يقال له: يوسف، قال: كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، قال: وكان رجل قد ذهب مني بألف درهم، قال: فوقعت له في يدي ألف درهم، قال: فقلت للقرشي إنه قد ذهب لي بألف درهم، وقد أصبت له ألف درهم، قال: فقال القرشي:
حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
[هذا إسناده ضعيف لإبهام ابن الصحابي الذي روى عنه يوسف وله شواهد ضعيفة، قال أحمد: لا أعرفه عن النبي ﵇ من وجه صحيح] (١).
وأما الدليل من الإجماع:
قال العمراني في البيان: «الأمة أجمعت على جواز الإيداع» (١).
وقال ابن قدامة: «أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع» (٢).
وقال ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الوديعة أمانة، وأنها من القرب المندوب إليها، وأن في حفظها ثوابًا ... » (٣).
وأما الدليل من القياس:
فإنه يمكن قياس الوديعة على العارية، فالعارية: بذل لمنافع المال من غير
стр. 9314
بدل، والوديعة: بذل لمنافع البدن من غير بدل، فلما استحق الرجل الثناء على بذل منافع ماله كأن أولى بالثناء إذا بذل منافع بدنه؛ إذ النفس أعز من المال (١).
كما يمكن قياس الوديعة على عقد الوكالة، فإن عقد الوديعة توكيل في الحفظ، فهي وكالة مقيدة، كما أن المال في يد الوكيل يعتبر وديعة باعتباره أمينًا في الحفظ.
وأما الدليل من النظر:
فإن بالناس حاجة إلى الوديعة بل ضرورة إليها فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى من يحفظ لهم مالهم (٢).
* * *
стр. 9315
الفرع الثاني
حكم الوديعة التكليفي
[م-١٨٩٠] اختلف الفقهاء في حكم الوديعة على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الإيداع في حق المودِع مباح؛ لأنه تصرف من المالك في ملكه، وقد يحتاج إليه.
وأما قبول الوديعة من المودع فهو عمل مندوب؛ لأنه من الإعانة على البر والتقوى.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].
ولأن فيها حفظًا للمال من الضياع، وهو مطلوب شرعًا (١).
وقيد الحنابلة الاستحباب لمن علم من نفسه أنه ثقة، وقادر على حفظها، فإن لم يكن كذلك كره له قبول الوديعة إلا برضا ربها بعد إخباره بذلك (٢).
стр. 9316
القول الثاني:
فصل الشافعية الحكم في قبول الوديعة إلى أربعة أحوال:
الأول: يستحب قبول الوديعة لمن قدر على حفظها، ووثق بأمانة نفسه، وهذا يتفق مع مذهب الحنابلة.
الثاني: يجب عليه قبول الوديعة إذا لم يكن هناك غيره يصلح لذلك، وخاف إن لم يقبل أن يهلك المال.
قال الشيرازي: «يستحب لمن قدر على حفظ الوديعة وأداء الأمانة فيها أن يقبلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ..... فإن لم يكن من يصلح لذلك غيره، وخاف إن لم يقبل أن تهلك تعين عليه قبولها؛ لأن حرمة المال كحرمة النفس» (١).
الثالث: إذا كان واثقاً من أمانته إلا أنه عاجز عن حفظها فإنه يحرم عليه القبول؛ لأنه يعرض الوديعة للتلف.
قال ابن الرفعة: ومحله إذا لم يعلم المالك بحاله، وإلا فلا تحريم.
وتعقبه الزركشي قائلًا: وفيه نظر، والأوجه تحريمه عليهما، أما على المالك فلإضاعته ماله، وأما على المودَع فلإعانته على ذلك، وعلم المالك بعجزه لا يبيح له القبول، ومع ذلك فالإيداع صحيح، وأثر التحريم مقصور على الإثم (٢).
стр. 9317
الرابعة: أن يكون قادرًا على الحفظ ولكن لا يثق بأمانة نفسه، فهل يحرم قبولها، أو يكره؟ وجهان في مذهب الشافعية، والمعتمد الكراهة.
جاء في منهاج الطالبين: «من عجز عن حفظها حرم عليه قبولها ومن قدر ولم يثق بأمانته كره، فإن وثق استحب» (١).
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن الأصل في الإيداع أنه مباح في حق المودِع والقابل.
وقد يعرض له ما يوجبه في حق المالك إذا خاف على ماله من الضياع إن لم يودعه مع وجود قابل له يقدر على حفظه.
وقد يعرض له ما يحرمه في حق المالك: إذا كان المال مسروقًا أو مغصوبًا ولا يقدر القابل على جحدها ليردها إلى ربها، أو للفقراء، أو كان المودع محجورًا عليه لفلس، وأراد من الإيداع منع الغرماء من الوصول إلى المال.
هذا في حق المودِع كذلك في حق القابل الأصل فيه الإباحة:
ولا يجب قبولها ولو لم يوجد غيره إلا لتخليص مستهلك، كما يقع في أيام النهب من إيداع الناس عند ذوي البيوت المحترمة.
وقد يعرض لها ما يحرمها إذا كانت الوديعة مغصوبة أو مسروقة، ولا يستطيع المودَع رد المال إلى مالكه.
وقد يستحب قبول الوديعة إذا خشى ما يوجبها دون تحقق.
стр. 9318
وقد يكره قبولها إذا خشى ما يحرمها دون تحقق (١).
* * *
стр. 9319
الباب الأول
أركان الوديعة
الفصل الأول
خلاف العلماء في أركان الوديعة
[م-١٨٩١] تقدم لنا أن الوديعة عقد، وإذا كان عقدًا فلابد له من أركان يقوم عليها كسائر العقود:
وقد اتفقوا على أن الصيغة: (الإيجاب والقبول) من أركان الوديعة، واختلفوا فيما زاد على ذلك:
القول الأول:
أن أركان الوديعة الصيغة فقط وهي الإيجاب صريحًا أو كناية، والقبول من المودَع صريحًا أو دلالة، وهذا مذهب الحنفية (١).
قال الكاساني: «أما ركنه: فهو الإيجاب والقبول، وهو: أن يقول لغيره: أودعتك هذا الشيء، أو احفظ هذا الشيء لي، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، وما يجري مجراه، ويقبله الآخر، فإذا وجد ذلك؛ فقد تم عقد الوديعة» (٢).
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى أن أركان الوديعة أربعة:
стр. 9320
الصيغة (الإيجاب والقبول).
المودِع بالكسر.
والمودَع بالفتح.
والمحل أي العين المودعة (١).
وسبب الخلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود
стр. 9321
عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءاً من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءاً من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطَّردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
* * *
стр. 9322
الفصل الثاني
في انعقاد الوديعة بالمعاطاة
تنعقد الوديعة بكل ما يدل على الإيداع من قرينة لفظية أو فعلية.
[م-١٨٩٢] تكلمنا في المبحث السابق عن أركان الوديعة، وبينا أن الصيغة من أهم أركان الوديعة، ونعني بالصيغة: ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره الشرعي في محله.
فالإيجاب: هو اللفظ الصادر من المودِع بالكسر.
والقبول: هو اللفظ الصادر من المودَع بالفتح. وهذا عند الجمهور (١).
واختار الحنفية أن الإيجاب: هو ما يذكر أولًا من كلام المتعاقدين، سواء كان من المودِع أو المودَع.
والقبول: ما يذكر ثانيًا من الآخر، وهذا مذهب الحنفية (٢).
[م-١٨٩٣] وقد اختلف الفقهاء في الصيغة، هل يشترط فيها الإيجاب والقبول باللفظ، أو تصح بالفعل الدال على الإيداع؟ على قولين لأهل العلم:
стр. 9323
القول الأول:
يصح الإيداع بالقول صريحًا أو كناية، وبالفعل الدال عليه، ولا يشترط اللفظ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١).
جاء في البحر الرائق: «وركنها الإيجاب قولًا صريحا أو كناية، أو فعلًا.
والقبول من المودع صريحا أو دلالة ....
وإنما قلنا في الإيجاب: (أو فعلًا) ليشمل ما لو وضع ثوبه بين يدي رجل ولم يقل شيئًا فهو إيداع.
وإنما قلنا في القبول: (أو دلالة) ليشمل سكوته عند وضعه بين يديه فإنه قبول
стр. 9324
دلالة ... ولهذا قال في الخلاصة: لو وضع كتابه عند قوم فذهبوا وتركوه ضمنوا إذا ضاع ... » (١).
وقال الدردير: «لا يشترط فيه ـ يعني الإيداع ـ إيجاب وقبول ... فمن وضع مالًا عند شخص، ولم يقل له: احفظه، أو نحوه ففرط فيه، كأنْ تركه، وذهب فضاع المال ضمن؛ لأن سكوته حين وضعه يدل على قبول حفظه» (٢).
وقال الخرشي: «من ترك متاعه عند جالس فسكت فضاع كان ضامنا لأن سكوته حين وضعه ربه رضا بالإيداع» (٣).
° حجة هذا القول:
الدليل الأول:
الأصل في العقود الإباحة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، فلو كان اللفظ شرطًا لصحة الوديعة لبينه الشرع بياناً عامًا، ولو بينه لنقل، فلما لم ينقل عن النبي ﵇ ولا عن أحد من أصحابه علمنا أنه ليس بشرط.
الدليل الثاني:
شرط صحة الوديعة وجود الرضا بين المتعاقدين، فإذا وجد ما يدل عليه من قرينة حالية أو فعلية قام مقام الألفاظ، وأجزأ ذلك، لعدم التعبد فيه.
стр. 9325
الدليل الثالث:
جاء الشرع بجواز الإيداع، ولم يبين كيفيته، فكل ما يدل على الإيداع من قرينة لفظية أو فعليه فإنه يصح به الإيداع.
القول الثاني:
التفريق بين الإيجاب والقبول، فالإيجاب لا يصح إلا بلفظ دال على الاستنابة في الحفظ. وأما القبول فيصح باللفظ والفعل الدال عليه، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية والحنابلة (١).
بل إن إمام الحرمين رأى أن القبول ليس شرطًا بالاتفاق عند الشافعية.
قال في نهاية المطلب: «القبول ليس شرطا من المودع وفاقا، وإنما اختلف الأصحاب في التوكيل بالعقود وما في معناها، والأصح أنه لا يشترط القبول في الوكالة على أي وجه فرضت» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «ويشترط صيغة المودع الناطق باللفظ، وهي إما صريح كاستودعتك هذا، أو أودعتك أو هو وديعة عندك ... وإما كناية وتنعقد بها مع النية ..... والأصح أنه لا يشترط في الوديع القبول للوديعة لفظًا، ويكفي القبض لها كما في الوكالة بل أولى» (٣).
стр. 9326
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الحنابلة: «ينعقد الإيداع بإيجاب وقبول بلفظ الإيداع، وكل قول دل على الاستنابة في الحفظ، كقوله: احفظ هذا، أو أمنتك على هذا، ونحو ذلك».
وجاء في الإقناع: «ويكفي القبض قبولًا للوديعة كالوكالة» (١).
° وجه هذا القول:
أن الرضا شرط في صحة جميع التصرفات:
ففي البيع، قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وفي التبرع قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤].
والرضا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله، فهو أمر خفي فلا بد من لفظ يدل عليه، ويناط به الحكم، سواء كان مما يستقل به الإنسان كالطلاق، والعتاق، والعفو والإبراء، أو غيره مما لا يستقل به وحده كالبيع، والإجارة، والنكاح والوديعة، وإذا كان الشأن كذلك فلا بد للإيجاب من لفظ يدل على قصد الإيداع من المالك.
ولأن دفع المال إلى المودع بدون إيجاب لفظي لا يدل على الإيداع؛ لكونه يحتمل وجوهًا مختلفة، فقد يراد به القرض، وقد يراد به الهبة، وقد يراد به الوديعة فكان لا بد من لفظ صريح أو كناية يدل على الإيداع.
أما القبول فهو يأتي عطفًا على الإيجاب ومكملًا له وفرعًا عنه، فلا يشترط اللفظ له، فإذا دل لفظ الإيجاب على الإيداع، كان القبض من المودَع قبولًا دالًا على الإيداع وحده من غير التباس.
стр. 9327
ويناقش:
بأن الإعطاء إذا كان يحتمل القرض والهبة والوديعة فإنه يحمل على الأدنى منها، فإن الهبة تمليك للمال بلا عوض، والقرض تمليك له أيضًا برد البدل، والوديعة ليس فيها تمليك، والمال باق على ملك صاحبه، فتحمل عليه.
قال في البحر الرائق: «الإعطاء يحتمل الهبة والوديعة، الوديعة أدنى وهو متيقن فصار كناية» (١).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا إذا قلنا: إن العقود تصح بالمعاطاة فلا بد من قرائن حالية تدل على المراد، فالمعاطاة من رجل يعرض سلعًا للبيع تدل على البيع، ودفع المال من الغني للفقير يدل على إرادة الصدقة، وهكذا سائر العقود، والله أعلم.
القول الثالث:
يشترط اللفظ في الإيجاب والقبول، وهذا قول للشافعية في مقابل الأصح (٢).
القول الرابع:
يشترط عبارة أحدهما مع فعل الآخر، فإذا ناوله المودع المال، وقال الوديع: قبلتها وديعة صحت، اختاره الأذرعي من الشافعية (٣).
جاء في مغني المحتاج: «قال الأذرعي: ولم يبعد أن يقال: الشرط وجود
стр. 9328
اللفظ من أحد الجانبين، والفعل من الآخر للعلم بحصول المقصود بذلك، فلو قال: الوديع أودعنيه مثلًا فدفعه له ساكتًا كفى كالعارية، وعليه فالشرط اللفظ من أ حدهما، وهو حسن» (١).
° الراجح:
صحة المعاطاة إذا كان هناك قرائن تدل على إرادة الإيداع، والله أعلم.
стр. 9329
الفصل الثالث
في انعقاد الإيداع بالإشارة
إشارة الأخرس المفهمة كالنطق.
كتابة الأخرس كإشارته.
[م-١٨٩٤] الإيداع بالإشارة تعتبر من الإيداع بالمعاطاة؛ لأن الإشارة ليست كلامًا في وضع الشارع.
قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] مع قوله سبحانه: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
فإن كانت الإشارة من أخرس، فإن كانت غير معتادة ولا مفهومة فإنه لا حكم لها لا في بيع، ولا هبة، ولا إقرار ولا غيرها من العقود (١).
وإن كانت مفهومة ومعتادة يعهدها كل من يقف عليها كالتحريك برأسه طولًا للموافقة، وعرضًا للرفض، وكان خرسه أصليًا فإن إشارته صحيحة وكذا سائر عقوده بلا خلاف.
قال ابن نجيم: «الإشارة من الأخرس معتبرة، وقائمة مقام العبارة في كل شيء من بيع، وإجارة، وهبة، ورهن، ونكاح، وطلاق، وعتاق، وإبراء، وإقرار، وقصاص إلا في الحدود» (٢).
стр. 9330
وقال النووي: «قال أصحابنا: يصح بيع الأخرس، وشراؤه بالإشارة المفهومة، وبالكتابة بلا خلاف للضرورة. قال أصحابنا: ويصح بها جميع عقوده» (١).
[م-١٨٩٥] وهل يصح الإيداع بالإشارة من القادر على الكلام؟
اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول:
لا يعتد بالإشارة من القادر على الكلام، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني:
أن الإشارة المفهمة المعتادة معتبرة، ولو كانت من قادر على الكلام، وهذا مذهب المالكية، واختيار ابن تيمية، وابن القيم.
وقد وثقت ذلك، وذكرت حجة كل فريق في عقد البيع من المجلد الأول، فارجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 9331
الفصل الرابع
الاعتماد على الخط في الإيداع
الكتاب كالخطاب.
البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان
[م-١٨٩٦] إذا وجد الورثة في تركة الميت صندوقًا فيه كيس من النقود مكتوبًا عليه: هذا وديعة لفلان، فهل يعمل بالخط، ويكون ذلك وديعة، أو لا يمكن الاعتماد على الخط بمجرده، فلا بد من بينة على الوديعة؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
يجب العمل بالخط، ويكون ذلك المال وديعة، وهذا ما قررته مجلة الأحكام العدلية، ومذهب المالكية، والأصح في مذهب الحنابلة (١).
стр. 9332
واشترط المالكية أن يثبت بالبينة أن الكتابة بخط صاحب الوديعة، أو بخط الميت.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا ظهر كيس مملوء بالنقود في تركة متوف ملصق عليه بطاقة محرر فيها بخط المتوفى أن هذا الكيس مال فلان وهو عندي أمانة يأخذه ذلك الرجل من التركة ولا يحتاج إلى إثبات بوجه آخر» (١).
قال ابن رشد: «والمشهور في المذهب أن الشهادة على الخط في ذلك جائزة عاملة لم يختلف في ذلك قول مالك ولا قول أحد من أصحابه فيما علمت» (٢).
стр. 9333
وقال الدسوقي في حاشيته: «من مات وعنده وديعة مكتوب عليها هذه وديعة فلان بن فلان، فإن صاحبها يأخذها بشروط: أن يثبت بالبينة أن الكتابة بخط صاحب الوديعة، أو بخط الميت ... » (١).
وقال ابن مفلح في الفروع: «ويعمل بخط أبيه على كيس لفلان في الأصح كخطه بدين له» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وإن وجد خط موروثه: لفلان عندي وديعة، وعلى كيس: هذا لفلان عمل به وجوبًا على الصحيح من المذهب» (٣).
القول الثاني:
إن كان الخط ليس خط الميت ولا المالك لم يعمل بالخط باتفاق المالكية، وإن كان الخط خط الميت اعتبرت وديعة باتفاق المالكية، وإن كان الخط خط المودَع، فقال ابن القاسم من المالكية: لا يأخذها، خشية أن يكون بعض الورثة قد أخرجها له، فكتب عليها اسمه (٤).
قال ابن رشد: «ولا اختلاف في أنه لا يُقضى له بها إذا وجد عليه اسمه ولا يُدرى من كتبه» (٥).
وقال أيضًا: «وسمعته يسأل عن رجل توفى ففتح تابوت له فإذا فيه كيس
стр. 9334
مكتوب عليه لفلان بن فلان، وفيه مال، فطلب ذلك الرجل الكيس، فقال: أرى إن شهد له أنه خط الميت المستودع وكتابه بيده رأيت أن يدفع إليه، وإن لم يشهد على ذلك لم يدفع إليه إلا ببينة.
وإنما هو بمنزلة القرطاس يوجد عنده فيه حساب لفلان عندي كذا وكذا، فإن شهد أنه خط الميت رأيت ذلك له، وإلا لم يكن له شيء» (١).
وجاء في منح الجليل: «قال ابن القاسم يأخذها إن وجد عليها خط الميت لا خط المودع. قال ابن دحون: خشية أن يكون بعض الورثة أخرجها له فكتب عليها اسمه ..... وقال ابن رشد: لا يقضي لمن وجد عليها اسمه إن لم تكن بخطه ولا بخط المودِع، فإن كانت بخط المتوفى الذي وجدت عنده فهي لمن وجد اسمه عليها اتفاقًا إلا على رأي من لا يرى الشهادة على الخط، وإن كان بخط مدعي الوديعة فقال أصبغ أنه يقضي له بها ... » (٢).
القول الثالث:
لا يعمل بالخط، وهذا مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (٣).
قال العمراني في البيان: «وإن مات، فوجد بخطه أن الكيس الفلاني لفلان، أو وجد على الكيس اسم رجل لم يحكم له به؛ لأنه قد يودعه غيره شيئًا، ثم يتملكه، أو يشتري كيسًا عليه اسم رجل» (٤).
стр. 9335
وقال المرداوي في تصحيح الفروع: «إذا وجد خط أبيه بدين عليه فهل يعمل بهذا الخط أم لا؟ أطلق الخلاف .... :
أحدهما: لا يعمل به، ويكون تركة مقسومة، اختاره القاضي في المجرد، وجزم به في الفصول والمذهب، وقدمه في المغني والشرح» (١).
وقال ابن قدامة: «ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من الميت أو ورثته، أو ببينة تشهد بها، وإن وجد عليها مكتوبًا وديعة، لم يكن حجة عليهم، لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا، أو كان وديعة لموروثهم عند غيره، أو كانت وديعة فابتاعها، وكذلك لو وجد في رزمانج أبيه، أن لفلان عندي وديعة لم يلزمه بذلك؛ لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب، أو غير ذلك» (٢).
وانظر أدلة المسألة على الاعتماد على الخط في عقد الوصية، وكذا في عقد الوقف، فقد فصلت أدلة المسألة هناك فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
* * *
стр. 9336
الفصل الخامس
في تعليق الوديعة وإضافتها إلى المستقبل
المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز (١).
تكلمنا فيما سبق عن كلام الفقهاء في تعليق العقود، فمنع الجمهور التعليق في عقود التمليك، سواء كان التمليك بعوض كالبيع والإجارة، ونحوهما، أو كان التمليك في عقود التبرع كالهبة، والصدقة، ورجحت صحة التعليق فيها.
وأما ما كان من قبيل الإسقاط كالعتق، والتدبير، والطلاق والظهار، والخلع فهذا يقبل التعليق.
وأما عقد الوديعة فهو ليس من عقود التمليك، بل فيه شبه بعقد الوكالة؛ لأنه توكيل بالحفظ دون التصرف، فهو توكيل مقيد، فهل يجوز تعليق الإيداع كأن يقول: إذا قدم زيد فمالي وديعة عندك.
[م-١٨٩٧] وهل يصح إضافة عقد الوديعة إلى المستقبل، كأن يقول: أودعك هذا المال بعد شهر؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
يصح تعليق الوديعة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة وقطع به الروياني من الشافعية (٢).
стр. 9337
قال القرافي في الذخيرة: «لو قال: ... إن جاء متاعي غدًا فاقبضه صح إجماعًا مع التعليق على أمر مستقبل اتفاقًا، فيجوز هاهنا» (١).
وقال النووي: «ولو قال: إذا جاء رأس الشهر، فقد أودعتك هذا، فقطع الروياني في الحلية بالجواز، والقياس تخريجه على الخلاف في تعليق الوكالة» (٢).
وجاء في قواعد ابن رجب: «لو صرح بالتعليق فقال كلما خنت ثم عدت فأنت أمين فإنه يصح لصحة تعليق الإيداع على الشرط كالوكالة صرح به القاضي» (٣).
° دليل من قال بالصحة:
الدليل الأول:
لا يوجد دليل يمنع من صحة الوديعة إذا علقت على الشرط، أو أضيفت إلى المستقبل، والأصل في المعاملات الصحة والجواز.
الدليل الثاني:
أن الوديعة توكيل بالحفظ، والوكالة تقبل التعليق (٤).
стр. 9338
(ح-١١٦٨) فقد روى البخاري في صحيحه من طريق عبد الله بن سعيد، عن نافع،
عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: أمر رسول الله ﵇ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله ﵇: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة (١).
القول الثاني:
لا يصح تعليق الوديعة، وهو الأظهر في مذهب الشافعية (٢).
جاء في تحفة المحتاج: «ولو علقها كأن قال إذا جاء رأس الشهر فقد أودعتك هذا لم يصح كالوكالة كما بحثه في أصل الروضة وجرى عليه ابن المقري» (٣).
° حجة من قال: لا يصح تعليق الوديعة:
قياس الوديعة على الوكالة، وتعليق الوكالة على شرط مستقبل لا يصح عندهم؛ لأنه عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع، والإجارة.
ويجاب:
قد ناقشت حكم تعليق البيع والإجارة، وبينت صحة تعليق العقود وإضافتها إلى المستقبل في مبحث مستقل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 9339
القول الثالث:
لا يصح التعليق، وتصح إضافة الوديعة إلى المستقبل، وهو قول في مذهب الشافعية (١).
° الراجح:
أرى أن القول الراجح صحة تعليق الوديعة على شرط وكذا إضافتها إلى المستقبل، وإذا كان الأصح في عقود التمليك أنه يصح تعليقها كما جاءت الآثار في ذلك:
(ث-٢٩٤) فقد روى البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم.
قال البخاري: عامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.
[منقطع، وقد جاء من طريق آخر مرسلاً، قال الحافظ: فيتقوى أحدهما بالآخر] (٢).
стр. 9340
وإذا جاز التعليق في عقود المعاوضات فيجوز التعليق في عقود التبرع من باب أولى.
(ح-١١٦٩) وروى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود (١).
وإذا صح تعليق العبادات صح تعليق المعاملات، والله أعلم.
стр. 9341
الباب الثاني
في شروط الوديعة
الفصل الأول
في شروط ا لوديع والمودع
الشرط الأول
يشترط توفر الأهلية فيهما
المبحث الأول
في إيداع الصبي غير المميز والمجنون
إذا انعدم العقل والتمييز انعدم القصد والرضا وهما شرطان في صحة العقود.
يصح قبول الوديعة من الصبي إذا كان بنية تخليص المال من الهلاك.
[م-١٨٩٨] المودِع بالكسر: هو من يدفع ماله إلى الوديع ليحفظه له، ويشترط فيه أن يكون جائز التصرف، فلو أودع صبي أو مجنون مالًا لم يصح الإيداع، وهذا قول الأئمة الأربعة في الجملة (١).
стр. 9342
وعللوا ذلك:
بأن عبارتهما ملغاة لا اعتداد بها شرعاً فلا تصح بها عبادة ولا ينعقد معها تصرف، حتى تلك العبادات التي تصح من الصبي غير المميز كالحج والعمرة، لا تصح منه النية، وإنما ينوي عنه وليه؛ لأن التمييز والعقل إذا فقدا انعدم أمران: القصد، والرضا، وهما شرطان في صحة التصرفات المالية، لهذا كانت الأهلية في الصبي غير المميز والمجنون معدومة بالكامل.
فإن دفع الصبي أو المجنون ماله لرجل وديعة فقبله فإنه يضمنه، ولا يبرأ إلا بتسليمه إلى وليه.
واستثنى المالكية، والشافعية في أحد الوجهين، والحنابلة في الأصح ما لو كان الدافع من قبول الوديعة من المحجور عليه الخوف من هلاك المال في يده، أو من تسلط الظلمة عليه، فإذا أخذ المال حسبة صونًا له عن الضياع، فتلف في يده فإنه لا يضمنه.
وفي وجه آخر للشافعية والحنابلة يضمن مطلقًا.
إذا علم ذلك فإليك توثيق هذه الأقوال من نصوص الفقهاء:
قال في بدائع الصنائع: «وأما شرائط الركن فأنواع منها: عقل المودع، فلا يصح الإيداع من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل شرط أهلية التصرف» (١).
وجاء في الفوكه الدواني: «وأما الصبي والسفيه فلا يودعان، ولا يستودعان،
стр. 9343
لكن إن أودعاك شيئًا وجب عليك يا رشيد حفظه» (١).
وجاء في مواهب الجليل: «قال ابن عرفة: المودِع: من له التصرف في الوديعة بملك أو تفويض أو ولاية كالقاضي في مال اليتيم والغائب والمجنون.
والمودَع: من يظن حفظه، والأظهر أن شرطها باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة الفاعل، وظن صونها من القابل، فتجوز من الصبي الخائف عليها إن بقيت بيده، وكذا العبد المحجور عليه.
ويجوز أن يودعا ما خيف تلفه بيد مودعه إن ظن صونه بيد أحدهما لاحترامهما وثقتهما كأولاد المحترمين، وعبيدهم عند نزول بعض الظلمة ببعض البلاد، ولقاء الأعراب القوافل، والأصل في هذه النصوص الرأفة على حفظ المال والنهي عن إضاعته قال اللخمي: في البخاري ومسلم نهى النبي ﵇ عن إضاعة المال انتهى» (٢).
وجاء في الحاوي الكبير: «إذا أودع صبي رجلاً وديعة لم يكن للرجل أن يقبلها منه؛ لأن الصبي لا نظر له في مال نفسه، فإن قبلها الرجل منه ضمنها حتى يسلمها إلى وليه، أو الحاكم، فإن ردها على الصبي لم يسقط الضمان عنه، فلو كان عند أخذ الوديعة من الصبي خائفًا عليها من أن يستهلكها، فأخذها ليدفعها إلى وليه، أو إلى الحاكم، فهلكت في يده ففي ضمانه لها وجهان:
أحدهما: لا يضمنها؛ لأنه قصد خلاصها.
стр. 9344
والوجه الثاني: يضمنها؛ لأن يده عليها بغير حق، وهذان الوجهان من اختلاف قوليه في المحْرِم إذا خلص طائرًا من جارح، أو حية، فتلف، ففي ضمانه بالجزاء قولان، والله أعلم بالصواب» (١).
وجاء في الإنصاف: «وإن أودعه صبي وديعة ضمنها، ولم يبرأ إلا بالتسليم إلى وليه ... لو أخذ الوديعة من الصبي تخليصا لها من الهلاك، على وجه الحسبة. فقال في التلخيص: يحتمل أن لا يضمن كالملك الضائع إذا حفظه لصاحبه، وهو الأصح.
ويحتمل أن يضمن؛ لأنه لا ولاية له عليه. قال: وهكذا يخرج إذا أخذ المال من الغاصب تخليصا، ليرده إلى مالكه» (٢).
وفي كشاف القناع: «وإن أخذه أي المال إنسان من المحجور عليه؛ ليحفظه من الضياع لم يضمنه بذلك إن لم يفرط كمغصوب أخذه ليحفظه لربه فلا يضمنه؛ لأن في ذلك إعانة على رد الحق إلى مستحقه» (٣).
° الراجح:
يصح قبول الوديعة من المحجور عليه إذا كان ذلك بنية حفظ وتخليصه من الهلاك.
* * *
стр. 9345
المبحث الثاني
في إيداع الصبي المميز
كل من جاز له أن يوكل جاز له أن يودِع ومن جاز له أن يتوكل جاز له أن يودَع.
[م-١٨٩٩] إذا أودع الصبي المميز مالًا، فإن كان غير مأذون له لم يصح إيداعه؛ لأنه محجور عليه في ماله.
قال القرافي في الذخيرة: «ينبغي أن يكون ذلك متفقاً عليه» (١).
قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء:٥].
وقال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الله نهى أن نؤتي السفيه أموالنا، ثم بين الله في الآية التي بعدها متى ندفع الأموال إليهم ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] ففهم من الآية أن أموالهم لا تدفع إليهم قبل تحقق الشرطين: البلوغ، والرشد، فإذا كنا ممنوعين من دفع المال إليهم كان المنع من تصرفهم في هذا المال من باب أولى.
[م-١٩٠٠] أما إذا كان الصبي المميز مأذونًا له في التصرف فاختلف العلماء في صحة إيداعه على قولين:
стр. 9346
القول الأول:
يصح إيداع الصبي بشرطين أن يكون مميزًا، وأن يكون مأذونًا له، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (١).
قال الكاساني: «وأما شرائط الركن فأنواع منها عقل المودِع ... وأما بلوغه فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه التاجر؛ فكان من توابع التجارة، فيملكه الصبي المأذون، كما يملك التجارة» (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن كان الصبي مميزًا صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه؛ لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك» (٣).
وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يشترط في صحة عقد الوديعة أن يكون المودع والمستودع مميزين ولا يشترط كونهما بالغين ... » (٤).
° حجة هذا القول:
قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢].
وقال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦].
стр. 9347
وجه الاستدلال:
في الآية الأولى أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم، فلولا أن تصرفه معتبر شرعاً لما كان للأمر بدفع الأموال فائدة؛ لأن دفع المال إليهم يمكنهم من التصرف فيه، وذلك إنما يكون عند الاختبار.
وسماهم يتامى، واليتيم: اسم للصغير الذي لم يبلغ.
وفي الآية الثانية: أمرنا بابتلائهم وهم أيتام، ومعنى الآية: اختبروهم لتعلموا رشدهم، وإنما يتحقق ذلك بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ولوازمهما، ولما أمر الله باختبارهم مد هذا إلى غاية، وهي البلوغ، قال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] فدل على أن الاختبار إنما هو قبل البلوغ، وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن لهم في التصرف بيعًا وشراء، وإذا أذن لهم بالتجارة كان ذلك إذنًا في توابع التجارة، ومنها الإيداع.
القول الثاني:
ذهب المالكية والشافعية إلى أن الإيداع توكيل، ولا يصح إلا من البالغ العاقل (١).
جاء في حاشية الدسوقي: «كل من جاز له أن يوكل: وهو البالغ العاقل الرشيد جاز له أن يودع» (٢).
стр. 9348
وقال في كفاية الطالب: «من صح منه أن يوكل غيره صح منه أن يودع غيره ... قال العدوي في حاشيته عليه: والذي يصح منه أن يوكل العاقل البالغ الرشيد إلا الصغيرة في لوازم العصمة» (١).
وجاء في الحاوي الكبير: «وإذا أودع صبي رجلًا وديعة لم يكن للرجل أن يقبلها منه؛ لأن الصبي لا نظر له في مال نفسه، فإن قبلها الرجل منه ضمنها حتى يسلمها إلى وليه أو الحاكم، فإن ردها على الصبي لم يسقط الضمان عنه ... » (٢).
بل إن الشافعية وحدهم خلافًا للجمهور أبطلوا جميع تصرفات الصبي المالية حتى منعوا بيع الصبي مطلقاً، سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، باشر بإذن الولي أو بغير إذنه، حتى بيع الاختبار لا يجوز أن يتولى الصبي فيه البيع، وإنما يفوض إليه الاستيام، وتدبير العقل، فإذا انتهى الأمر إلى اللفظ أتى به الولي (٣).
وقد ذكرت حجتهم في بيع الصبي وناقشتها، وبينت أن قول الجمهور أولى بالصواب فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
° الراجح:
أن أهلية التصرف تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أهلية كاملة: هي في حق البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه، فمن اتصف
стр. 9349
بهذه الصفات تحققت له أهلية الأداء الكاملة، ويكون حراً طليقاً في تصرفاته إلا بما نهى عنه الشرع أو قيده.
أهلية معدومة: وهي في حق الصبي غير المميز، والمجنون ونحوهما، فهذا لا تصح تصرفاته مطلقًا أذن له وليه أو لم يأذن.
وأهلية ناقصة: وهي في حق الصبي المميز، والنقص في أهليته تنجبر بالإذن له من وليه، فمن قارب البلوغ، وكان مأذونًا له بالتصرف فإنه تصرفه صحيح، فإذا صح بيعه على الصحيح، وهو ينقل الملك في المال فالإيداع من باب أولى أن يصح؛ لأنه مجرد حفظ للمال، ولا ينقل الملك.
* * *
стр. 9350
المبحث الثالث
في إيداع المال لدى الصبي المميز
الإيداع استنابة في الحفظ فاقتضى البلوغ والرشد.
من لم يباشر حفظ ماله لم يصح أن يباشر حفظ مال غيره.
كل من ضمن الوديعة بالإتلاف ضمنها بالتفريط إلا الصبي المميز فإنه يضمنها بالإتلاف ولا يضمنها بالتفريط.
هل الإذن للصبي بالتجارة إذن في توابعها، ومنها الإيداع؟
[م-١٩٠١] إذا أودع الرجل ماله صبيًا مميزًا هل تصح الوديعة؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يصح أن يودع الرجل ماله عند صبي مميز بشرط أن يكون مأذونًا له في التجارة، أو يكون الولي قد أذن له في قبول الوديعة، فإن كان لم يؤذن له فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه محجور عليه، وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في بدائع الصنائع: «يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من أهل الحفظ، ألا ترى أنه أذن له الولي، ولو لم يكن من أهل الحفظ لكان الإذن له سفهًا» (٢).