← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

والمرجع في تحديد الحرز إلى العرف والعادة. وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «يلزم حفظ الوديعة في حرز مثلها، بناء عليه: وضْعُ مثل النقود والمجوهرات في اصطبل الدواب أو التبن تقصير في الحفظ وبهذه الحال إذا ضاعت الوديعة أو هلكت لزم الضمان» (١). وقال الشافعي: «وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة فوضعها في موضع من داره يحرز فيه ماله ويرى الناس مثله حرزًا ـ وإن كان غيره أحرز منه - فهلكت لم يضمن. وإن وضعها في موضع من داره لا يراه الناس حرزًا ولا يحرز فيه مثل الوديعة فهلكت ضمن» (٢). وقال العمراني في البيان: «وإذا أودعه وديعة فلا يخلو: إما أن يطلق المودع الحرز، أو يعين له الحرز. فإن أطلق المودع الحرز فعلى المودع أن يحفظها في حرز مثلها، كداره، ودكانه؛ لأن الإطلاق يقتضي حرز المثل» (٣). وفي مجلة الأحكام الحنبلية: «يلزم الوديع حفظ الوديعة في حرز مثلها والحرز في كل حالة بحسبها» (٤).

стр. 9382

وللعلماء في الضابط في الحرز قولان: أحدهما: أن الضابط في الحرز: ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا لماله. جاء في نهاية المحتاج: «ما لا ينسب المودع بوضع الوديعة فيه إلى تقصير» (١). الثاني: ذكر بعض الشافعية وبعض الحنابلة أن الضابط في الحرز هو الضابط في باب القطع في السرقة. جاء في تحفة المحتاج: «ضابط الحرز هنا كما فصلوه في السرقة بالنسبة لأنواع المال والمحال، ذكره في الأنوار. قال غيره: وهو مقتضى كلامهم» (٢). وقال ابن قدامة: «إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله، وهو أن يحرزها بحرز مثلها، فإنه يضمنها. وحرز مثلها يذكر في باب القطع في السرقة» (٣). ونوقش هذا: انتقد ابن عابدين أن يكون الضابط في الحرز في باب الوديعة هو الضابط في باب السرقة، وبين أن هناك اختلافًا بين مفهوم الحرز في الوديعة وبين مفهوم الحرز في السرقة. قال ابن عابدين: «المعتبر في قطع السارق هتك الحرز، وذلك يتفاوت باعتبار المحرزات. والمعتبر في ضمان المودع التعدي والتقصير في الحفظ، ألا ترى أنه لو وضعها في داره الحصينة فخرج، وكانت زوجته غير أمينة يضمن،

стр. 9383

مع أنه لو سرقها سارق يقطع؛ لأن الدار حرز وإنما ضمنها لتقصيره في الحفظ، ولو وضعها في الدار وخرج، والباب مفتوح، ولم يكن في الدار أحد من عياله، أو في الحمام أو المسجد أو الطريق أو نحو ذلك، وغاب عنها يضمن، مع أنه لا يقطع سارقها، فلو اعتبرنا في الوديعة الحرز المعتبر في السرقة لزم أن لا يضمن في هذه المسائل ونحوها، فيلزم مخالفة ما أطبقوا عليه في هذا الباب من أن المدار على التقصير في الحفظ، ومعلوم أن وضع الوديعة فيما لا يوضع فيه أمثالها تقصير في الحفظ ..... فالمراد بالحرز هنا حرز كل شيء بحسبه، وإن كان المراد به في السرقة خلافه، ولا يقاس أحد البابين على الآخر بلا نقل، مع أن النقل الصريح يخالفه كما علمت» (١).

стр. 9384

المسألة الثانية أن يعين المالك موضع الحفظ كل شرط مفيد والعمل به ممكن إذا خالفه الوديع ضمن. [م-١٩١١] إذا أودع الرجل وديعة، وطلب من المودَع أن يحفظها في مكان معين، فإما أن يحفظها فيه وإما أن يخالف المالك. فإن حفظها فيه فلا ضمان عليه، وإن كان دون حرز مثلها؛ لأنه ممتثل غير مفرط. قال ابن قدامة: «إن عين له ـ يعني ما يحفظها فيه ـ لزمه حفظها فيما أمره به، سواء كان حرز مثلها أو لم يكن» (١). واستثنى المالكية وابن حزم من الظاهرية ما لو كان ذلك المكان الذي عينه مالكها فيه يقين هلاكها فإن له أن يخالف صاحبها؛ لأنه يجب عليه حفظها، ولو شرط المودِع خلافه؛ لأنه شرط مناقض لحقيقتها، وكل شرط يناقض مقتضى العقد فإنه لا يلزم. قال ابن حزم: «وصفة حفظها هو أن يفعل فيها من الحفظ ما يفعل بماله وأن لا يخالف فيها ما حدَّ له صاحبها إلا أن يكون فيما حد له يقين هلاكها» (٢). وجاء في شرح الزرقاني: «وقد ذكر ابن رشد في مذهبه أنه إذا جعلها في بيته من غير قفل، وله أهل قد عرف خيانتهم أنه يضمن لمخالفته العرف. اهـ

стр. 9385

وظاهره، ولو علم ربها بذلك لما مر من وجوب حفظها، ولو شرط المودع بالكسر خلافه؛ لأنه شرط مناقض لحقيقتها» (١). وإن خالف المالك فهذا له ثلاثة أحوال: الحال الأولى: [م-١٩١٢] أن يعين له مكانًا فيحفظها بما دونه فإنه يضمن إلا أن يخاف عليه من حرق أو غرق. وهذا بالاتفاق (٢). ° وجه القول بالضمان: الوجه الأول: أن المودع قد رضي بالحرز الذي عينه، ومن رضي بحرز لم يرض بما دونه. الوجه الثاني: أن هذا التصرف يعتبر مخالفة للمودع في حفظ ماله بلا سبب، فيعتبر تفريطًا يوجب الضمان. قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن رب الوديعة إذا أمر المستودع بحفظها في مكان عينه، فحفظها فيه، ولم يخش عليها، فلا ضمان عليه بغير خلاف؛ لأنه ممتثل لأمره، غير مفرط في ماله. وإن خاف عليها سيلًا وتوًى، يعني هلاكًا،

стр. 9386

فأخرجها منه إلى حرزها، فتلفت، فلا ضمان عليه. بغير خلاف أيضًا؛ لأن نقلها في هذه الحال تعين حفظا لها، وهو مأمور بحفظها. وإن تركها مع الخوف فتلفت، ضمنها، سواء تلفت بالأمر المخوف أو بغيره؛ لأنه فرط في حفظها؛ لأن حفظها نقلها، وتركها تضييع لها. وإن لم يخف عليها فنقلها عن الحرز إلى دونه، ضمنها؛ لأنه خالفه في الحفظ المأمور به. وإن نقلها إلى دونه عند الخوف عليها، نظرنا؛ فإن أمكنه إحرازها بمثله، أو أعلى منه، ضمنها أيضًا؛ لتفريطه، وإن لم يمكنه إحرازها إلا بما دونه، لم يضمنها؛ لأن إحرازها بذلك أحفظ لها من تركه، وليس في وسعه سواه» (١). الحال الثانية: [م-١٩١٣] أن يعين له مكانًا فيحفظها في أحرز منه، ففي ضمانها قولان: القول الأول: لا يضمن، وهو مذهب الأئمة الأربعة؛ لأن من رضي حرزًا رضي بما هو أحرز منه، ولأنه بفعله هذا قد زاده، ولم ينقصه (٢). واستثنى المالكية من عدم الضمان إذا حفظها بما هو أحرز منه، فتلفت بالوجه الذي قصد الاحتراز من أجله، فلو قال المودِع بكسر الدال للمودَع بفتحها: اجعل الوديعة في كمك، فجعلها في يده فضاعت، أو أخذها منه غاصب، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن اليد أحفظ من الكم، إلا أن يكون أراد

стр. 9387

إخفاءها عن عين الغاصب، فرآها لما جعلها في يده فيضمن كما قاله ابن شاس (١). ومثله لو قال المودِع: اجعلها في صندوقك، ولا تقفل عليها، فخالف، وقفل عليها، ثم سرقت بعد ذلك فإنه يضمن، وإن كان القفل أحرز لها؛ لأنه سلط السارق عليها؛ لأنه إذا رأى القفل طمع في أخذها، ولا يضمن غير السرقة فلو تلفت بحريق لم يضمن عند ابن القاسم؛ لقوله: لا يضمن إلا إذا تلفت بالوجه الذي قصد الاحتراز من أجله (٢). وجاء في المهذب: «وإن عين له الحرز فقال: احفظها في هذا البيت. فنقلها إلى ما دونه ضمن .... وإن نقلها إلى مثله، أو إلى ما هو أحرز منه لم يضمن؛ لأن من رضي حرزًا رضي بمثله وبما هو أحرز منه» (٣). القول الثاني: يضمن إذا فعل ذلك من غير حاجة، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه خالف أمره، فأشبه ما لو نهاه عن حفظه بهذا المكان (٤). جاء في الكافي لابن قدامة: «فإن عين له الحرز، فقال: أحرزها في هذا البيت، فتركها فيما دونه ضمن؛ لأنه لم يرضه، وإن تركها في مثله، أو أحرز منه، فقال القاضي: لا يضمن ... وظاهر كلام الخرقي أنه يضمن؛ لأنه خالف

стр. 9388

أمره لغير حاجة، فأشبه ما لو نهاه» (١). وقال في الإنصاف: «وقيل: يضمن فيهما ـ يعني في مثل حرزه أو أعلى منه ـ إلا أن يفعله لحاجة، ذكره الآمدي، وأبو حكيم، وهو رواية التبصرة، قال المصنف: وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ في رواية حرب، وجزم به في المنور، وقدمه في المحرر» (٢). ° وجه القول بالضمان: أن حفظ الوديعة في غير ما عينه له مالكها يعد مخالفة لأمره من غير حاجة، فكان ذلك موجبًا للضمان أشبه ما لو نهاه عن إحرازها بغيره. ويناقش: بأن المقصود من الإيداع هو الحفظ، فإذا حفظها بما هو أكثر حفظًا فقد زاد مالكها، وتحقق المقصود من العقد. الحال الثالثة: [م-١٩١٤] أن يعين له مكان الحرز، فيحفظها في مثله، فهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن يعين له مكان الحرز، ولا ينهاه عن النقل، فالعلماء مختلفون في الضمان في هذه الحالة على ثلاثة أقوال:

стр. 9389

القول الأول: لا يضمن، وهو مذهب الجمهور (١). جاء في بدائع الصنائع: «ولو قال له: احفظ الوديعة في دارك هذه، فحفظها في دار له أخرى، فإن كانت الداران في الحرز سواء، أو كانت الثانية أحرز، لا تدخل في ضمانه؛ لأن التقييد غير مفيد» (٢). وجاء في مجمع الضمانات: «ولو قال: لا تضعها في الحانوت فوضعها فسرقت ليلا إن لم يكن بيته أحرز من الحانوت أو لم يكن له مكان آخر أحرز منه لا يضمن، وإلا ضمن» (٣). وقال الخرشي في شرحه: «وكذا لا ضمان إذا جعلها ـ يعني الوديعة ـ في مثل ما أمره به» (٤). وفي حاشية الدسوقي: «وكذا ـ يعني لا ضمان عليه ـ لو وضعها في مثل ما أمر به في الإحراز، كما لو قال له ربها: اجعلها في هذا الصندوق، أو في هذا السطل، فخالف، وجعلها في مثله، كما نقله أبو الحسن عن اللخمي» (٥).

стр. 9390

وجاء في الإنصاف: «وإن أحرزها بمثله، أو فوقه لم يضمن، هذا الصحيح من المذهب، اختاره القاضي وابن عقيل، وجزم به في الوجيز والكافي وغيرهما ... » (١). ° وجه القول بعدم الضمان: الوجه الأول: أن المودع قد رضي الحرز الذي عينه، ومن رضي حرزًا رضي مثله. الوجه الثاني: أن تقييد المودع بالحرز المعين يقتضي ما هو مثله، كمن اكترى أرضًا لزرع حنطة فله زرعها، وزرع مثلها في الضرر. الوجه الثالث: أن إحرازه في مثل حرزها لا يعد تعديًا، ولا تفريطًا، فيملكه المودع، ولا يضمن. ويناقش هذا: بأن إحرازها في مثل حرزها وإن لم يكن تعديًا ولا تفريطًا فإنه يعد مخالفة لأمر مالكها بلا حاجة. القول الثاني: يضمن مطلقًا إذا خالف، سواء أحرزها بمثله أو أعلى منه، إلا أن يفعله لحاجة، وهذا قول في مذهب الحنابلة (٢).

стр. 9391

° وجه القول بالضمان: إذا خالف الوديع أمر المودِع من غير حاجة ضمن؛ لأنه لما عين له المالك حرزها فيه تعين عليه الحفظ فيه، ولا تسوغ مخالفته بلا حاجة، وقياسًا على ما لو نهاه المالك عن حفظها بمكان معين فخالف فحفظها فيه، فإنه يضمن إذا تلفت لتعديه. ويناقش هذا: بأنه وإن كان مخالفًا لظاهر لفظه إلا أنه موافق لقصده من الإيداع، لأن مقتضى عقد الوديعة ومقصود المودع من الإيداع هو الحفظ، وهو حاصل بحفظها بمثل حرزها المسمى. القول الثالث: يضمن إن أحرزها بمثله، ولا يضمن إن أحرزها بأعلى، وهو قول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (١). جاء في مجمع الضمانات: «فلو عين بيتًا من دار، فحفظ في بيت آخر منها. قيل: لو أكد بالنهي كقوله: لا تحفظ إلا في هذا البيت ضمن ... وقيل: لا يضمن، لو أحرز، وسواء أكد أو لا» (٢). ° وجه هذا القول: أن مخالفة المالك لا تسوغ إلا لفائدة أو حاجة، ولا فائدة إلا إذا كان الانتقال إلى مكان أحرز من المكان الذي عينه المالك. والله أعلم.

стр. 9392

° الراجح: أن المودع إذا حفظ الوديعة في حرز مثل حرزها المعين أو أحفظ، لا ضمان عليه، إلا أن يكون المالك قد نهاه عن نقلها من المكان الذي عينه؛ لأن المقصود من الإيداع الحفظ، وهو متحقق في حفظها في مثل حرزها، والله أعلم. الصورة الثانية: أن يعين له مكان الحرز، وينهاه عن النقل، فإذا خالف وأخرجها، ففي ضمانه خلاف. القول الأول: يضمن إن نقلها من غير ضرورة لصريح المخالفة من غير حاجة، فإن دعت الضرورة لنقلها، وترك نقلها ضمن إلا أن يقول له: لا تنقلها ولو حدثت ضرورة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وقول في مذهب الحنفية (١). جاء في روضة الطالبين: «وإن نهاه فقال: احفظ في هذا البيت ولا تنقلها، فإن نقلها من غير ضرورة، ضمن؛ لصريح المخالفة من غير حاجة، سواء كان المنقول إليه أحرز أو لم يكن .... وإن نقل لضرورة غارة، أو غرق، أو حريق، أو غلبة لصوص، لم يضمن، وإن كان المنقول إليه حرزا لمثلها. ولا بأس بكونه دون الأول إذا لم يجد أحرز منه. ولو ترك النقل والحالة هذه، ضمن على الأصح؛ لأن الظاهر أنه أراد بالنهي تحصيل الاحتياط. ولو قال: لا تنقلها وإن حدثت ضرورة، فإن لم ينقلها، لم يضمن على

стр. 9393

الصحيح، كما لو قال: أتلف مالي، فأتلفه، لا يضمن، وإن نقل لم يضمن على الأصح؛ لأنه قصد الصيانة» (١). وجاء في الإنصاف: «وإن نهاه عن إخراجها، فأخرجها لغشيان شيء الغالب فيه التوى لم يضمن. هذا المذهب، وعليه الأصحاب، ولا أعلم فيه خلافًا ... وإن تركها فتلفت ضمن، هذا المذهب؛ لأنه يلزمه إخراجها والحالة هذه ... قال في الفروع: لزمه إخراجها في الأصح ... وقيل: لا يضمن؛ لأنه امتثل أمر ربها .... وإن أخرجها لغير خوف ضمن، هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. قال في الفروع: ويحرم إخراجها لغير خوف في الأصح ... وإن قال: لا تخرجها وإن خفت عليها فأخرجها عند الخوف أو تركها لم يضمن» (٢). وجاء في مجمع الضمانات: «لو أكد بالنهي، كقوله: لا تحفظ إلا في هذا البيت ضمن، لا لو لم يؤكد» (٣). يعني إذا خالف. القول الثاني: لا يضمن إن كان نقلها إلى مثله أو أحرز، ولو لم يكن هناك ضرورة للنقل، وهو اختيار الإصطخري من الشافعية، والقاضي من الحنابلة (٤). جاء في روضة الطالبين: «قال الإصطخري: إن كان أحرز من الأول أو مثله، لم يضمن، والصحيح الأول» (٥).

стр. 9394

القول الثالث: يضمن إذا كان الشرط مفيدًا، والعمل به ممكنًا، ولا يضمن إذا كان الشرط لا يفيد، أو كان مفيدًا إلا أن العمل فيه غير ممكن. فلو أمره بالحفظ بهذا البيت، ونهاه عن الحفظ في هذا البيت، فخالف لم يضمن؛ لأن الدار واحدة، والحرز واحد، فهذا النهي غير مفيد. ولو أمره بالحفظ في هذه الدار، ونهاه عن الحفظ في تلك الدار، فخالف ضمن؛ لأن الحرز في الدارين يختلف، فكان الشرط مفيدًا، وهذا مذهب الحنفية (١). قال في العناية: «والأصل فيه أن الشرط إذا كان مفيدًا، والعمل به ممكنًا وجب مراعاته، والمخالفة فيه توجب الضمان. وإذا لم يكن مفيدًا، أو كان، ولم يمكن العمل به ... يلغو، وعلى هذا إذا نهي عن الدفع إلى امرأته، وله امرأة أخرى أمينة، أو عن الحفظ في الدار، وله أخرى فخالف فهلك ضمن، وإذا نهي عن الحفظ في بيت من دار، فحفظ في غيره، وليس في الذي نهي عنه عورة ظاهرة، أو نهى عن الدفع إلى امرأته، وليس له سواها، أو عن الحفظ في دار ليس له غيرها، فخالف لم يضمن؛ لأن الأول غير مفيد والثاني غير مقدور العمل به» (٢).

стр. 9395

وجاء في مجمع الضمانات: «وإذا شرط المودع شرطًا مفيدًا من كل وجه يتقيد به، أكد بالنهي أو لا، فلو قال: احفظها في هذه الدار فحفظها في دار أخرى ضمن؛ لأن الدارين يتفاوتان في الحرز فيتقيد بالشرط ذكره في الهداية، وفي الفصولين. وقيل: لا يضمن لو أحرز، سواء أكد بالنهي، أو لا. وقيل: يضمن لو لم يحتج في وضعها دارًا أخرى، لا لو احتاج؛ إذ التعيين يلغو حينئذ، إذ لا يطلب منه حفظ ماله بطريق لا يقدر عليه» (١). ° الراجح: أنه إن خالفه لحاجة، وكان حفظها في حرز مثلها أو أحرز لم يضمن، والله أعلم. * * *

стр. 9396

المسألة الثالثة في دفع الوديعة لمن يحفظ ماله يحفظ الوديع الوديعة بما يحفظ به ماله حرزًا ويدًا. [م-١٩١٥] ذهب الجمهور إلى أن للمستودَع أن يحفظ الوديعة بنفسه، أو بمن يحفظ ماله من زوج، وولد، وهو ظاهر ما في المدونة لمالك (١). وقيد بعض المالكية عدم الضمان فيما إذا كان من عادة الوديع أن يأتمنهم على ماله، ومشى عليه خليل في مختصره، وتابعه شراح المختصر (٢). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «يحفظها ـ يعني الوديعة ـ بما يحفظ به ماله، وذلك بالحرز واليد:

стр. 9397

أما الحرز فداره ومنزله وحانوته، سواء كان ملكًا له، أو إجارة، أو إعارة. وأما اليد: فيده، وزوجته، وزوجها، وأمته، وعبده، وأجيره الخاص، وولده الكبير إن كان في عياله على ما مر في الرهن; ولأن المودع رضي بذلك؛ لأنه يعلم أن المودع لا بد له من الخروج لمعاشه وأداء فرائضه، ولا يمكنه استصحاب الوديعة معه فيتركها في منزله عند من في عياله فلم يكن له بد من ذلك» (١). وقال ابن القاسم كما في المدونة: «إن استودع امرأته، أو خادمه ليرفعاها في بيته، فإن هذا لا بد للرجل منه، ومن يرفع له إلا امرأته، أو خادمه، وما أشبههما إذا رفعوها له على وجه ما وصفت لك فلا ضمان عليه، ألا ترى أن مالكا قد جعل له إذا خاف فاستودعها غيره أنه لا يضمن، فكذلك امرأته وخادمه اللتان يرفعان له أنه لا ضمان عليه إذا دفعها إليهما ليرفعاها له في بيته. قال: وأما العبد والأجير فهما مثل ما أخبرتك. وقد بلغني أن مالكا سئل عن رجل استودع مالا فدفعه إلى امرأته ترفعه له فضاع فلم ير عليه ضمانا، وأما الصندوق والبيت فإني أرى إن رفعه فيه أو في مثله فلا ضمان عليه في قول مالك» (٢). وقال ابن رشد: «فإذا قبلها - أي الوديع - وجب عليه حفظها وصيانتها فإن ضيعها أو تعدى أمر صاحبها فيها فهو ضامن لها. وله أن يستدفع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم على ماله وهو تحت غلقه من زوج أو والد أو أمة أو والدة ومن أشبههم» (٣).

стр. 9398

وجاء في منح الجليل: «فإن أودعها لزوجته أو أمته فضاعت فلا يضمنها عند الإمام مالك. زاد ابن القاسم - رضي الله تعالى عنهما - (إن اعتيدا) أي الزوجة والأمة بالإيداع عندهما من الزوج والسيد وحفظهما له ما أودعهما إياه، وحمله أكثر الشيوخ على التفسير والتقييد لقول الإمام وأقلهم على خلافه. ومفهوم الشرط الضمان إن أودع زوجة أو أمة لم يعتد إيداعه عندها فضاعت بأن أودعها عقب تزوجها أو تملكها أو لم يأتمنها على ماله، وشمل غير الزوجة والأمة أجير الخدمة والعبد اللذين في عياله وجعلهما في المدونة كالزوجة والأمة، وعليه درج صاحب الشامل» (١). وجاء في مجلة الأحكام الحنبلية: «يلزم الوديع حفظ الوديعة بنفسه أو وكيله أو من يحفظ ماله عادة كزوجته، وعبده، وخادمه فله أن يدفع الدابة لسائس دوابه، والأمتعة لخانه، والحلي لزوجته لقيامهم مقامه في الحفظ» (٢). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: أن المطلوب من الوديع أن يحفظ الوديعة بما يحفظ به ماله، وهو يحفظ ماله، بنفسه تارة، وبعامله، وبأهله، وبعياله تارة أخرى، فكان الحفظ بأيديهم داخلًا تحت العقد دلالة. الدليل الثاني: أن المالك قد رضي بذلك؛ لأنه يعلم أن الوديع لا يمكنه ملازمة بيته، ولابد

стр. 9399

له من الخروج لمعاشه وأداء فرائضه، ولا يمكنه استصحاب الوديعة معه كلما خرج، فكان دفع الوديعة إلى الزوج والعيال مما لا بد له منه، وإذا رضي المالك بذلك صح الفعل كما لو رضي له بأن يدفعها إلى أجنبي. الدليل الثالث: أن دفع الوديعة إلى الأهل والعامل يصح قياسًا على دفع الماشية إلى الراعي، والبهيمة إلى الغلام ليسقيها. القول الثاني: إذا دفع الوديعة لغيره من عبد أو خادم، أو أجير ممن في عياله أو في غير عياله فهو ضامن، وهذا قول أشهب من المالكية، ومذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). جاء في النوادر والزيادات: «قال أشهب في كتبه: إذا أودعه الوديعة لغيره من عبد أو خادم، أو أجير ممن في عياله أو في غير عياله فهو ضامن، وأما في وضعه إياها في بيته، أو صندوقه، أو غير ذلك من بيته أو بيت غيره إذا لم يأمنه عليه، ويخل بينه وبينها فإنه لا يضمن» (٢). وجاء في روضة الطالبين: «أنها أمانة، فلا يضمن إلا عند التقصير، وأسباب التقصير تسعة:

стр. 9400

أحدها: أن يودعها المودع عند غيره بلا عذر من غير إذن المالك، فيضمن، سواء أودع عند عبده وزوجته وابنه أو أجنبي» (١). وجاء في الإنصاف: «وإن دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله، كزوجته، وعبده: لم يضمن، وكذا خادمه. وهذا المذهب بلا ريب. ونص عليه. وعليه جماهير الأصحاب ..... وقيل: يضمن. ذكره ابن أبي موسى. قال الحارثي: وأورده السامري عن ابن أبي موسى وجهًا، ولم أجده في الإرشاد» (٢). ° حجة هذا القول: أن المالك رضي بأمانة الوديع، ولم يرض غيره من زوجة، أو ولد، أو أجير، فإذا دفعها إلى أهله، أو ولده بلا إذن من مالكها فهو بمنزلة ما لو دفعها إلى رجل أجنبي من غير عذر، فيكون ضامنًا. ويناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن دفعها إلى أجنبي لا يعد حفظًا منه بخلاف حفظها بمن يحفظ ماله في العادة من زوج وعيال، والله أعلم. القول الثالث: العمل بالعرف والعادة، فإن كان العرف والعادة في البلد أن يأتمن الناس أهليهم على أموالهم صح دفع الوديعة إليهم، وإن كان العرف والعادة ألا يأتمن

стр. 9401

الرجل أهله وعياله على ماله، فلا يصح دفع الوديعة إليهم. وهذا قول ثالث في مذهب المالكية (١). ° الراجح: أن للمودع أن يحفظ الوديعة بمن يستعين به ممن يحفظ ماله من زوج أو ولد، أو أجير خاص بشرط أن يعلم أمانتهم، فإن كان يعلم أن زوجته ليست أهلًا للحفظ، لعجز، أو خيانة، أو تقصير، فلا يجوز دفع المال إليها، فإن دفع ضمن بذلك، والله أعلم. * * *

стр. 9402

المطلب الأول في بيان الأقارب الذين يحفظون مال قريبهم [م-١٩١٦] اختلف العلماء في الأقارب الذين يحفظون مال قريبهم، والذين يحق للوديع أن يدفع الوديعة إليهم: القول الأول: مذهب ا لحنفية. في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال: أحدهما: للوديع أن يحفظها بنفسه، ويصح أن يدفعها إلى غيره بشرط أن يكونوا في عياله. والضابط في العيال: من يسكن معه حقيقة أو حكمًا، لا من يمونه، والولد الكبير والوالد إن كانوا في عياله، فدفعها إليهما لم يضمن، وإلا ضمن. قال ابن نجيم: «والمراد بالعيال من يسكن معه حقيقة أو حكما، لا من يمونه، فدخل فيهم الزوجة ... وخرج الأجير الذي لا يسكن معه وإنما قلنا: أو حكما؛ لأنه لو دفعها إلى ولده الصغير، وزوجته، وهما في محلة والزوج يسكن في محلة أخرى لا يضمن، ولو كان لا يجيء إليهما، ولا ينفق عليهما، لكن يشترط في الصغير أن يكون قادرًا على الحفظ كذا في الخلاصة» (١). جاء في البناية نقلًا من الكافي: «العبرة في هذا الباب للمساكنة، لا للنفقة» (٢).

стр. 9403

وجاء في العناية: «المراد به من يساكنه، لا الذي يكون في نفقة المودع فحسب» (١). وجاء في الاختيار لتعليل المختار: «وولده الكبير إن كان في عياله على ما مر في الرهن» (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: «المودع إذا دفعها .... إلى ابنه الكبير في عياله، أو أبيه الذي في عياله لا يضمن، كذا في الفتاوى العتابية. والابن الكبير إذا لم يكن في عياله، فدفع إليه ضمن، كذا في المحيط. والأبوان كالأجنبي حتى يشترط كونهما في عياله، كذا في الخلاصة» (٣). القول الثاني: اختار العيني: أن العبرة فيها المساكنة والنفقة (٤). القول الثالث: أن العبرة أن يحفظ الوديعة بيده، أو بيد من كان ماله في يده، ولو لم يكن من عياله، فيدخل في ذلك شريك العنان والمفاوضة، وبهذا قال محمد بن الحسن، وعليه الفتوى. جاء في تبيين الحقائق: «وعن محمد ﵀ أن المودع إذا دفع الوديعة إلى وكيله، وليس في عياله، أو دفع إلى أمين من أمنائه ممن يثق به في ماله، وليس في عياله لا يضمن؛ لأنه حفظه مثل ما يحفظ ماله، وجعله مثله ولا يجب عليه أكثر من ذلك، ذكره في النهاية، ثم قال: وعليه الفتوى وعزاه إلى التمرتاشي،

стр. 9404

وهو إلى الحلواني، ثم قال، وعن هذا لم يشترط في التحفة في حفظ الوديعة بالعيال، فقال: ويلزم المودع حفظه إذا قبل الوديعة على الوجه الذي يحفظ به ماله، وذكر فيه أشياء حتى ذكر أن له أن يحفظ بشريك العنان والمفاوضة، وعبده المأذون له الذي في يده ماله، ثم قال: وبهذا يعلم أن العيال ليس بشرط في حفظ الوديعة» (١). وجاء في تحفة الفقهاء: «فيجب عليه أن يحفظ على الوجه الذي يحفظ ماله بحرزه وبيده، وبيد من كان ماله في يده. نعني (بحرزه): الذي هو ملكه، أو يستأجره، أو يستعيره وليس الشرط أن يحفظه في الحرز الذي يحفظ فيه ماله. ونعني (بيد من كان ماله في يده): كل من كان في عياله، حتى المستأجر الذي استأجره مشاهرة بنفقته وكسوته، دون الذي استأجره بالدراهم أو المستأجر مياومة. ويدخل فيه العبد المأذون الذي في يده ماله، وشريك المفاوضة والعنان وإن لم يكونوا في عياله» (٢). قال العيني: «لم يشترط في التحفة الحفظ بالعيال، بل قال يحفظه على الوجه الذي يحفظ مال نفسه بحرز من كان ماله في يده. ثم قال: يعني به الأجير مشاهرة بنفقته وكسوته، والعبد المأذون الذي في يده مال، والشريك المفاوض، والعنان، وإن لم يكونوا في عياله» (٣).

стр. 9405

القول الثاني: مذهب المالكية: ذكر الدسوقي في حاشيته من يحق للوديع أن يحفظ الوديعة عندهم، وهم خمسة: الزوجة، والأمة، والابن، والعبد، والأجير إذا اعتيدوا لذلك، بأن طالت إقامتهم عنده، ووثق بهم، فإذا دفعها إليهم فلا ضمان عليه إذا تلفت (١). واختلف المالكية في دفع الزوجة الوديعة لزوجها، وكذا في دفع الوديعة للأب والأم على قولين: أحدهما: لا يدفعها لهم، فإن فعل فعليه الضمان، وهو المشهور من المذهب. جاء في حاشية الصاوي: «والحاصل أن المستفاد من المتن والشرح أن الضمان لا ينتفي عنه إلا إذا وضعها عند زوجة، أو أمة، أو خادم، أو مملوك، أو ابن، اعتيد هؤلاء الخمسة لذلك، مع التجربة وطول الزمان، فإن لم يعتد هؤلاء الخمسة، أو وضعها عند غيرهم من أب، أو أم، أو وضعت الزوجة عند زوجها، أو عند أجانب فإنه يضمن اعتيد من ذكر للوضع أم لا» (٢). الثاني: للزوجة أن تدفع الوديعة إلى زوجها، وكذا الأب والأم، ولا ضمان عليه (٣). جاء في مواهب الجليل: «قال عياض: كان أبو جعفر يفتي بعدم ضمانها ـ

стр. 9406

يعني الزوجة ـ إذا ضاعت عنده ـ أي عند الزوج ـ كما لا يضمن هو ما ضاع عندها» (١). وقال ابن رشد: «وله أن يستدفع ما أودع عند عياله الذين يأمنهم على ماله وهو تحت غلقه من زوج، أو والد، أو أمة، أو والدة، ومن أشبههم» (٢). القول الثالث: مذهب الحنابلة. جاء في مجلة الأحكام الحنبلية: «يلزم الوديع حفظ الوديعة بنفسه، أو وكيله، أو من يحفظ ماله عادة، كزوجته، وعبده، وخادمه فله أن يدفع الدابة لسائس دوابه، والأمتعة لخانه، والحلي لزوجته لقيامهم مقامه في الحفظ» (٣). وهذا أقرب الأقوال، وأن الإنسان تارة يحفظ ماله بنفسه، وتارة يحفظ ماله بوكيله، ويد الوكيل كيد الموكل، وتارة يحفظ ماله عن طريق عامله الخاص، وقد يدفع الوديعة لمن يسكن معه من زوج ووالد وولد، والله أعلم. * * *

стр. 9407

المطلب الثاني إذا شرط عليه أن يحفظ الوديعة بنفسه [م-١٩١٧] تكلمنا في المسألة السابقة عن دفع الوديع الوديعة لمن يحفظ ماله من زوج أو عامل، أو وكيل، فإذا نهاه المالك عن دفع الوديعة لزوجه أو ولده، واشترط عليه أن يحفظها بنفسه، فهل يجب التزام هذا الشرط؟ أما أشهب من المالكية، وكذلك الشافعية الذين يقولون: ليس للوديع أن يدفع الوديعة إلى غيره من زوج أو خادم إلا بإذن المالك فهذا الشرط يجب اعتباره عندهم بمقتضى العقد، ولو بلا شرط، فكيف إذا اشترطه المالك، فليس للوديع أن يخالف المالك، فإن خالف فإنه يضمن لو تلفت الوديعة (١). وأما الجمهور الذين قالوا: للوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه، أو بمن يحفظ ماله من زوج، وولد ووكيل، وأجير خاص، فإذا اشترط عليه أن يحفظ الوديعة بنفسه، ولا يدفعها إلى غيره، فهل يجب التزام شرطه؟ وإذا خالف شرطه فتلفت فهل يضمن؟ على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المودِع إذا نهاه عن الدفع إلى عياله مطلقًا، أو نهاه عن الدفع إلى كل زوجاته لم يجب التزام شرطه. ويجب التزام شرطه في ثلاث صور:

стр. 9408

الصورة الأولى: إذا نهاه عن الدفع إلى معين من عياله، وله عيال آخرون يستطيع أن يحفظ الوديعة بهم، فإذا خالف فإنه يضمن. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «لو قال: لا تدفعها إلى شخص عينه من عياله ممن لا بد له منه، فإن لم يكن له عيال سواه لم يضمن، وإن كان له سواه يضمن ; لأن من العيال من لا يؤتمن على المال» (١). الصورة الثانية: إذا نهاه عن الدفع إلى زوجه أو غلامه، وكانت الوديعة مما لا تحفظها الزوجة والغلام، فلو كانت الوديعة فرسًا، ونهاه عن الدفع إلى زوجته، فدفعه إليها ضمن، أو كانت الوديعة عقد جوهر فمنعه من الدفع إلى غلامه، فإنه يضمن بدفعها إليه. الصورة الثالثة: أن تكون الوديعة شيئًا خفيفًا يمكن للوديع أن يحفظه بنفسه كالخاتم، فإنه يضمن بدفعه إلى عياله (٢). والضابط لهذه المسألة: أن ما كان لاشتراطه فائدة، وكان يمكنه العمل به فإنه يجب عليه التزام هذا الشرط. وإن كان هذا الشرط لا فائدة فيه، أو كان فيه فائدة ولا يمكنه العمل به لم يجب التزامه. قال في العناية: «والأصل فيه أن الشرط إذا كان مفيدًا، والعمل به ممكنًا وجب مراعاته، والمخالفة فيه توجب الضمان.

стр. 9409

وإذا لم يكن مفيدًا، أو كان، ولم يمكن العمل به ... يلغو، وعلى هذا إذا نهي عن الدفع إلى امرأته، وله امرأة أخرى أمينة، أو عن الحفظ في الدار، وله أخرى فخالف فهلك ضمن، وإذا نهي عن الحفظ في بيت من دار، فحفظ في غيره، وليس في الذي نهي عنه عورة ظاهرة، أو نهى عن الدفع إلى امرأته، وليس له سواها، أو عن الحفظ في دار ليس له غيرها، فخالف لم يضمن؛ لأن الأول غير مفيد والثاني غير مقدور العمل به» (١). القول الثاني: يتخرج على قواعد المالكية والحنابلة أنه إذا اشترط عليه أن يحفظه بنفسه، فخالف من غير ضرورة فإنه يضمن. لأن الأيدي تختلف في الأمانة، فقد يرضى المالك أمانة الوديع، ولا يرضى غيره من عياله. ولأن الأصل في الشروط الجواز والصحة، فإذا قبل الوديع الشرط وجب عليه التزامه. وكما أن المالك لو قال له: ادفع الوديعة إلى فلان، فدفعها لم يضمن، كذلك إذا قال له: لا تدفع الوديعة إلى فلان، فدفعها ضمن. وكما قال الحنابلة في الوديعة إذا نهاه المالك عن إخراجها من حرزها، فأخرجها من غير ضرورة فإنه يضمن، وسبق النقل عنهم في مسألة سابقة، ولله الحمد.

стр. 9410

° الراجح: أرى أن القول بشرط المالك أرجح، فإذا خالفه فإن كان لضرورة لم يضمن، وإن كان لغير ضرورة فإن هذا نوع من التعدي يوجب الضمان، والله أعلم. * * *

стр. 9411

المسألة الرابعة في استعانة الوديع بغيره في حفظ الوديعة المطلب الأول أن يستعين بالأجنبي بدون عذر [م-١٩١٨] علمنا خلاف الفقهاء في حق الوديع في دفع الوديعة لمن يحفظ ماله من زوج وعيال، وخازن، فهل يملك الوديع أن يدفع الوديعة بلا حاجة إلى أجنبي لا يحفظ ماله؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الوديع لا يملك الإيداع بلا عذر، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). جاء في الهداية: «وللمودَع أن يحفظها بنفسه وبمن في عياله ... فإن حفظها

стр. 9412

بغيرهم أو أودعها غيرهم ضمن» (١). وقال الدردير: «وضمن بإيداعها عند أمين؛ لأن ربها لم يأتمن غيره» (٢). وجاء في حاشية العدوي: «ومحل الضمان على المودع إذا أودعها لغير زوجته، أو أمته» (٣). وقال النووي: «وأصلها الأمانة، وقد تصير مضمونة بعوارض منها أن يودع غيره بلا إذن ولا عذر فيضمن» (٤). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: أن المودِع قد رضي أمانته، ولم يرض أمانة غيره، والأيدي تتفاوت في الأمانة، فإذا أودعها لأجنبي بلا إذن كان ذلك تعديًا منه، لخروجه عن حفظها على الوجه المأوذن، فيكون ضامنًا. الدليل الثاني: أن الوديعة توكيل في الحفظ، والوكيل لا يملك التوكيل في الأصح؛ لأنه غير مفوض في ذلك، فكذلك الوديع. القول الثاني: أن الوديع يملك الإيداع للغير، ولو لم يأذن له المودِع، وهو قول

стр. 9413

ابن أبي ليلى، وقول في مذهب الحنابلة (١). قال في المبسوط: «قال ابن أبي ليلى ﵀: ... للمودع أن يودع غيره؛ لأنه يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله، وقد يودع الإنسان مال نفسه من أجنبي، فكذلك له أن يودع الوديعة من غيره؛ فلا يصير ضامنًا بالدفع إلى غيره ليحفظ، أو يرد كما في حق من في عياله» (٢). قال ابن مفلح: «ويتوجه تخريج رواية من توكيل الوكيل له الإيداع بلا عذر» (٣). القول الثالث: إن أودع القاضي لم يضمن، وإن أودع غيره ضمن، وهو قول في مذهب الشافعية (٤). ° وجه هذا القول: أن أمانة القاضي أظهر من أمانة الوديع، ولأنه نائب الشرع. ° الراجح: أن المودع لا يملك الإيداع للأجنبي إلا من عذر، والعقد لا يعطيه هذا الحق؛ لأن الإيداع عقد على أن يقوم بالحفظ بنفسه، وبمن يحفظ ماله، والأجنبي لا يحفظ ماله، ولو أراد صاحبه غيره لأودعه إياه، فإذا أراد أن يودع أجنبيًا فليرجع إلى صاحبها، ويأخذ منه إذن في ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 9414

المطلب الثاني أن يودع الوديع الأجنبي لعذر الأمر الأول أن يكون العذر حاجته إلى السفر [م-١٩١٩] إذا كان عند الإنسان وديعة، فأراد السفر، فهل يملك إيداعها لأجنبي؟ فإن كان المالك موجودًا فلا يجوز إيداعه لأجنبي إلا بإذنه، فإن أذن، وإلا ردها عليه. وإن لم يكن المالك موجودًا وكان له وكيل فوكيله يقوم مقام المالك؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). جاء في التاج والإكليل: «إن أراد سفرًا، أو خاف عورة، وربها غائب فليودعها ثقة» (٢).

стр. 9415

فإن قوله: (وربها غائب) يفهم منه أن مالكها لو كان حاضرًا لم يصح الإيداع إلا بعد الرجوع إليه. وقال الشافعي في الأم: «وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة، فأراد المستودَع السفر فإن كان المستودِع حاضرًا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى» (١). ° حجة هذا القول: أنه لا يوجد ضرورة في دفع الوديعة إلى أجنبي مع حضور مالكها، فاعتبر إيداعها لأجنبي تصرفًا في ملك غيره، وتعديًا يوجب الضمان. ولأن المالك إنما رضي أمانته ولم يرض أمانة غيره، فصارت يد من ائتمنه عليها يدًا غير مأذون فيها، فصارت متعدية، فلزم الضمان. [م-١٩٢٠] وأما إذا عجز الوديع عن الرد أو أخذ الإذن بأن كان صاحبها غير موجود ولا وكيله، فاختلف الفقهاء في حق الوديع في إيداعها لأجنبي من أجل السفر على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يعتبر السفر عذرًا، فلو أودع مال غيره لأجنبي بسبب السفر ضمن، وهذا مذهب الحنفية (٢).

стр. 9416

فإن أودعها فضاعت في يد الثاني، فالضمان على الأول، ولا ضمان على الثاني عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد: المالك بالخيار إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني. وإن ضمن الثاني رجع به على الأول. جاء في بدائع الصنائع: «فلو أراد السفر؛ فليس له أن يودع؛ لأن السفر ليس بعذر، ولو أودعها عند من ليس له أن يودعه، فضاعت في يد الثاني فالضمان على الأول، لا على الثاني عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف، ومحمد: المالك بالخيار، إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول» (١). ° حجة الحنفية: أن السفر ليس عذرًا في دفع الوديعة. ويناقش: بأن القول بأن السفر ليس عذرًا استدلال في محل النزاع. (ح-١١٧٠) وقد روى الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح،

стр. 9417

عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇، قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله (١). فإذا كان يمنع كمال الطعام والشراب والنوم وهي أركان الحياة مع ما فيه من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والخوف، وخشونة العيش، وكل هذه الأمور تؤثر على قدرة الوديع في حفظ الوديعة، ويتعرض فيها للخطر، ومنه السرقة. القول الثاني: يعتبر السفر عذرًا، فإذا أراد الوديع السفر، ولم يجد صاحبها، ولا وكيله فله أن يدفع الوديعة إلى ثقة. وهذا مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، نص عليه الإمام الشافعي في الأم، وبه قال المزني في مختصره، وأبو إسحاق المروزي، واختاره أبو حامد، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبها أخذ بعض أصحابه (٢). جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «وإن أراد سفراً، أو خاف عورة منزله، ولم يكن صاحبها حاضراً، فيردها عليه، فليودعها ثقة، ولا يُعرِّضها للتلف، ثم لا يضمن» (٣).

стр. 9418

وقال الشافعي في الأم: «وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة، فأراد المستودَع السفر فإن كان المستودِع حاضرًا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى، فإن فعل فأودعها من شاء فهلكت ضمن إذا لم يأذنا له، وإن كان غائبًا، فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينًا على ذلك فهلكت لم يضمن» (١). قال المزني في مختصره: «وإذا أودعها غيره ـ يعني الوديع ـ وصاحبها حاضر عند سفره ضمن، فإن لم يكن حاضرًا، فأودعها أمينًا يودعه ماله لم يضمن» (٢). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: (ح-١١٧١) روى البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: أخبرني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله ﵇، فذكر الحديث في خروج النبي ﵇، قال فيه: فخرج رسول الله ﵇ وأقام علي بن أبي طالب ﵁ ثلاث ليال وأيامها؛ حتى أدى عن رسول الله ﵇ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﵇. [قال الحافظ: إسناده قوي] (٣).

стр. 9419

ويناقش: قد يكون علي وكيلًا عن الرسول ﵇، ويد الوكيل كيد الموكل، فهو نائب عنه، وهو الظاهر؛ لأنه وكله في رد الودائع، وليس الخلاف في دفع الوديعة إلى وكيله ليردها إلى صاحبها، وإنما الخلاف في إيداع الوديعة إلى أجنبي من أجل حفظها، وكون هذا الأجنبي ليس نائبًا عن المودَع. الدليل الثاني: من النظر فإن الوديع لا يمكنه رد الوديعة إلى صاحبها وهو لا يعلم مكان وجوده، ولا يمكننا منعه من السفر؛ لأن هذا حجر عليه، وهو متبرع بالحفظ، ولا يمكنه السفر بها؛ لأن في هذا تعريضًا لها للهلاك، فلم يبق له إلا إيداعها عند ثقة على الوجه الذي يحفظ به ماله لو أراد إيداعه فلا يصير ضامنًا بالدفع إلى غيره في هذه الحالة، والله أعلم. القول الثالث: ذهب الشافعية في المذهب، والحنابلة في المشهور إلى أن الوديع إذا أراد سفرًا، ولم يكن المالك ولا وكيله موجودًا، فإن كان في الموضع حاكم سلم

стр. 9420

الوديعة إليه، فإن لم يجد حاكمًا، أو كان موجودًا إلا أنه غير مأمون أودعها ثقة (١). قال العمراني في البيان: «فإن دفعها إلى أمين مع وجود الحاكم فقد قال الشافعي: فإذا سافر بها، فأودعها أمينا يودعه ماله لم يضمن. واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: لا يضمن؛ لأن الشافعي لم يفرق .... واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه أودعها أمينا لعذر السفر، فهو كما لو كان الحاكم معدومًا في البلد. وقال أبو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن خيران: يجب عليه الضمان؛ لأن الشافعي قال في الرهن: وإذا وضع الرهن على يدي عدل، ثم غاب المتراهنان، أو أحدهما، وأراد العدل السفردفعه إلى الحاكم. فدل على: أن الدفع إلى غيره لا يجوز، ولأن أمانة الحاكم مقطوع بها، وأمانة الأمين مجتهد فيها، فلم يجز ترك المقطوع به إلى المجتهد فيه، كما لا يجوز ترك النص إلى القياس. ومن قال بالأول حمل نص الشافعي في الرهن إذا تشاح المتراهنان في العدل فإنهما يرفعانه إلى الحاكم ليضعه عند عدل» (٢).
следующие страницы →