← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

في الهبة إن تم في المجلس كان نافعًا، ولو لم يكن بإذن الواهب ما لم ينه عنه؛ لأن الإيجاب من الواهب تسليط على القبض في المجلس دلالة. جاء في مجلة الأحكام العدلية: إيجاب الواهب إذن دلالة بالقبض (١). وإذا افترقا من المجلس قبل القبض، ثم قبض الهبة لم يكن له تأثير إلا بإذن صريح من الواهب؛ لأنه بمنزلة عقد مستأنف. جاء في اللباب في شرح الكتاب: «(فإن قبض الموهوب له) الهبة (في المجلس بغير أمر الواهب) ولم ينهه (جاز) استحساناً؛ لأن الإيجاب إذنٌ له بالقبض دلالة (وإن قبض بعد الافتراق لم تصح) الهبة؛ لأن القبض في الهبة منزل منزلة القبول، والقبول مختص بالمجلس، فكذا ما هو بمنزلته بالأولى، (إلا أن يأذن له الواهب في القبض)؛ لأنه بمنزلة عقد مستأنف. قيدنا بعدم نهيه؛ لأنه لو نهاه عن القبض لم يصح قبضه، سواء كان في المجلس أو بعده؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة» (٢). القول الثاني: يشترط لصحة القبض إذن الواهب، ولو بعد التفرق من مجلس العقد. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 9172

والإذن نوعان: صريح، ودلالة. أما الصريح: فنحو أن يقول له: اقبض الهبة، أو أذنت لك بقبضها، ونحو ذلك. وأما الإذن دلالة: كالمناولة، والتخلية، ومثله أن يقبض الموهوب له الهبة فيسكت الواهب، ولا ينهاه. (١) قال الشافعي في الأم: «ولو وهب رجل لرجل هبة، والهبة في يدي الموهوبة له فقبلها تمت لأنه قابض لها بعد الهبة. ولو لم تكن الهبة في يدي الموهوبة له فقبضها بغير إذن الواهب لم يكن ذلك له، وذلك أن الهبة لا تملك إلا بقول وقبض، وإذا كان القول لا يكون إلا من الواهب فكذلك لا يكون القبض إلا بإذن الواهب لأنه المالك، ولا يملك عنه إلا بما أتم ملكه، ويكون للواهب الخيار أبدا حتى يسلم ما وهب» (٢). قال العمراني في البيان: «الموهوب ليس له أن يقبض إلا بإذن الواهب، فإن

стр. 9173

قبض بغير إذنه لم يصح القبض» (١). وقال إمام الحرمين: «لو ابتدر المتهب، وقبض من غير إقباض، ولا إذن، لم يحصل الملك» (٢). وقال ابن قدامة: «ولا يجوز القبض إلا بإذنه؛ لأنه غير مستحق عليه، فإن قبض بغير إذنه، لم تتم الهبة. وإن أذن، ثم رجع قبل القبض، أو مات بطل الإذن» (٣). حجة هذا القول: أن الواهب بالخيار قبل إقباضه للهبة، إن شاء رجع عن هبته، وإن شاء أمضاها بالقبض، وذلك لأن القبض غير مستحق عليه بمجرد العقد، وإذا كان الخيار له، كان القبض بإذنه؛ لأن القبض مزيل لملكه في الهبة. ويجاب: ألا يكفي الإيجاب إذنًا بالقبض، خاصة أنه لا يوجد ما يدل على رجوعه عنه، فاستصحاب الإيجاب كاف في الإذن بالقبض دلالة حتى يوجد ما يدل على رجوعه صراحة أو دلالة. القول الثاني: لا يجوز القبض بعد الافتراق من المجلس، ولو كان بإذن الواهب، وهو قول زفر من الحنفية (٤). حجة قول زفر: أن القبض عنده ركن بمنزلة القبول على أحد قوليه، فلا يصح بعد الافتراق عن المجلس، كما لا يصح القبول عنده بعد الافتراق، وإن كان بإذن الواهب كالقبول في باب البيع (٥).

стр. 9174

ويناقش: بأن قول زفر عليه رحمة الله قول ضعيف حتى لو سلمنا له أن القبول ركن، فإنه إذا أذن بالقبض بعد المجلس كانت هبة مستأنفة. القول الثالث: ذهب المالكية وابن حزم من الظاهرية إلى أن الإذن ليس شرطًا في القبض؛ لأن الهبة تلزم عندهم بالعقد، وتملك به. فلا يتوقف الملك على القبض (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن وهبت هبة لرجل، فقبضها بغير أمري، أيجوز قبضه؟ قال: نعم في قول مالك؛ لأنك لو منعته، ثم قام عليك، كان له أن يقبضها منك إذا كانت لغير الثواب» (٢). حجة المالكية: تقدم ذكر أدلتهم في أن الهبة تملك بالعقد، وليس للواهب منع الموهوب من القبض، وإذا امتنع الواهب عن التسليم فإنه يقضى عليه بذلك، ويجبر على التسليم، فإذا قبض الهبة صح ذلك، ولو كان بغير إذنه. قال الباجي: «ومعنى القبض: أن يقبض المعطي العطية وتصير في يده، وإن

стр. 9175

كان ذلك بغير علم المعطي، ولا إذنه، فمات المعطي قبل أن يعلم، ويرضى، فذلك حوز عند ابن المواز قال: لأنه لو منعه قضى عليه بذلك. ووجه ذلك: أن القبض حوز للمعطى ليس للمعطي منعه منه، فصح بغير إذنه كما لو امتنع من ذلك فقضي به عليه» (١). وقال الخرشي: «الشيء الموهوب يحاز عن واهبه، ولو لم يأذن في ذلك، فإن أبى الواهب فإنه يجبر على حيازته للموهوب؛ لأن الهبة تملك بالقول على المشهور» (٢). الراجح من الخلاف: هذه المسألة مبنية على المسألة التي قبلها، وهي هل تملك الهبة بالعقد، أو تملك بالقبض. فمن قال: إن الهبة تملك بالعقد، رأى أن من حق الموهوب قبض الهبة، وليس من حق الواهب منعه من ذلك،، فإذا قبضها فقد قبض ما هو مملوك له. ومن قال: إن الهبة لا تملك ولا تلزم إلا بالقبض، وللواهب الرجوع عن هبته رأى أن قبض الهبة بدون إذن الواهب يسقط حقه بالخيار في الرجوع عن الهبة، فلا يكون القبض صحيحًا. وقد سبق ذكر الأدلة على هذه المسألة، وأرى أنه حتى على القول بأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض لا أرى أنه يشترط إذن الواهب للقبض؛ لأنه لا يوجد في الأدلة

стр. 9176

ما ينص على اشتراط الإذن عند القبض بعد تمام الهبة، ولأن الهبة تمت بالإيجاب والقبول، ولم يوجد ما يدل على رجوع الواهب، فكان القبض صحيحًا استصحابًا للعقد، ودعوى أن الواهب قد يرجع عن هبته هذا خلاف الأصل، بل الأصل أن الواهب على إيجابه حتى يوجد ما يدل صراحة على رجوعه قبل القبض، فإذا لم يوجد فقد لزمت الهبة، والله أعلم. * * *

стр. 9177

المبحث الثالث إذا كان الموهوب في يد المتهب [م-١٨٦٦] لو كان الشيء الموهوب مقبوضًا قبل الهبة، كما لو وهب المودع الوديعة، والمعير العارية، فهل يكون قبضها يغني عن الإذن بالقبض؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا كان الموهوب مقبوضًا للموهوب له، لزمت الهبة بالعقد، ولا حاجة إلى تجديد القبض مطلقًا، وسواء كانت يد القابض يد ضمان، أم يد أمانة، ولا يشترط الإذن بالقبض، ولا مضي زمان يتأتى فيه القبض. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١). وجه القول بذلك: أن المراد بالقبض: إثبات اليد، والتمكن من التصرف في المقبوض، فإذا تحقق هذا الأمر فقد وجد القبض، ولا علاقة لكون المقبوض مضموناً، أو أمانة في حقيقة القبض، ولا يوجد دليل على أنه ينبغي أن يقع القبض ابتداء بعد العقد.

стр. 9178

واتفق الحنفية مع المالكية والحنابلة في أن القبض الموجود قبل الهبة ينوب عن قبض الهبة، وإن كانوا يفرقون بين قبض الضمان وقبض الأمانة: وجه ذلك: أن العين في يد الموهوب له لا تخرج عن حالتين: الحالة الأولى: أن يكون قبضه لها قبض أمانة، فينوب عن الهبة، لأن القبضين متماثلان. الحالة الثانية: أن يكون قبضه لها قبض ضمان، فهو أقوى من قبض الهبة، والأقوى ينوب عن الأدنى. بخلاف ما لو باع عليه ما كان مودعًا عنده أو مستعارًا فإن قبضه عندهم لا ينوب عن قبض البيع؛ لأن قبض الوديعة والعارية أمانة، وقبض المبيع قبض ضمان، فلا ينوب قبض الأضعف عن الأقوى. هذا ملخص مذهب الحنفية (١). القول الثاني: ذهب أن القبض السابق ينوب مناب القبض اللاحق بشرطين: أحدهما: أن يأذن الواهب بالقبض. الثاني: أن يمضي زمن يتأتي فيه القبض إذا كان الشيء غائباً عن مجلس العقد، وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9179

القول الثالث: إن كانت حين الهبة في يد المتهب لم يعتبر إذن الواهب، وإنما يعتبر مضي مدة يتأتى فيه قبضها، وهذا قول ثالث في مذهب الحنابلة (١). جاء في المحرر: «فإن كانت في يد المتهب لزمت عقيب العقد. وعنه لا تلزم حتى يمضي زمن يتأتى قبضها فيه. وعنه لا تلزم إلا بإذن الواهب في القبض، ومضى زمن يتأتى فيه قبضها. وعنه أن هبة المعين تلزم بمجرد العقد بكل حال» (٢). الراجح: أن هبة المقبوض تلزم بالعقد؛ لأن المراد بالقبض: إثبات اليد، والتمكن من التصرف في المقبوض، فإذا تحقق هذا الأمر فقد وجد القبض من غير فرق بين قبض الضمان وقبض الأمانة، ولا حاجة لاشتراط أن يمضي زمن يمكنه أن يقبضه؛ لأن مضي الزمن ليس من توابع القبض، وليس له مدخل في حقيقته، والله أعلم. * * *

стр. 9180

المبحث الرابع في قبض الموهوب المشغول بمتاع الواهب [م-١٨٦٧] اختلف الفقهاء في اشتراط كون المقبوض غير مشغول بحق غيره على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشترط لصحة القبض أن يكون المقبوض غير مشغول بما ليس بموهوب، فإذا وهب دارًا فيها متاع للواهب، وسلمها فإن القبض لا يصح حتى يسلمها فارغة، وهذا مذهب الحنفية والشافعية (١). واشترط بعض الحنفية حتى لا يؤثر على القبض وجود المتاع في الدار، أن يأذن له البائع بقبضه مع الدار، ليكون وديعة عنده. جاء في مجمع الأنهر «وعن الوبري: المتاع لغير البائع لا يمنع، فلو أذن له بقبض المتاع، والبيت، صح، وصار المتاع وديعة عنده» (٢). وجاء في حاشية ابن عابدين: «فإن كان الموهوب مشغولًا بحق الواهب لم يجز» (٣).

стр. 9181

وجاء في فتح العزيز: «يشترط كونه فارغًا عن أمتعة البائع، فلو باع دارًا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها، وكذا لو باع سفينة مشحونة بأمتعة لكون البائع مستعملًا للمبيع منتفعًا به، ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشترى وبين الدار حصل القبض فيما عدا ذلك البيت» (١). حجة هذا القول: أن التسليم في العرف موقوف على ذلك. ويجاب: إذا كان مرد ذلك على العرف، فإن العرف غير ثابت، فليكن المرجع إلى العرف، فيقال: إن كان العرف يقتضي أن قبض المشغول لا يكون قبضًا في العرف لم يعتبر، وإذا كان يعتبر قبضًا لم يكن ذلك شرطًا. القول الثاني: لا يشترط في صحة القبض أن يكون المقبوض غير مشغول بحق غيره، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، واستثنى المالكية دار السكنى، فيشترط لصحة قبضها إخلاؤها (٢). قال في الشرح الكبير للدردير: «وقبض العقار، وهو الأرض، وما اتصل بها من بناء، وشجر بالتخلية بينه وبين المشتري، وتمكنه من التصرف فيه بتسليم

стр. 9182

المفاتيح إن وجدت، وإن لم يخل البائع متاعه منها، إن لم تكن دار سكنى، فإن قبضها بالإخلاء، ولا يكفي التخلية» (١). وجاء في مجلة الأحكام الحنبلية: «قبض الدار والمتاع بالتخلية، ولو كان فيها متاع البائع، وبتسليم مفتاح الدار، أو فتح بابها للمشتري» (٢). وهذا هو القول الصحيح؛ لأن القبض هو تمكنه من التصرف فيه، وكونه مشغولًا بمتاع الواهب لا يمنع من التصرف في الهبة، ويصبح المتاع أمانة في يد الموهوب. الراجح: أن القبض مرده إلى العرف، فكل ما عده الناس قبضًا فهو قبض، والمراد من القبض أن يمكنه من التصرف في الموهوب، فإذا كان وجود المتاع لا يمنع الموهوب من التصرف في الهبة لم يمنع وجود المتاع في الدار، وإن كان يمنعه من التصرف في الهبة كان ذلك مانعًا حصول القبض، وهذا التفصيل إنما هو على قول من يشترط القبض للزوم العقد، أما من قال: إن الهبة تلزم بالعقد فلا يحتاج إلى هذا التفصيل، والله أعلم. * * *

стр. 9183

الفصل الرابع في التصرف في الهبة والصدقة قبل قبضها [م-١٨٦٨] إذا تصرف الموهوب له في الهبة من بيع، أو هبة، أو غيرهما قبل قبضها، فما حكم هذا التصرف؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا يصح تصرفه إلا إذا قبضها؛ لأن الموهوب لا يملك الهبة إلا إذا قبضها، ولأن الواهب قبل القبض بالخيار إن شاء أمضاها، وإن شاء رجع عنها، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الموهوب له إذا باع الهبة قبل القبض، أو أعتق، أو وهب فإن تصرفه ماض، وفعله ذلك حوز له، بشرط أن يشهد على ذلك ويعلن بما فعله. وكذلك لو تبرع بصدقة ودفعه لمن يفرقه على الفقراء والمساكين، فإن أشهد على ذلك حين دفع المال فإن الصدقة لا تبطل بموت الواهب، وترجع للفقراء

стр. 9184

والمساكين، وإن لم يشهد على ذلك، واستمر المال عنده حتى مات الواهب، فإن الصدقة تبطل، وترجع إلى ورثة الواهب (١). قال الخرشي: «الهبة إذا أعتقها الموهوب له أو باعها قبل أن يقبضها أو وهبها فإنها تكون ماضية ويعد فعله ذلك حوزا لها إذا أشهد على ذلك وأعلن بما فعله» (٢). القول الثالث: إن كانت الهبة تحتاج إلى كيل، أو وزن لم يصح للموهوب أن يتصرف فيها قبل قبضها، لأن مثل هذه لا تصح هبتها إلا بالقبض، وإن كانت متميزة صح تصرف الموهوب له قبل قبضها؛ لأن مثل هذه تلزم بالعقد، ولا تفتقر إلى قبض. وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). الراجح: أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة أخرى سبق بحثها، هل تلزم الهبة بالعقد، أو تملك بالقبض، وقد سبق تحرير هذا الخلاف، وقد ذكرنا أدلة كل قول فيما سبق بحثه تحت عنوان: توصيف الهبة فارجع إليه إن شئت.

стр. 9185

الفصل الخامس في هبة الدين المبحث الأول في هبة الدين لمن هو عليه هبة الدين لمن هو عليه كبيعه. الإبراء من الدين، هل هو إسقاط أو تمليك. الإبراء لا يتوقف على القبول. [م-١٨٦٩] إذا وهب الدائن الدين لمن هو عليه فذلك جائز كبيعه عليه؛ لأنه بمثابة تمليك للمدين أو إسقاط للدين عنه، ولا حاجة لقبض جديد، ولم يختلف العلماء في جوازه (١). وإنما اختلفوا هل يشترط قبول المدين على ثلاثة أقوال: وسبب الخلاف: هل هو تمليك فيحتاج إلى قبول، أو إسقاط، فلا يفتقر إلى قبول كالعتق، وقد جرى الخلاف على النحو التالي. القول الأول: يشترط قبوله، وهو الراجح في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9186

جاء في شرح الخرشي: «تجوز هبة الدين الشرعي لمن هو عليه ولغيره، لكن إن وهب لمن هو عليه فهو إبراء، فلا بد من قبوله؛ لأن الإبراء يحتاج إلى قبول» (١). وقال الصاوي: «قوله: (فلا بد من القبول): أي بناء على أنه نقل للملك. وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل: إنه نقل للملك، فيكون من قبيل الهبة، وهو الراجح. وقيل: إنه إسقاط للحق. فعلى الأول يحتاج لقبول، وعلى الثاني فلا يحتاج له كالطلاق، والعتق، فإنهما من قبيل الإسقاط فلا تحتاج المرأة لقبول فض العصمة ولا العبد لقبول الحرية» (٢). القول الثاني: لا يشترط قبول المدين، وعليه عامة مشايخ الحنفية، وهو قول في مذهب المالكية في مقابل الراجح، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: على الصحيح من المذهب (٣). إلا أن الحنفية قالوا: لما كانت هبة الدين تمليكًا من وجه، فإنها ترتد بالرد، ولما كانت هبة الدين إسقاطًا من وجه فلا تتوقف على القبول.

стр. 9187

جاء في الفتاوى الهندية: «هبة الدين ممن عليه الدين وإبراؤه يتم من غير قبول من المديون، ويرتد برده، ذكره عامة المشايخ ﵏، وهو المختار» (١). وفي الجوهرة النيرة: إذا كان له على رجل دين، فوهبه له لم يكن له أن يرجع فيه؛ لأن هبة الدين ممن هو عليه إسقاط له، وبراءة منه، فلم يبق هناك عين يمكن الرجوع فيها، وإن قال الموهوب له مجيبًا له: لا أقبلها، فالدين بحاله؛ لأنه رد للهبة» (٢). جاء في مغني المحتاج: «هبة الدين للمدين إبراء له منه، لا يحتاج قبولًا» (٣). جاء في المحرر: «وتصح البراءة من الدين بلفظ الإبراء، والإسقاط، والهبة، والعفو، والصدقة، والتحليل، سواء قبله المبرأ أو رده» (٤). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤]. فأباح الله له الأكل مما وهب، من غير شرط القبول. القول الثالث: التفصيل: إن كان بلفظ الهبة اشترط قبول المدين، وإن كان بلفظ الإبراء لم يشترط القبول، وتبطل بالرد، اختاره بعض الحنفية.

стр. 9188

وجه التفريق: أن الهبة تمليك، والتمليك يفتقر إلى القبول، والإبراء: إسقاط، والإسقاط لا يفتقر إلى قبول. ولم يفرق زفر بين الإبراء والهبة؛ لأن ما في الذمة ليس بمحل للتمليك. قال السرخسي: «والحاصل: أن هبة الدين ممن عليه الدين لا تتم إلا بالقبول، والإبراء يتم من غير قبول، ولكن للمديون حق الرد قبل موته إن شاء الله. وعن زفر ﵀ أنه يسوي بينهما، وقال: تتم الهبة والإبراء قبل القبول» (١). الراجح: قد دل الكتاب والسنة والإجماع على صحة هبة الدين لمن هو عليه. أما القرآن فقال تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. فأطلق على الإبراء لفظ الصدقة. وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولا أرى أن ذلك يتوقف على قبوله؛ لأنه يتم بإرادة منفردة، ولكن لو رد ذلك يجب أن يرتد؛ لأنه لا أحد يجبر على قبول هبة أو إبراء أو صدقة، أو عطية؛ لما فيه من الضرر عليه بتحمل المنة التي تأباها قلوب ذوي المروءات، وقد يؤذى بالتحدث عن ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 9189

فرع في إبراء المدين من دين مجهول الإبراء إسقاط حق لا تؤثر فيه الجهالة والغرر. علمنا في المبحث السابق أن إبراء المدين من دين معلوم جائز بلا خلاف بين أئمة الفقهاء. [م-١٨٧٠) واختلفوا في إبراء المدين من دين مجهول: وسبب الخلاف في هذه المسألة: اختلافهم: هل الإبراء إسقاط محض كالإعتاق، أو تمليك للمديون ما في ذمته، فإذا ملكه سقط. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ورد النهي عن الغرر، وعن بيع المجهول، فمن العلماء من عممه في جميع التصرفات، فمنع من الجهالة في الهبة، والصدقة، والإبراء، والخلع، والصلح كالشافعية. ومنهم من فصل فمنع من الغرر والجهالة في باب المعاوضات الصرفة، والتي يقصد فيها تنمية المال، ولم يمنع من الغرر والجهالة في باب ما هو إحسان صرف، لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة، والهبة، والإبراء كالحنفية، والمالكية. إذا علم ذلك نأتي على تفصيل الأقوال: القول الأول: يصح الإبراء من المجهول، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والقديم من

стр. 9190

قولي الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). قال ابن رجب في القواعد: «ومنها: البراءة من المجهول، وأشهر الروايات صحتها مطلقًا، سواء جهل المبرئ قدره، ووصفه، أو جهلهما معًا، وسواء عرفه المبرئ أو لم يعرفه» (٢). وجاء في كشاف القناع: «وإن أبرأ غريم غريمه من دينه صح .... ولو كان الدين المبرأ منه مجهولًا لهما: أي: لرب الدين والمدين، أو كان مجهولًا لأحدهما، وسواء جهلا قدره، أو جهلا وصفه، أوجهلاهما، أي: القدر والوصف، ويصح الإبراء من المجهول، ولو لم يتعذر علمه؛ لأنه إسقاط حق فينفذ مع العلم والجهل كالعتق والطلاق» (٣). دليل من قال بالصحة: الدليل الأول: أن ابن عمر ﵄ باع بشرط البراءة كما في موطأ مالك وغيره (٤). [صحيح، ولم ينكر عليه عثمان، وإنما رأى أن البراءة مع العلم بالعيب لا تنفع].

стр. 9191

الدليل الثاني: أن الإبراء إسقاط حق، فصح مجهولًا ومعلومًا. الدليل الثالث: أن الجهالة في الإسقاط لا تؤدي إلى المنازعة، وإنما كانت الجهالة مبطلة في التمليكات؛ لأنها تفوت التسليم الواجب بالعقد، وهذا لا يتصور في الإسقاط، فلا تكون الجهالة مبطلة له. الدليل الرابع: أن ما لا يفتقر إلى التسليم يصح مع الجهالة، وما يفتقر إلى التسليم لا يصح مع الجهالة كالبيع (١). القول الثاني: لا يصح الإبراء من المجهول، وهو القول الجديد للشافعي، والأصح في مذهبه، وقول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9192

جاء في المنهاج: «والإبراء من المجهول باطل في الجديد» (١). وقال السيوطي: الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك قولان، والترجيح مختلف في الفروع، فمنها: الإبراء مما يجهله المبرئ، والأصح فيها التمليك، فلا يصح» (٢). وقال النووي في الروضة: أظهرهما المنع (٣). وجه القول بالبطلان: الوجه الأول: أن الإبراء إزالة ملك لا يجوز تعليقه على شرط، فلم يصح مع الجهل به. ويناقش: قولكم: الإبراء إزالة ملك فلا يصح مع الجهل هذا احتجاج بمحل النزاع، فأين الدليل عليه. الوجه الثاني: القياس على هبة المجهول، فكما لا تصح هبة المجهول لا يصح الإبراء منه. ويناقش: أما هبة المجهول، وتعليق الإبراء على شرط فهما محل خلاف، فلا يصح الاحتجاج بها على المخالف، وسبق بحث هبة المجهول وتعليقه، وقد رجحت الجواز.

стр. 9193

القول الثالث: لا تصح البراءة من المجهول إلا إذا لم يكن لهم سبيل إلى معرفته، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). حجة هذا القول: الدليل الأول: (ح-١١٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ﷺ يختصمان في مواريث بينهما قد درست، ليس لهما بينة فقال رسول الله ﷺ : إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار يأتي بها إسطاماً في عنقه يوم القيامة قالت: فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : أما إذ فعلتما فاذهبا واقتسما، وتوخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه (٢). [إسناده حسن] (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (وتوخيا الحق، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه) فيه دليل

стр. 9194

على جواز الإبراء من المجهول الذي يتعذر علمه؛ لأن التوخي لا يكون من المعلوم. ويجاب: بأن الأثر دليل على صحة البراءة من المجهول الذي يتعذر علمه، وليس فيه دليل على حصر الجواز به، فأين الدليل من الأثر على أن الإبراء من المجهول الذي لا يتعذر علمه لا تصح البراءة منه. الدليل الثاني: الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة، ولا سبيل إلى العلم فيها، فلو وقفت صحة البراءة على العلم لكان سداً لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم، وتبرئة ذمته، فلم يجز ذلك. القول الرابع: تصح البراءة مع جهل المبرئ إلا أن يعرفه المبرأ، زاد في المحرر: وظن المبرئ جهله به. وهذا قول في مذهب الحنابلة؛ لأنه غار له (١). وجه القول بهذا: إذا كان من عليه الحق يعلم مقداره، ويكتمه المستحق خوفاً من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه، فينبغي ألا تصح البراءة فيه؛ لأن فيه تغريراً بالمشتري، وقد أمكن التحرز منه (٢).

стр. 9195

الراجح: جواز الإبراء من الدين مطلقًا، سواء علمه المبرئ أم لم يعلمه، لكن لا يجوز لمن عليه الحق إذا كان يعلم مقداره أن يكتمه عن المبرئ خوفًا ألا يسامحه لو علم بمقداره، لأن ذلك نوع من التغرير، فيعامل بنقيض قصده، والله أعلم. * * *

стр. 9196

المبحث الثاني في هبة الدين لغير من هو عليه هبة الدين للغير صحيحة كالحوالة عليه. [م-١٨٧١] هبة الدين لغير من هو عليه اختلف فيها الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: تصح، وهو مذهب المالكية، وقول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). واشترط الحنفية أن يأذن له بالقبض، وأن يتم قبضه (٣). وذكر المالكية في صفة قبض الدين الموهوب شرطين: أحدهما: أن يشهد الواهب على الدين لفلان، ويدفع وثيقة بذلك للموهوب له. الثاني: أن يجمع بين الموهوب له ومن عليه الدين. وهل ذلك شرط كمال، أو شرط صحة، قولان في مذهب المالكية، والمعتمد في الأول أنه شرط صحة، وفي الثاني شرط كمال (٤).

стр. 9197

وجه القول بالصحة: إذا صحت الحوالة بالدين، صحت هبة الدين من باب أولى، والحوالة بالدين هو نقل للدين إلى المحال، والهبة نقل للدين إلى الموهوب من غير فرق، اللهم إلا أن الهبة على قول لا تلزم إلا بالقبض، والحوالة تلزم بالرضا، ولو لم يقبض، وهذا فرق غير مؤثر، والله أعلم. القول الثاني: لا تصح هبة الدين لغير من هو عليه، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). جاء في الإنصاف: «لا تصح هبة الدين لغير من هو في ذمته على الصحيح من المذهب» (٢). وعلل الشافعية عدم الصحة؛ لأنه غير مقدور على تسليمه؛ لأن ما يقبض من المدين عين فهي غير ما وهب، لا دين (٣). وهذا التعليل مستغرب، فإن الدائن يقبض من مدينه عينًا، وهو غير ما وجب له في ذمة المدين، ومع ذلك يصح قبضه، ويبرأ من دينه. والغريب أن الشافعية يصححون بيع الدين على غير من هو عليه بشرطه كما يصححون بيع الموصوف، ويمنعون في الأصح هبة الدين لغير من هو عليه، وهبة الموصوف مع أن عقود التبرعات ينبغي أن تكون أخف من عقود المعاوضات.

стр. 9198

وقد ذكر الشافعية وجه التفريق بين صحة بيعه وعدم صحة هبته: «بأن بيع ما في الذمة التزام لتحصيل المبيع في مقابلة الثمن الذي استحقه، والالتزام فيها صحيح، بخلاف هبته، فإنها لا تتضمن الالتزام؛ إذ لا مقابل فيها فكانت بالوعد أشبه فلم تصح» (١). ولماذا لا يعكس، فيقال: إن البيع يدور بين الغنم والغرم، والحصول على الدين غير مضمون، فإن حصل المشتري على الدين فقد غنم، وإن لم يحصل عليه فقد غرم، وأما الهبة فهي تبرع، والموهوب لا يخسر شيئًا، فهو إما غانم وإما سالم، ثم هب أن هبة الدين من قبيل الوعد بالهبة فماذا في ذاك، فلماذا يكون الوعد بالهبة باطلة، لماذا لا يصحح ذلك، ويكون عقدًا جائزًا، فإن قبضه لزم، وإن لم يقبضه لم يلزم. الراجح: أن هبة الدين لغير من هو عليه هبة صحيحة، وهل تنقل الملك إلى الموهوب له بمجرد العقد، أو تحتاج إلى قبض الدين من المدين، قولان كالخلاف في هبة العين، وقد ذكرنا هذا الخلاف في الكلام على توصيف عقد الهبة، والله أعلم. * * *

стр. 9199

الفصل السادس في استحقاق الهبة [م-١٨٧٢] إذا استحقت الهبة وهي تالفة، وكانت خالية من الثواب، فإن الفقهاء قد اختلفوا: هل يرجع المستحق على الواهب، أو على الموهوب له. القول الأول: لو استحقت العين الموهوبة وقد هلكت في يد الموهوب له، فإن المستحق يرجع على الموهوب له دون الواهب، ويضمنه قيمتها، ولا يرجع الموهوب له على الواهب بشيء. وهذا مذهب الحنفية (١). جاء في المحيط البرهاني: «الموهوب له عند الاستحقاق لا يرجع على الواهب بشيء» (٢). «قال الأتقاني: وهذا إذا لم يعوضه، فإذا كان ثمة عوض رجع بكل العوض إذا استحق جميع الهبة، وبقدر المستحق من الهبة إذا استحق البعض» (٣). وجه القول بذلك: أن الواهب لم يوجب للموهوب له سلامة العين الموهوبة، ولأنه حصل له

стр. 9200

ملكها بغير عوض، فإذا استحقت لم يرجع على من ملكه، كما لو ورث مالًا فاستحق لم يرجع في مال الوارث بقيمتها، فكذلك هنا، وكذا المستعير لا يرجع على المعير بشيء؛ لأنه عقد تبرع، فلا يستحق فيه السلامة. القول الثاني: يخير المستحق بين الرجوع على الواهب لكونه السبب في إتلاف ماله، أو على الموهوب له لكونه المباشر لهذا الإتلاف، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة. فإن رجع المستحق على الواهب، فلا يحق للواهب الرجوع على الموهوب له. وإن رجع على الموهوب له، فهل يرجع الموهوب له على الواهب، في ذلك قولان: أحدهما: يرجع على الواهب، وهذا قول في مذهب الشافعية، وقول واحد في مذهب الحنابلة. قال ابن رجب في القواعد: «اليد التاسعة القابضة تملكًا لا بعوض، إما للعين بمنافعها، بالهبة، والوقف، والصدقة، والوصية، أو للمنفعة كالموصى له بالمنافع فالمشهور أنها ترجع بما ضمنته بكل حال؛ لأنها دخلت على أنها غير ضامنة لشيء فهي مغرورة» (١). الثاني: لا يرجع على الواهب؛ لأن الواهب لم يأخذ منه عوضًا، فيرجع بعوضه، وقد كان له ألا يقبل الهبة، وهو القول الثاني في مذهب الشافعية (٢).

стр. 9201

جاء في الأم: «وإذا وهب الرجل للرجل طعامًا فأكله الموهوب له، أو ثوبًا فلبسه حتى أبلاه وذهب؛ ثم استحقه رجل على الواهب، فالمستحق بالخيار في أن يأخذ الواهب؛ لأنه سبب إتلاف ماله، فإن أخذه بمثل طعامه أو قيمة ثوبه فلا شيء للواهب على الموهوب له إذا كانت هبته إياه لغير ثواب، ويأخذ الموهوب له بمثل طعامه وقيمة ثوبه؛ لأنه هو المستهلك له، فإن أخذه به فقد اختلف في أن يرجع الموهوب له على الواهب. وقيل: لا يرجع على الواهب؛ لأن الواهب لم يأخذ منه عوضًا فيرجع بعوضه، وإنما هو رجل غره من أَمْرٍ قد كان له أن لا يقبله» (١). القول الثالث: ذهب المالكية إلى أن الهبة إذا استهلكت في يد الموهوب له، ثم ظهر مستحق، فإنه يرجع على الواهب إن كان مليًا، وإن كان معدمًا أو لا يقدر عليه رجع على الموهوب له، وليس للموهوب له الرجوع على الواهب؛ لأن الهبة لا عهدة لها (٢). الراجح: أن الموهوب له لا يضمن شيئًا؛ لأن فعله ترتب على مأذون، وما ترتب على مأذون فهو غير مضمون إلا أن تكون العين الموهوبة قائمة، فإن الحق قد تعلق بعين المال، فبان أن الهبة لم تصح، فيرجع المستحق على العين فيأخذها، أما

стр. 9202

إذا استهلكت، فلا يجب عليه في ذمة الموهوب له شيئًا؛ لأنه تصرف فيما كان يعتقد أنه يستحقه، فيرجع على الواهب فقط، والله أعلم. * * *

стр. 9203

الفصل السابع في الرجوع عن الهبة المبحث الأول في رجوع الواهب الأجنبي في هبته [م-١٨٧٣] الهبة إن أراد بها الواهب وجه الله، وهي ما تسمى بالصدقة فذهب الجمهور أنه لا رجوع فيها مطلقًا، من غير فرق بين أن يكون الواهب أجنبيًا أو والدًا. واختار الشافعية في الراجح جواز رجوع الأب في صدقة التطوع على الولد (١). وأما الخلاف في رجوع الواهب الأجنبي قبل القبض، فهو يرجع إلى مسألة سبق بحثها، هل تلزم الهبة بمجرد العقد، أو تلزم بالقبض؟ فالمالكية يرون أن الهبة تلزم بالعقد خلافًا للجمهور. أما الرجوع من الواهب الأجنبي عن الهبة بعد القبض، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

стр. 9204

القول الأول: الهبة عند الحنفية عقد جائز يجوز الرجوع فيها ولو بعد القبض، ويتم الرجوع إما بالتراضي، أو عن طريق حكم قضائي؛ لأن الرجوع فسخ للعقد بعد تمامه، فلا يصح إلا بالتراضي أو بحكم القاضي (١). قال الشلبي: «حكم الهبة وقوع الملك للموهوب له ملكًا غير لازم، وفائدته صحة الرجوع» (٢). قال الزيلعي: «إذا وهب لشخص هبة، وقبضها، وليس فيه ما يمنع الرجوع من زيادة، وموت أحدهما، وعوض، وخروج عن الملك، وزوجية، وقرابة محرمة للنكاح، وهلاك الموهوب، جاز الرجوع في الهبة» (٣). وقال السرخسي: «إذا وهب لأجنبي شيئًا، فله أن يرجع في الهبة عندنا - ما لم يعوض منها في الحكم - وإن كان لا يستحب له ذلك بطريق الديانة» (٤). ويمتنع الرجوع عن الهبة عند الحنفية في الحالات التالية: الحال الأول: أن يُعوَّض الواهب عن هبته، بشرط أن يصرح الموهوب له بأن يقول: خذ

стр. 9205

هذا عوض هبتك، أو بدلًا عنها، أو في مقابلتها، فإذا عوض عنها سقط حقه بالرجوع فيها؛ لأن المقصود من الهبة قد تم. واستدلوا على لزوم العقد بالتعويض: الدليل الأول: (ح ١١٤٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (ح-١١٤١) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي، قال: وجدت في كتاب أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : من وهب هبة

стр. 9206

فهو أحق بهبته ما لم يثب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ويأكل قيئه (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ث-٢٨٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: هو أحق بها ما لم يرض منها (٣). [إسناده صحيح]. الدليل الرابع: (ث-٢٨٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن

стр. 9207

سفيان، عن جابر، عن القاسم، عن ابن أبزى، عن علي، قال: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (١). [ضعيف جدًا] (٢) الحال الثانية: أن يزداد الموهوب زيادة متصلة؛ لأن تلك الزيادة لم تتناولها الهبة، ولا يتأتى الرجوع في الأصل بدون الزيادة المتصلة. الحال الثالثة: أن يخرج الموهوب عن ملك الموهوب له؛ لأن تبدل الملك كتبدل العين. الحال الرابعة: موت أحدهما، فإن مات الواهب فليس لوارثه الرجوع؛ لأن التمليك بعقد الهبة لم يكن منه، فلا يخلف مورثه فيما لم يكن على ملكه عند موته. وإن مات الموهوب له لم يحق للواهب الرجوع؛ لأن الملك انتقل من الموهوب له إلى وارثه. الحال الخامسة: أن تكون الهبة لذي رحم محرم فلا يجوز الرجوع فيها، وكذا ما وهب أحد الزوجين للآخر.

стр. 9208

دليل المنع من الرجوع إذا كانت الهبة لذي رحم: الدليل الأول: (ث-٢٨٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (١). [صحيح، وسبق تخريجه] (٢). ويناقش: بأن عمر ﵁ قسم الهبة إلى قسمين: قسم أراد به الثواب، فلها حكم البيع. وقسم أراد به الإحسان فلا يرجع فيها، ومثل لها بالهبة لذي الرحم، والفقير. الدليل الثاني: (ح-١١٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ ، قال: إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها. قال الدارقطني: انفرد به عبد الله بن جعفر (٣). هذه الحالات التي يمتنع فيها الرجوع عن الهبة عند الحنفية، وأدلتهم على ذلك.

стр. 9209

القول الثاني: إذا وهب الرجل هبته لأجنبي فلا يجوز الرجوع في الهبة مطلقًا قبل القبض وبعده، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). وهذا القول مبني على أن الهبة تلزم بالعقد، وتملك به، وقد سقنا الأدلة على لزوم الهبة بالعقد عند الكلام على توصيف عقد الهبة، فارجع إليه غير مأمور. القول الثالث: إذا وهب الرجل هبته لأجنبي جاز له الرجوع قبل القبض، ولا يجوز له الرجوع بعد القبض، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). وهذا القول مبني على أن الهبة لا تلزم ولا تملك إلا بالقبض، وقد سقت

стр. 9210

الأدلة على لزوم الهبة بالقبض عند الكلام على توصيف عقد الهبة فارجع إليه إن شئت. الراجح: أنه لا يجوز الرجوع في الهبة سواء قلنا: يحرم الرجوع بعد العقد، أو بعد القبض ومذهب الحنفية قول ضعيف، (ح-١١٤٣) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فابتاعه أو فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت النبي ﷺ ، فقال: لا تشتره وإن بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه (١). فإذا كان الواهب ممنوعًا من شراء ما وهبه، فما بالك بالرجوع في هبته. وقد رواه الشيخان بلفظ: (العائد في صدقته)، وفي مسلم: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك. ولأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يخفض لك السعر ويستحي أن يماكسك وأنت قد أحسنت عليه. وإذا كان شراء الواهب ما وهبه ممنوعًا منه فما بالك بالرجوع في هبته إلا أن ذلك بشرط ألا يكون قد أهدى للثواب، فإن أهدى للثواب فله الرجوع إذا لم يعوض منها، والله أعلم. * * *
следующие страницы →