← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

القول الأول: يصح إيداع الصبي بشرطين أن يكون مميزًا، وأن يكون مأذونًا له، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (١). قال الكاساني: «وأما شرائط الركن فأنواع منها عقل المودِع ... وأما بلوغه فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه التاجر؛ فكان من توابع التجارة، فيملكه الصبي المأذون، كما يملك التجارة» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن كان الصبي مميزًا صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه؛ لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك» (٣). وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يشترط في صحة عقد الوديعة أن يكون المودع والمستودع مميزين ولا يشترط كونهما بالغين ... » (٤). ° حجة هذا القول: قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢]. وقال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦].

стр. 9347

وجه الاستدلال: في الآية الأولى أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم، فلولا أن تصرفه معتبر شرعاً لما كان للأمر بدفع الأموال فائدة؛ لأن دفع المال إليهم يمكنهم من التصرف فيه، وذلك إنما يكون عند الاختبار. وسماهم يتامى، واليتيم: اسم للصغير الذي لم يبلغ. وفي الآية الثانية: أمرنا بابتلائهم وهم أيتام، ومعنى الآية: اختبروهم لتعلموا رشدهم، وإنما يتحقق ذلك بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ولوازمهما، ولما أمر الله باختبارهم مد هذا إلى غاية، وهي البلوغ، قال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] فدل على أن الاختبار إنما هو قبل البلوغ، وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن لهم في التصرف بيعًا وشراء، وإذا أذن لهم بالتجارة كان ذلك إذنًا في توابع التجارة، ومنها الإيداع. القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية إلى أن الإيداع توكيل، ولا يصح إلا من البالغ العاقل (١). جاء في حاشية الدسوقي: «كل من جاز له أن يوكل: وهو البالغ العاقل الرشيد جاز له أن يودع» (٢).

стр. 9348

وقال في كفاية الطالب: «من صح منه أن يوكل غيره صح منه أن يودع غيره ... قال العدوي في حاشيته عليه: والذي يصح منه أن يوكل العاقل البالغ الرشيد إلا الصغيرة في لوازم العصمة» (١). وجاء في الحاوي الكبير: «وإذا أودع صبي رجلًا وديعة لم يكن للرجل أن يقبلها منه؛ لأن الصبي لا نظر له في مال نفسه، فإن قبلها الرجل منه ضمنها حتى يسلمها إلى وليه أو الحاكم، فإن ردها على الصبي لم يسقط الضمان عنه ... » (٢). بل إن الشافعية وحدهم خلافًا للجمهور أبطلوا جميع تصرفات الصبي المالية حتى منعوا بيع الصبي مطلقاً، سواء كان الصبي مميزاً أو غير مميز، باشر بإذن الولي أو بغير إذنه، حتى بيع الاختبار لا يجوز أن يتولى الصبي فيه البيع، وإنما يفوض إليه الاستيام، وتدبير العقل، فإذا انتهى الأمر إلى اللفظ أتى به الولي (٣). وقد ذكرت حجتهم في بيع الصبي وناقشتها، وبينت أن قول الجمهور أولى بالصواب فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد. ° الراجح: أن أهلية التصرف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أهلية كاملة: هي في حق البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه، فمن اتصف

стр. 9349

بهذه الصفات تحققت له أهلية الأداء الكاملة، ويكون حراً طليقاً في تصرفاته إلا بما نهى عنه الشرع أو قيده. أهلية معدومة: وهي في حق الصبي غير المميز، والمجنون ونحوهما، فهذا لا تصح تصرفاته مطلقًا أذن له وليه أو لم يأذن. وأهلية ناقصة: وهي في حق الصبي المميز، والنقص في أهليته تنجبر بالإذن له من وليه، فمن قارب البلوغ، وكان مأذونًا له بالتصرف فإنه تصرفه صحيح، فإذا صح بيعه على الصحيح، وهو ينقل الملك في المال فالإيداع من باب أولى أن يصح؛ لأنه مجرد حفظ للمال، ولا ينقل الملك. * * *

стр. 9350

المبحث الثالث في إيداع المال لدى الصبي المميز الإيداع استنابة في الحفظ فاقتضى البلوغ والرشد. من لم يباشر حفظ ماله لم يصح أن يباشر حفظ مال غيره. كل من ضمن الوديعة بالإتلاف ضمنها بالتفريط إلا الصبي المميز فإنه يضمنها بالإتلاف ولا يضمنها بالتفريط. هل الإذن للصبي بالتجارة إذن في توابعها، ومنها الإيداع؟ [م-١٩٠١] إذا أودع الرجل ماله صبيًا مميزًا هل تصح الوديعة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح أن يودع الرجل ماله عند صبي مميز بشرط أن يكون مأذونًا له في التجارة، أو يكون الولي قد أذن له في قبول الوديعة، فإن كان لم يؤذن له فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه محجور عليه، وهذا مذهب الحنفية (١). جاء في بدائع الصنائع: «يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من أهل الحفظ، ألا ترى أنه أذن له الولي، ولو لم يكن من أهل الحفظ لكان الإذن له سفهًا» (٢).

стр. 9351

هذا في صحة الوديعة، أما في ضمان الوديعة: فإن قبل الصبي المحجور عليه الوديعة، فتلفت لم يضمنها، وإن استهلكها، فإن كانت عبدًا أو أمة ضمن بالاتفاق. ° وجه القول بالضمان: أن هذا الضمان ليس من قبيل ضمان المال، وإنما هو من قبيل ضمان الدم، فالقتل يوجب الضمان مطلقًا. وإن كانت الوديعة ليست آدميًا فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. ° وجه القول بعدم الضمان: أن إيداع الصبي المحجور عليه إهلاك للمال معنى، فلما وضع المال في يد المحجور عليه فقد وضعه في يد من لا يحفظه عادة، ولا يجب عليه الحفظ شرعًا؛ ولو كان من أهل حفظ المال لدفع إليه ماله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وقال أبو يوسف يجب عليه الضمان: ° وجه قول أبي يوسف: كون الوديعة لا تصح للصبي المحجور عليه يجعلها كأن لم تكن، فصار الحال بعد الوديعة كالحال قبل الوديعة، واستهلاك الوديعة قبل الإيداع يوجب الضمان فكذلك بعد الإيداع. وإن كان الصبي مأذونًا له، سواء كان إذنًا عامًا كما لو أذن له في التجارة،

стр. 9352

أو كان إذنًا خاصًا كما لو أذن الولي له في قبول الوديعة، فإن تلفت الوديعة في يده لم يضمن؛ لأنها أمانة في يده. وإن استهلك الوديعة فإنه يجب عليه الضمان؛ لأن الصبي المأذون له يحفظ المال عادة، ألا ترى أنه دفع إليه ماله، ولو لم يوجد منه الحفظ عادة لكان الدفع إليه سفهًا (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «أودع صبيًا وديعة فهلكت منه لا ضمان عليه بالإجماع (٢). فإن استهلكها: إن كان مأذونا في التجارة ضمنها إجماعًا، وإن كان محجورًا عليه إن قبضها بإذن وليه ضمن أيضًا إجماعًا، وإن قبضها بغير إذن وليه لا ضمان عليه عندهما لا في الحال، ولا بعد الإدراك، وقال أبو يوسف يضمن في الحال» (٣). القول الثاني: يصح الإيداع لدى الصبي المميز، وبه قال ابن رشد من المالكية، وحكى عليه الاتفاق.

стр. 9353

جاء في حاشية الدسوقي: «كل من جاز له أن يوكل ... جاز له أن يودع، ومن جاز له أن يتوكل جاز له أن يقبل الوديعة، والذي يجوز له أن يتوكل: هو المميز على ما قاله ابن رشد، وحكى عليه الاتفاق، وخالفه اللخمي وقال لا بد أن يكون بالغًا رشيدًا ووافقه القرافي وابن الحاجب وابن عبد السلام والمصنف في التوضيح قال ابن عرفة وعليه عمل أهل بلدنا» (١). القول الثالث: لا يصح الإيداع، وإن أذن له وليه وبه قال أكثر المالكية، والأظهر في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). قال الغزالي: «أما المودِع والمودَع فلا يعتبر فيهما إلا ما يعتبر في الوكيل والموكل؛ لأن الإيداع استنابة في الحفظ، فلا يستدعي إلا التكليف من الجانبين» (٣). وقال إمام الحرمين: «الصبي ليس من أهل أن يؤتمن، ويده لا تصلح لحفظ الودائع» (٤).

стр. 9354

وإذا أودع فأتلف الصبي فلا ضمان عليه عند أكثر المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة. واستثنى المالكية من عدم الضمان ما لو صرفه الصبي أو السفيه فيما لابد لهما منه، ولهما مال فيرجع عليهما بالأقل مما أتلفاه أو مما صونا من مالهما (١). قال ابن شاس المالكي: «من أودع عند صبي شيئًا بإذن أهله أو بغير إذنهم، فأتلفه الصبي أو ضيعه لم يضمن؛ لأنه سلطه عليه، كما لو أقرضه أو باعه، وكذلك السفيه» (٢). وفي التاج والإكليل أن هذا القول قول ابن القاسم (٣). وفي الإنصاف: «وإن أودع الصبي وديعة، فتلفت بتفريطه لم يضمن، وكذلك المعتوه. وهذا هو الصحيح من المذهب» (٤). وقال ابن قدامة: «فإن أودع رجل عند صبي أو معتوه وديعة، فتلفت، لم يضمنها، سواء حفظها أو فرط في حفظها» (٥). وقسم الشافعية التلف إلى ثلاثة أقسام: جاء في الحاوي الكبير: «وإذا دفع الرجل وديعة إلى صبي استودعه إياها كان

стр. 9355

مغررا بماله، لأن الصبي لا يباشر حفاظ ماله فكيف مال غيره، فإن تلفت في يد الصبي لم يخل تلفها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تتلف بغير تفريط ولا جناية فلا ضمان عليه فيها، لأن البالغ لا يضمنها. والثاني: أن تتلف بتفريط منه فلا ضمان عليه، وإن ضمنها البالغ، لأن حفظها لا يلزمه لأن صاحبها هو المفرط دونه. والقسم الثالث: أن تتلف بجنايته، ففي وجوب ضمانها في ماله وجهان: أحدهما: أنها غير مضمونة عليه، لأن مالكها هو الذي سلطه على استهلاكها فصار كما لو باعه شيئا فاستهلكه لم يضمنه. والوجه الثاني: أنها مضمونة في ماله، لأن الائتمان عليها ليس بإذن في استهلاكها ... » (١). وقد بين السيوطي القاعدة في ذلك، فقال: «كل من ضمن الوديعة بالإتلاف ضمنها بالتفريط إلا الصبي المميز فإنه يضمنها بالإتلاف على الأظهر، ولا يضمنها بالتفريط قطعًا؛ لأن المفرط هو الذي أودعه» (٢). ° الراجح: مسألة الإيداع والضمان ترجع إلى مسألتين: الأولى: هل يدفع المال إلى الصبي للاختبار قبل البلوغ، حتى إذا بلغ كان

стр. 9356

الولي على معرفة بأهلية الصبي لدفع المال، أو لا يدفع المال إليه، وإنما يختبر عن طريق السوم، والمفاوضة، والقبول يترك للولي، والأول مذهب الجمهور، والثاني مذهب الشافعية، وقد بينت في عقد البيع أن الراجح أن بعض المال لا كله يدفع إلى الصبي إذا راهق البلوغ. الثانية: هل الإذن له بالتجارة يستلزم الإذن له بالإيداع، والاستيداع، أو لا يستلزم ذلك. فمن الفقهاء من قال: الإذن بالتجارة يعني الإذن في توابعها، ومنها الإيداع والاستيداع كالحنفية. ومن الفقهاء من رأى أن دفع بعض المال للاختبار لا يجعل من يد الصبي كيد البالغ الرشيد في حفظ الأموال، وتقبل الأمانات، لأن ذلك ليس إلا للرجل المكلف الرشيد، واختباره لا يعني دفع جميع ماله له، وإنما يدفع جزء قليل من ماله لمصلحته، حتى لو نجح في الاختبار لم يدفع إليه ماله كله حتى يبلغ، وإذا كانت يده ليست صالحة لقبض جميع ماله فكيف تكون يده صالحة لأن تكون حافظة لمال غيره من الناس. قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وهذا ما عليه أكثر المالكية، والحنابلة، وهو الذي أميل إليه، والله أعلم. * * *

стр. 9357

الشرط الثاني أن يكون المودِع له ولاية في المال المودع [م-١٩٠٢] يشترط في المودِع أن تكون له ولاية تصرف على الوديعة بملك، أو إذن. وقولنا: بإذن يشمل إذن الشارع وإذن المالك فالأول: يدخل فيه إيداع الأب مال المحجور عليه، فإن ولايته مستمدة من الشرع. والثاني: يدخل فيه إيداع الوكيل والشريك والمضارب ونحو ذلك. فإن لم يكن الوديع مالكًا للعين المودعة، ولا مأذونًا له في الإيداع، فهل يصح إيداعه؟ هذا التصرف داخل ضمن مباحث تصرف الفضولي، وقد سبق بحث تصرفات الفضولي في عقد البيع، فأغنى ذلك عن ذكر الأقوال وأدلتها. فمن لم يبطل بيعه، وجعله موقوفًا على إجازة المالك كالحنفية والمالكية فإن الإيداع أولى أن يكون موقوفًا على الإجازة؛ لأن الإيداع يراد للحفظ، وهو مصلحة محضة للمالك، والبيع ناقل للملك، وقد يرغب المالك بالاحتفاظ بالسلعة لحاجته (١).

стр. 9358

وأما من أبطل تصرف الفضولي (١)، فهل يبطل إيداعه مطلقًا، أو يبطل في حال ما إذا كان يمكنه الرجوع إلى المالك أو الحاكم ولم يرجع؟ وقال ابن رجب في القواعد: «التصرفات للغير بدون إذنه، هل تقف على إجازته أم لا؟ ويعبر عنها بتصرف الفضولي، وتحتها أقسام: القسم الأول: أن تدعو الحاجة إلى التصرف في مال الغير أو حقه ويتعذر استئذانه، إما للجهل بعينه، أو لغيبته ومشقة انتظاره، فهذا التصرف مباح جائز موقوف على الإجازة، وهو في الأموال غير مختلف فيه في المذهب، وغير محتاج إلى إذن حاكم على الصحيح .... القسم الثالث: أن لا تدعو الحاجة إلى ذلك ابتداء ولا دوامًا، فهذا القسم في بطلان التصرف من أصله، ووقوفه على إجازة المالك وتنفيذه روايتان معروفتان» (٢). * * *

стр. 9359

الشرط الثالث أن يكون المودَع ممن يصح قبضه للوديعة [م-١٩٠٣] نص الشافعية على أنه يشترط أن يكون المودَع ممن يصح قبضه للوديعة، فلا يودع كافر مصحفًا، ولا عبدًا مسلمًا، ولا يودع محرم صيدًا (١). جاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «قوله: وهي توكيل بالحفظ) علم منه أنه لا يجوز استيداع المحْرِم صيدًا صرح به القاضي الحسين هناك، وكذا يمتنع استيداع المصحف، وكتب العلم عند الكافر» (٢). واختار الرملي من الشافعية صحة العقد، وينوب عن الكافر مسلم في قبض المصحف، وعن المحرم رجل حلال (٣). وهذا أقرب. وقد يقال: هناك فرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، فلا يجوز إيداع مصحف لكافر، والعقد إذا وقع يقع صحيحًا؛ لأن كلا من العاقدين فيه أهلية التوكل والتوكيل، والله أعلم.

стр. 9360

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المستودَع معينًا [م-١٩٠٤] لو قال الرجل لجماعة: ليحفظ لي أحدكم هذه الوديعة، وتركها عندهم، فهل يصح العقد؟ اختلف الفقهاء في صحة الوديعة على قولين: القول الأول: يصح الإيداع، وهذا مذهب الحنفية (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «لو وضع كتابه عند قوم، فذهبوا وتركوه ضمنوا إذا ضاع، وإن قاموا واحدًا بعد واحد ضمن الأخير؛ لأنه تعين للحفظ فتعين للضمان» (٢). القول الثاني: لا يصح، وهذا مذهب الحنابلة. جاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «يشترط أن يكون الوديع معينًا، فلو قال لجماعة: أودعت أحدكم هذا، أو ليحفظ لي أحدكم هذا لم يصح العقد (٣).

стр. 9361

° الراجح: أن الرجل إذا قال: ليحفظ لي أحدكم هذه الوديعة، وتركها عندهم، فإن لم يقبل أحدهم هذا الإيجاب، خرج من العهدة، ولم يلزمه الحفظ، وسكوتهم دليل على قبولهم، ويحفظ الوديعة أحدهم بالتراضي، ويكون الضمان عليه وحده، فإذا تركوها كلهم، فإن ذهبوا جميعًا ضمنوه إذا ضاع، وإن قاموا واحدًا بعد واحد، فإذا بقي رجلان منهما، ثم قام أحدهما تاركًا الوديعة للأخير، فإن سكت فقد قبل أن يحفظ الوديعة وحده، ويكون الضمان عليه، وإن لم يقبل وطالبه بأخذ الوديعة ولم يتفقا على من تكون في يده حتى ضاعت اشتركا في الضمان، والله أعلم. * * *

стр. 9362

الشرط الخامس في اشتراط ألا يكون المودِع محجورًا عليه لمصلحة غيره [م-١٩٠٥] إذا حجر على الرجل لفلس منع من كل تصرف مالي ينقل الملك، كالبيع، والهبة، والقرض ونحوها، فإن أودع وديعة: فإن كان إيداعه قبل أن يحجر عليه: فاختار الشافعية إلى أن المودِع إذا أفلس، سلمت الوديعة للحاكم، وعللوا ذلك بأن يد المالك لا أهلية فيها بالنسبة لأعيان الأموال خوف إتلافه لها (١). واختار الحنابلة إلى أن للمفلس استرداد وديعة أودعها قبل الحجر عليه. جاء في مطالب أولي النهى: «ويصح من مفلس تصرف غير مستأنف؛ كإمضاء خيار، وفسخ لعيب، فيما اشتراه قبل الحجر؛ لأنه إتمام لتصرف سابق على حجره، فلم يمنع منه، كاسترداد وديعة أودعها قبل حجره ولو لم يكن في إمضائه حظ لما ذكرنا. ويتجه باحتمال قوي لا مع ضرر غرمائه بهذا الإمضاء؛ فلا يصح. وهو متجه» (٢). وإن كان إيداعه بعد أن حجر عليه. فاختار المالكية إلى أن تصرف المحجور عليه موقوف على نظر الحاكم إن شاء أمضاه وإن شاء رده.

стр. 9363

وقيل: بل على نظر الغرماء. وقيل: على نظر الحاكم إن اختلف الغرماء، أو على نظر الغرماء إن اتفقوا (١). وقال القاضي عياض: من قبل وديعة من مستغرق ذمته، ثم ردها له يضمنها للفقراء (٢). يقصد بمستغرق الذمة بالتبعات والمظالم إذا أفلس. وأما الشافعية فإنهم يرون أن الوديعة ترتفع بإفلاس المودِع، ويسلمها الوديع للحاكم إذا أراد رد الوديعة، فإن يد المالك لا أهلية فيها بالنسبة لأعيان الأموال خوف إتلافه لها (٣). وإذا كان هذا حكمهم في وديعة أودعها قبل إفلاسه، فمن باب أولى أن يمنع من إيداع ماله بعد إفلاسه؛ لأن الإيداع تصرف في عين المال، وهو ممنوع من التصرف في عين ماله. ولو قيل: إن كان الباعث على الإيداع هو إخفاء المال عن الغرماء لم يصح الإيداع؛ لأن المحجور عليه ممنوع من التصرف بما يضر الغرماء. وإن كان الباعث على الإيداع خوفًا على المال من السرقة أو الضياع، وقصد بذلك حفظ المال للغرماء، فينبغي ألا يمنع منه؛ لأن مثل هذا التصرف لا يفوت به حق الغرماء، بل يحفظه لهم، وللغرماء استرداده من الوديع، والله أعلم. * * *

стр. 9364

الفصل الثاني في شروط الأعيان المودعة المبحث الأول في اشتراط مالية العين المودعة كل شيء محترم يختص به الإنسان يجوز إيداعه ولو لم يكن مالًا. [م-١٩٠٦] لم يختلف الفقهاء في اشتراط مالية العوضين في عقود المعاوضات، فما ليس بمال لا يجوز بذل المال فيه. أما عقود التبرع، ومنه عقد الوديعة فهل تشترط فيه مالية العين؟ وقد سبق لنا خلاف الفقهاء في اشتراط مالية العين الموهوبة والموصى بها، وهما من عقود التبرع، والخلاف نفسه يجري في عقد الوديعة، والمسألة فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: يشترط كون العين المودعة مالًا، وهو مذهب الحنفية والمالكية (١). ولهذا عرف الحنفية الإيداع: بأنه تسليط الغير على حفظ ماله (٢).

стр. 9365

وجاء في الشرح الكبير: «الإيداع توكيل بحفظ مال» (١). وذكر المالكية في احترازات التعريف أن قوله: (بحفظ مال) خرج به ما ليس بمال، كإيداع الأب ولده، كما خرج به الإيصاء والوكالة؛ لأنهما على الحفظ والتصرف (٢). ودخل في التعريف إيداع الصكوك والوثائق المتعلقة بالحقوق، لأن الوثيقة متمول يراد حفظها لأجل ما فيها (٣). ° وحجة الحنفية: أن الإيداع في كتب اللغة وفي الشرع مختص بالمال، يقال: أودعته مالًا أي دفعته إليه ليكون وديعة، فلو لم يكن الإيداع مختصًا بالمال لما أطبق أرباب اللغة على ذكر المال في بيان معناه. جاء في فتح القدير نقلًا من صاحب الكافي والكفاية: «الإيداع لغة تسليط الغير على حفظ أي شيء كان مالًا أو غير مال .... وشريعة تسليط الغير على حفظ المال، انتهى .... ومحصول ذلك أن معنى الإيداع لغة أعم من معناه شريعة لاختصاص الثاني بالمال، وتناول الأول المال وغيره، ولكن المفهوم من معتبرات كتب اللغة كالصحاح، والقاموس، والمغرب وغيرها اختصاص الأول أيضا بالمال؛ لأن المذكور فيها عند بيان معناه، يقال: أودعته مالًا، أي: دفعته إليه ليكون وديعة

стр. 9366

عنده، فلو لم يكن له اختصاص بالمال في اللغة أيضا لما أطبق أرباب اللغة على ذكر المال في بيان معناه، بل كان اللائق بهم أن يقولوا: أودعته شيئًا أو دفعته إليه ليكون وديعة عنده .... » (١). القول الثاني: لا تشترط مالية العين المودعة، فتصح الوديعة في كل شيء محترم يختص به الإنسان، ولو لم يكن مالًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية. جاء في مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: «والوديعة: ما يترك عند الأمين للحفظ، مالًا كان أو غيره» (٢). وقال بعض الشافعية: «توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص» (٣). فدخل في ذلك صحة إيداع ما ليس بمال كإيداع الخمر المحترمة، وجلد ميتة يطهر بالدباغ، وزبل، وكلب معلم إلا أن ذلك ليس بمضمون إذا تلف بتعد أو تفريط بخلاف المال. وخرج بمختص: ما لا اختصاص فيه كالكلب الذي لا يقتنى (٤). وقال ابن مفلح الصغير في تعريف الوديعة: «توكيل في حفظ مملوك، أو محترم مختص على وجه مخصوص» (٥).

стр. 9367

وصحح الحنفية وبعض المالكية صحة إيداع الصكوك والوثائق المتعلقة بالمال، وإن لم تكن مالًا بنفسها (١). قال ابن عرفة المالكي في تعريف الوديعة: «نقل مجرد حفظ ملك ينقل» (٢). قال الحطاب: «فيدخل إيداع الوثائق بذكر الحقوق» (٣). قال البناني: «قد يجاب عن ذكر الحقوق بأنه لكونه قد يتضمن المال، ويحفظ لأجله كان مالًا مجازًا، فصح دخوله» (٤). وسبق لنا قول الدسوقي: «الوثيقة متمول يراد حفظه لأجل ما فيه» (٥). كما صحح الشافعية صحة إيداع الصكوك والوثائق، إلا أنهم لم ينظروا إلى محتواها في الضمان، بل اعتبروا قيمتها كورقة مكتوبة وأجرة الكتابة إذا تلفت. جاء في نهاية المحتاج: «ولو أودعه ورقة مكتوبة بإقرار أو نحوه وتلفت بتقصيره ضمن قيمتها مكتوبة وأجرة الكتابة» (٦). وهذا قول ضعيف، فإن الصكوك والوثائق ليست قيمتها بذاتها كورقة مكتوبة وأجرة الكتابة، بل قيمتها بما تمثله من حقوق، فربما أدى تلفها إلى ضياع ما

стр. 9368

تثبته من تلك الحقوق، كما أن الأسهم في سوق البورصة لا تقدر قيمتها بالورق التي تثبتها، بل تعتبر قيمة السهم بما يمثله من مال مثلي، أو قيمي، أو منقول. ° الراجح: أن الإيداع يدور على حفظ الأشياء التي لم ينه الشارع عن اقتنائها، سواء أكانت من الأموال أم من غيرها، إلا أن الأعيان المودعة إن كانت مالًا فإنها تضمن بالتعدي أو بالتفريط، وإذا لم تكن مالًا كالكلب المعلم، والسرجين النجس، ونحو ذلك فإن تلفه غير مضمون؛ لأنه ليس له قيمة شرعًا، والله أعلم. * * *

стр. 9369

الشرط الثاني كون الوديعة قابلة لإثبات اليد عليها [م-١٩٠٧] اختلف الفقهاء في اشتراط القبض للوديعة: القول الأول: مذهب الحنفية. اشترط الحنفية قبض الوديعة لوجوب حفظها، وعللوا ذلك: بأن الإيداع عقد استحفاظ، وحفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه محال، فإيداع الطير في الهواء، والمال الضال، والساقط في البحر غير صحيح (١). جاء في البحر الرائق: «وشرطها: كون المال قابلًا لإثبات اليد عليه حتى لو أودع الآبق، أو الطير الذي في الهواء، والمال الساقط في البحر لا يصح» (٢). وجاء في شرح مجلة الأحكام: «يشترط أن تكون الوديعة وقت الإيداع قابلة؛ لأن يضع المستودع يده عليها وأن تكون صالحة وقابلة للقبض؛ لأن الوديعة عقد استحفاظ فلا يمكن حفظها قبل أن يثبت المستودع يده عليها يعني قبل أن يقبضها وعبارة (صالحة للقبض) عطف تفسيري لعبارة (قابلة لوضع اليد) (٣). بناء عليه إيداع الطير في الهواء والمال المستحيل إخراجه من البحر والحيوان

стр. 9370

الآبق غير صحيح؛ لأن هذه غير قابلة لوضع اليد وقت الإيداع. فلذلك إذا فقد الطير لا يحكم على المستودع بالضمان بحجة أنه لم يحافظ عليه. وهل الشرط وضع اليد فعلًا، أو القابلية لوضع اليد فقط؟ قولان في مذهب الحنفية: القول الأول: اختار الزيلعي وبعض الحنفية إلى أن وضع اليد فعلًا شرط. قال الزيلعي: «ثم شرط الوديعة إثبات اليد عليها عند الاستحفاظ» (١). وقال في درر الحكام شرح غرر الحكام: «قوله: (وشرطها: كون المال قابلًا لإثبات اليد عليه) أقول فيه تسامح، المراد إثبات اليد بالفعل، ولا يكفي قبول الإثبات، كما أشار إليه بعد بقوله: وحفظ شيء بدون إثبات اليد عليه محال» (٢). القول الثاني: ذهب البعض الآخر إلى أن القابلية لوضع اليد كافية وليس وضع اليد فعلًا شرطًا، وهذا ما اختارته مجلة الأحكام العدلية (٣). جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «هل الشرط وضع اليد فعلًا، أو القابلية لوضع اليد فقط؟ إن البعض من الفقهاء، والزيلعي من جملتهم، قالوا بأن وضع اليد فعلًا شرط.

стр. 9371

وذهب البعض الآخر إلى أن القابلية لوضع اليد كافية وليس وضع اليد فعلًا شرطًا. ويفهم من المثال الثاني، والثالث في المادة (٧٧٣) من المجلة، ومن ظاهر عبارة هذه المادة أيضا أن المجلة اختارت القول الثاني» (١). القول الثاني: مذهب المالكية. ذهب المالكية إلى أنه يجب على الوديع حفظ الوديعة بمجرد قبولها. قال ابن رشد في المقدمات: «فإذا قبلها وجب عليه حفظها وصيانتها» (٢). وفي الشرح الكبير: «من وضع مالًا عند شخص، ولم يقل له: احفظه، أو نحوه، ففرط فيه، كأن تركه، وذهب فضاع المال ضمن؛ لأن سكوته حين وضعه يدل على قبول حفظه» (٣). القول الثالث: اختلف الشافعية في اشتراط القبض في الوديعة: فاختار المسعودي والمتولي أنها لا تكون وديعة حتى يقبضها خلافًا لأكثر الشافعية. جاء في البيان في مذهب الإمام الشافعي نقلًا عن المسعودي: «ولا يلزم المودع حفظ الوديعة حتى يقبضها» (٤).

стр. 9372

وفي روضة الطالبين: «فإن قال: هذا وديعتي عندك، أو احفظه، ووضعه بين يديه ...... فإن قال: قبلت، أو ضعه، فوضعه، كان إيداعا، كما لو قبضه بيده، كذا قال البغوي. وقال المتولي: لا يكون وديعة ما لم يقبضه» (١). وقال الخطيب في مغني المحتاج: «لو قال: هذا وديعتي عندك أو احفظه، فقال: قبلت أو ضعه موضعه كان إيداعا كما لو قبضه بيده. وصححه الرافعي في الشرح الصغير، ونقل الأذرعي عن فتاوى القفال ما يوافقه، وهذا هو الظاهر، وإن قال المتولي: لا حتى يقبضه» (٢). فخلصنا من هذا أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: يشترط قبض الوديعة لوجوب الحفظ، وهذا اختاره بعض الحنفية، والمسعودي والمتولي من الشافعية. القول الثاني: يشترط قابلية العين لإثبات اليد عليها، وإن لم يقبضها فعلًا، اختاره بعض الحنفية، وهو ما رجحته مجلة الأحكام العدلية. القول الثالث: يكفي قبول الوديعة لوجوب الحفظ، ولو لم يقبضها، وهذا القول اختاره ابن رشد من المالكية، وعليه أكثر الشافعية.

стр. 9373

° الراجح: أن عقد الوديعة ينعقد بالإيجاب والقبول، ولزوم الحفظ يجب بالقبض، وذلك أن عقد الوديعة يقوم على الحفظ، فلابد من القبض، سواء كان القبض حقيقة بأن استلمها بيده، أو يكون القبض حكمًا بأن وضعها أمامه وبين يديه بعد قبوله للوديعة، فالذين قالوا: إنه يجب الحفظ بالقبول هذا القول إشارة إلى أن عقد الإيداع ينعقد بالإيجاب والقبول، والذين قالوا: يجب الحفظ بالقبض، هذا بالنسبة للزوم الحفظ، وليس لانعقاد الوديعة، ولذلك فرق المالكية بين البصير والأعمى، فقالوا: إذا وضع شخص متاعه عند جالس رشيد، بصير، ساكت، وذهب الواضع لحاجته فإنه يجب على الموضوع عنده المتاع حفظه بحيث يضمنه إن فرط في حفظه حتى ضاع؛ لأن سكوته رضا منه بالإيداع عنده، وأما الأعمى فلا بد أن يضع يده عليها حتى يضمن، والله أعلم» (١). وجاء في مرشد الحيران: «إنما يتم الإيداع في حق وجوب الحفظ بالإيجاب والقبول صريحًا مع تسليم العين تسليمًا حقيقيًا أو حكميًا ـ بأن يضعها بين يديه ـ أو بالإيجاب والقبول دلالة، بأن وضع العين بين يدي آخر، ولم يقل شيئًا، وسكت الآخر عند وضعه، فإنه يجب عليه حفظها» (٢). * * *

стр. 9374

الشرط الثالث في اشتراط العلم بالوديعة يصح الإيداع ولو لم يعلم الوديع بما في الوديعة. [م-١٩٠٨] نص جمهور الفقهاء على أنه لا يشترط في الوديعة علم الوديع بما فيها، فلو أودعه صندوقًا مقفلًا، وهو لا يعلم بما فيه صح الإيداع. وذلك أن العلم إنما يشترط في باب المعاوضات دفعًا للغرر المؤثر في العقد، وعقد الوديعة يقوم على حفظ الوديعة، وهذا لا يستلزم العلم بما فيها. جاء في المحيط البرهاني: «إذا كان أودع عند رجل دراهم في كيس، ولم يزن على المودع، ثم ادعى أنه أكثر من ذلك، وقال المودع: قد قبضت الكيس، ولا أدري كم كان فيه فلا ضمان عليه .... » (١). جاء في مغني المحتاج: «قال الماوردي وغيره: ولا تفتقر الوديعة إلى علم الوديع بما فيها بخلاف اللقطة لما يلزمه من تعريفها» (٢). وهذا هو الصواب، وقد كان الخلفاء الراشدون يكتبون إلى ولاتهم الأحكام التي تتضمن أحكامًا في الدماء والفروج والأموال، يبعثون بها مختومة، لا يعلم حاملها بما فيها، وهي في أيدي الرسل أمانة. وجاء في الكافي في فقه الإمام أحمد: «وإن أودعه دراهم في كيس مشدود،

стр. 9375

فحله أو خرق ما تحت الشد، أو كسر الختم ضمن ما فيه؛ لأنه هتك الحرز لغير عذر» (١). * * *

стр. 9376

الشرط الرابع في اشتراط كون الوديعة منقولة كل ما يمكن حفظه يصح إيداعه من عقار ومنقول ومختص. قسم الفقهاء الأموال بالنظر إلى إمكان نقله، وتحويله إلى قسمين: عقار، ومنقول. والفقهاء متفقون على أن ما لا يمكن نقله، وتحويله من مكان إلى آخر يسمى عقارًا، وأن ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء صورته وهيئته منقول. واختلفوا فيما يمكن نقله مع تغيير صورته عند النقل، كالبناء، والشجر، هل هو عقار، أو منقول؟ على قولين، وقد سبق تحرير الخلاف في عقد الوقف فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد اشترط ابن عرفة من المالكية في الوديعة أن تكون مما يمكن نقله حسًا. قال في تعريفه للوديعة: «نقل مجرد حفظ ملك ينقل» (١). فعلى هذا التعريف لا يصح إيداع العقار عنده؛ لأنه لا يمكن نقله، وهذا خلاف المشهور من مذهب المالكية، وخلاف ما عليه الأئمة. وانتقد ذلك فقهاء المالكية، جاء في الفواكه الدواني: «وقوله: (ينقل) تقتضي إخراج الربع ونحوه من أنواع العقار التي لا تقبل النقل حسًا، مع أن ظاهر

стр. 9377

المدونة أن الإيداع لا يتقيد بما ينقل حسًا، فيكون الإيداع فيه ليحفظه المودع بالفتح ممن يتسور عليه» (١). وقال في تعريف الشيء المودع: «وهو كل ما يحتاج إلى من يحفظه ولو عقارًا» (٢). وقال في منح الجليل: «لم يذكر أحد إخراج العقار من حكم الوديعة» (٣). ونص الحنفية والشافعية على صحة إيداع العقار (٤). ومذهب الحنابلة لا يدفع إيداع العقار، فقد صححوا إيداع ما ليس بمال فضلًا عن العقار. جاء في تعريف الوديعة عند الحنابلة: بأنها مال أو مختص مدفوع من جائز التصرف إلى مثله لحفظه بلا عوض (٥) * * *

стр. 9378

الباب الثالث في أحكام الوديعة الفصل الأول في آثار عقد الوديعة المبحث الأول وجوب الحفظ على الوديع عقد الوديعة وارد على الحفظ والقبول التزام بذلك. الإيداع من جانب المالك استحفاظ، ومن جانب المودع التزام الحفظ [م-١٩٠٩] إذا قبل الوديع الوديعة، نتج عن ذلك أثر للعقد، من ذلك: وجوب حفظ الوديعة على الوديع بما يحفظ به ماله حتى يؤديها إلى صاحبها؛ وذلك أن عقد الوديعة استحفاظ من المالك، وائتمان له. ومن جانب الوديع: التزام بالحفظ (١). وهذا إجماع لا خلاف فيه، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن على المودع إحراز الوديعة وحفظها» (٢).

стр. 9379

ولأن المقصود من عقد الإيداع هو حفظ الوديعة، والوديع في قبوله الوديعة قد التزم ذلك، فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه. قال الكاساني: «فحكمه ـ يعني الإيداع ـ لزوم الحفظ للمالك؛ لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ، ومن جانب المودع التزام الحفظ، وهو من أهل الالتزام فيلزمه؛ لقوله: ﵊: المسلمون عند شروطهم» (١). وقال ابن رشد: «فإذا قبلها وجب عليه حفظها وصيانتها» (٢). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ويلزمه أي الوديع حفظها: أي الوديعة في حرز مثلها عرفًا؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:] ولا يمكن أداؤها بدون حفظها. ولأن المقصود من الإيداع الحفظ، والاستيداع التزام ذلك، فإذا لم يحفظها لم يفعل ما التزمه» (٣). وقال ابن حزم: «فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها، وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه» (٤). * * *

стр. 9380

الفرع الأول في صفة حفظ الوديعة المسألة الأولى ألا يعين المالك موضع الحفظ الشيء إذا لم يكن محدودًا في الشرع كان الرجوع فيه إلى العادة. الإيداع يقتضي الحفظ، فإذا أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل. الضابط في الحرز: ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا لماله. [م-١٩١٠] ذكرنا في المبحث السابق وجوب حفظ الوديعة على المودَع، ونريد أن نبين في هذا المبحث صفة الحفظ، فنقول: إذا أودعه وديعة، ولم يعين المالك موضع الحرز فإن الأئمة الأربعة يرون أنه يلزمه حفظها في حرز مثلها. ° وجه القول بذلك: أن الإيداع يقتضي الحفظ، فإذا أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل. والحرز: هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس كالدار، والحانوت، وهو يختلف بحسب نفاسة الأموال وحقارتها، وكثرتها وقلتها، كما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأقاليم والحواضر والبوادي، فالنقود والجواهر تحفظ في خزائن خاصة، وفي مكان خاص، لا في فناء الدار. والدواب تحفظ في اصطبل الدواب، وهكذا (١).

стр. 9381

والمرجع في تحديد الحرز إلى العرف والعادة. وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يلزم حفظ الوديعة في حرز مثلها، بناء عليه: وضْعُ مثل النقود والمجوهرات في اصطبل الدواب أو التبن تقصير في الحفظ وبهذه الحال إذا ضاعت الوديعة أو هلكت لزم الضمان» (١). وقال الشافعي: «وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة فوضعها في موضع من داره يحرز فيه ماله ويرى الناس مثله حرزًا ـ وإن كان غيره أحرز منه - فهلكت لم يضمن. وإن وضعها في موضع من داره لا يراه الناس حرزًا ولا يحرز فيه مثل الوديعة فهلكت ضمن» (٢). وقال العمراني في البيان: «وإذا أودعه وديعة فلا يخلو: إما أن يطلق المودع الحرز، أو يعين له الحرز. فإن أطلق المودع الحرز فعلى المودع أن يحفظها في حرز مثلها، كداره، ودكانه؛ لأن الإطلاق يقتضي حرز المثل» (٣). وفي مجلة الأحكام الحنبلية: «يلزم الوديع حفظ الوديعة في حرز مثلها والحرز في كل حالة بحسبها» (٤).

стр. 9382

وللعلماء في الضابط في الحرز قولان: أحدهما: أن الضابط في الحرز: ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا لماله. جاء في نهاية المحتاج: «ما لا ينسب المودع بوضع الوديعة فيه إلى تقصير» (١). الثاني: ذكر بعض الشافعية وبعض الحنابلة أن الضابط في الحرز هو الضابط في باب القطع في السرقة. جاء في تحفة المحتاج: «ضابط الحرز هنا كما فصلوه في السرقة بالنسبة لأنواع المال والمحال، ذكره في الأنوار. قال غيره: وهو مقتضى كلامهم» (٢). وقال ابن قدامة: «إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله، وهو أن يحرزها بحرز مثلها، فإنه يضمنها. وحرز مثلها يذكر في باب القطع في السرقة» (٣). ونوقش هذا: انتقد ابن عابدين أن يكون الضابط في الحرز في باب الوديعة هو الضابط في باب السرقة، وبين أن هناك اختلافًا بين مفهوم الحرز في الوديعة وبين مفهوم الحرز في السرقة. قال ابن عابدين: «المعتبر في قطع السارق هتك الحرز، وذلك يتفاوت باعتبار المحرزات. والمعتبر في ضمان المودع التعدي والتقصير في الحفظ، ألا ترى أنه لو وضعها في داره الحصينة فخرج، وكانت زوجته غير أمينة يضمن،

стр. 9383

مع أنه لو سرقها سارق يقطع؛ لأن الدار حرز وإنما ضمنها لتقصيره في الحفظ، ولو وضعها في الدار وخرج، والباب مفتوح، ولم يكن في الدار أحد من عياله، أو في الحمام أو المسجد أو الطريق أو نحو ذلك، وغاب عنها يضمن، مع أنه لا يقطع سارقها، فلو اعتبرنا في الوديعة الحرز المعتبر في السرقة لزم أن لا يضمن في هذه المسائل ونحوها، فيلزم مخالفة ما أطبقوا عليه في هذا الباب من أن المدار على التقصير في الحفظ، ومعلوم أن وضع الوديعة فيما لا يوضع فيه أمثالها تقصير في الحفظ ..... فالمراد بالحرز هنا حرز كل شيء بحسبه، وإن كان المراد به في السرقة خلافه، ولا يقاس أحد البابين على الآخر بلا نقل، مع أن النقل الصريح يخالفه كما علمت» (١).

стр. 9384

المسألة الثانية أن يعين المالك موضع الحفظ كل شرط مفيد والعمل به ممكن إذا خالفه الوديع ضمن. [م-١٩١١] إذا أودع الرجل وديعة، وطلب من المودَع أن يحفظها في مكان معين، فإما أن يحفظها فيه وإما أن يخالف المالك. فإن حفظها فيه فلا ضمان عليه، وإن كان دون حرز مثلها؛ لأنه ممتثل غير مفرط. قال ابن قدامة: «إن عين له ـ يعني ما يحفظها فيه ـ لزمه حفظها فيما أمره به، سواء كان حرز مثلها أو لم يكن» (١). واستثنى المالكية وابن حزم من الظاهرية ما لو كان ذلك المكان الذي عينه مالكها فيه يقين هلاكها فإن له أن يخالف صاحبها؛ لأنه يجب عليه حفظها، ولو شرط المودِع خلافه؛ لأنه شرط مناقض لحقيقتها، وكل شرط يناقض مقتضى العقد فإنه لا يلزم. قال ابن حزم: «وصفة حفظها هو أن يفعل فيها من الحفظ ما يفعل بماله وأن لا يخالف فيها ما حدَّ له صاحبها إلا أن يكون فيما حد له يقين هلاكها» (٢). وجاء في شرح الزرقاني: «وقد ذكر ابن رشد في مذهبه أنه إذا جعلها في بيته من غير قفل، وله أهل قد عرف خيانتهم أنه يضمن لمخالفته العرف. اهـ

стр. 9385

وظاهره، ولو علم ربها بذلك لما مر من وجوب حفظها، ولو شرط المودع بالكسر خلافه؛ لأنه شرط مناقض لحقيقتها» (١). وإن خالف المالك فهذا له ثلاثة أحوال: الحال الأولى: [م-١٩١٢] أن يعين له مكانًا فيحفظها بما دونه فإنه يضمن إلا أن يخاف عليه من حرق أو غرق. وهذا بالاتفاق (٢). ° وجه القول بالضمان: الوجه الأول: أن المودع قد رضي بالحرز الذي عينه، ومن رضي بحرز لم يرض بما دونه. الوجه الثاني: أن هذا التصرف يعتبر مخالفة للمودع في حفظ ماله بلا سبب، فيعتبر تفريطًا يوجب الضمان. قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه، فحفظها فيه، ولم يخش عليها، فلا ضمان عليه بغير خلاف؛ لأنه ممتثل لأمره، غير مفرط في ماله. وإن خاف عليها سيلًا وتوًى، يعني هلاكًا،
следующие страницы →