الشرط الرابع
في اشتراط أن يكون الموهوب مقسوما غير مشاع
تصح هبة المشاع كبيعه.
[م-١٨٦٠] الملك المشاع ملك صحيح، إلا أنه غير مقسوم، وبيعه صحيح بالاتفاق، وفي هبة المشاع منه ما هو صحيح بالاتفاق، كما لو كان المشاع مما لا يقبل القسمة، كما لو وهب نصف حيوانه مثلًا.
ومنه ما هو محل خلاف، كما لو كان المشاع مما يقبل القسمة، وقد وهبه صاحبه قبل فرزه وقسمته:
وسبب الخلاف في هبته راجع إلى مسألة قبضه، هل يتأتى قبض المشاع قبل قسمته، أو لا يمكن قبضه إلا بعد فرزه وقسمته:
فالحنفية يرون أن القبض في الهبة شرط، والشيوع يمنع القبض.
والجمهور يرون أن قبض كل شيء بحسبه، والشيوع لا يمنع من القبض، بل يحل الموهوب له محل الواهب في ملك الجزء الموهوب بصفته شريكًا، فإذا كان الشيوع لا يمنع من نقل الملك في البيع، وهو صحيح بالاتفاق، لم يمنع من نقل الملك في الهبة.
إذا عرفنا ذلك إجمالًا نأتي إلى ذكر الأقوال على سبيل التفصيل:
القول الأول:
لا تصح هبة المشاع مما يقبل القسمة، وهذا قول الحنفية على خلاف بينهم
стр. 9102
هل هي هبة فاسدة، أو غير تامة، ورجح السرخسي والعيني وابن عابدين الثاني (١).
قال الكرابيسي في الفروق: «وهبة المشاع لا تجوز فيما يقسم، وتجوز فيما لا يقسم» (٢).
وجاء في حاشية ابن عابدين: «وقع الاختلاف في هبة المشاع المحتمل للقسمة، هل هي فاسدة أو غير تامة؟ والأصح كما في البناية أنها غير تامة» (٣).
القول الثاني:
تصح هبة المشاع مطلقًا، من شريكه ومن غيره، منقولًا كان أو غيره، ينقسم أولا، وهذا مذهب الجمهور، واختيار ابن حزم (٤).
قال القرافي: «تجوز ـ يعني الهبة ـ في نصف دار، أو عبد، ويحل محلك ويكون ذلك حوزًا» (٥).
стр. 9103
وقال الماوردي: «ولا فرق بين المحوز والمشاع، سواء كان مما ينقسم ولا ينقسم» (١).
وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «وتصح هبة المشاع من شريكه ومن غيره، منقولًا كان أو غيره، ينقسم أولا» (٢).
دليل الحنفية على أن هبة المشاع لا تصح:
الدليل الأول:
استدل الحنفية بما يروى عن النبي أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة (٣).
ويجاب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
قال ابن حجر في الدراية: لم أجده (٤).
وقال الزيلعي في نصب الراية: غريب (٥)، وهذا يعني أنه لا أصل له، وهو مصطلح له في نصب الراية.
وقال العيني: «هذا حديث منكر لا أصل له ... بل هذا الذي ذكره المصنف قول إبراهيم النخعي، رواه عبد الرزاق في مصنفه وقال: أخبرنا سفيان الثوري،
стр. 9104
عن منصور، عن إبراهيم، قال: لا تجوز الهبة حتى تقبض والصدقة تجوز قبل أن تقبض» (١).
الوجه الثاني:
أن الحديث يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة، فظاهره أن القبض شرط في جوازها، والحنفية لا يقولون: إن القبض شرط في الجواز.
قال السرخسي: «الجواز ثابت قبل القبض بالاتفاق» (٢).
الوجه الثالث:
على التسليم بصحة الحديث، فإن قبض كل شيء بحسبه، والشيوع لا يمنع من القبض كما سيأتي بيانه في صفة قبض المشاع، وإذا صحت هبة المشاع مما لا يقبل القسمة، ولم يكن الشيوع مانعًا من القبض، لم يمنع الشيوع من قبض ما يمكن قسمته، وإذا صح بيع المشاع بالاتفاق، فإن القبض في الهبة كالقبض في البيع، والملك يحصل بالهبة كما يحصل بالبيع.
الدليل الثاني:
(ث-٢٦٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك
стр. 9105
جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (١).
[إسناده صحيح].
وجه الاستدلال:
قول أبي بكر: (فلو كنت احتزتيه لكان لك) فدل على أن الحيازة شرط، وأن الشيوع يمنع الهبة.
قال الكاساني: «الحيازة في اللغة: جمع الشيء المفرق في حيز، وهذا معنى القسمة؛ لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة، والقسمة تجمع كل نصيب في حيز» (٢).
ويجاب:
الأثر فيه دليل على صحة هبة المشاع؛ إذ لو كانت هبة المشاع غير جائزة ما وهبه أبو بكر حتى يقسمه، فلما وهبه قبل القسمة دل على صحة هبة المشاع، ولكن الهبة لا تلزم إلا بالقبض لا فرق فيها بين المشاع وغيره، وقبض كل مال بحسبه، والمشاع إذا خلى بينه وبين الموهوب له فقد تم قبضه، وحل الموهوب له محل الواهب.
الدليل الثالث:
(ث-٢٦٩) ما رواه مالك من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن
стр. 9106
عبد الرحمن بن عبد القاري،
أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلًا، ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم، قال: ما لي بيدي، لم أعطه أحدًا، وإن مات هو، قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه. من نحل نحلة، فلم يحزها الذي نحلها، حتى يكون إن مات لورثته، فهي باطل (١).
وجه الاستدلال من هذا الأثر كالاستدلال من الأثر السابق.
ويجاب عنه بما أجيب به الأثر السابق؛ لأن قوله من نحل نحلة، فـ (نحلة) نكرة في سياق الشرط، تعم كل نحلة، وسواء أكانت النحلة مشاعة أم مقسومة، وسواء أكانت عقارًا أم منقولًا، فالأثر دليل على صحة الهبة المشاعة وغير المشاعة وإنما القبض شرط للزومها، وليس لصحتها، والشيوع لا يمنع من القبض كما تقدم، ويكون قبض كل مال شائع بحسبه، من عقار ومنقول.
الدليل الرابع:
أن القبض إذا أطلق فإنما يراد به القبض الكامل، والقبض في المشاع ليس كاملًا، بل هو موجود في وجه دون وجه، وتمام القبض لا يحصل إلا بالقسمة؛ لأن الأنصباء تتميز، وتجتمع، وما لم يجتمع لا يصير محرزًا، أو يكون إحرازًا ناقصًا، فلا يكفي لإفادة الملك.
وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن القبض في الأموال ليس واحدًا بل يختلف من مال لآخر:
стр. 9107
فما ينقل يكون قبضه بنقله، وما لا ينقل من العقارات يكون قبضه بتخليته، وقبض النقود بقبضها باليد، أو تحويلها إلى حساب المستفيد. وأما المشاعات فإن كانت من الأموال المنقولة فيكون بقبض جميعها بإذن الشريك، ويكون بعضه مقبوضًا تملكًا، وبعضه مما هو من نصيب الشريك يكون قبضه بالوكالة أمانة، وإن لم يأذن الشريك بأن يقبضه الموهوب له، وكل الموهوب له شريكه الواهب بقبضه، فيكون قبض الشريك إقباضًا للموهوب له، لأن الوكيل نائب مناب الموكل، وإن كان المشاع مما لا ينقل يكون قبضه بتخليته، ووضع اليد على الكل لمصلحة القابض والشريك، وقبض الغلات غير المفصولة من أصولها يكون قبضها بقبض تلك الأصول، فالقبض ليس له حقيقة شرعية، وإنما حقيقته عرفية، ولهذا منه ما هو قبض حقيقي، ومنه ما هو قبض حكمي، والجميع يحصل به المراد (١).
الجواب الثاني:
إذا أمكن قبض المشاع في البيع، ولم يكن الشيوع مانعًا من قبضه في البيع، لم يكن الشيوع مانعًا من قبضه في الهبة، والملك يحصل بكل منهما.
قال ابن حزم: «وما نعلم لهم شغبًا موهوا به، إلا إن قالوا: قبض المشاع لا يمكن. فقلنا لهم: كذبتم، بل هو ممكن، وهبك أنه غير ممكن، فلم أجزتم بيعه، والبيع عندكم يحتاج فيه إلى القبض، ولم أجزتم إصداقه، والصداق واجب فيه الإقباض قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].
стр. 9108
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولم أجزتم الوصية به؟ ولم أجزتم إجارة المشاع من الشريك، ومنعتم الرهن فيه من الشريك، ومنعتم الهبة من الشريك، وأقرب ذلك، لم أجزتم هبة المشاع فيما لا ينقسم والعلة واحدة» (١).
الدليل الخامس:
قال الكاساني: «الهبة عقد تبرع فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان؛ لأن الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة، فيلزمه ضمان القسمة فيؤدي إلى تغيير المشروع، ولهذا توقف الملك في الهبة على القبض، لما أنه لو ملكه بنفس العقد لثبتت له ولاية المطالبة بالتسليم، فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع، وفيه تغيير المشروع، وكذا هذا، بخلاف مشاع لا يحتمل القسمة؛ لأن هناك لا يتصور إيجاب الضمان على المتبرع؛ لأن الضمان ضمان القسمة، والمحل لا يحتمل القسمة فهو الفرق» (٢).
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
قولكم: لو ملكه بنفس العقد لثبتت له ولاية المطالبة بالتسليم ليس بصواب مع قولكم بأن الهبة لا تملك بالعقد حتى ولو كان الموهوب مقسومًا، نعم لو قلتم: إن الهبة تملك بالعقد كان يمكن أن يتوجه القول بأنه لو ملكه بالعقد ثبتت له حق ولاية المطالبة بالتسليم.
стр. 9109
الوجه الثاني:
أن القبض لا يتوقف على القسمة كما بينا، فما يعتبر قبضًا في البيع يعتبر قبضًا في الهبة، فلا يصح أن يقال: إنه لو صح هبة المشاع لصار للموهوب له أن يطالب الواهب بالقسمة، لأننا نقول: قد يبقى المال مشتركًا، ويحل الموهوب له محل الواهب ولو لم يقسم المال.
الوجه الثالث:
إذا طالب الموهوب له بالقسمة فإنما يطالب بقية الشركاء، فإن كان الواهب قد خرج من المال، ولم يبق له شيء فيه لم يتحمل شيئًا، ولا يطلب منه شيئًا، ولم يبق له سلطة على المال، وإن كان بقي له من المال ما يجعله شريكًا، فإن للموهوب له أن يطالبه كما يطالب بقية شركائه، إذا أراد أن يقسم، وليس هذا مبنيًا على هبة المشاع، وإنما لكونه حقًا لكل شريك، فيملك الشريك المطالبة بالقسمة، ومؤنة القسمة على جميع الشركاء بما فيهم الموهوب له، باعتباره مالكًا معهم، كما في أي شركة ملك، والله أعلم.
دليل من قال: تصح هبة المشاع مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وجه الاستدلال:
العفو عن نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول مطلق من غير فرق بين مشاع ومقسوم، فدل على جواز هبة المشاع.
стр. 9110
ونوقش:
العفو في الآية: يعني الإسقاط، والإسقاط إنما يكون في الديون، وليس في الأعيان.
ورد هذا:
العفو هو الترك، يقال: عفوت عن فلان إذا تركته، والترك يكون في الديون وفي الأعيان، فتخصيص العفو في الديون دون الأعيان تخصيص لمطلق الآية بلا مخصص.
الدليل الثاني:
(ح-١١٢١) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، بل ترد علينا نساؤنا وأبناؤنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ... الحديث (١).
[حسن] (٢).
стр. 9111
وجه الاستدلال:
أن الرسول وهب نصيبه ونصيب بني عبد المطلب من الغنيمة، وهو مشاع مجهول.
الدليل الثالث:
(ح- ١١٢٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق محارب بن دثار،
عن جابر بن عبد الله، قال: كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني (١).
وجه الاستدلال:
أن هذه الزيادة غير متميزة عن الثمن، فهي هبة مشاعة.
ويناقش:
بأن الثمن كان دينًا ولم يكن عينًا، وعندما حول الثمن إلى عين مع الزيادة لم يكن هناك شيوع في الثمن مفتقر إلى القسمة، بل أصبح الثمن كله مع زيادته ملكًا للبائع فأين الشيوع المتوقف على القسمة في الهبة.
الدليل الرابع:
(ح- ١١٢٣) ما رواه البخاي من طريق مالك، عن أبي حازم،
عن سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ أتي بشراب، فشرب وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: إن أذنت لي أعطيت هؤلاء، فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحدا، فتله في يده (٢).
стр. 9112
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وسماه الغلام نصيبي، وأقره النبي ﷺ على أنه نصيبه، وكان نصيبه مشاعًا غير مقسوم.
الدليل الخامس:
أجاز الحنفية اجتماع القرض مع الشركة، فقد جاء في المبسوط: «لو دفع ألف درهم إلى رجل، على أن يكون نصفها قرضًا عليه، ويعمل في النصف الآخر بشركته: يجوز ذلك» (١).
والقرض هو تبرع ابتداء، والقبض شرط لانتقال الملك فيه، ولم تشترط القسمة لصحة التبرع، فدل على أن الشيوع لا يبطل التبرع.
الراجح:
صحة هبة المشاع مطلقًا سواء كان يقبل القسمة أو لا يقبلها، وقبض المشاع يكون كما بينا فالمشاع في العقار قبضه بتخليته، والمشاع في المنقول قبضه بقبض جميعه، ما كان ملكًا للموهوب له، وما كان ملكًا لشريكه، فإن أبى الشريك وكله الموهوب له بقبضه، وقبض الوكيل كقبض الموكل، والله أعلم.
* * *
стр. 9113
الباب الثالث
في أحكام الهبة
الفصل الأول
في هبة الثواب
المبحث الأول
تعريف هبة الثواب
تعريف هبة الثواب:
هبة الثواب: هي الهبة يدفعها الرجل يلتمس أفضل منها (١).
وعرفها المالكية بقولهم: هبة الثواب عطية قصد بها عوض مالي (٢).
فالواهب لا يخلو في هبته من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يريد بها وجه الله تعالى ويبتغي عليها الثواب منه، فله ذلك عند الله بفضله ورحمته، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩].
стр. 9114
والثاني: أن يريد بها وجوه الناس رياء وسمعة، ليحمدوه عليها، ويثنوا عليه من أجلها، فهذا لا ثواب له في الدنيا، ولا أجر له في الآخرة.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
والثالث: أن يريد بها الثواب من الموهوب له، فهذا له ما أراد من هبته (١)،
(ح-١١٢٤) وقد روى الشيخان من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امراء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما جاهر إليه (٢).
(ح-١١٢٥) وقد روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها (٣).
(ح-١١٢٦) وقد روى الحميدي في مسنده، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه النبي ﷺ ثلاثًا فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فرضي بالتسع، فقال النبي ﷺ : لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي. قال سفيان: وقال غير ابن عجلان: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله ﷺ هذا القول التفت، فرآني، فاستحيى، فقال: أو دوسي (٤).
المبحث الثاني
في اشتراط العوض في الهبة
الفرع الأول
أن يكون العوض معلوما
هبة الثواب بمنزلة البيع.
العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
[م-١٨٦١] إذا وهب الرجل عينًا، وشرط عليها ثوابًا معلومًا، كما لو قال: وهبتك هذا البستان بشرط أن تكافأني عليه بعقارك الفلاني، فقد اختلف الفقهاء في هذه الهبة على قولين:
القول الأول:
تصح الهبة، وتعطى حكم البيع، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والأظهر عند الشافعية (١).
على خلاف بينهم هل تأخذ هذه الهبة حكم البيع قبل القبض، فلا يتوقف
стр. 9117
الملك فيها على القبض، بل تلزم بالعقد، ولا تبطل بموت الواهب، ويدخلها الخيار، وترد بالعيب، وتنزع بالشفعة، وإذا وهبه ذهبًا وأثابه من جنسه اشترط التماثل والتقابض، وإذا أثابه عنه فضة اشترط التقابض في المجلس، ويصح بالعروض مع التفرق والتفاضل، وهذا مذهب الجمهور، وقول زفر من الحنفية (١).
أو أن هذه المعاملة قبل القبض لها أحكام الهبة، ولها حكم البيع بعد التقابض: فتنزع بالشفعة، وترد بالعيب، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه (٢).
وهو قول في مذهب الشافعية في مقابل الأظهر، قال النووي: «وهل تثبت عقب العقد، أم عقب القبض؟ قولان. أظهرهما: الأول» (٣).
إذا علمت ذلك فإليك التدليل عليه من أقوال هؤلاء الفقهاء.
قال ابن القاسم من المالكية: إذا وهبه دراهم أو دنانير بشرط العوض، فيثاب عرضًا أو طعامًا.
وجاء في التاج والإكليل عن المدونة: «قال مالك: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، وإن وهبها فقير لغني، وما علمته من عمل الناس.
قال ابن القاسم: إلا أن يشترط الثواب فيثاب عرضًا أو طعامًا» (٤).
стр. 9118
قال السبكي: «إذا وهب بشرط ثواب معلوم كان بيعًا على الصحيح اعتبارًا بالمعنى» (١).
وقال إمام الحرمين: «الثواب إما أن يكون مقدرًا، وإما أن يكون مبهمًا، فإن كان مقدرًا، فالأصح الصحة» (٢).
وقال النووي: «المقيدة بالثواب، وهو إما معلوم، وإما مجهول.
فالحالة الأولى: المعلوم، فيصح العقد على الأظهر، ويبطل على قول. فإن صححنا، فهو بيع على الصحيح» (٣).
وقال ابن قدامة: «والهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، سواء كانت من مماثل، أو أعلى، أو أدنى؛ لأنها عطية على وجه التبرع فلم تقتض ذلك كالصدقة، وإن شرط ثوابًا معلومًا صح» (٤).
القول الثاني:
لا تصح الهبة، وهو قول في مذهب الشافعية (٥).
جاء في البيان للعمراني: «إن شرط ثوابًا معلومًا، فهل تصح الهبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح الهبة؛ لأنه شرط ينافي مقتضاها، فلم تصح، كما لو عقد النكاح بلفظ الهبة.
стр. 9119
فعلى هذا: إذا قبضه كان حكمه حكم البيع الفاسد.
والثاني: تصح الهبة، ويلزم الموهوب الثواب المشروط ....
قال الخراسانيون: هل حكمه على هذا القول حكم البيع، أو حكم الهبة؟ فيه قولان:
أحدهما: حكمه حكم البيع اعتبارا بالمعنى؛ لوجود العوض فيه.
والثاني: حكمه حكم الهبة اعتبارا باللفظ» (١).
سبب الخلاف في المسألة:
يرجع الخلاف في هبة الثواب إلى الخلاف في مسألة أخرى حررتها في عقد البيع:
هل العبرة في العقود بالمعاني أو بالألفاظ:
فلو أعار رجلًا شيئًا، وشرط عوضًا، فهل يعتبر العقد إعارة، أو إجارة.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بلا ثمن، فهل ينعقد هبة، أو بيعًا؟
فإن نظرنا إلى اللفظ، فإن الإيجاب صادر بلفظ البيع، وإذا نظرنا إلى المعنى، وكون التمليك بدون عوض فهو يدل على أن العقد من عقود التبرعات.
ولو قال العاقد: وهبتك هذه الدابة بألف، فهل ذكر العوض يجعل العقد من عقود المعاوضات، فيكون بيعًا، أو نعتبر اللفظ، ونفسد العقد؛ لأن عقود التبرعات لا عوض فيها؟
стр. 9120
دليل من قال: الهبة بشرط العوض بيع اعتبارًا بالمعنى:
الدليل الأول:
(ح-١١٢٧) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (١).
وجه الاستدلال:
أن الواهب إذا شرط عوضًا فقد نوى البيع، والعبرة بما نوى، وليس الاعتبار للفظ.
الدليل الثاني:
(ح-١١٢٨) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله ﷺ : فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك - إن كنت صادقاً- ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل
стр. 9121
بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه، يقول: اللهم هل بلغت، بصر عيني وسمع أذني، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ لم ينظر إلى لفظ المعطي، وإنما نظر إلى قصده ونيته، فلما كان الحال يدل على أن المعطي إنما أعطى نظراً لولاية المعطى؛ لينتفعوا منه تخفيفًا عنهم، أو تقديمًا لهم على غيرهم، أو لغيرها من الأسباب لم يعتبر ذلك هدية، وكان هذا الحديث أصلاً في اعتبار المقاصد ودلالات الحال في العقود (٢).
الدليل الثالث:
النية لها أثر في صحة العقد وفساده، وفي حله وحرمته، وفي الثواب والعقاب، بل لها أثر في الفعل الذي ليس بعقد، فيصير حلالاً تارةً، وحراماً تارة، باختلاف النية والقصد، فالحيوان حلال أكله إذا ذبح لله، ويحرم إذا ذبح لغير الله وكذلك الحلال يصيد الصيد للمحرم فيحرم عليه، ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم على المشتري، وينوي أنها له فتحل له، وصورة العقد واحدة، وإنما اختلفت النية والقصد، وكذلك صورة القرض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة، وهذا قربة صحيحة، وهذا معصية باطلة بالقصد، وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمراً معصية، ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ ، وعصره بنية
стр. 9122
أن يكون خلا أو دبسًا جائز، وصورة الفعل واحدة .... وكذلك قول الرجل لزوجه: «أنت عندي مثل أمي» ينوي به الظهار فتحرم عليه، وينوي به أنها مثلها في الكرامة فلا تحرم عليه .... والأمثلة كثيرة، وهي غير محصورة (١).
الدليل الرابع:
«الألفاظ مقصودة لغيرها، ومعاني العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت، واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه» (٢).
قال ابن القيم: « ... الألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان، عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإيماءة، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها» (٣).
الدليل الخامس:
(ح-١١٢٩) روى البخاري من طريق عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها (٤).
стр. 9123
الدليل السادس:
(ح-١١٣٠) وقد روى الحميدي في مسنده من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه النبي ﷺ ثلاثًا فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فرضي بالتسع، فقال النبي ﷺ : لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي. قال سفيان: وقال غير ابن عجلان: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله ﷺ هذا القول التفت، فرآني، فاستحيى، فقال: أو دوسي (١).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢).
الدليل السابع:
(ث-٢٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري،
أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (٣).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٤).
стр. 9124
الدليل الثامن:
(ث-٢٧١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: هو أحق بها ما لم يرض منها (١).
[إسناده صحيح].
الدليل التاسع:
(ث-٢٧٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن القاسم، عن ابن أبزى،
عن علي، قال: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (٢).
[ضعيف جدًا] (٣).
стр. 9125
دليل من قال: يقدم اللفظ.
الدليل الأول:
اعتبار المعنى يؤدي إلى إهمال اللفظ، وهذا لا يصح؛ لأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له، فكذا ألفاظ العقود.
ويجاب عن ذلك:
بأن القول بأن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على ذلك، بل قد ذكرنا في أدلة القول الأول تقديم النية على اللفظ في أحكام متفرقة، وكيف كانت النية مؤثرة في التحليل والتحريم والصحة والفساد، والثواب والعقاب.
الدليل الثاني:
العقود تفسد باقتران شرط مفسد، ففسادها بتغير مقتضاها أولى.
ويجاب:
بأن الشرط مؤثر في صحة العقد، فقد يشترط ما يخالف الشرع، وقد يشترط ما ينافي مقتضى العقد، بخلاف اللفظ فلا يشترط له لفظ معين، وإنما اللفظ وسيلة لمعرفة حصول الرضا من العاقدين، فإذا تحقق الرضا بأي لفظ كان فقد حصل المقصود.
الدليل الثالث:
الأصل حمل الكلام على ظاهره، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بطلت فائدة اللغة وفائدة التخاطب.
стр. 9126
ويجاب:
نعم الأصل حمل الكلام على ظاهره إلا إذا تعذر ذلك لقرينة حالية أو عرفية، فكما أن الأصل حمل الأمر على الوجوب والنهي على الكراهة إلا لقرينة صارفة، فكذلك هنا، فنحن لم نترك ظاهر اللفظ إلا عند تعذره، وكنا بين أمرين إما أن نأخذ بهذا الظاهر والذي تيقنا أنه غير مراد للعاقدين، وبالتالي نبطل العقد، وإما أن نترك هذا الظاهر لقرينة صارفة، ونعمل بالمعنى الذي أراده العاقدان، ولا شك أن إمضاء العقود خير من إبطالها بسبب لفظ ظاهر غير مراد، وإعمال الكلام خير من إهماله.
الراجح:
أنه إذا شرط ثوابًا معلومًا فإنه بيع صحيح، له أحكام البيع، وليس له شيء من أحكام الهبة، وتركيب العقد من البيع والهبة مع اختلاف أحكامهما ليس قولًا صائبًا فأحكام الهبة تختلف عن أحكام البيع، وعقد واحد لا يحتمل أن يوصف بأنه عقدان مختلفان، والله أعلم.
* * *
стр. 9127
الفرع الثاني
أن يشترط عوضا مجهولا
تعيين الثواب في هبة الثواب غير لازم قياسًا على نكاح التفويض.
[م-١٨٦٢] سبق لنا خلاف العلماء في الهبة إذا اشترط الواهب عوضًا معلومًا، أما إذا اشترط عوضًا مجهولًا، كما لو قال: وهبتك على أن تثيبني، أو تعوضني، أو تكافئني، ولم يذكر مقدار الثواب، فقد اختلف فيها الفقهاء على النحو التالي:
القول الأول:
إذا اشترط العوض وكان مجهولًا صح العقد، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية مقابل الأظهر، ورواية عن أحمد، رجح الحارثي أن تكون المذهب، ومال إليها أبو الخطاب من الحنابلة (١).
على اختلاف بينهم في مسألتين:
المسألة الأولى:
الخلاف بين الحنفية وغيرهم في توصيف العقد كما بيناه في المبحث السابق، فالحنفية يعتبرون العقد هبة ما لم يقبض، فإذا قبض أخذ أحكام البيع.
стр. 9128
ويرى غيرهم أنه في حكم البيع ابتداء وانتهاء.
المسألة الثانية:
الخلاف في تقدير العوض، هل يقدر العوض بالرجوع إلى قيمة الموهوب، أو ما يرضى به الواهب قليلًا كان أو كثيرًا، أو ما يعد مثله لمثله في العادة.
جاء في شرح الجامع الصغير: «الهبة بشرط العوض ينعقد تبرعًا عندنا، حتى لا يتم إلا بالتقابض، وتبطل بالشيوع، ولا يجب به الشفعة في العقار، وإذا اتصل القبض صار بيعًا فحينئذ يجب به الشفعة في العقار، ويرد بالعيب .... وتفسير التعويض أن يأتي الموهوب له بلفظ يعلم الواهب أنه عوض هبته، بأن يقول: هذا عوض هبتك، أو مكافآت هبتك، أو ثواب هبتك، أو بدل هبتك، أو جزاء هبتك، أما إذا وهب الواهب شيئًا، وهو لم يعلم بأن هذا عوض هبته، فلكل واحد أن يرجع في هبته» (١).
فقوله: أن يأتي الموهوب بلفظ يعلم الواهب أنه عوض هبته صريح بأن الواهب لا يعرف ما هو عوض هبته، وإنما اشترط العوض، وترك للموهوب له تقديره.
وجاء في تهذيب المدونة: «وما وهبت لقرابتك أو ذوي رحمك وعلم أنك أردت ثواباً، فذلك لك، إن أثابوك، وإلا رجعت فيها» (٢).
وقال ابن رشد: «وأما هبة الثواب، فاختلفوا فيها، فأجازها مالك وأبو حنيفة ; ومنعها الشافعي، وبه قال داود وأبو ثور.
стр. 9129
وسبب الخلاف: هل هي بيع مجهول الثمن، أو ليس بيعًا مجهول الثمن؟
فمن رآه بيعًا مجهول الثمن، قال: هو من بيوع الغرر التي لا تجوز.
ومن لم ير أنها بيع مجهول، قال: يجوز وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها، ولذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب بالثواب ما الحكم؟ فقيل تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب القيمة، وقيل لا تلزمه إلا أن يرضيه، وهو قول عمر» (١).
وقال ابن جزي: «هبة الثواب على أن يكافئه الموهوب له، وهي جائزة خلافًا للشافعي، والموهوب له مخير بين قبولها أو ردها، فإن قبلها فيجب أن يكافئه بقيمة الموهوب، ولا يلزمه الزيادة عليها، ولا يلزم الواهب قبول ما دونها» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وعنه: أنه قال: يرضيه بشيء فيصح. وذكرها الشيخ تقي الدين ﵀ ظاهر المذهب.
قال الحارثي: هذا المذهب. نص عليه من رواية ابن الحكم، وإسماعيل بن سعيد. وإليه ميل أبي الخطاب. وصحح هذه الرواية في الرعاية الصغرى. فقال: فإن شرطه مجهولًا: صحت في الأصح. قال في الرعاية الكبرى: وهو أولى. فعلى هذه الرواية: يرضيه. فإن لم يرض فله الرجوع فيها» (٣).
стр. 9130
القول الثاني:
لا يصح، وهو قول في مذهب المالكية في مقابل المعتمد، والأصح في مذهب الشافعية، والأظهر عند الحنابلة (١).
جاء في حاشية الدسوقي: «فتعيينه ـ يعني الثواب ـ غير لازم قياسًا على نكاح التفويض، وهذا هو المعتمد. وقيل: إن اشترط العوض في عقدها فلا بد من تعيينه قياسًا على البيع» (٢).
وجاء في المبدع: «وإن شرط ثوابًا مجهولًا لم يصح» (٣).
سبب الخلاف:
أما من لا يرى هبة الثواب مطلقًا فهذا واضح حيث يرى أن الهبة لا تقتضي عوضًا، واشتراط العوض يبطلها. وهذا واضح.
وأما سبب الخلاف عند من يرى صحة هبة الثواب إذا كان العوض معلومًا فإن الخلاف يرجع إلى مسألة أخرى ذكرتها في عقد البيع، هل يصح البيع بدون ذكر الثمن، أو لا يصح؟
فمن يرى أن البيع يمكن أن يصح، ولو لم يسم الثمن قياسًا على النكاح حيث يصح ولو لم يسم قدر المهر، ولها مهر مثلها فإنه يرى صحة هبة الثواب ولو لم يسم العوض.
стр. 9131
ومن قال: إن البيع لا يصح إلا إذا كان الثمن معلومًا، فإنه يجعل حكم الهبة حكم البيع، فيبطلها مع جهالة العوض، إلا أن المالكية أبطلوا البيع مع جهالة الثمن، وصححوا هبة الثواب مع جهالة العوض (١).
والفارق عندهم:
أن هبة الثواب، وإن دخلها العوض، فمقصودها أيضا المكارمة، والوداد، فلم تتمحض للمعاوضة، والمكايسة، والعرف يشهد لذلك فلذلك جاز فيها مثل هذه الجهالة والغرر (٢).
إذا عرفنا الأقوال، وسبب الخلاف، نأتي على ذكر أدلة كل فريق.
دليل من صحح الهبة مع جهالة العوض:
الدليل الأول:
(ح-١١٣١) ما رواه البخاري من طريق سفيان، حدثنا عمرو،
عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعنيه. قال: هو لك يا رسول الله. قال: بعنيه، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت (٣).
стр. 9132
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ اشترى من عمر بعيره، ووهبه لعبد الله بن عمر، دون ذكر للثمن.
الدليل الثاني:
(ح-١١٣٢) وقد روى الحميدي في مسنده من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه النبي ﷺ ثلاثًا فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فرضي بالتسع، فقال النبي ﷺ : لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي. قال سفيان: وقال غير ابن عجلان: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله ﷺ هذا القول التفت، فرآني، فاستحيى، فقال: أو دوسي (١).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا العربي أهدى للنبي ﵇ طلبًا للثواب، ولم يبين مقداره، لهذا أعطاه النبي ﵇ فلم يرض، فأعطاه فلم يرض حتى أعطاه ثلاثًا، فدل على صحة هبة الثواب، ولم لم يبين العوض.
الدليل الثالث:
(ث-٢٧٣) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن
стр. 9133
أبي غطفان بن طريف المري،
أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (١).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢).
الدليل الرابع:
(ث-٢٧٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: هو أحق بها ما لم يرض منها (٣).
[إسناده صحيح].
الدليل الخامس:
إذا كان الشارع قد جوز النكاح بدون تسمية المهر، قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
قال ابن العربي: «لما قسم الله تعالى حال المطلقة إلى قسمين: مطلقة سمي لها فرض، ومطلقة لم يسم لها فرض، دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عُقِدَ من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه» (٤).
стр. 9134
ولها مهر مثلها، فكون البيع والهبة يجوزان بثمن المثل من باب أولى؛ لأن المبيع والموهوب يوجد مثلهما كثيراً، بخلاف المرأة، فإن وجود مثلها من نسائها في صفاتها المقصودة من كل وجه قد يتعذر.
ويجاب:
بأن النكاح لا يشبه المعاوضات، قال ابن حزم: «ما ندري في أي وجه يشبه النكاح البيوع، بل هو خلافه جملة؛ لأن البيع نقل ملك وليس في النكاح ملك أصلاً ... والخيار جائز عندهم في البيع مدة مسماة ولا يجوز في النكاح، والبيع بترك رؤية المبيع وترك وصفه باطل لا يجوز أصلاً، والنكاح بترك رؤية المنكوحة وترك وصفها جائز ... فبطل تشبيه النكاح بالبيع جملة» (١).
الدليل السادس:
أجاز عامة الفقهاء أن يقول الرجل: اعتق عبدك عني، وعلي ثمنه، وهذه معاوضة بثمن المثل.
كما أجاز كثير من الفقهاء عقد الإجارة بأجرة المثل، وهي بيع منافع.
دليل من قال: لا تصح الهبة مع جهالة الثمن:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم.
стр. 9135
الدليل الثاني:
الهبة بشرط العوض، يلحقها بالمعاوضات، وعقود المعاوضات يؤثر فيها الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة
(ح-١١٣٣) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج.
عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١).
وكون العوض مجهولاً داخل في الغرر المنهي عنه.
الراجح:
صحة الهبة إذا اشترط فيها عوضًا مجهولًا، ويكون للواهب قيمة مثلها، لأن المتعاقدين لما لم يذكرا العوض قد تراضيا بالرجوع إلى قيمة المثل، فإن تراضيا على ذلك مضت الهبة، وإن لم يحصل الرضا بقيمة المثل فلكل واحد منهما حق الفسخ، والله أعلم.
* * *
стр. 9136
المبحث الثالث
في هبة الثواب إذا لم يشترط فيها العوض
إذا ادعى الواهب أنه أراد الثواب في الهبة المطلقة حمل على العرف.
[م-١٨٦٣] اختلف العلماء في الهبة المطلقة، هل تقتضي عوضًا مع أنه لم يشترط في الصيغة؟ على قولين:
القول الأول:
الهبة المطلقة لا تقتضي عوضًا، ولكن العوض يسقط حق الرجوع فيها، فإن عوض الواهب عنها أصبحت لازمة، وسقط حق الواهب في الرجوع في هبته، وإن لم يعوض عنها فإن لصاحبها حق الرجوع فيها، ولو بعد القبض، ولا بد من التصريح بأن ما يدفعه الواهب عوض عن الهبة، كأن يقول: هذا عوض، أو بدل هبتك، ونحو ذلك، ويكون العوض مع ذلك له حكم الهبة، واليس حكم العوض، فيصح بما تصح به الهبة، ويبطل بما تبطل به، فأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة الأولى فإنها تكون هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين جميعًا؛ وذلك لأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء، ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك، وهذا مذهب الحنفية (١).
وحق الرجوع في الهبة بعد القبض سيكون محل بحث في فصل مستقل، وهناك أستوفى إن شاء الله تعالى أدلة الحنفية على تلك المسألة.
стр. 9137
القول الثاني:
إذا قال الواهب: إنه أراد الثواب من هديته صدق في ذلك، ما لم يشهد العرف ضده، كأن يهب لذوي رحم فقير، وهو غني، أو أن يهب غني لفقير أجنبي (١).
وقال الشافعي في القديم: إن الهبة من الأدنى للأعلى يلزمه الثواب عليها (٢).
جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «وما وهبت لقرابتك، أو ذوي رحمك وعلم أنك أردت ثواباً، فذلك لك، إن أثابوك، وإلا رجعت فيها.
وما علم أنه ليس للثواب، كصلتك لفقيرهم، وأنت غني، فلا ثواب لك ولا تصدق أنك أردته .... وكذلك هبة غني لأجنبي فقير، أو فقير لفقير، ثم يدعي أنه أراد الثواب، فلا يصدق إذا لم يشترط في أصل الهبة ثواباً، ولا رجعة له في هبته، وأما إن وهب فقير لغني، أو غني لغني، فهو مصدق أنه أراد الثواب، فإن أثابوه وإلا رجع في هبته ... » (٣).
وقال ابن عبد البر: «ومن وهب هبة مطلقه، ثم ادعى أنه وهبها للثواب، نظر في ذلك، وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يكن فالقول قول الموهوب له مع يمينه، فإن أشكل ذلك، واحتمل الوجهين جميعًا فالقول قول الواهب مع يمينه» (٤).
стр. 9138
وقال ابن رشد: «والهبة للثواب لا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يهب على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه.
والثاني: أن يهب على ثواب يشترطه، ولا يسميه.
والثالث: أن يهب على ثواب يسميه، ولا يشترطه.
فأما الوجه الأول: وهو أن يهب على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه فهو على مذهب ابن القاسم كنكاح التفويض، يكون الموهوب له مخيرًا ما كانت الهبة قائمة لم تفت: بين أن يثيبه ما يكون فيه وفاء بقيمة الهبة، أو يردها عليه؛ ولا تجب عليه القيمة إلا بالفوت .... » (١).
وقال العمراني في البيان: «الواهبون على ثلاثة أضرب:
أحدها: هبة الأعلى للأدنى، مثل: أن يهب السلطان لبعض الرعية، أو يهب الغني للفقير .... أو يهب الأستاذ لغلامه، فهذه لا تقتضي الثواب؛ لأن القصد من هذه الهبة القربة إلى الله تعالى، دون المجازاة.
والثاني: هبة النظير للنظير، كهبة السلطان لمثله، أو الغني لمثله، فهذه لا تقتضي الثواب أيضًا؛ لأن القصد بهذه الهبة الوصلة والمحبة.
والثالث: هبة الأدنى للأعلى، مثل: أن يهب بعض الرعية للسلطان شيئًا، أو يهب الفقير للغني، أو يهب الغلام لأستاذه .. ففيه قولان:
قال في القديم: يلزمه أن يثيبه .... وقال في الجديد: لا يلزمه أن يثيبه» (٢).
стр. 9139
دليل من قال: إذا زعم الواهب أنه وهب للثواب صدق.
الدليل الأول:
(ح-١١٣٤) وقد روى الحميدي في مسنده من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه النبي ﷺ ثلاثًا فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فرضي بالتسع، فقال النبي ﷺ : لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي. قال سفيان: وقال غير ابن عجلان: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله ﷺ هذا القول التفت، فرآني، فاستحيى، فقال: أو دوسي (١).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-٢٧٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري،
أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (٣).
[صحيح، وهذا إسناد حسن] (٤).
стр. 9140
الدليل الثالث:
أن المعروف كالمشروط، والهبة من الأدنى للأعلى معروف أنه لا يريد بذلك وجه الله، وإنما يلتمس من هبته أن ينال أكثر منها.
القول الثالث:
أن الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، وهو القول الجديد للشافعي، وهو الأظهر في مذهبه، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال النووي: «القسم الثاني: وهي المطلقة، فينظر: إن وهب الأعلى للأدنى، فلا ثواب، وفي عكسه قولان. أظهرهما عند الجمهور: لا ثواب. والثاني: يجب الثواب» (٢).
قال في كشاف القناع: «ولا تقتضى الهبة عوضًا، ولو مع عرف، كأن يعطيه أي يعطي الأدنى أعلى منه ليعاوضه، أو يقضي له حاجة» (٣).
وقال ابن قدامة: «والهبة المطلقة لا تقتضي ثواباً، سواء كانت من مماثل أو أعلى أو أدنى؛ لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ذلك كالصدقة» (٤).
استدل أصحاب هذا القول:
الدليل الأول:
أن الهبة المطلقة عطية على وجه التبرع، فلا تقتضي عوضًا.