← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

فهو أحق بهبته ما لم يثب منها، فإن رجع في هبته فهو كالذي يقيء ويأكل قيئه (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ث-٢٨٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: هو أحق بها ما لم يرض منها (٣). [إسناده صحيح]. الدليل الرابع: (ث-٢٨٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن

стр. 9207

سفيان، عن جابر، عن القاسم، عن ابن أبزى، عن علي، قال: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (١). [ضعيف جدًا] (٢) الحال الثانية: أن يزداد الموهوب زيادة متصلة؛ لأن تلك الزيادة لم تتناولها الهبة، ولا يتأتى الرجوع في الأصل بدون الزيادة المتصلة. الحال الثالثة: أن يخرج الموهوب عن ملك الموهوب له؛ لأن تبدل الملك كتبدل العين. الحال الرابعة: موت أحدهما، فإن مات الواهب فليس لوارثه الرجوع؛ لأن التمليك بعقد الهبة لم يكن منه، فلا يخلف مورثه فيما لم يكن على ملكه عند موته. وإن مات الموهوب له لم يحق للواهب الرجوع؛ لأن الملك انتقل من الموهوب له إلى وارثه. الحال الخامسة: أن تكون الهبة لذي رحم محرم فلا يجوز الرجوع فيها، وكذا ما وهب أحد الزوجين للآخر.

стр. 9208

دليل المنع من الرجوع إذا كانت الهبة لذي رحم: الدليل الأول: (ث-٢٨٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان بن طريف المري، أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها (١). [صحيح، وسبق تخريجه] (٢). ويناقش: بأن عمر ﵁ قسم الهبة إلى قسمين: قسم أراد به الثواب، فلها حكم البيع. وقسم أراد به الإحسان فلا يرجع فيها، ومثل لها بالهبة لذي الرحم، والفقير. الدليل الثاني: (ح-١١٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ ، قال: إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها. قال الدارقطني: انفرد به عبد الله بن جعفر (٣). هذه الحالات التي يمتنع فيها الرجوع عن الهبة عند الحنفية، وأدلتهم على ذلك.

стр. 9209

القول الثاني: إذا وهب الرجل هبته لأجنبي فلا يجوز الرجوع في الهبة مطلقًا قبل القبض وبعده، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). وهذا القول مبني على أن الهبة تلزم بالعقد، وتملك به، وقد سقنا الأدلة على لزوم الهبة بالعقد عند الكلام على توصيف عقد الهبة، فارجع إليه غير مأمور. القول الثالث: إذا وهب الرجل هبته لأجنبي جاز له الرجوع قبل القبض، ولا يجوز له الرجوع بعد القبض، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). وهذا القول مبني على أن الهبة لا تلزم ولا تملك إلا بالقبض، وقد سقت

стр. 9210

الأدلة على لزوم الهبة بالقبض عند الكلام على توصيف عقد الهبة فارجع إليه إن شئت. الراجح: أنه لا يجوز الرجوع في الهبة سواء قلنا: يحرم الرجوع بعد العقد، أو بعد القبض ومذهب الحنفية قول ضعيف، (ح-١١٤٣) لما رواه البخاري من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فابتاعه أو فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت النبي ﷺ ، فقال: لا تشتره وإن بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه (١). فإذا كان الواهب ممنوعًا من شراء ما وهبه، فما بالك بالرجوع في هبته. وقد رواه الشيخان بلفظ: (العائد في صدقته)، وفي مسلم: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك. ولأن الغالب أنك إذا اشتريت الهبة فسوف يخفض لك السعر ويستحي أن يماكسك وأنت قد أحسنت عليه. وإذا كان شراء الواهب ما وهبه ممنوعًا منه فما بالك بالرجوع في هبته إلا أن ذلك بشرط ألا يكون قد أهدى للثواب، فإن أهدى للثواب فله الرجوع إذا لم يعوض منها، والله أعلم. * * *

стр. 9211

المبحث الثاني في رجوع الأب في هبته [م-١٨٧٤] اختلف العلماء في رجوع الأب فيما وهبه لولده إلى أقوال: القول الأول: يجوز للأجنبي الرجوع بالهبة، ولا يجوز للأب الرجوع في هبته، وهذا مذهب الحنفية. وعن الإمام أحمد رواية أن الأب ليس له الرجوع في هبته إذا لزمت (١). دليل الحنفية في التفريق بين الأب والأجنبي: (ث-٢٨٧) بما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، قال: من وهب هبة لذي رحم فهي جائزة، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يثب منها (٢). [صحيح من قول عمر وسبق تخريجه] (٣). القول الثاني: لا يجوز للأجنبي، ويجوز للأب الرجوع فيما وهبه لولده، وهذا مذهب الجمهور (٤).

стр. 9212

أدلة الجمهور على تحريم رجوع الأجنبي وجواز رجوع الأب: الدليل الأول: (ح-١١٤٤) بما رواه البخاري من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي ﷺ : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه (١). فهذا دليل على تحريم رجوع الأجنبي. الدليل الثاني: (ح-١١٤٥) ما رواه أحمد من طريق حسين بن ذكوان يعني المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، أن ابن عمر، وابن عباس رفعاه إلى النبي ﷺ أنه قال: لا يحل لرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه. [اختلف في وصله وإرساله، والمحفوظ في لفظ الحديث: (العائد في هبته كالكلب ... ) دون زيادة إلا الوالد فيما يعطي، فإنه قد تفرد بها عمرو بن شعيب، عن طاوس] (٢). وهذا دليل على جواز رجوع الأب في هبته.

стр. 9213

الدليل الثالث: (ح-١١٤٦) ما رواه الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية، ويعلى، قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه (١). [صحيح] (٢).

стр. 9214

ولفظ سعيد بن منصور من طريق أبي معاوية: أولادكم من كسبكم، فكلوا من أموال أولادكم (١). وهذا عندي محمول على النفقة، وليس في الرجوع عن الهبة. الدليل الرابع: صح رجوع النعمان في هبته لولده:

стр. 9215

(ح-١١٤٧) فقد روى البخاري من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما حدثاه، عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما، فقال: أكل ولدك نحلت مثله، قال: لا، قال: فارجعه (١). ويمنع الرجوع في الهبة عند الحنابلة: زيادة متصلة، واستهلاك العين، وكذا بيعها أو هبتها، أو وقفها، فلو عادت إليه بسبب جديد كبيع، أو إرث، أو وصية لم يملك الأب الرجوع. وكذلك يمنع الرجوع رهن الهبة ما لم تنفك. الراجح: لم تثبت عندي زيادة (إلا الوالد فيما يعطى ولده) وحديث (العائد في هبته) حديث متفق على صحته، لا يمكن أن يخصص بحديث شاذ، فأرى أن الأب لا يرجع في هبته إذا وهب ولده، إلا فيما كان منهيًا عنه كما لو كان فيها تفضيل لبعضهم على بعض، وأما حديث (أنت ومالك لأبيك) على فرض صحته فإنه لا يعني الملكية كما أن الابن غير مملوك لأبيه، وهو حر، فكذلك ماله، لا يملكه أبوه، وإنما يدل على أن الأب إن احتاج إلى الأكل وما يقيم بدنه وجب على الولد الإنفاق على أبيه، حتى لو كانت نفقته عليه من هبته له؛ لأن هذا سبب متجدد مختلف، فهو لم يرجع في هبته، وإنما ملكها بسبب مختلف كما لو ورثها، والله أعلم. * * *

стр. 9216

فرع في شروط رجوع الأب [م-١٨٧٥] شروط رجوع الأب عند القائلين به تختلف من مذهب لآخر: فشروط رجوع الأب عند المالكية: اشترط المالكية للرجوع: أن تكون الهبة قائمة لم يحدث فيها عيب، ولم يتعلق بها حق لغريم، وألا يكون الولد قد عقد النكاح أو تداين لأجل الهبة، وكذلك يمتنع الرجوع بمرض الولد الموهوب له مرضًا مخوفًا لتعلق حق ورثته بالهبة، أو بمرض الواهب؛ لأن الرجوع صار لغيره، وهو وارث إلا أن يهبه على هذه الأحوال، فلا فتكون مانعة من الرجوع في الهبة، فلو وهبه وهو مريض، أو متزوج، أو مداين لم يمنع ذلك من الرجوع في الهبة (١). شروط رجوع الأب عند الشافعية: يشترط للرجوع بقاء الموهوب في سلطة المتهب، فإن تلف، أو زال ملكه عنه ببيع، أو وقف، أو عتق، أو هبة لازمة، أو رهن لازم بأن يكون قد تم القبض في الهبة والرهن، فلا رجوع له، ولا يمتنع الرجوع بالهبة والرهن إذا لم يقبضا، ولا بالإيجار على المذهب، وتبقى الإجارة بحالها (٢). واشترط الحنابلة للرجوع ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون العين باقية في ملك الابن أو بعضها، فلا رجوع فيما أبرأه

стр. 9217

من الدين، ولا في منفعة استوفاها، كسكنى دار ونحوها، ولا فيما خرجت عن ملكه ببيع أو هبة لازمة، أو وقف أو بغير ذلك، فإن عادت إليه بسبب جديد كبيع أو هبة أو وصية أو إرث أو نحوه لم يملك الرجوع، وإن عادت بفسخ المبيع بعيب أو إقالة، أو فلس المشتري، أو بفسخ خيار الشرط، أو المجلس ملك الرجوع ... الثاني: أن تكون العين باقية في تصرف الولد فإن تلفت فلا رجوع في قيمتها، وإن رهن العين، أو أفلس وحجر عليه، فكذلك، فإن زال المانع ملك الرجوع. الثالث: ألا يزيد زيادة متصلة تزيد في قيمتها، كالسمن، والكبر، والحمل، وتعلم صنعة، أو كتابة، أو قرآن، وإن زاد ببرئه من مرض، أو صمم منع الرجوع (١). جاء في الإنصاف: «إذا نقصت العين لم يمنع من الرجوع بلا نزاع، وكذا إذا زادت زيادة منفصلة. على الصحيح من المذهب. وعليه الأصحاب. قال المصنف، والشارح: لا نعلم فيه خلافا. وفي الموجز رواية: أنها تمنع» (٢). الرابع: أن الأب لو أسقط حقه من الرجوع فله الرجوع؛ لأنه حق ثبت له بالشرع، فلم يسقط بإسقاطه، وقال في مطالب أولي النهى: إن أسقط حقه فلا رجوع له (٣). * * *

стр. 9218

المبحث الثالث في رجوع الأم والجد والجدة ذكرنا خلاف العلماء في رجوع الأب في هبته، فمنعها الحنفية وأجازها الجمهور، وذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة. [م-١٨٧٦] واختلف القائلون بجواز رجوع الأب هل هذا خاص بالأب، أو يلحق به سائر الأصول من أم وجد وجدة؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن الجد والجدة ليس لهما حق الرجوع في الهبة مطلقًا. وأما الأم فيجوز لها الرجوع في الهبة بشرطين: أحدهما: ألا تريد بالهبة الأجر؛ لأنها تكون حينئذ صدقة، والصدقة لا يجوز الرجوع فيها عندهم. الثاني: أن تكون الهبة على ولد كبير مطلقًا، أو على صغير ليس باليتيم، بحيث يكون والده حيًا، ولو كان الأب مجنونًا، ولها الرجوع حتى لو طرأ عليه اليتم بعد الهبة؛ لأن الهبة حينئذ لا تكون بمعنى الصدقة حيث كان له أب حين الهبة، أما إن كان الولد الصغير حين الهبة يتيمًا، فليس لها أن ترجع؛ لأنها تكون بمعنى الصدقة. هذا ملخص مذهب المالكية (١).

стр. 9219

جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «وليس لغير الأبوين أن يعتصر هبة، لا جد، ولا جدة، ولا غيرهما، إلا الأبوان من الولد» (١). استدلال من ألحق الأم بالأب في الرجوع بأدلة منها: الدليل الأول: حديث (إلا الوالد فيما يعطي ولده) وسبق تخريجه (٢). والأم أحد الوالدين. الدليل الثاني: وقوله في حديث النعمان: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) (٣). فيدخل في هذا الحديث الأم، لكونها مأمورة بالتسوية والعدل، وقد يتعين الرجوع في الهبة طريقًا للتسوية بين الأولاد في العطية. الدليل الثالث: أن الأم لما ساوت الأب في تحريم التفضيل، وكلهم والد فيه البعضية وفضل الحنو فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع تخليصًا لها من الإثم، وإزالته للتفضيل المحرم

стр. 9220

الدليل الرابع: أن الأم منعت من الرجوع في هبتها لولدها اليتيم؛ لأن الهبة له بمعنى الصدقة يراد بها وجه الله، وما أريد به وجه الله لا يجوز الرجوع فيه. واستدلوا على منع الجد والجدة من الرجوع في الهبة: بأن الحديث ورد في رجوع الوالد، وهذا يختص بالأب، والجد لا يطلق عليه والد. ولأن الأصل تحريم الرجوع في الهبة، والأب هو المتيقن دخوله في الحديث. القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أنه لا فرق بين الأب والجد، وبين الأم والجدة على المشهور، ولا رجوع لغير الأصول كالإخوة والأعمام، وغيرهم من الأقارب (١). جاء في منهاج الطالبين: «وللأب الرجوع في هبة ولده، وكذا لسائر الأصول على المشهور» (٢). قال في الحاوي: «وإذا ثبت أن ليس لغير الوالد أن يرجع فيما وهب لولده فلا فرق بين الأب والأم ... لأن كلهم والد فيه بعضية» (٣). وحجة الشافعية: أن لفظ (الوالد) يشمل كل الأصول إن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وإلا

стр. 9221

ألحق به بقية الأصول بجامع أن لكلٍ ولادة، وكما ألحق به في النفقة، وحصول العتق، وسقوط القود. القول الثالث: اختار الخرسانيون من الشافعية أن الأجداد من قبل الأب لهم حق الرجوع، وأما الجدات فلا يحق لهن الرجوع مطلقًا، وأما الأجداد من قبل الأم، ففي رجوعهم قولان. وجه القول بعدم الرجوع: أنهم لما كانوا لا يملكون التصرف في مال الولد بأنفسهم، فليس لهم الرجوع في هبتهم (١). القول الرابع: قال أبو العباس ابن سريج من الشافعية: إنما يرجع الأب في هبته لولده إذا قال: إنما قصدت بالهبة ليزيد في بري، أو يترك عقوقي، ولم يفعل. فأما إذا أطلق الهبة. فإنه لا يرجع فيها (٢). القول الخامس: وذهب الحنابلة في المشهور أن الجد ليس له الرجوع في هبته، واختلفوا في الأم (٣).

стр. 9222

وفي قول للشافعية في مقابل المشهور: لا رجوع لغير الأب (١). وجه القول بذلك: أن الخبر يتناول الوالد حقيقة، وليس الجد في معناه؛ لأنه يدلي بواسطة، ويسقط بالأب. وأما الأم فاختلف الحنابلة في إلحاقها بالأب على قولين: القول الأول: وهو المنصوص عن أحمد أن هبة الأم لازمة، ليس لها حق الرجوع فيها. قال أحمد: هي عندي ليست كالأب؛ لأن للأب أن يأخذ من مال ولده، والأم لا تأخذ، ولأن للأب الولاية دونها (٢). القول الثاني: أن الأم كالأب في الرجوع عن الهبة؛ لأن الأم داخلة في قوله: (إلا الوالد فيما يعطي ولده) (٣)، وفي قوله (سووا بين أولادكم) ولأن رجوع الأم عن هبتها قد يكون طريقًا إلى التسوية بين الأولاد، وقد لا تملك طريقًا غيره كما رجع النعمان في هبته لولده. ولأنها ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها، فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلته به، تخليصًا لها من الإثم، وإزالة التفضيل

стр. 9223

المحرم كالأب، قال ابن قدامة: ظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع (١). الراجح: رجحت فيما سبق أن الوالد لا يصح له الرجوع فيما وهب إلا أن يحتاج إلى مال ولده للنفقة عليه، ولو قلنا بالقول المرجوح، فإن الحديث الوارد لم يأت بلفظ الأب حتى تخرج الأم، وإنما جاء بلفظ (الوالد) والوالد يعم الوالدة. قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والله أعلم. * * *

стр. 9224

الفصل الثامن في التسوية بين الأولاد في العطية [م-١٨٧٧] اتفق العلماء على مشروعية العدل بين الأولاد في العطية، فلا يخص أحدهم أو بعضهم بشيء دون الآخر. قال ابن قدامة في المغني: «ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل، قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل» (١). ونص الحنفية على أنه لا بأس بتفضيل بعض الأولاد على بعض في المحبة؛ لأنها عمل القلب. جاء في الدر المختار نقلًا من الخانية «لا بأس بتفضيل بعض الأولاد في المحبة لأنها عمل القلب» (٢). وإن كان الإنسان قد لا يؤاخذ على عمل القلب، إلا أنه يؤخذ على إظهار ذلك، وقد دل القرآن على أن إظهار حب بعض الأولاد على بعض قد يكون سببًا في ارتكاب الكبائر. قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩]. وأجاز المالكية التفضيل بالشيء القليل بلا كراهة (٣).

стр. 9225

واختلفوا في حكم التفضيل بالشيء الكثير على قولين: القول الأول: التسوية مستحبة، ويكره التفضيل، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١) وترتفع الكراهة عند الحنفية والمالكية إذا كان التفضيل لزيادة حاجة. ولا بأس بالتفضيل عند أبي يوسف إذا لم يقصد بالتفضيل الإضرار. ومحل الكراهة عند الشافعية والمالكية وبعض الحنابلة عند الاستواء في الحاجة وعدمها، فإن كان التفضيل لزيادة حاجة لم تكره عندهم. ومنع مالك التصدق بجميع ماله كله لولده، وليس هذا خاصًا بالولد؛ لأنه بمنزلة من تصدق بماله كله، فإنه ينهى عنه. وإليك النصوص عنهم في هذا: جاء في حاشية ابن عابدين نقلًا من الخانية: «ولو وهب شيئًا لأولاده في الصحة، وأراد تفضيل البعض على البعض روي عن أبي حنيفة لا بأس به إذا كان التفضيل لزيادة فضل في الدين، وإن كانوا سواء يكره.

стр. 9226

وروى المعلى عن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا لم يقصد الإضرار، وإلا سوى بينهم، وعليه الفتوى» (١). وقال الباجي: «قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه إذا أعطى البعض على سبيل الإيثار أنه مكروه، وإنما يجوز ذلك ويعرى من الكراهية إذا أعطى البعض لوجه ما من جهة يختص بها أحدهم، أو غرامة تلزمه، أو خير يظهر منه، فيخص بذلك خيرهم على مثله» (٢). وقال النووي: «ينبغي للوالد أن يعدل بين أولاده في العطية، فإن لم يعدل فعل مكروهًا، لكن تصح الهبة» (٣). وجاء في تحفة المحتاج: «(ويسن للوالد) أي: الأصل وإن علا (العدل في عطية أولاده) .... سواء أكانت تلك العطية هبة، أم هدية، أم صدقة، أم وقفًا، أم تبرعًا آخر، فإن لم يعدل لغير عذر كره عند أكثر العلماء وقال جمع: يحرم» (٤). وقال الخطيب في مغني المحتاج: «محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلا فلا كراهة، وعلى ذلك يحمل تفضيل الصحابة» (٥). وقال ابن قدامة في المغني: «والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده، على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.

стр. 9227

وقال القاضي: المستحب التسوية بين الذكر والأنثى ... فإن خالف، فسوى بين الذكر والأنثى، أو فضلها عليه، أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض، أو خص بعضهم بالوقف دون بعض، فقال أحمد، في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة، فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال، وبه حاجة. يعني فلا بأس به ..... وعلى قياس قول أحمد، لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه، تحريضًا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس» (١). حجة الجمهور على أن التفضيل غير محرم: الدليل الأول: (ث-٢٨٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً من ماله، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث .... (٢). [إسناده صحيح]. قال الشافعي: وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه، وفضل

стр. 9228

عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم (١). ونسبه البيهقي للشافعي، ولم أقف على إسناد لهذين الأثرين (٢). وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: قول الصحابي ﵁ لا يعارض به السنة المرفوعة، وإنما تفهم السنة من خلال فهم عمل الصحابة، لا أن تطرح السنة بفعل بعضهم. الجواب الثاني: جاء في الفتح: «أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر» (٣). الجواب الثالث: يحتمل أنه فضلها لحاجتها أو لفضلها، فلا يدخل في التحريم. الدليل الثاني: مما احتج به الشافعي وغيره: أن العلماء قد أجمعوا على جواز عطية الرجل ماله لأجنبي، وإخراج جميع أولاده من ماله، فإذا جاز أن يخرج جميع ولده عن ماله جاز له أن يخرج بعضهم. ويناقش: بأن هذا قياس في مقابل النص، ولأن تفضيل الأجنبي ليس فيه تفضيل لبعض

стр. 9229

الأولاد على بعض، فلا يؤثر البغضاء بين الأولاد. القول الثاني: يحرم التفضيل، وتجب التسوية، وبه قال طاوس وأحمد وإسحاق وداود (١). فإن فعل فعليه التسوية بأحد أمرين: إما رد عطية الأول، أو إعطاء الآخر مثله. قال ابن قدامة: «يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية، وإذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم ففيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين؛ إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر. قال طاوس: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك» (٢). حجة الحنابلة على تحريم التفضيل: (ح-١١٤٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، أنهما حدثاه، عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: أكل ولدك نحلت مثله، قال: لا، قال: فارجعه (٣). وفي رواية للبخاري: (لا أشهد على جور) (٤).

стр. 9230

ولفظ مسلم: (فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور) (١). وفي رواية للبخاري ومسلم: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) (٢). وجه الاستدلال: أن التفضيل مناف للتقوى، وهو من الظلم لتسميته جورًا، ولقوله: اعدلوا بين أولادكم، ولأن التفضيل سبب في الوقوع في العقوق، والعقوق محرم، وما كان سببًا في محرم، فهو محرم. وأجيب الجمهور عن هذا الحديث بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه، وهو بمنزلة التصدق بجميع المال، فليس فيه حجة على منع التفضيل. ورد هذا الجواب بأمرين: الأمر الأول: أن الرد لو كان بسبب أن الموهوب كان جميع المال لما كان لقوله ﷺ أكل ولدك نحلت مثله معنى. الأمر الثاني: أن في بعض ألفاظه في الصحيحين: (سألت أمي بعض الموهبة لي من ماله) (٣).

стр. 9231

وقال القرطبي: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله، قال: وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره. الجواب الثاني: أن النبي ﷺ إنما كان أمره لبشير بالرد قبل إنفاذ بشير الصدقة، لأن بشيرًا إنما جاء يستشير الرسول ﷺ فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك (١). ويجاب: بأن أكثر طرق الحديث تخالف هذا التأويل. الجواب الثالث: أن النعمان كان كبيرًا، ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع ذكره الطحاوي. ورد هذا الجواب: أنه ورد في مسلم (قال النعمان فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام ... ) (٢). هذا خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضا خصوصا قوله ارجعه، فإنه يدل على تقدم وقوع القبض والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمر برد العطية المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض.

стр. 9232

الجواب الرابع: أن قوله ﷺ : (أرجعه) دليل على صحة الهبة، لأن الهبة لو كانت باطلة لم يحتج الأمر إلى إرجاعه، وإنما أمره بالرجوع؛ لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، ومن أجل استحباب التسوية رجح الرجوع على لزوم الهبة. ورد هذا الجواب: الذي يظهر أن معنى قوله: (أرجعه) أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. الجواب الخامس: أن قوله (أشهد على هذا غيري) يدل على صحة الهبة؛ لأنه لم يأمره بردها، وإنما أمره بتأكيدها بإشهاد غيره عليها، وإنما لم يشهد ﵇ عليها؛ لتطلبه الأفضل (١). وربما امتنع من الإشهاد لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم حكاه الطحاوي وارتضاه ابن القصار (٢). ورد هذا الجواب: أن الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن إلا أنها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع الرسول ﵇ من المباشرة لهذه الشهادة، معللا بأنها جور،

стр. 9233

فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن. وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير. ومما يستدل به على المنع أيضا: قوله (اتقوا الله) فإنه يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى، وأن التسوية تقوى، وفي رواية: لا أشهد إلا على حق، وما لم يكن حقًا فهو باطل، و لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه، ولأن ما لا يجوز لرسول الله ﷺ أن يشهد فيه لا يجوز لغيره أن يشهد فيه (١). واعترض على هذا الرد: بأن الجور: هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواءكان حرامًا أو مكروهًا وقد وضح بما قدمناه أن قوله ﷺ أشهد على هذا غيري يدل على أنه ليس بحرام فيجب تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه (٢). والأول أصح. الراجح: تحريم التفضيل بين الأولاد إلا أن يكون التفضيل بالوصف، وليس بالعين، كأن يقول: من يطلب العلم فله كذا، ومن يحفظ القرآن يستحق كذا، فهذا التفضيل ليس للشخص، وإنما هو للوصف، والله أعلم. * * *

стр. 9234

مبحث في صفة التسوية [م-١٨٧٨] اختلف العلماء في صفة التسوية: القول الأول: العدل هو بالتسوية بين الذكر والأنثى بلا تفضيل، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ومذهب الشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (١). القول الثاني: العدل رعاية قسمة الميراث بأن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٢). وقال ابن عبد البر: «لا أحفظ لمالك في هذه المسألة قولًا» (٣). قلت: أما أصحابه فانقسموا على القولين (٤). وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في عقد الوقف، فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 9235

الباب الرابع في العمرى والرقبى الفصل الأول في العمرى المبحث الأول في تعريف العمرى تعريف العمرى الاصطلاحي (١): لا يختلف التعريف الاصطلاحي عن التعريف اللغوي: جاء في الاختيار لتعليل المختار: «أن يجعل داره له عمره» (٢). وقال العيني: «أن يقول: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمرى، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، فإذا مت فهي رد علي، أو نحو هذا،

стр. 9236

سميت عمرى لتقييدها بالعمر» (١). وعرفها المالكية: «العمرى: هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له، أو مدة عمره، وعمر عقبه، فسميت عمرى لتعلقها بالعمر» (٢). وقال الماوردي: «جعلت داري هذه لك عمري، أو يقول: قد جعلتها لك عمرك أو مدة حياتك» (٣). قال ابن قدامة: «وصورة العمرى أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عاشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا. سميت عمرى لتقييدها بالعمر» (٤). وتأتي العمرى على ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، ولعقبك من بعدك. فهذه صورة صحيحة عند عامة العلماء، وذكر النووي: أنه لا خلاف في صحتها، وإنما الخلاف: هل يملك الرقبة، أو المنفعة. الصورة الثانية: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، أو هذه الدار لك عمرى، ويطلق، ولا يشترط أن ترجع إليه بعد موته.

стр. 9237

الصورة الثالثة: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت رجعت إلي إن كنت حيًا، أو إلى ورثتي إن كنت ميتًا (١). هذه أهم صور العمرى في الجملة، وبعضهم يزيد فيها، كأن يقول: جعلتها لك عمرى من غير أن يقدر ذلك بعمر أحد (٢). * * *

стр. 9238

المبحث الثاني في حكم العمرى التكليفي [م-١٨٧٩] اختلف الفقهاء في حكم العمرى على قولين: القول الأول: أن العمرى جائزة، وهو قول الجمهور، والقول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم (١). قال السرخسي: «وإذا قال الرجل لغيره: قد أعمرتك هذه الدار، وسلمها إليه: فهي هبة صحيحة» (٢). وجاء في الشرح الصغير: «وجازت العمرى، والمراد بالجواز: الإذن فيها شرعًا، فهي مندوبة؛ لأنها من المعروف» (٣). وقال العمراني في البيان: «العمرى: نوع من الهبة، تفتقر إلى الإيجاب والقبول، ولا تلزم إلا بالقبض، ولا يصح القبض فيها إلا بإذن الواهب» (٤).

стр. 9239

وجاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبي الفضل: «وسألته: ما قولك في العمرى؟ قال: جائزة، هي لمن أعمرها ولورثته» (١). دليل من قال: بالجواز: الدليل الأول: (ح-١١٤٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁، قال: «قضى النبي ﷺ بالعمرى، أنها لمن وهبت له (٢). الدليل الثاني: (ح-١١٥٠) ما رواه البخاري من طريق همام، حدثنا قتادة، قال: حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: العمرى جائزة (٣). ورواه مسلم من طريق شعبة، عن قتادة (٤). وهناك أدلة أخرى تركناها اقتصارًا على ما ذكر، ولعلي أذكرها عند الكلام على الحكم الوضعي للعمرى. القول الثاني: أن العمرى باطلة، حكاه الماوردي وغيره عن داود الظاهري، وهو القول القديم للشافعي، قال الغزالي: وهو الأقيس؛ لأنه هبة مؤقتة، فيضاهي البيع المؤقت (٥).

стр. 9240

وقال الحارثي من الحنابلة: «العمرى المشروعة أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك، لا غير» (١). حجة من قال: إن العمرى لا تجوز: الدليل الأول: (ح-١١٥١) ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا، ولعقبه (٢). وجه الاستدلال: الحديث يأمر بإمساك الأموال، وينهى عن إفسادها بالعمرى، والأصل في الأمر الوجوب، والأصل في النهي التحريم. ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن المنهي عنه فعل الجاهلية، وهو توقيت الهبة، فإن من وقت الهبة مدة عمر الموهوب له، فإن ملكه سوف يزول، ويبطل الشرط، فلا يحصل له شرطه، ولا يبقى له ماله، وهذا وجه إفسادها، ولذلك صححها بقوله: فإن من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه، وبهذا الجمع لا تتعارض الأحاديث الصحيحة بجواز العمرى، مع مثل هذه الأحاديث، والله أعلم.

стр. 9241

الجواب الثاني: قال ابن حبان في صحيحه: «زجر المصطفى ﷺ عن النذر والعمرى والرقبى كان لعلة معلومة، وهي إبقاؤه ﷺ على المسلمين في أموالهم، لا أن استعمال هذه الأشياء الثلاث غير جائز ـ إذا كان طاعة لا معصية ـ وذاك أن الصحابة قطنوا المدينة، ولا مال لهم بها، فكره ﷺ لهم الرقبى والعمرى إبقاء على أموالهم؛ للضرورة الواقعة التي كانت بهم، لا أنهما لا يجوز استعمالهما» (١). ويناقش: بأن المهاجرين لم يكن لهم مال حتى يعمروها، وإنما كان ذلك من الأنصار ﵃، كما تدل عليه بعض الروايات. الدليل الثاني: (ث-٢٨٩) ما رواه النسائي من طريق يعلى، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لا تحل الرقبى، ولا العمرى، فمن أعمر شيئًا فهو له، ومن أرقب شيئا فهو له (٢). [رجاله ثقات إلا أبا الزبير فإنه صدوق، وقد اختلف في إرساله، ووقفه، ورفعه مع اختلاف بين في لفظه، مما يجعلني أميل إلى الحكم عليه بالإضطرب، وليست علته كما قال بعض العلماء عنعنة أبي الزبير فإن اتهامه بالتدليس لا يثبت] (٣).

стр. 9242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9244

ويناقش: بأن قوله: (لا تحل) أي مؤقتة بدليل قوله: (فهي لمن أعمرها)، جوازها في حال كونها مؤبدة، وهذا يعني صحة الهبة وإبطال الشرط. الدليل الثالث: (ح-١١٥٢) ما رواه النسائي من طريق إسرائيل، عن عبد الكريم، عن عطاء، قال: نهى رسول الله ﷺ عن العمرى والرقبى (١). [رجاله ثقات إلا أنه مرسل]. ويجاب: بأنه المرسل من قبيل الضعيف. (ح-١١٥٣) وقد أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك،

стр. 9245

عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: قال رسول الله ﷺ من أعطى شيئًا حياته فهو له حياته وموته (١)، فيكون النهي عن حكم الجاهلية بأن تكون مؤقتة، والله أعلم. الدليل الرابع: أن العمرى إن اعتبرناها هبة فهي مخالفة لمقتضى العقد، فإن الهبة تنقل الملك في الرقبة والمنفعة، وإذا كان لا يصح توقيت البيع، فكذلك لا يصح توقيت الهبة. ويجاب: بأن توقيت الهبة هي عارية، فإن العارية نوع من الهبة، وهي من هبة المنافع، فكذلك العمرى، ولا يؤثر فيها الغرر، فإنه لا يشترط توقيت العارية، فمتى ما أراد صاحبها استرجعها، ولا يصح قياس العارية على البيع، فإن البيع ينقل ملك الرقبة بخلاف العارية، والله أعلم. الراجح: القول بالجواز، وأن القول بالتحريم قول ضعيف، والله أعلم. * * *
следующие страницы →