← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

المبحث الثالث في هبة الثواب إذا لم يشترط فيها العوض إذا ادعى الواهب أنه أراد الثواب في الهبة المطلقة حمل على العرف. [م-١٨٦٣] اختلف العلماء في الهبة المطلقة، هل تقتضي عوضًا مع أنه لم يشترط في الصيغة؟ على قولين: القول الأول: الهبة المطلقة لا تقتضي عوضًا، ولكن العوض يسقط حق الرجوع فيها، فإن عوض الواهب عنها أصبحت لازمة، وسقط حق الواهب في الرجوع في هبته، وإن لم يعوض عنها فإن لصاحبها حق الرجوع فيها، ولو بعد القبض، ولا بد من التصريح بأن ما يدفعه الواهب عوض عن الهبة، كأن يقول: هذا عوض، أو بدل هبتك، ونحو ذلك، ويكون العوض مع ذلك له حكم الهبة، واليس حكم العوض، فيصح بما تصح به الهبة، ويبطل بما تبطل به، فأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة الأولى فإنها تكون هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين جميعًا؛ وذلك لأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء، ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك، وهذا مذهب الحنفية (١). وحق الرجوع في الهبة بعد القبض سيكون محل بحث في فصل مستقل، وهناك أستوفى إن شاء الله تعالى أدلة الحنفية على تلك المسألة.

стр. 9137

القول الثاني: إذا قال الواهب: إنه أراد الثواب من هديته صدق في ذلك، ما لم يشهد العرف ضده، كأن يهب لذوي رحم فقير، وهو غني، أو أن يهب غني لفقير أجنبي (١). وقال الشافعي في القديم: إن الهبة من الأدنى للأعلى يلزمه الثواب عليها (٢). جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «وما وهبت لقرابتك، أو ذوي رحمك وعلم أنك أردت ثواباً، فذلك لك، إن أثابوك، وإلا رجعت فيها. وما علم أنه ليس للثواب، كصلتك لفقيرهم، وأنت غني، فلا ثواب لك ولا تصدق أنك أردته .... وكذلك هبة غني لأجنبي فقير، أو فقير لفقير، ثم يدعي أنه أراد الثواب، فلا يصدق إذا لم يشترط في أصل الهبة ثواباً، ولا رجعة له في هبته، وأما إن وهب فقير لغني، أو غني لغني، فهو مصدق أنه أراد الثواب، فإن أثابوه وإلا رجع في هبته ... » (٣). وقال ابن عبد البر: «ومن وهب هبة مطلقه، ثم ادعى أنه وهبها للثواب، نظر في ذلك، وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يكن فالقول قول الموهوب له مع يمينه، فإن أشكل ذلك، واحتمل الوجهين جميعًا فالقول قول الواهب مع يمينه» (٤).

стр. 9138

وقال ابن رشد: «والهبة للثواب لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يهب على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه. والثاني: أن يهب على ثواب يشترطه، ولا يسميه. والثالث: أن يهب على ثواب يسميه، ولا يشترطه. فأما الوجه الأول: وهو أن يهب على ثواب يرجوه، ولا يسميه، ولا يشترطه فهو على مذهب ابن القاسم كنكاح التفويض، يكون الموهوب له مخيرًا ما كانت الهبة قائمة لم تفت: بين أن يثيبه ما يكون فيه وفاء بقيمة الهبة، أو يردها عليه؛ ولا تجب عليه القيمة إلا بالفوت .... » (١). وقال العمراني في البيان: «الواهبون على ثلاثة أضرب: أحدها: هبة الأعلى للأدنى، مثل: أن يهب السلطان لبعض الرعية، أو يهب الغني للفقير .... أو يهب الأستاذ لغلامه، فهذه لا تقتضي الثواب؛ لأن القصد من هذه الهبة القربة إلى الله تعالى، دون المجازاة. والثاني: هبة النظير للنظير، كهبة السلطان لمثله، أو الغني لمثله، فهذه لا تقتضي الثواب أيضًا؛ لأن القصد بهذه الهبة الوصلة والمحبة. والثالث: هبة الأدنى للأعلى، مثل: أن يهب بعض الرعية للسلطان شيئًا، أو يهب الفقير للغني، أو يهب الغلام لأستاذه .. ففيه قولان: قال في القديم: يلزمه أن يثيبه .... وقال في الجديد: لا يلزمه أن يثيبه» (٢).

стр. 9139

دليل من قال: إذا زعم الواهب أنه وهب للثواب صدق. الدليل الأول: (ح-١١٣٤) وقد روى الحميدي في مسنده من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رجلا من أهل البادية أهدى للنبي ﷺ ناقة، فأعطاه النبي ﷺ ثلاثًا فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فلم يرض، ثم أعطاه ثلاثًا، فرضي بالتسع، فقال النبي ﷺ : لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي. قال سفيان: وقال غير ابن عجلان: قال أبو هريرة: لما قال رسول الله ﷺ هذا القول التفت، فرآني، فاستحيى، فقال: أو دوسي (١). [صحيح، وهذا إسناد حسن] (٢). الدليل الثاني: (ث-٢٧٥) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (٣). [صحيح، وهذا إسناد حسن] (٤).

стр. 9140

الدليل الثالث: أن المعروف كالمشروط، والهبة من الأدنى للأعلى معروف أنه لا يريد بذلك وجه الله، وإنما يلتمس من هبته أن ينال أكثر منها. القول الثالث: أن الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا، وهو القول الجديد للشافعي، وهو الأظهر في مذهبه، والمذهب عند الحنابلة (١). قال النووي: «القسم الثاني: وهي المطلقة، فينظر: إن وهب الأعلى للأدنى، فلا ثواب، وفي عكسه قولان. أظهرهما عند الجمهور: لا ثواب. والثاني: يجب الثواب» (٢). قال في كشاف القناع: «ولا تقتضى الهبة عوضًا، ولو مع عرف، كأن يعطيه أي يعطي الأدنى أعلى منه ليعاوضه، أو يقضي له حاجة» (٣). وقال ابن قدامة: «والهبة المطلقة لا تقتضي ثواباً، سواء كانت من مماثل أو أعلى أو أدنى؛ لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ذلك كالصدقة» (٤). استدل أصحاب هذا القول: الدليل الأول: أن الهبة المطلقة عطية على وجه التبرع، فلا تقتضي عوضًا.

стр. 9141

ونوقش هذا: إن قصدتم أن كل هبة موضوعها التبرع فهو مصادرة على محل النزاع، لاندراجها في هذه الكلية، وإن أردتم أن بعض الهبات كذلك فمسلم، ولا يضر ذلك؛ لأن المخالف يرى أن هبة الأدنى للأعلى موضوعة للعوض، والأعلى للأدنى للتبرع بشهادة العرف (١). الدليل الثاني: أن كل عقد اقتضى عوضًا غير مسمى، لا يفترق فيه الأعلى مع الأدنى، كالنكاح في التفويض، فلو اقتضته الهبة لاستوى الفريقان. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين النكاح والهبة، فالعوض في النكاح لازم شرعًا، لا يتمكنان من إسقاطه، فلذلك اطرد في جميع الصورة، بخلاف الهبة، فإن اقترن بها ما يدل على اعتبار العوض لزم، وإلا سقط. الدليل الثالث: إنما أوجبنا العوض إذا اشترط، تقديمًا للمعنى على اللفظ، فلفظ الهبة يقتضي التبرع، وشرط العوض يجعلها بيعًا معنى، فإذا لم يشرط العوض بقيت الهبة على أصل العقد، وهو التبرع المحض. ويجاب عنه بما أجيب به عن الدليل الأول، بأن القول بأن الهبة لا تقتضي عوضًا، هذه دعوى في محل النزاع.

стр. 9142

الدليل الرابع: قياس الهبة على الوصية فالوصية لا تقتضي العوض، فكذلك الهبة بجامع التبرع. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين الوصية والهبة، فالوصية لا يريد منها الموصي العوض؛ لأنها تقع بعد موته، وغالبًا ما يراد منها الأجر؛ لذلك لم تقتض أعواض الدنيا كالصدقة (١). الراجح: أن الهبة إذا دل العرف على قصد الثواب فهو معتبر، ولها حكم البيع، خاصة إذا كان الواهب لا يعرف الموهوب له، وكان الهبة من الأدنى للأعلى، والله أعلم.

стр. 9143

الفصل الثاني منزلة القبض في عقد الهبة القبض في الهبة شرط للزوم العقد لا لانعقاده. هل القبض في الهبة، ركن، أو شرط للصحة، أو أنه شرط للزوم العقد، لا لانعقاده؟ في ذلك خلاف بين العلماء. القول الأول: القبض ركن من أركان العقد، وهو قول بعض الحنفية، وبعض الحنابلة (١). جاء في الإنصاف: «صرح ابن عقيل: أن القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها، وكلام الخرقي يدل عليه أيضًا» (٢). وجه القول بأن القبض ركن: أن الهبة تصرف لا يظهر أثرها إلا بالقبض، لهذا كان القبض ركنًا في الهبة. ويناقش: إذا كان القبض في عقود المعاوضات الربوية لا يعتبر ركنًا في العقد، وإن كان القبض شرطًا في لزومها واستمرارها على الصحة، فالهبة من باب أولى ألا يكون القبض ركنًا، وإن توقف ثبوت الملك على القبض.

стр. 9144

القول الثاني: أن القبض شرط لصحة العقد، اختاره بعض الحنابلة. قال ابن رجب وهو يتكلم عن القبض في القعود: «ومن الأصحاب من جعل القبض فيها شرطاً للصحة، وممن صرح بذلك صاحب المحرر فيه في الصرف، والسلم، والهبة» (١). القول الثالث: الهبة تملك بالعقد، لا بالقبض، وهذا مذهب المالكية، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بحث مستقل بما تملك به الهبة، وننقل نصوص المالكية في ذلك، وإنما الكلام هنا على منزلة القبض في عقد الهبة. القول الرابع: قال الحنفية: الهبة لا تملك إلا بالقبض، وقال الشافعية والحنابلة في المشهور: لا تلزم ولا تملك إلا بالقبض (٢).

стр. 9145

قال الزيلعي: «وأما القبض فلابد منه لثبوت الملك» (١). وجاء في البحر الرائق: «لابد من القبض فيها لثبوت الملك» (٢). وفي حاشية ابن عابدين: «قوله: (أن يكون مقبوضًا) فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض كما قدمنا. وفي الزيلعي: وأما القبض فلا بد منه لثبوت الملك؛ إذ الجواز ثابت قبل القبض بالاتفاق» (٣). وجاء في مغني المحتاج: «ولا يملك موهوب بالهبة الصحيحة ... إلا بقبض، فلا يملك بالعقد» (٤). وجاء في إعانة الطالبين: «ظاهره أن الهبة تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض، وليس كذلك، بل لا تملك، ولا تلزم إلا بالقبض» (٥). وجاء في المحرر: «ولا تلزم الهبة ولا تملك إلا مقبوضة بإذن الواهب» (٦). وفي الإنصاف: «قال في الكبرى: تلزم الهبة، وتملك بالقبض إن اعتبر. وهو المذهب عند ابن أبي موسى، وغيره» (٧).

стр. 9146

القول الخامس: لا تصح الهبة إلا بالقبض إذا كان الموهوب مما يكال أو يوزن، أو يعد أو يذرع، وكما لو كان الموهوب غير معين، وهذا قول في مذهب الحنابلة (١). جاء في الإنصاف: «ظاهر كلام الخرقي، وطائفة: أن ما يكال ويوزن لا يصح إلا مقبوضًا. قال الخرقي: ولا تصح الهبة والصدقة، فيما يكال ويوزن، إلا بقبضه. قال في الانتصار، في البيع بالصفة: القبض ركن في غير المتعين، لا يلزم العقد بدونه. نقله الزركشي. وصححه الحارثي» (٢). الراجح: أن القبض مطلقًا ليس شرطًا في صحة العقد، لا في عقد الربا، ولا في عقد السلم، ولا غيره من العقود، ومنه الهبة. (ح-١١٣٥) والأصل في مسألة القبض ما أخرجه الشيخان من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه (٣). (ح-١١٣٦) وما رواه الشيخان من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه. قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام (٤).

стр. 9147

فدلت هذه النصوص أن القبض في البيع ليس هو من تمام العقد، بل الملك يحصل للمشتري قبل القبض وذلك بالإيجاب والقبول، ولذلك قال ﷺ من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتى يقبضه، فأثبت صحة البيع قبل القبض، ولكن منعه من التصرف فيه بالبيع قبل قبضه، والمنع من التصرف أخص من ثبوت الملك، فأثر القبض له تعلق في صحة التصرف في المبيع، وكذلك القبض له تعلق في الضمان إذا تلف قبل القبض وبعده. وقال ابن تيمية: «القبض في البيع ليس هو من تمام العقد، كما هو في الرهن، بل الملك يحصل قبل القبض للمشتري تابعاً، ويكون نماء المبيع له بلا نزاع، وإن كان في يد البائع، ولكن أثر القبض إما في الضمان، وإما في جواز التصرف» (١). والقبض بالعقد له حالان: الحال الأول: أن يكون القبض أثرًا من آثار العقد، وواحدًا من موجباته. كما هو الحال في البيع اللازم، والرهن اللازم، ولا يلزم من تأخر القبض الوقوع في أي محذور شرعي، فإذا تم انعقاد هذه العقود وأمثالها وجب على البائع تسليم المبيع إلى المشتري. ويلحظ هنا أن العقد تم بإيجاب وقبول، تولد عنهما التزام يوجب الإقباض. الحال الثاني: أن يكون القبض من تمام العقد، كقبض الثمن في السلم، والتقابض يداً بيد

стр. 9148

في الأموال الربوية، فإذا تفرق العاقدان بدون القبض بطل العقد؛ لأن تأخير القبض يوقع في محذور شرعي لا يمكن دفعه إلا بالقبض. ويثور جدل فقهي حول القبض هنا في البيوع الربوية، هل القبض فيها شرط لزوم العقد، واستمراره، أو أنه شرط انعقاد العقد، وإنشائه. والمختار: أن القبض شرط لزوم العقد واستمراره، وهو ليس ركنًا فيه؛ لأن العقد ينعقد بالتراضي في نظر الشرع، وهو يتم بالإيجاب والقبول، لكنه عقد غير لازم يفتقر إلى القبض. قال ابن رجب في القواعد «واعلم أن كثيرًا من الأصحاب يجعل القبض في هذه العقود معتبرًا للزومها، واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها، وممن صرح بذلك صاحب المغني، وأبو الخطاب في انتصاره، وصاحب التلخيص وغيرهم. ومن الأصحاب من جعل القبض فيها شرطاً للصحة ... » (١). وجاء في شرح الزرقاني على الموطأ: «قال الأبي: المناجزة قبض العوضين عقب العقد، وهي شرط في تمام الصرف، لا في عقده، فليس لأحدهما أن يرجع، وصرح بأنها شرط المازري، وابن محرز، واختار شيخنا يعني ابن عرفة: أنهاركن، لتوقف حقيقته عليها، وليست بخارجة، وظاهر كلام ابن القصار أنها ليست بركن، ولا شرط، وإنما التأخير مانع من تمام العقد، فإن قيل: لا يصح أنها شرط؛ لأن الشرط عقلياً كالحياة للعلم، أو شرعياً كالوضوء للصلاة: شرطه أن يوجد دون المشروط، والمناجزة لا توجد دون عقد الصرف، فما صورة

стр. 9149

تأخيرها؟ أجيب: بأنها إنما هي شرط في الصرف الصحيح، وهو متأخر عنها» (١). و لأن المعنى الشرعي للعقد: هو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره الشرعي في محله، وهذا المعنى للعقد يتحقق بالإيجاب والقبول، فالقبض ليس ركنًا في العقد، وإلا لكان ركناً في العقد مطلقاً في كل بيع، وليس في بعض العقود خاصة، وإنما القبض أثر من آثار العقد، على اختلاف بين عقد وعقد، وحيث يكون تأخر القبض في بعض العقود محرماً؛ لأنه يوقع العاقد في محذور شرعي، فيحرم تأخيره لذلك، كما يوقع تأخير القبض في عقد السلم في الوقوع في بيع الدين بالدين، ويوقع تأخير القبض في الأموال الربوية إلى الوقوع في ربا النسيئة كما في عقد الصرف، فدفعاً لهذه المحاذير، نقول: إذا تفرق العاقدان قبل القبض يكون العقد لاغياً لافتقاره إلى شرط لزومه واستمراره، أو لافتقاره إلى شرط صحته، ولا يقال: إن العقد لم ينعقد أصلًا (٢). وقد تكلمت عن الخلاف والراجح في منزلة القبض في عقد البيع، فارجع إليه غير مأمور. * * *

стр. 9150

الفصل الثالث في توصيف عقد الهبة المبحث الأول في لزوم الهبة تكلمنا في المبحث السابق عن منزلة القبض في الهبة، هل هو ركن، أو شرط للصحة، وسنتكلم في هذا الفصل، عن عقد الهبة، هل هو عقد جائز، أو عقد لازم، وإذا كان لازمًا فمتى يلزم، هل يلزم بالعقد، أو يلزم بالقبض؟ وللجواب على ذلك نقول: [م-١٨٦٤] اتفق العلماء على أن الملك يثبت بالإيجاب والقبول والقبض. واختلفوا هل تلزم الهبة بإيجاب وقبول خال من القبض؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: الهبة عقد جائز لا تلزم بالقبض، وإن كان القبض يحصل به الملك للموهوب له ملكًا غير لازم، ولا تلزم الهبة إلا بأمرين: الأول: أن يُعوَّض الواهب عن هبته، فإذا عوض عنها سقط حقه بالرجوع فيها، وإذا لم يعوض عنها صاحبها فإن الواهب يملك حق الرجوع فيها، ولو بعد القبض، ولا بد من التصريح بأن ما يدفعه عوض عن الهبة، كأن يقول: هذا عوض، أو بدل هبتك، ونحو ذلك، ويكون العوض مع ذلك هبة يصح بما تصح به الهبة، ويبطل بما تبطل به، فأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة

стр. 9151

الأولى فإنها تكون هبة مبتدأة، ويثبت حق الرجوع في الهبتين جميعًا؛ وذلك لأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء، ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك. الثاني: أن يوجد ما يمنع من الرجوع كاستهلاك الموهوب، وزيادته زيادة متصلة، وتصرف الموهوب فيه بإخراجه عن ملكه، أو موت أحدهما، ونحو ذلك فإذا وجد مثل ذلك لزمت الهبة، فلا يملك الواهب حق الرجوع فيها. وهذا مذهب الحنفية (١). قال الشلبي: «حكم الهبة وقوع الملك للموهوب له ملكًا غير لازم، وفائدته صحة الرجوع» (٢). قال الزيلعي: «إذا وهب لشخص هبة، وقبضها، وليس فيه ما يمنع الرجوع من زيادة، وموت أحدهما، وعوض، وخروج عن الملك، وزوجية، وقرابة محرمة للنكاح، وهلاك الموهوب، جاز الرجوع في الهبة» (٣). وقال السرخسي: «إذا وهب لأجنبي شيئًا، فله أن يرجع في الهبة عندنا - ما لم يعوض منها في الحكم - وإن كان لا يستحب له ذلك بطريق الديانة» (٤).

стр. 9152

القول الثاني أن الهبة عقد لازم، وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة، على خلاف بينهم: هل تلزم الهبة بمجرد العقد بحيث يطالب الموهوب له الواهب قضاء بالتسليم إذا تم الإيجاب والقبول؟ أو لا تلزم الهبة، ولا تملك إلا بالقبض، ويحق للواهب الرجوع عن الهبة قبل التقابض؟ أو يفرق بين هبة الدين وبين هبة العين. أو تكون موقوفة؟ على خمسة أقوال بينهم، هذا تفصيلها: القول الأول: الهبة تلزم بمجرد العقد، ولا يحق له الرجوع بالهبة ويحكم عليه بها ولو لم يقبضها، ولا تتم إلا بالحيازة، وهذا مذهب المالكية (١). وذهب أبو ثور وابن أبي ليلى والإمام أحمد في رواية اختارها جماعة من أصحابه، إلى أن الهبة تملك بالعقد، ولا تفتقر إلى القبض مطلقًا (٢). قال ابن عبد البر: «وقال أبو ثور وأحمد بن حنبل: تصح الهبة والصدقة غير مقبوضة» (٣).

стр. 9153

وقال ابن رشد: «الذي ذهب إليه مالك ﵀، وجميع أصحابه، أنها تلزم بالقول، وتجب به، وتفتقر إلى الحيازة، فيحكم على الواهب، أو المتصدق بدفعها ما لم يمرض أو يفلس» (١). وجاء في بداية المجتهد: «قال مالك: ينعقد بالقبول، ويجبر على القبض كالبيع سواء، فإن تأنى الموهوب له عن طلب القبض حتى أفلس الواهب، أو مرض، بطلت الهبة» (٢). القول الثاني: لا تلزم الهبة، ولا تملك إلا بالقبض، وله الرجوع فيها قبل التقابض، وهذا مذهب الشافعية وإحدى الروايتين عن الحنابلة (٣). قال في الحاوي: «أما القبض فهو من تمام الهبة لا تملك إلا به، وهو قول أهل العراق» (٤). وفي البيان في مذهب الإمام الشافعي: «ولا تلزم الهبة إلا بالقبض: فإذا وهب لغيره عينًا فالواهب بالخيار: إن شاء أقبض الموهوب له، وإن شاء لم يقبضه» (٥).

стр. 9154

وجاء في إعانة الطالبين: «ظاهره أن الهبة تملك بالعقد، ولا تلزم إلا بالقبض، وليس كذلك، بل لا تملك، ولا تلزم إلا بالقبض» (١). وجاء في الإنصاف: «قوله: (وتلزم بالقبض) يعني: ولا تلزم قبله. وهذا إحدى الروايتين. وهو المذهب مطلقا. جزم به في الوجيز، وغيره ... » (٢). وجاء في المحرر: «ولا تلزم الهبة، ولا تملك إلا مقبوضة بإذن الواهب» (٣). القول الثالث: التفريق بين هبة ما يتعلق به حق استيفاء من كيل أو وزن، أو عد أو ذرع، وبين هبة المتميز، فالأولى لا تصح إلا بالقبض، كما لو أهداه كيلًا معلومًا من صبرة من طعام، وأما هبة المتميز ففيها قولان: أحدهما: تلزم بالعقد، والثاني: تلزم بالقبض. وفسر ابن قدامة نفي الصحة باللزوم، وإلا فهي صحيحة قبل القبض. جاء في الإنصاف: «ظاهر كلام الخرقي، وطائفة: أن ما يكال ويوزن لا يصح إلا مقبوضًا. قال الخرقي: ولا تصح الهبة والصدقة، فيما يكال ويوزن، إلا بقبضه. قال في الانتصار، في البيع بالصفة: القبض ركن في غير المتعين، لا يلزم العقد بدونه. نقله الزركشي. وصححه الحارثي» (٤).

стр. 9155

قال ابن قدامة: «وقول الخرقي (لا يصح). يحتمل أن يريد: لا يلزم. ويحتمل أن يريد: لا يثبت بها الملك قبل القبض، فإن حكم الملك حكم الهبة، والصحة اعتبار الشيء في حق حكمه. وأما الصحة بمعنى انعقاد اللفظ بحيث إذا انضم إليه القبض اعتبر وثبت حكمه، فلا يصح حمل لفظه على نفيه، لعدم الخلاف فيه» (١). وجاء في قواعد ابن رجب: «أما الرهن والهبة، فهل يعتبر القبض فيهما في جميع الأعيان، أو في المبهم غير المتميز، كقفيز من صبرة؟ على روايتين» (٢). وفي الإنصاف «قال الزركشي: لا يفتقر المعين إلى القبض عند القاضي وعامة أصحابه، وقدمه في المغني، وابن رزين في شرحه، وأطلقهما في الكافي، والشرح، والتلخيص والهداية، والمستوعب» (٣). وجاء فيه أيضًا: «وعنه ـ يعني عن الإمام أحمد ـ تلزم في متميز بالعقد» (٤). القول الرابع: أن الملك فيها يقع مراعى، فإن وجد القبض تبينا أنه كان للموهوب بقبوله وإلا فهو للواهب. وهذا أحد القولين في مذهب الشافعية، ووجه ثالث عند الحنابلة حكي عن ابن حامد (٥).

стр. 9156

ويتفرع على هذا الخلاف: الملك في الزيادة الحادثة بين العقد والقبض لمن تكون. فعلى هذا القول يكون الملك فيها للموهوب له، وعلى القول بأن الهبة لا تلزم ولا تملك إلا بالقبض يكون الملك في الزيادة المنفصلة للواهب، ومثله في تحمل النفقات. جاء في الحاوي الكبير: «لو وهب رجل لرجل عبدًا قبل شوال، ثم أقبضه العبد بعد شوال، في زكاة فطره قولان مبنيان على اختلاف قوليه في الهبة متى تملك؟ فأحد قوليه: تملك بالقبض، فعلى هذا زكاة فطره على الواهب، لأنه كان في ملكه حتى أهل شوال. والقول الثاني: أنه يملك بالعقد ملكًا موقوفًا على القبض، فعلى هذا زكاة الفطر على الموهوب له؛ لأنه كان على ملكه حين أهل شوال» (١). القول الخامس: التفريق بين الهبة والصدقة، فالصدقة تلزم بالقول بخلاف الهبة، فإنها لا تلزم إلا بالقبض، وهذا قول في مذهب الشافعية. هذه هي الأقوال في المسألة، وملخصها كالتالي: الأول: الهبة عقد جائز، لا تلزم بالقبض، وإنما تلزم بأمور منها: التعويض عنها، أو التصريف فيها. وهذا مذهب الحنفية.

стр. 9157

الثاني: الهبة تلزم بالعقد، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة. الثالث: الهبة لا تملك، ولا تلزم إلا بالقبض، وهذا مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. الرابع: الهبة تلزم بالعقد إلا إذا تعلق في الموهوب حق استيفاء من كيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع. وإذا عرفنا الأقوال نأتي على ذكر أدلة كل قول إن شاء الله تعالى: أدلة الحنفية على أن الهبة عقد غير لازم وله الرجوع فيها: مسألة حكم الرجوع في الهبة بعد القبض سيكون محل بحث في فصل مستقل، وهناك أستوفي إن شاء الله تعالى أدلة الحنفية على تلك المسألة. دليل من قال: الهبة تلزم بالعقد: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وجه الاستدلال: العقد في اللغة وفي الإصطلاح: هو الإيجاب والقبول، فإذا تم الإيجاب والقبول في الهبة فقد تم العقد، وأمر الله بالوفاء به، ولا يتوقف الأمر على قبض ونحوه، (والعقود) جمع يشمل كل عقد تم بين متعاقدين، لا فرق بين عقد وآخر.

стр. 9158

ونوقش هذا: أن المراد بالآية لازم العقود، حتى البيع قبل لزومه لا يجب الوفاء به كما لو كان فيه خيار شرط ونحوه، فكذلك عقد الهبة لا يجب الوفاء به قبل لزومه، وهو لا يلزم إلا إذا قبض، بدليل ما فهمه الصحابة ﵃؛ لأنهم أقرب إلى فهم النصوص، لقربهم من التنزيل، وأخذهم عن الرسول ﷺ . ورد هذا: القول بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض استدلال في محل النزاع، وفهم الصحابة دليل على أن عقد الهبة يفتقر إلى الحيازة، وهذا لا يعني أنه لم ينعقد، فالهبة كغيرها من العقود تنعقد بالإيجاب والقبول، واستثناء الهبة من سائر العقود يحتاج إلى دليل، وإذا كانت العقود الربوية تنعقد بالإيجاب والقبول، وإن كان القبض شرطًا في استمرارها على الصحة، فالهبة من باب أولى؛ لأن تأخر القبض في الهبة لا يمنع من استمرار انعقادها، وإنما كانت الحيازة من شرط تمام الهبة والصدقة؛ لأنهما لو أجيزا دون حيازة، لكان ذلك ذريعة إلى أن ينتفع الإنسان بماله طول حياته، ثم يخرجه عن ورثته بعد وفاته، وذلك ممنوع؛ لأن الله تعالى فرض الفرائض لأهلها، وتوعد على تعديها فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا هو ما فهمه الصحابة ﵃. (ث-٢٧٦) فقد روى مالك من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلًا، ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم، قال: ما لي بيدي، لم

стр. 9159

أعطه أحدًا، وإن مات هو، قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه. من نحل نحلة، فلم يحزها الذي نحلها، حتى يكون إن مات لورثته، فهي باطل (١). [صحيح]. الدليل الثاني: (ح-١١٣٧) ما رواه البخاري من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه (٢). ووجه الدلالة منه أن الحديث دال على تحريم الرجوع في الهبة، وهي تشمل المقبوضة وغيرها؛ لأن تسميتها هبة لا يتوقف على قبضها، فدل على أن القبض غير معتبر في لزوم الهبة. ونوقش: بأن الحديث وعيد على العائد في هبته، والعود لا يصدق إلا على ما خرج من يد الواهب ثم عاد إليه، فصار الحديث دالا على أن اللزوم لا يتم إلا بالقبض. ورد هذا: بأن العود في اللغة: هو الرجوع، كذا في القاموس المحيط (٣).

стр. 9160

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨]، ومن قال: إنه لا يسمى عائدًا في هبته حتى تخرج الهبة منه، ثم تعود عليه فقد ادعى شيئًا لا تدل عليه اللغة، فمن عاد عن البيع بعد انعقاده صح أن يقال: قد عاد عن بيعه، وإن كان المبيع في يده. الدليل الثالث: قياس الهبة على سائر العقود حيث لم يتوقف انعقادها على القبض. ونوقش: بأن الأدلة قد صحت في اعتبار القبض في الهبة كما سيأتي في أدلة القول الثاني، فلم يصح القياس. ورد هذا: بأن القبض في الهبة ليس من شروط الانعقاد، وإنما هو شرط لإتمامها، وبينهما فرق، ولن يكون اعتبار القبض في الهبة بأكثر من اعتباره في العقود الربوية، والتي جاءت النصوص الصحيحة الصريحة بوجوبه يدًا بيد قبل التفرق، ومع ذلك لا يتوقف الانعقاد فيها على القبض، فهي تنعقد بالإيجاب والقبول، والقبض شرط لاستمرار انعقادها على الصحة. الدليل الرابع: أن الهبة تمليك عين في حال الحياة، فوجب أن يلزم بمجرد الإيجاب والقبول كالبيع. وأجيب: لا يصح القياس على البيع من وجهين:

стр. 9161

أحدها: أن القبض في البيع أثر من آثار العقد، وليس شرطًا للزوم البيع، ولا لإتمامه، فخالف الهبة. الثاني: أن البيع من عقود المعاوضات، والهبة من عقود التبرع. الدليل الخامس: (ث-٢٧٧) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (١). [صحيح، وسبق تخريجه] (٢). الدليل السابع: أن الهبة إزالة ملك بغير عوض فأشبه الوصية والوقف. ونوقش هذا: بأنه لا يصح القياس على الوقف والوصية؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، فخالف التمليكات، والوصية تلزم في حق الوارث، ولا تلزم الهبة الوارث إذا لم تقبض في حياة الواهب. دليل من قال: لا تلزم الهبة، ولا تملك إلا بالقبض: الدليل الأول: (ث-٢٧٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،

стр. 9162

عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (١). وجه الاستدلال: وهذا الأثر نص في اشتراط القبض للزوم الهبة، حيث وهبها في صحته، ولم تقبضها حتى مرض، والإقباض في مرض الموت كالعطية، والعطية للوارث لا تصح. ويجاب من وجوه: الوجه الأول: أن أبا بكر ﵁ قد سماها هبة، حيث يقول: (كنت نحلتك)، وهذا دليل على انعقادها بذلك، ولو كانت لا تنعقد حتى تقبض لما أطلق عليها هذا الاسم، والقبض شرط للزوم العقد، وليس لانعقاده. الوجه الثاني: يحتمل أن هبة أبي بكر لم تنفذ لأنها لم تكن معينة، فهي من هبة المكيل قبل كيله، وهذا لا يصح إلا مقبوضًا، ولهذا ردها أبو بكر ﵁، لا لأنها لم تقبض؛ لأن قوله: جاد عشرين وسقًا: أي وهبتك عشرين مجدودة من هذه الثمار، فهي

стр. 9163

من قبيل هبة المكيل قبل كيله، وليس من هبة العين، كما لو وهبه قفيز بر من هذه الصبرة، فلابد فيه من القبض لصحته، ولا يصح التصرف فيه قبل قبضه. الوجه الثالث: أن الرد بسبب جهالة الهبة، لقوله: إني نحلتك جداد عشرين وسقًا؛ ولو باع رجل جداد عشرين وسقًا من نخل له لم يجز فيه البيع، لأن ذلك مجهول. الوجه الرابع: انظره في الجواب عن الدليل التالي. الدليل الثاني: (ث-٢٧٩) روى مالك من طريق مالك، ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلًا، ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم، قال: ما لي بيدي، لم أعطه أحدًا، وإن مات هو، قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه. من نحل نحلة، فلم يحزها الذي نحلها، حتى يكون إن مات لورثته، فهي باطل (١). [صحيح]. ويجاب عن هذا وعن أثر أبي بكر السابق: أن الحيازة إنما كانت شرطًا لإتمام الهبة والصدقة؛ لأنهما لو أجيزا دون حيازة، لكان ذلك ذريعة إلى أن ينتفع الإنسان بماله طول حياته، ثم يخرجه عن ورثته بعد وفاته، فلم يمنع عمر ﵁ من انعقاد الهبة بالإيجاب والقبول،

стр. 9164

ولكنه كان يمنع من الاحتفاظ بالهبة إلى الموت، والانتفاع بها، واعتبار ذلك حيلة لمنع الورثة؛ وذلك ممنوع؛ لأن الله تعالى فرض الفرائض لأهلها، وتوعد على تعديها فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا هو ما فهمه أبو بكر وعمر ﵄ وقد تقدم نقل ذلك. الدليل الثالث: (ح-١١٣٨) ما يروى عن النبي أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة (١). وجه الاستدلال: أن معنى لا تجوز الهبة: أي لا يثبت الحكم وهو الملك؛ إذ الجواز ثابت قبل القبض باتفاق. ويجاب عن الحديث: بأن الحديث لا أصل له. قال ابن حجر في الدراية: لم أجده (٢). وقال الزيلعي في نصب الراية: غريب (٣)، وهذا يعني أنه لا أصل له، وهو مصطلح له في نصب الراية. وقال العيني: «هذا حديث منكر لا أصل له ... » (٤).

стр. 9165

الدليل الرابع: قال المروزي في اختلاف العلماء: «اتفق أبو بكر وعمر وعثمان على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة» (١). ولم يعرف لهؤلاء مخالف فيكون إجماعًا. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أما أثر أبي بكر وعمر فقد سبق الجواب عنهما، فلا يحتاج إلى إعادة ذلك. (ث-٢٨٠) وأما أثر عثمان فقد رواه ابن أبي شيبة من طريق الزهري، عن سعيد قال: شكي ذلك إلى عثمان أن الولد إذا كان صغيرًا لا يحوز، فرأى أن أباه إذا وهب له وأشهد حاز (٢). [صحيح]. ورد هذا: بأن أثر أمير المؤمنين عثمان ﵁ لا حجة فيه؛ لأن الأثر لا يتكلم على أن الهبة عقد جائز لا يلزم إلا بالقبض، والذي هو موضع النزاع، وإنما تناول أن الملك في الهبة لا يتم إلا بالحيازة، وبينهما فرق، وأن الواهب إذا كان وليًا لم يكن الملك متوقفًا على حيازة الصغير، فإذا أشهد على الهبة كانت يد الولي كيد الصغير في إتمام الملك، وليس في لزوم الهبة. فكون الملك يتم بالحيازة لا

стр. 9166

يجعل العقد ليس لازمًا قبله، والقول بأن الهبة الناجزة لا تختلف عن الوعد بالهبة إن شاء أمضاها، وإن شاء رجع فيها لا دليل عليه، بل غاية الأدلة تدل على أن الملك يتم بالحيازة، وهذا أمر مختلف. الوجه الثاني: على التسليم بأن رأي أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ يدل على أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإن الصحابة قد وقع بينهم خلاف في المسألة، وإذا قع خلاف لم يكن قول الصحابي حجة بمفرده، بل يطلب الترجيح من أدلة أخرى. (ث-٢٨١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: نا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن النضر بن أنس، قال: نحلني أبي نصف داره، فقال أبو بردة: إن سرك أن تحوز ذلك فاقبضه فإن عمر بن الخطاب «قضى في الأنحال أن ما قبض منه فهو جائز، وما لم يقبض منه فهو ميراث (١). [أثر أنس صحيح متصل، وأما أثر عمر فلا يضره الانقطاع بين أبي بردة وعمر؛ لأن أثر عمر قد ثبت عنه ذلك بسند صحيح في الموطأ، وسبق تخريجه]. وجه الاستدلال: أن أنسًا ﵁ ير أن الهبة نافذة، ولو لم تقبض، ولهذا قال ما قاله أبو بردة رضي الله عن رأي عمر، فإن حملنا رأي عمر على أنه يرى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فقد خالف قول أنس قولَ عمر ﵁ مما يدل على أن المسألة ليست إجماعًا بين الصحابة، مع أن رأي عمر قد تم الجواب عنه في الأدلة السابقة، وأنه ليس صريحًا في الباب، والله أعلم.

стр. 9167

الدليل الخامس: أن عقد التبرع ضعيف في نفسه، ولهذا لا يتعلق به صفة اللزوم، والملك الثابت للواهب أقوى فلا يزول بالسبب الضعيف حتى ينضم إليه ما يتأيد به، وهو القبض في الهبة، والموت في الوصية (١). ويناقش: لو عكس هذا لكان أصح، فإن عقد التبرع عقد إرفاق وإحسان، والتوسعة فيه أن لا يشتدد في عقده قبض أو لم يقبض؛ لأنه لا يقابله عوض، بخلاف عقود المعاوضات فإن البائع إنما بذل المبيع مقابل عوض، فكونه لا يلزم إلا إذا تقابضا، لو قيل هذا في عقود المعاوضات لكان أولى من عقود التبرع القائم على المسامحة والإحسان. دليل من قال: هبة المكيل والموزون لا تلزم فيه إلا بالقبض: الدليل الأول: قياس الهبة على البيع، فالمبيع إذا لم يكن فيه حق توفية فإنه يكون من ضمان المشتري إذا هلك عند البائع بدون تعد أو تفريط، ويصح تصرف المشتري فيه بالبيع، ولو لم يقبضه، وإذا كان فيه حق توفية من كيل أو وزن، أو عد، أو ذرع فإن ضمانه من مال البائع، وليس للمشتري حق التصرف فيه قبل قبضه، والهبة قياس عليه، وقد ذكرنا أدلة كثيرة على هذه المسألة عند الكلام على التصرف في المبيع قبل قبضه، فارجع إلى أدلة المسألة هناك غير مأمور.

стр. 9168

الدليل الثاني: (ث-٢٨٢) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... » (١). وجه الاستدلال: أن قوله: (نحلتك جاد عشرين وسقًا): أي وهبتك عشرين مجدودة من هذه الثمار، فهي من قبيل هبة ما يحتاج إلى كيل، وليس من هبة العين، كما لو وهبه قفيز بر من هذه الصبرة، فلابد فيه من القبض لصحته، ولا يصح التصرف فيه قبل قبضه. دليل من فرق بين الهبة والصدقة: (ث-٢٨٣) ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عليًا، وابن مسعود كانا يجيزان الصدقة وإن لم تقبض .... (٢) [ضعيف] (٣).

стр. 9169

دليل من قال: إن تم القبض تبين أن الملك من العقد، وإلا بطل: لعل هذا القول يرى أن الملك يحصل بالإيجاب والقبول، والقبض شرط فيه، فإن تحقق الشرط كان الملك ثابتًا من حين صدور القبول مطابقًا للإيجاب، وإن لم يتم القبض يكون هذا إبطالًا لما تم انعقاده، وليس لأن الملك لا يتم إلا بالقبض. الراجح: أرى أن الخلاف في المسألة خلاف قوي، وأن مذهب المالكية ربما كان أقرب، والله أعلم. * * *

стр. 9170

المبحث الثاني في اشتراط إذن الواهب في القبض إيجاب الواهب إذن بالقبض دلالة. [م-١٨٦٥] عرفنا اختلاف العلماء في عقد الهبة، وهل يلزم بالعقد أو بالقبض؟ فإذا حصل القبض، فهل يشترط أن يكون ذلك بإذن الواهب ورضاه، أو يصح القبض، ولو لم يأذن الواهب بذلك؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا أذن الواهب في القبض صريحًا صح القبض في المجلس وبعده، وإذا نهاه عن القبض لم يصح القبض لا في المجلس ولا بعده، وإن كان لم يأذن له في القبض، ولم ينهه عنه، فإن قبض في المجلس صح القبض استحسانًا، وإن قبضها بعد الافتراق لم يصح إلا أن يأذن له الواهب في القبض. وهذا مذهب الحنفية (١). حجة الحنفية في التفريق بين المجلس وغيره: قالوا: إن القبض بمنزلة القبول في عقد البيع، والقبول في عقد البيع إذا صدر في المجلس تم العقد، وإذا لم يقبل حتى افترقا لم ينعقد العقد، فكذلك القبض

стр. 9171

في الهبة إن تم في المجلس كان نافعًا، ولو لم يكن بإذن الواهب ما لم ينه عنه؛ لأن الإيجاب من الواهب تسليط على القبض في المجلس دلالة. جاء في مجلة الأحكام العدلية: إيجاب الواهب إذن دلالة بالقبض (١). وإذا افترقا من المجلس قبل القبض، ثم قبض الهبة لم يكن له تأثير إلا بإذن صريح من الواهب؛ لأنه بمنزلة عقد مستأنف. جاء في اللباب في شرح الكتاب: «(فإن قبض الموهوب له) الهبة (في المجلس بغير أمر الواهب) ولم ينهه (جاز) استحساناً؛ لأن الإيجاب إذنٌ له بالقبض دلالة (وإن قبض بعد الافتراق لم تصح) الهبة؛ لأن القبض في الهبة منزل منزلة القبول، والقبول مختص بالمجلس، فكذا ما هو بمنزلته بالأولى، (إلا أن يأذن له الواهب في القبض)؛ لأنه بمنزلة عقد مستأنف. قيدنا بعدم نهيه؛ لأنه لو نهاه عن القبض لم يصح قبضه، سواء كان في المجلس أو بعده؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة» (٢). القول الثاني: يشترط لصحة القبض إذن الواهب، ولو بعد التفرق من مجلس العقد. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 9172

والإذن نوعان: صريح، ودلالة. أما الصريح: فنحو أن يقول له: اقبض الهبة، أو أذنت لك بقبضها، ونحو ذلك. وأما الإذن دلالة: كالمناولة، والتخلية، ومثله أن يقبض الموهوب له الهبة فيسكت الواهب، ولا ينهاه. (١) قال الشافعي في الأم: «ولو وهب رجل لرجل هبة، والهبة في يدي الموهوبة له فقبلها تمت لأنه قابض لها بعد الهبة. ولو لم تكن الهبة في يدي الموهوبة له فقبضها بغير إذن الواهب لم يكن ذلك له، وذلك أن الهبة لا تملك إلا بقول وقبض، وإذا كان القول لا يكون إلا من الواهب فكذلك لا يكون القبض إلا بإذن الواهب لأنه المالك، ولا يملك عنه إلا بما أتم ملكه، ويكون للواهب الخيار أبدا حتى يسلم ما وهب» (٢). قال العمراني في البيان: «الموهوب ليس له أن يقبض إلا بإذن الواهب، فإن

стр. 9173

قبض بغير إذنه لم يصح القبض» (١). وقال إمام الحرمين: «لو ابتدر المتهب، وقبض من غير إقباض، ولا إذن، لم يحصل الملك» (٢). وقال ابن قدامة: «ولا يجوز القبض إلا بإذنه؛ لأنه غير مستحق عليه، فإن قبض بغير إذنه، لم تتم الهبة. وإن أذن، ثم رجع قبل القبض، أو مات بطل الإذن» (٣). حجة هذا القول: أن الواهب بالخيار قبل إقباضه للهبة، إن شاء رجع عن هبته، وإن شاء أمضاها بالقبض، وذلك لأن القبض غير مستحق عليه بمجرد العقد، وإذا كان الخيار له، كان القبض بإذنه؛ لأن القبض مزيل لملكه في الهبة. ويجاب: ألا يكفي الإيجاب إذنًا بالقبض، خاصة أنه لا يوجد ما يدل على رجوعه عنه، فاستصحاب الإيجاب كاف في الإذن بالقبض دلالة حتى يوجد ما يدل على رجوعه صراحة أو دلالة. القول الثاني: لا يجوز القبض بعد الافتراق من المجلس، ولو كان بإذن الواهب، وهو قول زفر من الحنفية (٤). حجة قول زفر: أن القبض عنده ركن بمنزلة القبول على أحد قوليه، فلا يصح بعد الافتراق عن المجلس، كما لا يصح القبول عنده بعد الافتراق، وإن كان بإذن الواهب كالقبول في باب البيع (٥).

стр. 9174

ويناقش: بأن قول زفر عليه رحمة الله قول ضعيف حتى لو سلمنا له أن القبول ركن، فإنه إذا أذن بالقبض بعد المجلس كانت هبة مستأنفة. القول الثالث: ذهب المالكية وابن حزم من الظاهرية إلى أن الإذن ليس شرطًا في القبض؛ لأن الهبة تلزم عندهم بالعقد، وتملك به. فلا يتوقف الملك على القبض (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن وهبت هبة لرجل، فقبضها بغير أمري، أيجوز قبضه؟ قال: نعم في قول مالك؛ لأنك لو منعته، ثم قام عليك، كان له أن يقبضها منك إذا كانت لغير الثواب» (٢). حجة المالكية: تقدم ذكر أدلتهم في أن الهبة تملك بالعقد، وليس للواهب منع الموهوب من القبض، وإذا امتنع الواهب عن التسليم فإنه يقضى عليه بذلك، ويجبر على التسليم، فإذا قبض الهبة صح ذلك، ولو كان بغير إذنه. قال الباجي: «ومعنى القبض: أن يقبض المعطي العطية وتصير في يده، وإن

стр. 9175

كان ذلك بغير علم المعطي، ولا إذنه، فمات المعطي قبل أن يعلم، ويرضى، فذلك حوز عند ابن المواز قال: لأنه لو منعه قضى عليه بذلك. ووجه ذلك: أن القبض حوز للمعطى ليس للمعطي منعه منه، فصح بغير إذنه كما لو امتنع من ذلك فقضي به عليه» (١). وقال الخرشي: «الشيء الموهوب يحاز عن واهبه، ولو لم يأذن في ذلك، فإن أبى الواهب فإنه يجبر على حيازته للموهوب؛ لأن الهبة تملك بالقول على المشهور» (٢). الراجح من الخلاف: هذه المسألة مبنية على المسألة التي قبلها، وهي هل تملك الهبة بالعقد، أو تملك بالقبض. فمن قال: إن الهبة تملك بالعقد، رأى أن من حق الموهوب قبض الهبة، وليس من حق الواهب منعه من ذلك،، فإذا قبضها فقد قبض ما هو مملوك له. ومن قال: إن الهبة لا تملك ولا تلزم إلا بالقبض، وللواهب الرجوع عن هبته رأى أن قبض الهبة بدون إذن الواهب يسقط حقه بالخيار في الرجوع عن الهبة، فلا يكون القبض صحيحًا. وقد سبق ذكر الأدلة على هذه المسألة، وأرى أنه حتى على القول بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض لا أرى أنه يشترط إذن الواهب للقبض؛ لأنه لا يوجد في الأدلة
следующие страницы →