الشرط الثاني
في اشتراط وجود الموهوب له
الهبة للمعدوم في حكم الهبة المعلقة أو المضافة.
[م-١٨٥٣] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون الموهوب له موجودًا على قولين:
القول الأول:
يشترط في الموهوب له أن يكون موجودًا تحقيقًا وقت الهبة، فلو قال: وهبت هذا المال لابن فلان، ولم يوجد لفلان ولد وقت الهبة فإن الهبة باطلة، وهذا مذهب الجمهور (١).
وإذا كان هؤلاء قد منعوا الهبة للحمل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المبحث التالي مع كونه موجودًا ومنعوا الوصية للمعدوم مع أنها على التراخي، فمن باب أولى أن يمنعوا الهبة المنجزة للمعدوم.
وجه القول بعدم الصحة:
الوجه الأول:
أن الهبة تمليك، وتمليك المعدوم ممتنع.
стр. 9067
الوجه الثاني:
قياس الهبة على الميراث، فالميراث لا يثبت إلا لمن كان موجودًا وقت موت المورث، فكذلك الهبة.
ونوقش هذا:
بأن القياس غير صحيح لوجود الفرق بين الملك بالميراث والملك بالهبة، منها:
أن الميراث يملك قهرًا بدون اختيار، والهبة لا تملك إلا بقبول الموصى له، ويتفرع على هذا أن الهبة من باب التبرعات فيتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها، وليس الميراث كذلك فليس لأحد إسقاطه، والملك بالهبة أوسع من الملك بالميراث، فتصح الهبة للذمي، ولمن لا يملك كالمسجد بخلاف الميراث.
القول الثاني:
تصح الهبة لمن سيوجد، فإذا وجد الملتزم له، وكان المتلزم حيًا لم يفلس، والملتزم بيده لم يفوته، صحت الهبة له، وهذا مذهب المالكية.
جاء في فتح العلي المالك: «ومن التزم لمن سيوجد بشيء صح الالتزام إذا وجد الملتزم له، والملتزم حي لم يفلس، وكان الشيء الملتزم به بيده لم يفوته، كما لو قال شخص إن ظهر لفلان ولد فهذه الدار له، أو هذا العبد أو هذا الثوب ونحو ذلك فإن أراد الملتزم تفويته ببيع أو غيره قبل وجود الملتزم له فالظاهر من قول مالك أن ذلك له» (١).
стр. 9068
دليل من قال: تصح الهبة للمعدوم:
الدليل الأول:
قياس الهبة على الوقف، فإذا صح الوقف على من سيولد من آل فلان، وهو معدوم، صحت الهبة للمعدوم.
الدليل الثاني:
أن الشارع اعتبر المعدوم كالموجود في بعض الأحكام، فيلحق بها الهبة، من ذلك:
دية القتيل تورث عنه، وهي لا تجب إلا بموته، والتركة لا تورث عن الإنسان إلا إذا دخلت في ملكه قبل موته، فيقدر دخولها قبل موته.
ومنها أن الجنين تنفخ فيه الروح بعد ستة أسابيع على حديث جابر في مسلم، أو بعد ستة عشر أسبوعاً على حديث ابن مسعود في الصحيحين، وقبل ذلك لا توجد فيه روح، ومع ذلك يعتبر الجنين بحكم الحي في الوصية له، والوقف عليه ولو كان نطفة إذا انفصل حيًا وإن كان حين الوصية له والوقف عليه لا يوصف بالحياة البشرية، أو أن حياته كحياة النبات؛ لعدم نفخ الروح فيه.
الراجح:
باب الهبات أوسع من عقود المعاوضات، فأرى أنه لا حرج في الهبة للمعدوم، وإذا وجد، وأمكن إقباضه، أو إقباض وليه مضت، وإلا بطلت، والله أعلم.
* * *
стр. 9069
مبحث
في الهبة للحمل
الهبة للحمل معلقة على خروجه حيًا.
[م-١٨٥٤] اختلفوا في الهبة للجنين على قولين:
القول الأول:
لا تصح الهبة للحمل، وتصح الوصية له، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
وجه القول بعدم الصحة:
تعليل الحنفية:
بأن الهبة تمليك منجز، يشترط لها القبول والقبض، ولا يتصور ذلك من الجنين، ولا يلي عليه أحد حتى يقبض عنه، بخلاف الوصية، فإن الوصية استخلاف من وجه؛ لأنه يجعله خليفة في بعض ماله، والجنين يصلح خليفة في الإرث فكذا في الوصية لأنها أخته إلا أنها ترتد بالرد لما فيها من معنى التمليك (٢).
جاء في غمز عيون البصائر: «ولا تصح الهبة للحمل؛ لأن الهبة من شرطها القبول والقبض، ولا يتصور ذلك من الجنين، ولا يلي عليه أحد حتى يقبض عنه، فصار كالبيع.
стр. 9070
قلت ـ القائل أبو العباس الحموي ـ: فقد أفاد ﵀ أنه لا ولاية على الجنين لأحد أصلًا، وبه ظهر خطأ من أفتى أن الوصي يملك التصرف في المال الموقوف للحمل والله أعلم (انتهى)» (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: «ولا تصح الهبة للحمل؛ لعدم قبضه، ولا ولاية لأحد عليه ليقبض عنه» (٢).
تعليل الشافعية .
جاء في حاشية الشرواني: «قوله: لأنها تمليك .. إلخ يؤخذ منه امتناع الهبة للحمل وهو ظاهر؛ لأنه لا يمكن تملكه، ولا تمليك الولي له لعدم تحققه» (٣).
تعليل الحنابلة:
بأن الوصية للحمل هبة معلقة على خروجه حيًا، والهبة لا تقبل التعليق.
جاء في مطالب أولي النهى: ولا تصح الهبة لحمل؛ لأن تمليكه تعليق على خروجه حيًا، والهبة لا تقبل التعليق» (٤).
القول الثاني:
تصح الهبة للحمل، فإن ولد حيًا وعاش كان ذلك له، وإن استهل صارخًا،
стр. 9071
ثم مات كانت لورثته، وإن خرج ميتًا كانت الهبة على ملك صاحبها، وهذا مذهب المالكية، وقول ابن عقيل من الحنابلة.
جاء في فتح العلي المالك: «يصح الالتزام للحمل، ولمن سيوجد كما تصح الصدقة عليه، والهبة» (١).
وجاء في قواعد ابن رجب عن استحقاق الحمل من الوقف: «قال ابن عقيل: يثبت له استحقاق الوقف في حال كونه حملًا، حتى صحح الوقف على الحمل ابتداء، وقياس قوله في الهبة كذلك؛ إذ تمليك الحمل عنده تمليك منجز لا معلق» (٢).
الراجح:
صحة الهبة للحمل؛ إلا أنه لا يثبت له الملك إلا إذا استهل صارخًا، والله أعلم.
* * *
стр. 9072
الشرط الثالث
في اشتراط أن يكون الموهوب له معينا
يصح الإبهام في الهبة إذا قام الواهب بالبيان.
[م-١٨٥٥] يشترط في الموهوب له أن يكون معينًا، فإن كان الموهوب له غير معين، كما إذا قال الواهب: وهبت داري لفلان، أو أخيه ففي ذلك خلاف في صحة الهبة.
القول الأول: أن الهبة باطلة .
وجه القول بالبطلان:
أن الهبة تمليك العين في الحال، والمبهم لا يمكن تمليكه لا بنفسه، ولا بوليه (١).
وجاء في مطالب أولي النهى: «ولا تصح البراءة مع إبهام المحل الوارد عليه الإبراء كأبرأت أحد غريمي، أو أبرأت غريمي هذا من أحد ديني، كوهبتك أحد هذين العبدين أو كفلت أحد الدينين» (٢).
القول الثاني:
تصح الهبة، ويطالب بالتعيين.
جاء في الأسئلة والأجوبة الفقهية: يصح الإبراء ... ويطالب بالبيان (٣).
стр. 9073
وجاء في المحيط البرهاني في الفقه النعماني: «رجل له على رجل ألف درهم ... وألف درهم غلة فقال: وهبت منك إحدى هذين الألفين يجوز، والبيان إليه» (١).
وإذا صح التخيير في الموهوب صح التخيير في الموهوب له؛ لأنه أحد أركان الهبة، والله أعلم.
وهذا عندي أصح، والله أعلم.
* * *
стр. 9074
الفصل الثالث
في شروط الموهوب
الشرط الأول
في اشتراط كون الموهوب مالا
كل ما يقبل الاختصاص ويباح الانتفاع به فهبته صحيحة.
يصح في التبرع ما لا يصح في المعاوضة.
تناولنا خلاف العلماء في حقيقة المال في عقد البيع، وبينا الخلاف بين الجمهور والحنفية في حقيقته، فالمنافع والديون لا تعتبر مالًا عند الحنفية خلافًا للجمهور، ولا يشترط لمالية الأعيان طهوريتها عند الحنفية، فالسرجين النجس مال عندهم، يجوز بيعه، خلافًا للجمهور، والكلب مال متقوم عند الحنفية مطلقًا معلمًا كان أو غير معلم، وليس مالًا عند الشافعية والحنابلة مطلقًا، ويفرق المالكية بين المعلم وغيره.
لهذا ونحن نبحث اشتراط مالية الموهوب ينبغي أن نتصور كل هذا الخلافات بين الفقهاء.
[م-١٨٥٦] ولما كان في عقد البيع تشترط مالية العوضين؛ لأن البيع قائم على مبادلة المال بمثله، فهل تشترط المالية في عقود التبرعات كالهبة والوصية؟
أو أن عقود التبرع أوسع من عقود المعاوضة، فإذا وهب ما ليس مالًا، كما لو تبرع بالدم على القول بنجاسته، أو وهب كلبًا، أو وهب ما لا يصح بيعه
стр. 9075
كالمجهول، والمعدوم، وما لا يقدر على تسليمه، أو وهب منفعة غير مالية، كضراب الفحل، كانت الهبة صحيحة.
والخلاف في الهبة كالخلاف في الوصية بجامع أن كلًا منهما عقد تبرع، إلا أن الوصية تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، والهبة تبرع ناجز.
ولهذا قال ابن قدامة: «تجوز هبة الكلب، وما يباح الانتفاع به من النجاسات؛ لأنه تبرع، فجاز في ذلك، كالوصية» (١).
فقاس ابن قدامة الهبة على الوصية.
وقال الغزالي: «وفي هبة الكلب وجهان
أحدهما الجواز كالوصية» (٢).
إذا علم ذلك نأتي على خلاف العلماء في اشتراط المالية للموهوب، وهل تقاس الهبة على البيع فتشترط في الموهوب المالية، أو تقاس الهبة على الوصية فلا تشترط المالية، في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
يشترط في الموهوب أن يكون مالًا، وهذا مذهب الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، ورجحه إمام الحرمين، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (٣).
قال الكاساني في ذكر شروط الموهوب: «ومنها: أن يكون مالًا متقومًا، فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلًا، كالحر، والميتة، والدم، وصيد الحرم،
стр. 9076
والإحرام، والخنزير، وغير ذلك على ما ذكرنا في البيوع، ولا هبة ما ليس بمال مطلق، كأم الولد، والمدبر المطلق، والمكاتب؛ لكونهم أحرارًا من وجه، ولهذا لم يجز بيع هؤلاء، ولا هبة ما ليس بمتقوم، كالخمر ولهذا لم يجز بيعها» (١).
قال النووي في روضة الطالبين: «يجري الوجهان في هبة الكلب، وجلد الميتة قبل الدباغ، والخمر المحترمة، والأصح من الوجهين في هذه الصور كلها البطلان، قياسًا على البيع.
والثاني: الصحة، لأنها أخف من البيع. قال الإمام: من صحح فيها، فحقه تصحيحها في المجهول والآبق كالوصية» (٢).
وفي أسنى المطالب: «قال الجرجاني: حكم الهبة في الاستتباع حكم البيع، فما تبع فيه تبع فيها» (٣).
وقال إمام الحرمين: «تردد الأصحاب في أمور نرسلها، ثم ننبه على حقيقتها:
فذكر بعضهم في صحة هبة الكلب خلافًا، وأورد الشيخ أبو علي هذا، ونحوا بالهبة في الكلب نحو الوصية به، وهذا بعيد جدًا، وحق هذا الإنسان أن يطرد هذا الخلاف في المجاهيل وغيرها، مما تصح الوصية به، ويمتنع بيعه، ولا شك أنهم يلزمون طرد هذا في الجلد قبل الدباغ، والخمر المحترمة، وكل ما
стр. 9077
يثبت فيه حق الاختصاص إذا صحت الوصية؛ فإن الهبة تبرع ناجز والوصية تبرع مضاف إلى ما بعد الموت وكان شيخي لا يعرف هذا، وينزل الهبة منزلة البيع» (١).
وجاء في الإنصاف: «وقوله: (وكل ما يجوز بيعه) يعني: تصح هبته. وهذا صحيح، ونص عليه، ومفهومه: أن ما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته. وهو المذهب» (٢).
القول الثاني:
لا تشترط المالية، فكل ما يختص به مستحقه من الانتفاع به، وإن لم يكن مالًا يجوز نقل اليد فيه بالهبة، وهو مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وجزم به المتولي منهم، ومذهب الحنابلة (٣).
ونقصد بالاختصاص ما عرفه ابن رجب بقوله: «هو عبارة عمّا يختص مستحقه بالانتفاع به، ولا يملك أحدٌ مزاحمته، وهو غير قابل للشمول والمعاوضات» (٤).
وقال العلائي: الاختصاص ضربان:
اختصاص فيما لا يقبل الملك: كالجلد النجس قبل الدباغ، والكلاب ونحوها.
стр. 9078
وثانيهما: اختصاص فيما يقبل الملك كالاختصاص في إحياء الموات بالتحجير» (١).
فالاختصاص أوسع من الملك ولهذا يثبت فيما لا يُملك من النجاسات كالكلب، والزيت النجس، وجلد الميتة ونحوه
جاء في شرح ميارة نقلًا من الجواهر: «تصح الوصية بكل مملوك يقبل النقل» (٢).
وهذا النص وإن كان في الوصية فالهبة مقيسة عليها كما تقدم.
وما يقبل النقل أعم من كونه مالًا، فكل ما يقبل الاختصاص، ويباح الانتفاع به فتجوز هبته، وإن كان قد لا يصح بيعه، فالمالية شرط لصحة البيع، وأما الهبة فمدار جوازها على الاختصاص وإباحة الانتفاع، والانتفاع أوسع من البيع، وسواء قلنا: إن الهبة تمليك أو نقل لليد، فالعبرة بالمعنى وليس اللفظ، فهي إن كانت تمليكًا فهي بلا عوض، والأعيان التي لا يصح بيعها إنما حرم أخذ الثمن عليها، وهذا غير موجود في الهبة، وإذا أذن الشارع باقتناء الكلب المعلم بشرطه، ونهى عن بيعه فإنه لا سبيل إلى الحصول على الكلب لمن احتاج إليه إلا عن طريق التبرع، ومثله لمن احتاج إلى التبرع بالدم، فإن الشارع نهى عن ثمن الدم، فلا طريق للحصول عليه إلا عن طريق التبرع به، ومثله هبة الفحل للضراب، فإذا منع الشارع المعاوضة على عسب الفحل فلا سبيل إلى قضاء حاجة الناس إلا بالتبرع.
стр. 9079
وإن قلنا: إن الهبة نقل لليد، وانتقال للاختصاص من الواهب للموهوب له، فالمعنى غير بعيد.
جاء في أسنى المطالب: «أما هبة الكلب ونحوه على إرادة نقل اليد، لا التمليك فجائزة» (١).
وجاء في الشرح الكبير على المقنع: «وتصح هبة الكلب، وما يباح الانتفاع به من النجاسات لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وقيل: تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات، جزم به الحارثي، وتصح هبة الكلب. جزم به في المغني، والكافي، والشرح. واختاره الحارثي ..... لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز، كالوصية ..... ونقل حنبل فيمن أهدى إلى رجل كلب صيد ترى أن يثيب عليه؟
قال: هذا خلاف الثمن. هذا عوض من شيء. فأما الثمن: فلا ....
وقيل: تصح أيضا هبة جلد الميتة. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولًا واحدًا» (٣).
الراجح:
صحة هبة ما يباح الانتفاع به وإن كان لا يجوز بيعه، فالهبات أوسع من المعاوضات، والله أعلم.
* * *
стр. 9080
الشرط الثاني
أن يكون الموهوب موجودا
التصرف في المعدوم معلق على وجوده.
تصح هبة المجهول والمعدوم إذا كان متوقع الوجود.
[م-١٨٥٧] اختلف العلماء في اشتراط أن يكون الموهوب موجودًا وقت الهبة على قولين:
القول الأول:
يشترط أن يكون الموهوب موجودًا وقت الهبة، وهذا مذهب الجمهور، واختيار ابن حزم (١).
قال الكاساني، وهو يذكر شروط الموهوب: «أن يكون موجودًا وقت الهبة، فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد، بأن وهب ما يثمر نخله العام، وما تلد أغنامه السنة، ونحو ذلك، بخلاف الوصية.
стр. 9081
والفرق: أن الهبة تمليك للحال، وتمليك المعدوم محال. والوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، والإضافة لا تمنع جوازها» (١).
وجاء في قواعد الأحكام: «الشرع منع من بيع المعدوم وإجارته، وهبته لما في ذلك من الغرر، وعدم الحاجة» (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا تصح هبة المعدوم كالذي تثمر شجرته، أو تحمل أمته؛ لأن الهبة عقد تمليك لم تصح في هذا كله كالبيع» (٣).
وقال ابن حزم: «لا تجوز هبة إلا في موجود معلوم، معروف القدر والصفات والقيمة، وإلا فهي باطل مردودة» (٤).
دليل من قال: لا تصح هبة المعدوم:
الدليل الأول:
أن الهبة تمليك ناجز، ولا تمليك للمعدوم.
ويناقش:
بأن هذا القول دعوى في محل النزاع، فلم تثبت، والهبة تمليك في الحياة، وقد تكون ناجزة، وقد تكون معلقة، وإذا علقت الهبة على الوجود صح هبة المعدوم.
الدليل الثاني:
كل ما لا يصح بيعه لا تصح هبته، وبيع المعدوم باطل، فكذلك هبته.
стр. 9082
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم قياس الهبة على عقد البيع، فعقود التبرع أوسع من عقود المعاوضات.
الوجه الثاني:
لو صح القياس فلا نسلم أن بيع المعدوم باطل، بل فيه خلاف بين أهل العلم، وقد عرضت الخلاف فيه في عقد البيع، ورجحت صحته إذا سلم من الغرر، وهو قول ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن القيم: «ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة؛ فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر وهو: ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجوداً أو معدوماً، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد إن كان موجوداً؛ إذ موجب البيع تسليم المبيع فإذا كان البائع عاجزًا عن تسلميه فهو غرر، ومخاطرة، وقمار، فإنه لا يباع إلا بوكس، فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع، وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهي عنه للغرر لا للعدم، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة، أو هذه الشجرة؛ فالبيع لا يعرف وجوده ولا قدره ولا صفته؛ وهذا من الميسر الذي حرمه الله ورسوله» (١).
стр. 9083
الدليل الثالث:
أن التصرف يستدعي متصرفًا فيه، ولم يوجد.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
التصرف في المعدوم معلق على الوجود، فإذا وجد الموهوب تم التصرف، وهذا بحد ذاته لا يبطل الهبة على الصحيح؛ لأن التعليق في الهبة، بل وفي سائر العقود لا يفسدها على الصحيح، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن عقد السلم والاستصناع والمزارعة تصرف في أشياء لم توجد، فالهبة مثلها.
الدليل الرابع:
أن هبة المعدوم تنطوي على غرر، والغرر ممنوع:
ويناقش:
إذا كان الغرر في المعدوم هو في عدم الحصول عليه، فهذا لا غرر فيه؛ لأن الموهوب له إذا فاته الموهوب لم يقع عليه ضرر؛ لأنه يأخذ الهبة بلا عوض فالموهوب له إما غانم وإما سالم، فليس هذا من باب الميسر الدائر بين الغرم والغنم، بل بين الغنم والسلامة، فإذا وهبه ما تنتج هذه الأرض قبل نتاجها، فإن وجد الموهوب أخذه الموهوب له وحصل على ما يريد؛ وإن لم يوجد فلا ضرر عليه، بخلاف الغرر في عقود المعاوضات.
стр. 9084
وإن كان الغرر في هبة المعدوم هو في مقداره فهذا إنما يقع في هبة المجهول، وليس في هبة المعدوم؛ لأن المعدوم قد يعرف مقداره، لكنه لا يقدر على تسليمه وقت الهبة إلى حين وجوده، وهذا لا غرر فيه.
القول الثاني:
يصح هبة المعدوم وقت الهبة إذا كان متوقع الوجود، وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (١).
قال ابن رشد: «ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود» (٢).
وقال ابن تيمية: «وتصح هبة المعدوم كالثمر واللبن بالسنة، واشتراط القدرة على التسليم فيه نظر» (٣).
حجة القول بجواز هبة المعدوم:
هناك فرق بين عقود المعاوضات وعقود التبرع؛ إذ يتوسع في عقود التبرعات ما لا يتوسع في عقود المعاوضات؛ وذلك لأن عقود المعاوضات المقصود منها تنمية المال واستثماره؛ لهذا منع فيه الغرر والجهالة، بخلاف عقود التبرعات فهي لا تقوم على تنمية المال بل على بذله، حيث لا عوض فيها، لهذا اغتفر فيها الغرر والجهالة.
стр. 9085
قال ابن رشد: «إنما نهينا عن بيع الغرر، والهبة إنما هي على وجه المعروف والتبرر، لا يقصد بها تقامرًا ولا تغابنا» (١).
ولأن هبة المعدوم يكون الموهوب له دائرًا بين الغنم والسلامة، فلا ضرر على الموهوب له فيما لو فاته الموهوب، كما سبق بيانه.
الراجح:
صحة هبة المعدوم، وتكون الهبة معلقة على وجوده، فإن وجد، ولم يرجع الواهب، وقبض الموهوب له الهبة فقد تمت، وإلا بطلت، والله أعلم.
* * *
стр. 9086
الشرط الثالث
في اشتراط العلم بالموهوب
الغرر لا يضر في التبرعات.
العقد إذا لم يتضمن عوضًا لم تؤثر فيه الجهالة والغرر.
اختلف العلماء، هل يشترط العلم بالموهوب قدرًا وصفة، أو تصح الهبة ولو كان الموهوب مجهولًا، كما لو وهب رجل نصيبه من الميراث قبل وقوفه على مقداره؟
والخلاف فيه راجع إلى الخلاف في تأثير الغرر على عقد الهبة:
فمن قال: إن الغرر يؤثر في صحة الهبة، منع من هبة المجهول، كما منع من هبة المعدوم، والتي سبق مناقشتها في الفصل السابق.
ومن قال: إن الغرر لا تأثير له في عقود التبرع لم يمنع من هبة المجهول، كما لم يمنع من هبة المعدوم.
[م-١٨٥٨] إذا علم ذلك نأتي على الخلاف في هبة المجهول:
القول الأول:
لا تصح هبة المجهول، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
стр. 9087
وقيد الحنابلة المنع بالمجهول الذي لا يتعذر علمه، فأما ما تعذر علمه فتصح هبته على الصحيح من المذهب.
قال السرخسي: «وإن قال أحد الشريكين لرجل: قد وهبت لك نصيبي من هذا العبد فاقبضه، ولم يسمه له، ولم يعلمه إياه: لم يجز؛ لجهالة الموهوب، وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة بينه وبين الشريك الآخر، ولأن المجهول لا يجوز تمليكه بشيء من العقود قصدًا» (١).
وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يلزم أن يكون الموهوب معلومًا معينًا، بناء عليه لو قال الواهب لا على التعيين: قد وهبت شيئًا من مالي، أو وهبت أحد هاتين الفرسين لا يصح ... » (٢).
وجاء في الحاوي: «وأما الشيء الموهوب: فهو كل شيء صح بيعه جازت هبته، وذلك ما اجتمعت عليه أربعة أوصاف: أن يكون مملوكًا ... وأن يكون معلومًا ... فإن كان مجهولًا لم يجز» (٣).
وقال ابن قدامة: «قال أحمد، في رواية أبي داود، وحرب: لا تصح هبة المجهول. وقال في رواية حرب: إذا قال: شاة من غنمي. يعني: وهبتها لك. لم يجز. وبه قال الشافعي.
ويحتمل أن الجهل إذا كان في حق الواهب، منع الصحة؛ لأنه غرر في حقه
стр. 9088
وإن كان من الموهوب له، لم يمنعها؛ لأنه لا غرر في حقه، فلم يعتبر في حقه العلم بما يوهب له، كالموصى له» (١).
وهذا يمكن أن يكون قولًا ثالثًا في المسألة لو أن ذلك كان قولًا منسوبًا، وإنما ذكره ابن قدامة احتمالًا، فإن قيل به، فهو أقوى من القول بالمنع مطلقًا.
القول الثاني:
تصح هبة المجهول، وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية من الحنابلة، ورجحه ابن حزم (٢).
قال ابن رشد: «ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود» (٣).
وقال ابن تيمية: «وتصح هبة المجهول، كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وجد شيئًا من مالي فهو له. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه» (٤).
وذكر في مجموع الفتاوى نزاع العلماء في هبة المجهول، ثم قال: «ومذهب مالك في هذا أرجح» (٥).
стр. 9089
حجة من قال: لا تصح هبة المجهول:
الوقوع في الغرر، وذلك أن الواهب إذا كان لا يعرف مقدار ما وهب كان ذلك غررًا في حقه، والغرر باطل.
والقاعدة: أن كل ما لا يصح بيعه لا تصح هبته، والمجهول لا يصح بيعه، فكذلك هبته.
ولأن الهبة من عقود التمليك، والجهالة في عقود التمليك مؤثرة.
ويناقش:
بأن النهي عن الغرر ورد في البيوع، ولم يرد النهي عنه في التبرعات، وسوف نذكر في أدلة المالكية وجه كون الغرر في عقود التبرع مغتفرًا، فانظره في أدلة القول الثاني.
دليل من قال: تصح هبة المجهول:
الدليل الأول:
أجمع أهل العلم أن من أوصى بجزء من ماله، الثلث فدونه، وهو لا يعرف مبلغه من الوزن والقدر، أنه جائز ماض (١).
قلت: وإذا صح هذا في الوصية فالهبة قياس عليها، بجامع أن كلًا منهما من عقود التبرع.
الدليل الثاني:
(ح-١١١٨) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني
стр. 9090
عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، بل ترد علينا نساؤنا وأبناؤنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ... الحديث (١).
[حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أعطاهم ما كان له ولبني عبد المطلب، ولم يقف على مقداره، وهو دليل على صحة هبة المجهول.
стр. 9091
الدليل الثالث:
(ح-١١١٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومئونة عاملي فهو صدقة (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن رشد: «ولا خلاف بين الناس، أن النبي ﵇ قال: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة، وهو شيء لا تعلم حقيقته؛ لأن نفقة النساء تزيد وتنقص، وكذلك مؤونة العامل قد تكثر في عام، وتقل في آخر؛ وهذا في فدك وخيبر وبني النضير» (٢).
ويجاب:
قد يقال: بأن هذا ليس هبة مبتدأة حتى يقال: هذه هبة مجهولة، وإنما هو بيان لمصرف مال الوقف، والموقوف معلوم.
الدليل الرابع:
(ح-١١٢٠) ما رواه البخاري من طريق روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا. فلما قبض رسول الله ﷺ وجاء مال البحرين، قال أبو بكر: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليأتني، فأتيته فقلت: إن رسول الله ﷺ قد كان قال لي:
стр. 9092
لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا. فقال لي: احثه، فحثوت حثية، فقال لي: عدها، فعددتها فإذا هي خمس مائة، فأعطاني ألفا وخمس مائة (١).
الدليل الخامس:
التصرفات نوعان: منها ما هو معاوضة صرفة، يقصد منه تنمية المال واستثماره، فهذا إذا ما فات شيء منه بالغرر والجهالة ضاع المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه.
ومنها ما هو إحسان محض، لا يقصد منه تنمية المال كالصدقة، والهبة، والإبراء، فهذا إذا ما فات منه شيء على الموهوب لا يقع عليه ضرر؛ لأنه لم يبذل شيئًا في مقابل الحصول عليه، فاقتضت حكمة الشرع التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك سبب لكثرة وقوعه، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله.
قال ابن رشد: «إنما نهينا عن بيع الغرر، والهبة إنما هي على وجه المعروف والتبرر، لا يقصد بها تقامرًا ولا تغابنا» (٢).
الراجح:
أن الجهالة لا تؤثر في عقود التبرعات، بخلاف عقود المعاوضات القائمة على تنمية المال واستثماره، والله أعلم.
* * *
стр. 9093
مبحث
في هبة المرهون
التصرف في عين تعلق بها حق للغير كتصرف الفضولي وهبة المرهون ينعقد موقوفًا على إجازة ذلك الغير.
[م-١٨٥٩] إذا وهب الراهن الرهن، فهل تصح هبته باعتبار أن الرهن مملوك للراهن، أولا تصح الهبة لتعلق حق المرتهن في هذا المال في حال عجز الراهن عن السداد؟
وللجواب على ذلك نقول: تصرف الراهن ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول:
أن يكون تصرفه قبل أن يقبض المرتهن الرهن، ففي هذا خلاف بين العلماء،
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف إلى اختلافهم في الرهن، هل يلزم بالعقد كالبيع، فيجبر على دفع الرهن كما يجبر البائع على دفع ما باع إذا قبض الثمن، أو لا يلزم الرهن إلا بالقبض، ولا يجبر الراهن على دفع الرهن، وله أن يمتنع عن ذلك؟
القول الأول:
ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وعليه فلو تصرف الراهن في الرهن قبل قبض المرتهن فإن تصرفه صحيح ونافذ، ولو لم يأذن المرتهن (١).
стр. 9094
حجة هذا القول:
قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
فقوله: (مقبوضة) وصف لازم كقولك: ساحة واسعة، فإن الاتساع وصف لازم، فوجب بلزومه أن يكون كالشرط فيها، وهذا يقتضي أن الرهن لا يكون إلا مقبوضًا، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يقتضي أن العتق في هذه الكفارة لا يجزئ إلا بشرط الإيمان في الرقبة، فكذلك الرهن (١).
القول الثاني:
أن الرهن يلزم بالعقد، ويتم بالقبض، ويجبر الراهن على دفع الرهن إن امتنع من ذلك، وهذا مذهب المالكية، قياسًا على البيع (٢).
وحجتهم:
أن الرهن كسائر العقود تلزم بالقول.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
فإما أن تكون الآية خبرًا وإما أن تكون أمرًا.
فإن كانت خبرًا كان القبض شرطًا لامتناع أن يقع الخبر بخلاف المخبر.
وإن كانت أمرًا فهو على وجوبه، والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
стр. 9095
ومع قول المالكية: إن الرهن يلزم بالعقد، فلهم تفصيل في تصرف الراهن بالرهن قبل القبض، وتفصيله كالتالي:
إن كان المرتهن قد فرط في طلب الرهن حتى تصرف فيه الراهن فإن تصرفه نافذ، ويصير دينه بلا رهن.
قال ابن القصار وغيره: العلة في إمضاء بيع الرهن لرهنه تفريطه في قبضه، وتوانيه في طلبه، مع علمه أنه باق على ملك الراهن، وتحت يده، والمالك يتصرف في ملكه متى شاء، فصار المرتهن كالآذن له في بيع الرهن، ولو لم يكن من المرتهن توان، ولا تفريط في قبض الرهن لكان له مقال في رد البيع (١).
وإن لم يفرط في الطلب، وكان جادًا في المطالبة ففي مذهب المالكية قولان:
القول الأول:
أن للمرتهن إبطال هذا التصرف إن أراد ما لم يفت. وهذا قول ابن القصار من المالكية.
القول الثاني:
أن التصرف نافذ، وهذا القول لابن أبي زيد القيرواني وابن رشد، إلا أنهم اختلفا فيما إذا كان للمرهون بدل، كما لو كان التصرف بالبيع.
فقال ابن أبي زيد القيرواني: يؤخذ ثمنه رهنًا مكانه، فات الرهن أو لا.
стр. 9096
وقال ابن رشد: يمضي البيع مطلقًا فرط أم لا، ويخير المرتهن في بيعه الأول، بين فسخه وأخذ سلعته، أو إمضائه وإبقاء دينه بلا رهن (١).
وجه قول ابن رشد:
أنه لما باعه على رهن بعينه، فلما فوته الراهن لم يجبر الراهن على دفع سلعة أخرى؛ لأن العقد وقع على رهن بعينه، فتعلق الحق بذاته، كما لو باع رجل سلعة معينة، فاستحقت، فإنه لا يلزمه دفع سلعة أخرى بدلًا مما استحق، وكان المرتهن أحق بسلعته إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كانت فاتت، إلا أن يرضى أن يبقى دينه بلا رهن.
القسم الثاني:
أن يكون تصرف الراهن بعد أن قبض المرتهن الرهن، ففي تصرف الراهن بالرهن خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
لا يجوز تصرف الراهن بدون إذن المرتهن، فإن تصرف فيه بالهبة أو بالبيع، كان تصرفه موقوفًا على إجازة المرتهن، وهذا مذهب الحنفية (٢).
جاء في تحفة الفقهاء: «لا يجوز للراهن أن يتصرف فيه تصرفًا يبطل حق المرتهن، من البيع، والإجارة، والهبة وغيرها» (٣).
стр. 9097
وجاء في العناية شرح الهداية: «اختلف عبارة محمد ﵀ فيه. في موضع قال: بيع المرهون فاسد. وفي موضع قال: جائز. والصحيح أنه جائز موقوف. وقوله فاسد محمول على ما لم يجز، فإن القاضي يفسده إذا خوصم إليه» (١).
جاء في بدائع الصنائع: «وليس له أن يهبه من غيره، أو يتصدق به على غيره بغير إذنه ... ولو فعل توقف على إجازة المرتهن، إن رده بطل، وله أن يعيده رهنًا، وإن أجازه، جازت الإجازة؛ لما قلنا، وبطل عقد الرهن؛ لأنه زال عن ملكه لا إلى خلف» (٢).
حجة الحنفية على كون العقد موقوفًا على الإجازة:
الراهن مالك للمرهون، إلا أن المرهون قد تعلق به حق للمرتهن، فكان القياس أن يراعى حق المالك، وحق المرتهن، فيبقى موقوفًا على إجازة المرتهن قياسًا على تصرف الفضولي.
ولأن الهبة تتوقف على التسليم، والواهب لا يقدر على تسليم الرهن، وهو في يد المرتهن إلا بإذنه وإجازته.
القول الثاني:
ليس للراهن التصرف في الرهن بغير إذن المرتهن، فإن تصرف كان تصرفه باطلًا، فإن تصرف بإذن الراهن كان تصرفه نافذًا، ومبطلًا لحقه، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
стр. 9098
قال ابن قدامة: «وإن تصرف الراهن بغير العتق، كالبيع، والإجارة، والهبة، والوقف، والرهن، وغيره فتصرفه باطل؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية فلم يصح بغير إذن المرتهن، كفسخ الرهن، فإن أذن فيه المرتهن صح، وبطل الرهن؛ لأنه أذن فيما ينافي حقه فيبطل بفعله كالعتق» (١).
وجه القول بعدم الصحة:
أن هذا التصرف يسقط حق المرتهن في الاستيفاء عند عجز الراهن عن السداد، وهذا لا يجوز إلا بإذن صاحب الحق.
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن من رهن رهنًا في دين عليه، ثم وهبه لأجنبي:
فإن رضي المرتهن صحت الهبة مطلقا، قبل قبض الرهن وبعده، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، وسواء كان الدين مما يقبل التعجيل، أو لا.
وإن لم يرض المرتهن بالهبة فإن كان الراهن معسرًا كانت باطلة مطلقًا، قبل القبض أو بعده، وسواء كان الدين مما يعجل أم لا.
وإن كان الراهن موسرًا فإن وقعت الهبة قبل قبض الرهن فهي صحيحة.
وإن وقعت الهبة بعد القبض، فإن كان الدين مما يعجل قضي على الراهن بفك الرهن وتعجيل الدين، ودفع الرهن للموهوب له.
стр. 9099
وإن كان مما لا يعجل بقي الرهن للأجل، فإذا قضي الدين بعده، دفع الرهن للموهوب له، وإلا أخذه المرتهن وبطلت الهبة (١).
حجة هذا القول:
كون الهبة صحت لأجنبي إذا رضي المرتهن؛ لأن الحق حقه وقد أسقطه.
وكونها صحت قبل القبض ولو لم يرض المرتهن؛ لأن عدم القبض مظنة تفريطه في قبضه.
وكون الهبة صحت بعد القبض، إذا كان الراهن موسرًا، وكان الدين مما يقبل التعجيل؛ لأنه في هذه الحالة لن يذهب حق المرتهن؛ بل سوف يعجل له حقه.
وأما إذا كان الدين لا يقبل التعجيل، أو كان الراهن معسرًا فإنه ينتظر حتى يحل الأجل، فإذا قضى الدين وفك الرهن أخذ الموهوب له الهبة، وإن لم يقضه لعسر طرأ عليه كان المرتهن أحق به في دينه، وبطلت الهبة (٢).
الراجح:
أن الراهن إذا تصرف في الرهن بيعًا، أو إجارة، أو هبة، أو إعارة، أو رهنًا إلى غير ذلك من التصرفات القابلة للفسخ، فإن صحة هذه التصرفات موقوفة على رضا المرتهن، فإن أجازه المرتهن، أو قام بفك الرهن فإن هذه التصرفات صحيحة، وقد يقال: في صورة بيع الرهن ينفذ البيع، ويؤخذ الثمن رهنًا مقام
стр. 9100
العين إن كان الرهن معينًا، وإن كان الرهن دينًا كما لو كان موصوفًا في الذمة كان مطالبًا بدفع رهن آخر؛ لأن الدين لا يفوت، وهذا القول يحفظ حق المرتهن وحق المشتري، وذلك لأن البدل في البيع في مقابلة المبيع نفسه فيقوم مقامه عند المرتهن لاستوائهما في المالية، إلا أن هذا التفصيل مبني على صحة رهن الدين، وفيه خلاف، سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه في عقد الرهن، بلغني الله ذلك بمنه وكرمه، والله أعلم.
* * *
стр. 9101
الشرط الرابع
في اشتراط أن يكون الموهوب مقسوما غير مشاع
تصح هبة المشاع كبيعه.
[م-١٨٦٠] الملك المشاع ملك صحيح، إلا أنه غير مقسوم، وبيعه صحيح بالاتفاق، وفي هبة المشاع منه ما هو صحيح بالاتفاق، كما لو كان المشاع مما لا يقبل القسمة، كما لو وهب نصف حيوانه مثلًا.
ومنه ما هو محل خلاف، كما لو كان المشاع مما يقبل القسمة، وقد وهبه صاحبه قبل فرزه وقسمته:
وسبب الخلاف في هبته راجع إلى مسألة قبضه، هل يتأتى قبض المشاع قبل قسمته، أو لا يمكن قبضه إلا بعد فرزه وقسمته:
فالحنفية يرون أن القبض في الهبة شرط، والشيوع يمنع القبض.
والجمهور يرون أن قبض كل شيء بحسبه، والشيوع لا يمنع من القبض، بل يحل الموهوب له محل الواهب في ملك الجزء الموهوب بصفته شريكًا، فإذا كان الشيوع لا يمنع من نقل الملك في البيع، وهو صحيح بالاتفاق، لم يمنع من نقل الملك في الهبة.
إذا عرفنا ذلك إجمالًا نأتي إلى ذكر الأقوال على سبيل التفصيل:
القول الأول:
لا تصح هبة المشاع مما يقبل القسمة، وهذا قول الحنفية على خلاف بينهم
стр. 9102
هل هي هبة فاسدة، أو غير تامة، ورجح السرخسي والعيني وابن عابدين الثاني (١).
قال الكرابيسي في الفروق: «وهبة المشاع لا تجوز فيما يقسم، وتجوز فيما لا يقسم» (٢).
وجاء في حاشية ابن عابدين: «وقع الاختلاف في هبة المشاع المحتمل للقسمة، هل هي فاسدة أو غير تامة؟ والأصح كما في البناية أنها غير تامة» (٣).
القول الثاني:
تصح هبة المشاع مطلقًا، من شريكه ومن غيره، منقولًا كان أو غيره، ينقسم أولا، وهذا مذهب الجمهور، واختيار ابن حزم (٤).
قال القرافي: «تجوز ـ يعني الهبة ـ في نصف دار، أو عبد، ويحل محلك ويكون ذلك حوزًا» (٥).
стр. 9103
وقال الماوردي: «ولا فرق بين المحوز والمشاع، سواء كان مما ينقسم ولا ينقسم» (١).
وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وتصح هبة المشاع من شريكه ومن غيره، منقولًا كان أو غيره، ينقسم أولا» (٢).
دليل الحنفية على أن هبة المشاع لا تصح:
الدليل الأول:
استدل الحنفية بما يروى عن النبي أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة (٣).
ويجاب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
قال ابن حجر في الدراية: لم أجده (٤).
وقال الزيلعي في نصب الراية: غريب (٥)، وهذا يعني أنه لا أصل له، وهو مصطلح له في نصب الراية.
وقال العيني: «هذا حديث منكر لا أصل له ... بل هذا الذي ذكره المصنف قول إبراهيم النخعي، رواه عبد الرزاق في مصنفه وقال: أخبرنا سفيان الثوري،
стр. 9104
عن منصور، عن إبراهيم، قال: لا تجوز الهبة حتى تقبض والصدقة تجوز قبل أن تقبض» (١).
الوجه الثاني:
أن الحديث يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة، فظاهره أن القبض شرط في جوازها، والحنفية لا يقولون: إن القبض شرط في الجواز.
قال السرخسي: «الجواز ثابت قبل القبض بالاتفاق» (٢).
الوجه الثالث:
على التسليم بصحة الحديث، فإن قبض كل شيء بحسبه، والشيوع لا يمنع من القبض كما سيأتي بيانه في صفة قبض المشاع، وإذا صحت هبة المشاع مما لا يقبل القسمة، ولم يكن الشيوع مانعًا من القبض، لم يمنع الشيوع من قبض ما يمكن قسمته، وإذا صح بيع المشاع بالاتفاق، فإن القبض في الهبة كالقبض في البيع، والملك يحصل بالهبة كما يحصل بالبيع.
الدليل الثاني:
(ث-٢٦٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك
стр. 9105
جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (١).
[إسناده صحيح].
وجه الاستدلال:
قول أبي بكر: (فلو كنت احتزتيه لكان لك) فدل على أن الحيازة شرط، وأن الشيوع يمنع الهبة.
قال الكاساني: «الحيازة في اللغة: جمع الشيء المفرق في حيز، وهذا معنى القسمة؛ لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة، والقسمة تجمع كل نصيب في حيز» (٢).
ويجاب:
الأثر فيه دليل على صحة هبة المشاع؛ إذ لو كانت هبة المشاع غير جائزة ما وهبه أبو بكر حتى يقسمه، فلما وهبه قبل القسمة دل على صحة هبة المشاع، ولكن الهبة لا تلزم إلا بالقبض لا فرق فيها بين المشاع وغيره، وقبض كل مال بحسبه، والمشاع إذا خلى بينه وبين الموهوب له فقد تم قبضه، وحل الموهوب له محل الواهب.
الدليل الثالث:
(ث-٢٦٩) ما رواه مالك من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن