختلف عن الوصية، وذلك أن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، وإذا مات مرتدًا لم يكن له حكم الإسلام، وإنما له حكم الملة التي انتقل إليها، بخلاف الهبة فإنها تصرف في الحياة، فإن وهب قبل عرضه على القضاء، وإصدار حد الردة عليه كانت هبته لها حكم هبة الرجل الصحيح، سواء كان مسلمًا أو مرتدًا، وإن صدرت هبته بعد الحكم عليه بالقتل، وإصراره على ردته فهبته هبة الرجل المريض مرضًا مخوفًا، والله أعلم.
وبهذا المبحث أكون قد انتهيت من بحث غالب المسائل المتعلقة باشتراط أن يكون الواهب من أهل التبرع، سواء كانت هذه المسائل متفقًا عليها، أو مختلفًا فيها، ونأتي على الشرط الثاني إن شاء الله تعالى في المبحث الثاني.
* * *
стр. 9046
الشرط الثاني
أن يكون الواهب مالكًا أو مأذونا له في التبرع
المبحث الأول
في هبة المباحات قبل تملكها
المباح إنما يملك بالإحراز.
المباحات لا توهب قبل إحرازها.
[م- ١٨٤٥] يشترط أن يكون الواهب مالكًا للموهوب، وهذا الشرط يعني أمرين:
الأول: لا تصح هبة المباحات قبل تملكها؛ لأن الهبة تمليك، وهذه أموال لا مالك لها.
الثاني: في حكم هبة الفضولي ملك غيره، فهاتان مسألتان.
أما تمليك المباحات فنص الحنفية على أنه لا يصح تمليكها، وهي مباحة.
جاء في بدائع الصنائع: «أن يكون مملوكًا في نفسه، فلا تجوز هبة المباحات؛ لأن الهبة تمليك، وتمليك ما ليس بممولك محال» (١).
وقال ابن نجيم: وشرائط صحتها في الواهب: العقل، والبلوغ، والملك، فلا تصح هبة المجنون ... وغير المالك» (٢).
стр. 9047
وفي الفتاوى الهندية: «وأما ما يرجع إلى الواهب، فهو أن يكون من أهل الهبة، وكونه من أهلها: أن يكون حرًا عاقلًا بالغًا مالكًا للموهوب» (١).
وقال ابن شاس المالكي: «الركن الثاني: الموهوب: وهو كل مملوك يقبل النقل» (٢).
وقال ابن رشد: «أما الواهب فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكًا للموهوب صحيح الملك» (٣).
وجاء في الحاوي: «وأما الواهب فهو كل مالك جائز التصرف، فإن كان غير مالك كالغاصب لم يجز» (٤).
وجاء في زاد المستقنع في تعريف الهبة بقوله: «وهي ـ يعني الهبة ـ التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره» (٥).
فقوله: (بتمليك ماله) خرج به كل مال لا يملكه سواء كان مباحًا أو كان مملوكًا لغيره؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يتبرع بشيء لا يملكه.
* * *
стр. 9048
المبحث الثاني
في صحة هبة الفضولي
تصرف الفضولي موقوف على الإجازة.
تعريف الفضولي في الاصطلاح (١).
هو من لم يكن ولياً، ولا أصيلاً، ولا وكيلاً في العقد (٢).
والخلاف في هبة الفضولي كالخلاف في بيعه؛ فإن من منع بيعه سوف يمنع هبته من باب أولى؛ ذلك أن البيع يقابله عوض، وقد يكون فيه حظ وغبطة للمالك بخلاف الهبة، فإنها تبرع بلا مقابل، ولهذا كثير من الفقهاء يبحثون أحكام الفضولي تحت عنوان تصرف الفضولي ليدخل في ذلك بيعه وشراؤه، وهبته، وصدقته، ووقفه، ونحو ذلك.
جاء في مغني المحتاج: «فبيع الفضولي: وهو البائع مال غيره بغير إذنه، ولا ولاية باطل ... وكذا سائر تصرفاته القابلة للنيابة، كما لو زوج أمة غيره، أو
стр. 9049
ابنته، أو طلق منكوحته، أو أعتق عبده، أو أجر داره، أو وقفها، أو وهبها، أو اشترى له بعين ماله؛ لأنه ليس بمالك، ولا ولي، ولا وكيل، فلو عبر المصنف بالتصرف بدل البيع لشمل الصور التي ذكرتها» (١).
وخالف المالكية وحدهم ففرقوا بين بيع الفضولي وبين هبته، فصححوا البيع موقوفًا على إجازة المالك ومنعوا هبة الفضولي، وسيأتي وجه التفريق عندهم.
[م-١٨٤٦] إذا علم ذلك فقد اختلف العلماء في هبة الفضولي على أقوال:
القول الأول:
أن هبة الفضولي كبيعه، موقوف على إجازة المالك، فإن أجازها نفذ، وإن ردها بطل، وهذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، والقديم من قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٢).
جاء في حاشية الدسوقي: قوله «(صحت في كل مملوك) فظاهره أن غير المملوك: وقفه وهبته باطل، ولو أجازه المالك.
وذكر بعضهم: أن وقفه، وهبته، وصدقته، وعتقه كبيعه، في أن كلًا صحيح غير لازم، فإن أمضاه المالك مضى، وإن رده رد، واختاره شيخنا العدوي؛ لأن المالك إذا أجازه كان في الحقيقة صادرًا منه» (٣).
стр. 9050
القول الثاني:
أن هبة الفضولي كبيعه باطلة، وهو قول الشافعي في الجديد، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
القول الثالث:
التفريق بين بيع الفضولي وبين هبته، فيصح بيعه موقوفًا على إجازة المالك، ولا تصح هبته، وهذا مذهب المالكية (٢).
وجه الفرق بين البيع والهبة:
أن البيع تمليك في نظير عوض، فصحت موقوفة على إجازة المالك، أما الهبة فالتمليك فيها مجانًا، لهذا بطلت.
قال الدسوقي في حاشيته: «حاصله أن هبة الفضولي باطلة بخلاف بيعه فإنه صحيح، وإن كان غير لازم، فيجوز للمشتري التصرف في المبيع قبل إمضاء المالك البيع؛ لأن صحة العقد ترتب أثره عليه من جواز التصرف في المعقود عليه، والفرق بين بيع الفضولي وهبته ما قاله الشارح: من أن بيعه في نظير عوض يعود على المالك بخلاف هبته، ومثلها وقفه، وصدقته، وعتقه فمتى صدر واحد من هذه الأربعة من فضولي كان باطلًا، ولو أجازه المالك» (٣).
стр. 9051
وراجع أدلة هذه المسألة في عقد البيع عند الكلام على بيع الفضولي، فقد جمعت أدلتهم هناك، وناقشتها، وبينت الراجح منها، فلله الحمد وحده.
* * *
стр. 9052
الشرط الثالث
أن يكون الواهب راضيا
المكره لا يلزمه شيء من العقود.
[م-١٨٤٧] يشترط في الواهب أن يكون راضيًا مختارًا؛ لأن الهبة عقد من عقود التبرع، وقد نص القرآن والسنة على اشتراط الرضا في عقود الهبات:
قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
وقال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١).
وإذا كان الرضا شرطًا في العقود المالية نأتي على حكم الهبة من المكره، والهازل، والمخطئ.
جاء في المبسوط: «الهبة من المكره لا تصح؛ لأن شرط الهبة تمام الرضا، والإكراه يعدم الرضا» (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت المستكره أيجوز عتقه في قول مالك؟
قال: لا، قلت: ولا يجوز على المستكره شيء من الأشياء في قول مالك لا عتق ولا بيع ولا شراء ولا نكاح ولا وصية ولا غير ذلك؟
стр. 9053
قال: قال مالك: لا يجوز على المستكره شيء من الأشياء لا عتق، ولا طلاق، ولا نكاح، ولا بيع، ولا شراء، وأما الوصية فلم أسمعها من مالك، وهي لا تجوز وصية المستكره» (١).
وجاء في الشرح الكبير: «الإكراه على الطلاق .... ونحوه كالبيع والشراء، وسائر العقود لا تلزم بالإكراه» (٢).
قال الونشريسي: المكره لا يلزمه شيء من العقود (٣).
وقال الخطيب في مغني المحتاج: «ولا أثر لقول المكره بغير حق إلا في الصلاة فتبطل به في الأصح ... » (٤).
وجاء في منار السبيل: «وشروطها ـ يعني الهبة ـ ثمانية: .... كونه مختارًا غير هازل، فلا تصح من مكره، ولا هازل» (٥).
وقال ابن القيم: «من تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه، كالنائم، والناسي، والسكران، والجاهل، والمكره، والمخطئ ... » (٦).
* * *
стр. 9054
المبحث الأول
في هبة الهازل
هبة الهازل والمكره والمخطئ لا تصح لفوات الرضا.
[م-١٨٤٨] اختلف الفقهاء في هبة الهازل على قولين:
القول الأول:
هبة الهازل هبة صحيحة، وهذا مذهب الحنفية.
قال ابن نجيم: لو وهب مازحًا صحت كما في البزازية» (١).
وجاء في مرقاة المفاتيح: «لو طلق، أو نكح، أو راجع، وقال: كنت فيه لاعبًا وهازلًا، لا ينفعه، وكذا البيع، والهبة وجميع التصرفات» (٢).
القول الثاني:
لا تصح هبة الهازل، وهذا مذهب الحنابلة.
جاء في مطالب أولي النهى: «يصح عد شروط هبة أحد عشر:
كونها من جائز تصرف، فلا تصح من محجور عليه.
(مختار) فلا تصح من مكره.
(جاد) فلا تصح من هازل» (٣).
стр. 9055
وفي دليل الطالب: «وشروطها ـ يعني الهبة ـ ثمانية: كونها من جائز التصرف كونه مختارًا غير هازل» (١).
وهذا هو القول الراجح.
* * *
стр. 9056
المبحث الثاني
في هبة التلجئة
الوسائل لها أحكام المقاصد.
تعريف التلجئة:
أن يتواضعا على إظهار صورة عقد عند الناس لكن بلا قصد (١).
ويقول ابن قدامة: «ومعنى بيع التلجئة: أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه، فيواطئ رجلاً على أن يظهر أنه اشتراه منه؛ ليحتمي بذلك، ولا يريدان بيعاً حقيقياً» (٢).
ويختلف الحكم بحسب الغرض من الفعل، فإن كان الحامل على الهبة الصورية حماية ماله من تسلط بعض الظلمة عليه بغير حق كان فعله مباحًا؛ لأن الإنسان من حقه أن يدافع عن ماله المعصوم، وإن كان الحامل عليه عملًا غير مشروع، كما لو كان الرجل مدينًا، فيلجأ إلى العقود الصورية ليبعد أمواله عن متناول دائنيه، بأن يتظاهر بإبرام تصرفات من شأنها إخراج هذه الأموال من ذمته، ليدعي الإعسار، وقد يخفي الطرفان عقد البيع تحت ستار عقد هبة صوري ليسقط حق الشفعة لشريكه، فهذا الفعل يكون محرماً؛ لأنه يتضمن إسقاط حق الغير بغير حق.
[م-١٨٤٩] وقد تكلم الحنابلة عن هبة التلجئة بالنص:
стр. 9057
جاء في مطالب أولي النهى: «ولا تصح الهبة هزلًا، ولا تلجئة: بأن لا تراد الهبة باطنًا: كأن توهب في الظاهر، وتقبض مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينزعه منه متى شاء، أو توهب لخوف من الموهوب له أو غيره؛ فلا تصح، وللواهب استرجاعها إذا زال ما يخاف، أو جعلت الهبة طريقا إلى منع وارث حقه أو منع غريم حقه فهي باطلة؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد» (١).
وفي كشاف القناع: «وهبة التلجئة باطلة بحيث توهب في الظاهر، وتقبض مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينزعه منه إذا شاء، ونحو ذلك من الحيل التي تجعل طريقا إلى منع الوارث أو الغريم حقوقهم؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد» (٢).
وتكلم بقية الفقهاء عن بيع التلجئة، وأعتقد أن من لم يصحح بيع التلجئة فإنه لن يصحح هبة التلجئة من باب أولى.
القول الأول:
البيع باطل. وهذا القول هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 9058
القول الثاني:
أن البيع صحيح، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣).
القول الثالث:
أن البيع موقوف، إن أجازاه معاً صح، وإن رداه بطل، وإن أجازه أحدهما لم ينعقد، وهو قول في مذهب الحنفية (٤).
سبب الخلاف في هذه المسألة:
الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى مسألة أخرى: وهي إذا تعارضت الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة، فما هو المقدم منهما؟ أو بعبارة أخرى، هل المعتبر في العقود المعاني أو الألفاظ.
وقد أشار النووي إلى هذا حين تكلم عن بيع التلجئة، فقال: «والصحيح صحته؛ لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود، لا بما ينويه العاقدان» (٥).
وقد تناولت أدلة هذه المسألة في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادة البحث هنا،
стр. 9059
ولله الحمد، ورجحت فيها أن العبرة بما نوياه، لا بما أظهراه، لأن العبرة بالمعاني دون الألفاظ، والله أعلم.
* * *
стр. 9060
الفصل الثاني
في شروط الموهوب له
الشرط الأول
أن يكون الموهوب له أهلًا للتملك
الهبة لمن لا يملك تعني الصرف على مصالحه كالوقف عليه.
[م-١٨٥٠] يشترط في الموهوب له أهلية التملك، فلا تصح الهبة لمن لا يصح تملكه، كالهبة للحيوان إذا قصد تمليكه، وكالهبة للملَك بفتح اللام واحد الملائكة؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتملك.
جاء في الشرح الصغير، عن شروط الموهوب به: «أن يكون أهلًا لأن يملك ما وهب له» (١).
قال الحطاب المالكي: «الركن الرابع: وهو الموهوب له، وشرطه قبول الملك» (٢).
وجاء في حاشية قليوبي: «يشترط في الواهب أهلية التبرع، وفي الموهوب له أهلية التملك» (٣).
وفي الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «ويشترط في الموهوب له أن يكون
стр. 9061
فيه أهلية الملك لما يوهب له، من مكلف وغيره، وغير المكلف يقبل له وليه، فلا تصح لحمل، ولا لبهيمة، ولا لرقيق نفسه، فإن أطلق الهبة له فهي لسيده» (١).
وقال ابن مفلح: «الموهوب له: كل آدمي موجود. وفي الترغيب وغيره: الموهوب له يعتبر كونه أهلًا للملك في الجملة، فلا يصح لجدار، ولا بهيمة، ويصح لعبد» (٢).
وقال في كشاف القناع: «ولا تصح الوصية لمَلَك بفتح اللام أحد الملائكة، ولا لميت، ولا لجني، ولا لبهيمة إن قصد تمليكها؛ لأنه تمليك، فلم يصح لهم كالهبة» (٣).
والذي أميل إليه أن الهبة تصح لكل من ينتفع بالهبة إذا كان حيوانًا محترمًا، ومن باب أولى أن تكون الهبة صحيحة لحيوانات حبست للجهاد والمنافع العامة.
ومن النصوص السابقة يتبين أنه لا يشترط في الموهوب له الرشد، فتصح الهبة للصبي والمجنون، والسفيه، فإن كان للموهوب له أهلية التملك والقبول باشر القبول بنفسه، كما لو كان الموهوب له بالغاً عاقلًا.
وإن كان الموهوب له يتمتع بأهلية التملك، وليس أهلًا للقبول، كالمجنون، والصبي الذي لا يعقل، فإنه يقبل عنه وليه، ومثله الوصي والقيم.
стр. 9062
[م-١٨٥١] وأما الصبي المميز فهل يصح قبوله ورده للهبة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
الحنفية يرون أن له أن يباشر القبول بنفسه؛ لأنه في التصرف النافع يلحق بالبالغ العاقل.
جاء في البحر الرائق: «من وهب لصغير يعبر عن نفسه شيئًا فرده يصح، كما يصح قبوله» (١).
وجاء في تبيين الحقائق: «في التصرف النافع الذي لا يحتمل غيره ألحق بالبالغ العاقل استحسانًا، والقياس ألا يجوز؛ لأنه لا معتبر بعقله قبل البلوغ، ولهذا يجوز قبض غيره له حتى الأجنبي إذا كان في عياله، ولو اعتبر بعقله وجعل له ولاية التصرف لما نفذ عليه تصرف غيره ....
وجه الاستحسان: .... إذا كان التصرف نافعًا محضا تعين النظر في نفوذه فينفذ نظرًا له؛ لأن الرد في الضار لأجله، والتوقف في المتردد بين النفع والضرر لأجله، حتى يجيزه الولي إن رأى فيه مصلحة، فكذا وجب أن ينفذ تصرفه النافع نظرًا له، وجاز تصرف الولي أو الأجنبي عليه في هذه الحالة نظرًا له أيضا، حتى ينفتح له سبب تحصيل النفع بطريقين، وليس من الحكمة أن تثبت عليه الولاية لغيره نظرًا له، ثم يرد منه مثل هذا النفع المحض، ولا من الفقه مع أنه من أهله بالتمييز والاختيار» (٢).
стр. 9063
ويناقش:
هذا التعليل جيد في اعتبار قبول الصبي المميز للهبة لكونه تصرفًا نافعًا، ولكن كيف يستقيم هذا التعليل في تصحيح الرد من الصبي المميز، أليس الرد في هذه الحالة يعتبر ضررًا محضًا، فكيف صحح الحنفية رد الهبة من الصبي المميز؟
نعم إن كان تصحيح الرد مقيدًا فيما لو كان الرد فيه نفع ظاهر للصبي، وكان القبول يحمِّل الصبي نفقات تفوق قيمة الهبة صح الرد من الصبي وإلا فلا، والله أعلم.
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى أن الصبي يقوم وليه مقامه في القبول، ومثله الوصي والقيم
جاء في بداية المجتهد: «ومن شرط الموهوب له: أن يكون ممن يصح قبوله وقبضه» (١).
وقوله: (ممن يصح قبوله) يعني سواء كان ذلك بنفسه كما في حق المكلف، أو قام الولي بالقبول نيابة عنه كما في حق المجنون والصبي.
ولهذا قال بعد ذلك: «وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره» (٢).
стр. 9064
وجاء في حاشية الشرواني: «سئل شيخنا م ر عن شخص بالغ تصدق على ولد مميز بصدقة، فهل يملكها الولد بوقوعها في يده، كما لو احتطب أو احتش، أم لا يملكها؛ لأن القبض غير صحيح؟
فأجاب بأنه لا يملك الصبي ما تصدق به عليه إلا بقبض وليه» (١).
وجه كون القبول من الصبي لا يعتد به:
أن الأسباب الفعلية تصح من السفيه المحجور عليه دون القولية فيملك المحجور عليه جميع ما يصطاده، أو يحتشه، أو يحتطبه، أو يستقيه؛ لترتب الملك له على هذه الأسباب الفعلية، بخلاف ما لو اشترى، أو قبل الهبة، أو الصدقة، أو قارض أو غير ذلك من الأسباب القولية فإنه لا يترتب له عليه ملك: بسبب أن الأسباب الفعلية غالبها خير محض من غير خسارة، ولا غبن، ولا ضرر، فلا أثر لسفهه فيها، فجعلها الشرع معتبرة في حقه تحصيلًا للمصالح بتلك الأسباب، فإنها لا تقع إلا نافعة مفيدة غالبًا.
وأما القولية فإنها موضع المماكسة، والمغابنة، ولا بد فيها من آخر ينازعه ويجاذبه إلى الغبن، وضعف عقله في ذلك يخشى عليه منه ضياع مصلحته عليه، فلم يعتبرها الشرع منه لعدم تعين مصلحتها بخلاف الفعلية (٢).
[م-١٨٥٢] وإذا امتنع الولي عن القبول فهل يأثم وينعزل بذلك؟
قال الحطاب في مواهب الجليل: «إذا وهب للصغير، أو تصدق به عليه، أو أوصى له، هل لوليه رد ذلك أم لا؟
стр. 9065
لم أقف على نص في ذلك، والظاهر أن للأب والوصي النظر في ذلك؛ لأن المال قد يكون حرامًا، وقد يكون فيه منة على الوالد أو ولده، ولا يجب ذلك، ولا كلام أن له الرد إذا كان يطلب عوضًا عن ذلك من مال الولد» (١).
وجاء في مغني المحتاج: ويقبل الهبة للصغير ونحوه ممن ليس أهلًا للقبول الولي، فإن لم يقبل انعزل الوصي، ومثله القيم، وأثما لتركهما الأحظ بخلاف الأب والجد لكمال شفقتهما» (٢).
الراجح:
لو قيل القبول من الصبي معتبر، والرد والقبض غير معتبرين لكان لذلك وجه؛ لأن القبول نفع محض فيصح، وأما الرد والقبض فليس له الأهلية لذلك؛ لأنه محجور عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 9066
الشرط الثاني
في اشتراط وجود الموهوب له
الهبة للمعدوم في حكم الهبة المعلقة أو المضافة.
[م-١٨٥٣] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون الموهوب له موجودًا على قولين:
القول الأول:
يشترط في الموهوب له أن يكون موجودًا تحقيقًا وقت الهبة، فلو قال: وهبت هذا المال لابن فلان، ولم يوجد لفلان ولد وقت الهبة فإن الهبة باطلة، وهذا مذهب الجمهور (١).
وإذا كان هؤلاء قد منعوا الهبة للحمل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المبحث التالي مع كونه موجودًا ومنعوا الوصية للمعدوم مع أنها على التراخي، فمن باب أولى أن يمنعوا الهبة المنجزة للمعدوم.
وجه القول بعدم الصحة:
الوجه الأول:
أن الهبة تمليك، وتمليك المعدوم ممتنع.
стр. 9067
الوجه الثاني:
قياس الهبة على الميراث، فالميراث لا يثبت إلا لمن كان موجودًا وقت موت المورث، فكذلك الهبة.
ونوقش هذا:
بأن القياس غير صحيح لوجود الفرق بين الملك بالميراث والملك بالهبة، منها:
أن الميراث يملك قهرًا بدون اختيار، والهبة لا تملك إلا بقبول الموصى له، ويتفرع على هذا أن الهبة من باب التبرعات فيتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها، وليس الميراث كذلك فليس لأحد إسقاطه، والملك بالهبة أوسع من الملك بالميراث، فتصح الهبة للذمي، ولمن لا يملك كالمسجد بخلاف الميراث.
القول الثاني:
تصح الهبة لمن سيوجد، فإذا وجد الملتزم له، وكان المتلزم حيًا لم يفلس، والملتزم بيده لم يفوته، صحت الهبة له، وهذا مذهب المالكية.
جاء في فتح العلي المالك: «ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس، وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له، أو هذا العبد أو هذا الثوب ونحو ذلك فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول مالك أن ذلك له» (١).
стр. 9068
دليل من قال: تصح الهبة للمعدوم:
الدليل الأول:
قياس الهبة على الوقف، فإذا صح الوقف على من سيولد من آل فلان، وهو معدوم، صحت الهبة للمعدوم.
الدليل الثاني:
أن الشارع اعتبر المعدوم كالموجود في بعض الأحكام، فيلحق بها الهبة، من ذلك:
دية القتيل تورث عنه، وهي لا تجب إلا بموته، والتركة لا تورث عن الإنسان إلا إذا دخلت في ملكه قبل موته، فيقدر دخولها قبل موته.
ومنها أن الجنين تنفخ فيه الروح بعد ستة أسابيع على حديث جابر في مسلم، أو بعد ستة عشر أسبوعاً على حديث ابن مسعود في الصحيحين، وقبل ذلك لا توجد فيه روح، ومع ذلك يعتبر الجنين بحكم الحي في الوصية له، والوقف عليه ولو كان نطفة إذا انفصل حيًا وإن كان حين الوصية له والوقف عليه لا يوصف بالحياة البشرية، أو أن حياته كحياة النبات؛ لعدم نفخ الروح فيه.
الراجح:
باب الهبات أوسع من عقود المعاوضات، فأرى أنه لا حرج في الهبة للمعدوم، وإذا وجد، وأمكن إقباضه، أو إقباض وليه مضت، وإلا بطلت، والله أعلم.
* * *
стр. 9069
مبحث
في الهبة للحمل
الهبة للحمل معلقة على خروجه حيًا.
[م-١٨٥٤] اختلفوا في الهبة للجنين على قولين:
القول الأول:
لا تصح الهبة للحمل، وتصح الوصية له، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
وجه القول بعدم الصحة:
تعليل الحنفية:
بأن الهبة تمليك منجز، يشترط لها القبول والقبض، ولا يتصور ذلك من الجنين، ولا يلي عليه أحد حتى يقبض عنه، بخلاف الوصية، فإن الوصية استخلاف من وجه؛ لأنه يجعله خليفة في بعض ماله، والجنين يصلح خليفة في الإرث فكذا في الوصية لأنها أخته إلا أنها ترتد بالرد لما فيها من معنى التمليك (٢).
جاء في غمز عيون البصائر: «ولا تصح الهبة للحمل؛ لأن الهبة من شرطها القبول والقبض، ولا يتصور ذلك من الجنين، ولا يلي عليه أحد حتى يقبض عنه، فصار كالبيع.
стр. 9070
قلت ـ القائل أبو العباس الحموي ـ: فقد أفاد ﵀ أنه لا ولاية على الجنين لأحد أصلًا، وبه ظهر خطأ من أفتى أن الوصي يملك التصرف في المال الموقوف للحمل والله أعلم (انتهى)» (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: «ولا تصح الهبة للحمل؛ لعدم قبضه، ولا ولاية لأحد عليه ليقبض عنه» (٢).
تعليل الشافعية .
جاء في حاشية الشرواني: «قوله: لأنها تمليك .. إلخ يؤخذ منه امتناع الهبة للحمل وهو ظاهر؛ لأنه لا يمكن تملكه، ولا تمليك الولي له لعدم تحققه» (٣).
تعليل الحنابلة:
بأن الوصية للحمل هبة معلقة على خروجه حيًا، والهبة لا تقبل التعليق.
جاء في مطالب أولي النهى: ولا تصح الهبة لحمل؛ لأن تمليكه تعليق على خروجه حيًا، والهبة لا تقبل التعليق» (٤).
القول الثاني:
تصح الهبة للحمل، فإن ولد حيًا وعاش كان ذلك له، وإن استهل صارخًا،