← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

فإن أودعها فضاعت في يد الثاني، فالضمان على الأول، ولا ضمان على الثاني عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف ومحمد: المالك بالخيار إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني. وإن ضمن الثاني رجع به على الأول. جاء في بدائع الصنائع: «فلو أراد السفر؛ فليس له أن يودع؛ لأن السفر ليس بعذر، ولو أودعها عند من ليس له أن يودعه، فضاعت في يد الثاني فالضمان على الأول، لا على الثاني عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف، ومحمد: المالك بالخيار، إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول» (١). ° حجة الحنفية: أن السفر ليس عذرًا في دفع الوديعة. ويناقش: بأن القول بأن السفر ليس عذرًا استدلال في محل النزاع. (ح-١١٧٠) وقد روى الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح،

стр. 9417

عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇، قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله (١). فإذا كان يمنع كمال الطعام والشراب والنوم وهي أركان الحياة مع ما فيه من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والخوف، وخشونة العيش، وكل هذه الأمور تؤثر على قدرة الوديع في حفظ الوديعة، ويتعرض فيها للخطر، ومنه السرقة. القول الثاني: يعتبر السفر عذرًا، فإذا أراد الوديع السفر، ولم يجد صاحبها، ولا وكيله فله أن يدفع الوديعة إلى ثقة. وهذا مذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، نص عليه الإمام الشافعي في الأم، وبه قال المزني في مختصره، وأبو إسحاق المروزي، واختاره أبو حامد، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبها أخذ بعض أصحابه (٢). جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «وإن أراد سفراً، أو خاف عورة منزله، ولم يكن صاحبها حاضراً، فيردها عليه، فليودعها ثقة، ولا يُعرِّضها للتلف، ثم لا يضمن» (٣).

стр. 9418

وقال الشافعي في الأم: «وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة، فأراد المستودَع السفر فإن كان المستودِع حاضرًا، أو وكيل له لم يكن له أن يسافر حتى يردها إليه، أو إلى وكيله، أو يأذنا له أن يودعها من رأى، فإن فعل فأودعها من شاء فهلكت ضمن إذا لم يأذنا له، وإن كان غائبًا، فأودعها من يودع ماله ممن يكون أمينًا على ذلك فهلكت لم يضمن» (١). قال المزني في مختصره: «وإذا أودعها غيره ـ يعني الوديع ـ وصاحبها حاضر عند سفره ضمن، فإن لم يكن حاضرًا، فأودعها أمينًا يودعه ماله لم يضمن» (٢). ° حجة هذا القول: الدليل الأول: (ح-١١٧١) روى البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: أخبرني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله ﵇، فذكر الحديث في خروج النبي ﵇، قال فيه: فخرج رسول الله ﵇ وأقام علي بن أبي طالب ﵁ ثلاث ليال وأيامها؛ حتى أدى عن رسول الله ﵇ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﵇. [قال الحافظ: إسناده قوي] (٣).

стр. 9419

ويناقش: قد يكون علي وكيلًا عن الرسول ﵇، ويد الوكيل كيد الموكل، فهو نائب عنه، وهو الظاهر؛ لأنه وكله في رد الودائع، وليس الخلاف في دفع الوديعة إلى وكيله ليردها إلى صاحبها، وإنما الخلاف في إيداع الوديعة إلى أجنبي من أجل حفظها، وكون هذا الأجنبي ليس نائبًا عن المودَع. الدليل الثاني: من النظر فإن الوديع لا يمكنه رد الوديعة إلى صاحبها وهو لا يعلم مكان وجوده، ولا يمكننا منعه من السفر؛ لأن هذا حجر عليه، وهو متبرع بالحفظ، ولا يمكنه السفر بها؛ لأن في هذا تعريضًا لها للهلاك، فلم يبق له إلا إيداعها عند ثقة على الوجه الذي يحفظ به ماله لو أراد إيداعه فلا يصير ضامنًا بالدفع إلى غيره في هذه الحالة، والله أعلم. القول الثالث: ذهب الشافعية في المذهب، والحنابلة في المشهور إلى أن الوديع إذا أراد سفرًا، ولم يكن المالك ولا وكيله موجودًا، فإن كان في الموضع حاكم سلم

стр. 9420

الوديعة إليه، فإن لم يجد حاكمًا، أو كان موجودًا إلا أنه غير مأمون أودعها ثقة (١). قال العمراني في البيان: «فإن دفعها إلى أمين مع وجود الحاكم فقد قال الشافعي: فإذا سافر بها، فأودعها أمينا يودعه ماله لم يضمن. واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: لا يضمن؛ لأن الشافعي لم يفرق .... واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه أودعها أمينا لعذر السفر، فهو كما لو كان الحاكم معدومًا في البلد. وقال أبو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن خيران: يجب عليه الضمان؛ لأن الشافعي قال في الرهن: وإذا وضع الرهن على يدي عدل، ثم غاب المتراهنان، أو أحدهما، وأراد العدل السفردفعه إلى الحاكم. فدل على: أن الدفع إلى غيره لا يجوز، ولأن أمانة الحاكم مقطوع بها، وأمانة الأمين مجتهد فيها، فلم يجز ترك المقطوع به إلى المجتهد فيه، كما لا يجوز ترك النص إلى القياس. ومن قال بالأول حمل نص الشافعي في الرهن إذا تشاح المتراهنان في العدل فإنهما يرفعانه إلى الحاكم ليضعه عند عدل» (٢).

стр. 9421

° الراجح: أرى أن دفعها إلى القاضي أسلم لصاحبها، فالقاضي له ولاية في أموال الغائبين مستمدة من الشرع، وهي أقوى من الولاية المستمدة من التفويض، والله أعلم. * * *

стр. 9422

الأمر الثاني أن يودع مال غيره خوفًا من حريق أو غرق [م-١٩٢١] تكلمنا في المبحث السابق في سفر الوديع، وهل يعتبر عذرًا لإيداعه الأمانات التي عنده للناس إلى أجنبي، وفي هذا المبحث نبحث في حق الوديع في الإيداع إذا خاف على الوديعة من حريق أو غرق، فهل يعد هذا عذرًا لإيداعه ملك غيره؟ وكما قلنا في مسألة سفر الوديع، أن المالك إن كان موجودًا فلا يجوز إيداعه لأجنبي إلا بإذنه، فإن أذن، وإلا ردها عليه. وإن لم يكن المالك موجودًا وكان له وكيل فوكيله يقوم مقام المالك؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). أما إذا لم يمكنه الوصول إلى مالكها، ولا وكيله، فقد اختلف العلماء في اعتبار الحريق والغرق عذرًا على قولين: القول الأول: إذا خاف على الوديعة من الحريق والغرق فله أن يودعها لأجنبي، وبهذا قال

стр. 9423

الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). وألحق المالكية بالخوف على الوديعة: إذا صار بيته عورة يخاف فيه طرق السراق فله أن يودعها من يثق به (٢). بل إن المالكية أطلقوا الخوف على الوديعة، وجعلوه سببًا في جواز إيداعها لثقة، قال ابن القاسم كما في المدونة: «ألا ترى أن مالكًا قد جعل له إذا خاف، فاستودعها غيره أنه لا يضمن» (٣). وقال النووي: «وكما يجوز الإيداع بعذر السفر كما تبين، فكذا سائر الأعذار، كما إذا وقع في البقعة حريق، أو نهب، أو غارة، أو خاف الغرق، وليكن في معناها إذا أشرف الحرز على الخراب، ولم يجد حرزًا ينقلها إليه» (٤).

стр. 9424

وإشراف الحرز على الخراب هو معنى ما ذكره المالكية بقولهم: إذا خاف عورة منزله. ° حجة هذا القول: أن الإيداع في حالة الحريق والغرق والخوف تعين طريقًا للحفظ، وهو المقصود من العقد. القول الثاني: أن المودع لا يملك أن يودع غيره مطلقًا، يعني سواء أكان لعذر أم لغير عذر، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). يمكن الاحتجاج لهذا القول: بأن الوديعة توكيل في الحفظ فقط، ولا يتضمن العقد حق التصرف، وإيداع مال الغير تصرف زائد على الحفظ، فلا يملكه بموجب العقد، والوديع إنما رضي أمانته، ولم يرض أمانة غيره. ويجاب: بأن المقصود من العقد هو المحافظة على المال من التلف، فإذا خاف على المال من الهلاك كان له أن يتصرف بما يحفظ به المال، وهو تصرف تمليه الضرورة، والضرورة حالة استثناء، وإذا كان للإنسان أن ينقذ مال غيره من الهلاك، ولو لم يكن مودَعًا، كما لو رأى مالًا يحترق أو يغرق فاجتهد في إنقاذه، ويعتبر محسنًا بذلك، فكذلك إذا خاف على ما في يده من الودائع كان له أن يودعها ثقة، ويكون المقصود إنقاذ المال لا غير، والله أعلم.

стр. 9425

° الراجح: جواز الإيداع عند الخوف، والله أعلم. * * *

стр. 9426

المبحث الثاني يجب رد الوديعة متى طلبها صاحبها الأمانات مؤداة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار. [م-١٩٢٢] تكلمنا في المبحث الأول من آثار عقد الوديعة عن وجوب حفظ الوديعة، ومن يستعين بهم الوديع في الحفظ من أهله وعياله، وحكم الاستعانة في الحفظ بأجنبي، ومتى يكون ذلك سائغًا، ومتى يكون ذلك تعديًا، ونتكلم في هذا المبحث عن آثر آخر من آثار عقد الوديعة، وهو حكم رد الوديعة إذا طلبها صاحبها. وقد ذكر الفقهاء بالاتفاق أنه يجب على المودَع رد الوديعة إلى صاحبها إذا طلبها المودِع (١). وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الدلالة من الكتاب فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].

стр. 9427

(ح-١١٧٢) وأما الدلالة من السنة فلما روى الإمام أحمد من طريق حميد، عن رجل من أهل مكة، يقال له: يوسف، قال: كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، قال: وكان رجل قد ذهب مني بألف درهم، قال: فوقعت له في يدي ألف درهم، قال: فقلت للقرشي إنه قد ذهب لي بألف درهم، وقد أصبت له ألف درهم، قال: فقال القرشي: حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. [هذا إسناده ضعيف؛ لإبهام ابن الصحابي الذي روى عنه يوسف وله شواهد ضعيفة، قال أحمد: لا أعرفه عن النبي ﵇ من وجه صحيح] (١). وأما الدلالة من الإجماع فقد قال ابن قدامة: «لا خلاف في وجوب رد الوديعة إلى مالكها إذا طلبها» (٢). وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الأمانات مؤداة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار» (٣). ومن النظر: فإن عقد الوديعة عقد جائز من الطرفين، فإذا طلب المالك الوديعة فإن هذا يعني فسخ عقد الإيداع وهو حق ثابت له لعدم لزوم العقد في حق كل واحد من الطرفين. قال الكاساني: «ويتعلق بكونها - أي الوديعة - أمانة أحكام منها: وجوب الرد عند طلب المالك» (٤).

стр. 9428

وقال ابن شاس المالكي: «للوديعة عاقبتان: ضمان عند التلف، ورد عند البقاء، أما الضمان فلا يجب إلا عند التقصير، وللتقصير سبعة أسباب ..... ثم ذكرها. العاقبة الثانية في الوديعة: رد العين عند بقائها، وهي واجبة مهما طلب المالك، وانتفى العذر ... » (١). وقال ابن حزم: «فرض على من أودعت عنده وديعة حفظها، وردها إلى صاحبها إذا طلبها منه ... » (٢). * * *

стр. 9429

المبحث الثالث الوديعة أمانة في يد المودَع [م-١٩٢٣] ذهب الأئمة الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة إلى أن الوديعة أمانة في يد الوديع (١). قال ابن نجيم الحنفي، وابن رشد المالكي، والشيرازي الشافعي، وابن قدامة الحنبلي: «الوديعة أمانة» (٢). وإنما كانت الوديعة أمانة؛ لأن صاحبها ائتمن المودع على حفظها، فاطمأن له. واستدل الفقهاء بأن الوديعة أمانة بالسنة، والإجماع، وأقوال الصحابة، ومن النظر. (ح-١١٧٣) أما السنة، ما رواه ابن ماجه من طريق أيوب بن سويد، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﵇: من أودع وديعة فلا ضمان عليه (٣).

стр. 9430

[ضعيف] (١).

стр. 9431

وجه الاستدلال: دل الحديث على نفي الضمان عن الوديع؛ فدل ذلك على أنها أمانة في يده، وهكذا سائر الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط. الدليل الثاني: (ح-١١٧٤) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇، قال: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان. قال الدارقطني: عمرو وعبيدة ضعيفان، إنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع (١). قلت: هو في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن شريح من قوله (٢). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق، وأن نفي الضمان على الوديع دليل على أن الوديعة في يده أمانة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٢٩٥) ما رواه البيهقي من طريق حجاج بن أرطأة، عن أبي الزبير، عن

стр. 9432

جابر، أن أبا بكر الصديق ﵁ قضى في وديعة كانت في جراب، فضاعت من خرق الجراب ألا ضمان فيها (١). [ضعيف، لضعف حجاج بن أرطاة]. الدليل الرابع: (ث-٢٩٦) روى البيهقي من طريق عبد الله بن الوليد، ثنا سفيان، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عليا وابن مسعود ﵄ قالا: ليس على مؤتمن ضمان (٢). [ضعيف من أجل جابر الجعفي]. وجه الاستدلال من الأثرين السابقين أن نفي الضمان على الوديع دليل على أنها في يده أمانة، والأمانات غير مضمونة. الدليل الخامس: من الإجماع، قال أبو إسحاق الشيرازي: «الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت من غير تفريط لم يضمن .... وهو إجماع فقهاء الأمصار» (٣). وقال الوزير ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الوديعة أمانة ... وأن الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي» (٤).

стр. 9433

الدليل السادس: من النظر، وهو أن الوديع قبض المال لمصلحة مالكها، وهو منه معروف وإحسان، فلا ضمان عليه، فلو ضمن مطلقًا لزهد الناس في قبولها. القول الثاني: أن الوديعة أمانة في يد المودع إلا أن تلفت وحدها من بين ماله فإنه يضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط، وبه قضى عمر بن الخطاب (١)، وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق (٢). قال الزركشي: ينبغي أن يكون محل الرواية إذا ادعى التلف، أما إن ثبت التلف ـ يعني بلا تعد ولا تفريط ـ فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة (٣). وسوف يأتي إن شاء الله تعالى مناقشة هذا القول في ضمان الوديعة، وإنما البحث هنا مخصص لبيان أن الوديعة أمانة، والضمان أثر مرتب على هذا التوصيف، فإذا قيل بالضمان ولو لم يتعد أو يفرط خرج العقد في هذه الصورة من كونه أمانة. والله أعلم * * *

стр. 9434

الفرع الأول في الإنفاق على الوديعة الإنفاق تبع للملك. من كان الشيء له كانت نفقته عليه. وقيل: قبول الوديعة يعني حفظها من التلف، ومنه الإنفاق عليها. [م-١٩٢٤] إذا كانت الوديعة في يد الوديع أمانة، وكانت الوديعة من النوع الذي يحتاج إلى نفقة، فإن نفقتها تجب على مالكها، ولا يجب على الوديع شيء من النفقة، وهذا ظاهر؛ لأن من ملك شيئًا استأثر بغنمه، واختص بغرمه. فإن أنفق عليها مالكها وهي في يد الوديع فذاك، وإن لم ينفق عليها فللوديعة ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يأمره بالإنفاق عليها. فإذا أمره مالكها بالإنفاق عليها، فهل يلزم الوديع النفقة عليها بمجرد أمر صاحبها، أو لا بد من قبول الوديع، في المسألة قولان: القول الأول: يلزمه الإنفاق عليها مطلقًا، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 9435

قال العمراني في البيان: «إذا أودعه بهيمة، أو غيرها من الحيوان، ففيها ثلاث مسائل: إحداهن: أن يأمره بعلفها وسقيها، فيجب على المودع أن يعلفها ويسقيها؛ لأن للبهيمة حرمتين: حرمة بنفسها، بدليل: أن من ملك بهيمة يجب عليه علفها وسقيها، وحرمة لمالكها، وقد اجتمعتا. فإذا علفها وسقاها رجع على المالك بما أنفق عليها؛ لأنه أخرجها بإذنه» (١). ° حجة هذا القول: أن قبول الوديعة يتضمن قبول الإنفاق عليها؛ لأنه مأمور بحفظها، واستدامتها، ولا يتم ذلك إلا بالإنفاق عليها، فقبول الوديعة يعني قبول الإنفاق عليها، وقد تأكد ذلك بأمر صاحبها له بالإنفاق فوجب عليه حرمة للحيوان، وحرمة لمالكها. القول الثاني: قبول الوديعة لا يعني لزوم الإنفاق عليها، ولو أمره صاحبها بذلك إلا إذا قبل الوديع الإنفاق عليها، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وذكره ابن قدامة في المغني احتمالًا (٢).

стр. 9436

جاء في الإنصاف: «لو أمره بعلفها: لزمه ذلك مطلقًا، على الصحيح من المذهب. وقيل: لا يلزمه إلا مع قبوله. وهو احتمال في المغني» (١). ° وجه القول بذلك: أن قبول الوديعة لا يعني قبول الإنفاق عليها؛ فالوديعة توكيل بالحفظ، وحفظ الوديعة شيء وقبول الإنفاق عليها شيء آخر، فلا بد من قبول الإنفاق عليها صريحًا، فإذا لم يقبل لم يلزمه الإنفاق عليها. ولأن هذا تبرع منه، فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها، كغير الوديعة. جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «تعود نفقة الوديعة التي تحتاج إلى نفقة كالفرس، والبقرة على صاحبها أي على المودِع ... وعلى هذا التقدير إذا هلكت الوديعة لعدم إنفاق المستودع من ماله، أو لعدم ترك المودِع نفقتها للمستودَع لا يلزم ضمان على المستودع» (٢). قال ابن قدامة في المغني: «وإذا أودع بهيمة، فأمره صاحبها بعلفها وسقيها، لزمه ذلك لوجهين؛ أحدهما: لحرمة صاحبها؛ لأنه أخذها منه على ذلك. والثاني: لحرمة البهيمة، فإن الحيوان يجب إحياؤه بالعلف والسقي. ويحتمل أن لا يلزمه علفها إلا أن يقبل ذلك؛ لأن هذا تبرع منه، فلا يلزمه بمجرد أمر صاحبها، كغير الوديعة» (٣).

стр. 9437

° الراجح: أرى أن المالك إذا أودعه وأمره بالإنفاق عليها، وقبل الوديع الوديعة أن ذلك يعني قبوله بالإنفاق عليها؛ لأن قبوله الوديعة، وعدم رفض الإنفاق عليها صراحة يعني قبوله للإنفاق عليها، ولو شاء الوديع لرفض الإنفاق عليها، فلما قبل الوديعة، ولم يرفض أمره بالإنفاق عليها كان هذا قبولًا للأمرين، المحافظة على الوديعة والإنفاق عليها، فإذا ترك الإنفاق ضمن، والله أعلم. الحالة الثانية: أن ينهاه عن الإنفاق عليها، وهذا بمنزلة ما لو أمره المالك بإتلاف ماله، فهل يمتثل أمره، وإذا امتثل أمره فهل يضمن، في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: إذا نهاه عن الإنفاق لم ينفق، ولا ضمان عليه، وهذا مقتضى مذهب الحنفية؛ لأنهم إذا كانوا يقولون: لا يضمن إذا ترك الإنفاق ولو كان في حال لم يأمره به ولم ينهه عنه، فمن باب أولى لا ينفق ولا يضمن إذا نهاه عن الإنفاق (١). جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «تعود نفقة الوديعة التي تحتاج إلى نفقة كالفرس، والبقرة على صاحبها أي على المودِع ... وعلى هذا التقدير إذا هلكت الوديعة لعدم إنفاق المستودع من ماله، أو لعدم ترك المودِع نفقتها للمستودَع لا يلزم ضمان على المستودع» (٢). ° وجه القول بأنه لا ينفق ولا يضمن: الوديعة معقودة من أجل حفظ العين، وليس على الإنفاق عليه، والنفقة تجب

стр. 9438

على مالكها، فمنزلة الوديع في النفقة على الوديعة كمنزلة الرجل الأجنبي لا يجب عليه الإنفاق على مال غيره حتى ولو لم ينهه، فإذا أكد ذلك بالنهي عن الإنفاق فتلفت كان هو المتلف لماله، فلا ضمان على المودَع. القول الثاني: ذهب المالكية، والإصطخري من الشافعية وصححه الماوردي في الحاوي إلى أنه يحرم عليه امتثال أمره، وإذا فعل فإنه يضمن (١). جاء في حاشية الدسوقي: «لا يجوز للمودع إتلاف الوديعة، ولو أذن له ربها في إتلافها، فإن أتلفها ضمنها لوجوب حفظ المال» (٢). جاء في الحاوي: «أن ينهاه عن علفها فلا يجوز له في حق الله تعالى أن يدع علفها ... وإن تركها فلم يعلفها حتى هلكت فالمحكي عن جمهور أصحابنا أنه لا يضمن ... وقال أبو سعيد الإصطخري: يضمن، وهو الأصح عندي؛ لأنه شرط قد منع الشرع منه فكان مطرحًا» (٣). الدليل على تحريم الامتثال: الدليل الأول: أن إتلاف المال في غير منفعة دينية أو دنيوية محرم، وهو من تبذير المال، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧].

стр. 9439

الدليل الثاني: إتلاف المال إضاعة له، وقد نهى الشارع عن إضاعته. (ح-١١٧٥) فقد روى البخاري من طريق الشعبي، قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﵇، فكتب إليه: سمعت النبي ﵇ يقول: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (١). الدليل الثالث: أن الوديعة إذا كانت حيوانًا فنهى المالك الوديع عن إعلافها كان ذلك تعذيبًا للحيوان، وهو محرم؛ لأنها نفس محترمة. وأما الدليل على وجوب الضمان: الدليل الأول: (ح-١١٧٦) ما رواه مسلم من طريق القاسم بن محمد، قال: أخبرتني عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢). الدليل الثاني: أن هذا الشرط مخالف للشرع، وكل شرط يخالف الشرع فهو باطل غير معتبر. (ح-١١٧٧) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن

стр. 9440

عائشة ﵂ في قصة شراء بريرة، وفي الحديث: قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... الحديث (١). الدليل الثالث: أن الوديعة بإيداعها وجب عليه حفظها، فصار إذنه في إتلافها شرطًا مناقضًا لمقتضى العقد، فيلغى (٢). ولأن العقد إذا كان على الحفظ، فهو كما يشمل حفظ العين يشمل المحافظة عليها من التلف، فيدخل فيه الإنفاق. القول الثالث: ذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى أنه يحرم عليه امتثال أمره، وإذا فعل لم يضمن (٣). الدليل على تحريم الامتثال: سبق ذكر الأدلة في القول السابق.

стр. 9441

والدليل على أنه لا يضمن: أن الوديع ممتثل أمر مالكها فهو كما لو أمره بقتلها، فلا يستحق عليه الضمان، وذلك أن المسألة يتعلق بها حقان: التحريم وهو تعذيب الحيوان، وهذا الحق لله تعالى، وحق الضمان وهو حق للآدمي، وقد رضي بإسقاطه، فلا يلزم من التحريم وجوب الضمان. ° الراجح: أرى أن مذهب الشافعية والحنابلة هو الأقوى. الحال الثالثة: أن يسكت، فلا يأمره بالإنفاق ولا ينهاه عن الإنفاق. وفي هذه الحالة للوديع مراجعته أو مراجعة وكيله، والمطالبة بالإنفاق عليها، أو ردها، أو الإذن له بالإنفاق، والرجوع عليه بها (١). جاء في الإقناع: «وإن قدر المستودع على صاحبها أو وكيله طالبه بالإنفاق عليها أو بردها عليه أو يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به» (٢). [م-١٩٢٥] وإن كان غائبًا، فهل يلزمه الإنفاق عليها؟ في المسألة خلاف بين العلماء: القول الأول: لا يلزمه الإنفاق عليها، وهذا مذهب الحنفية (٣).

стр. 9442

جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «تعود نفقة الوديعة التي تحتاج إلى نفقة كالفرس، والبقرة على صاحبها أي على المودِع ... وعلى هذا التقدير إذا هلكت الوديعة لعدم إنفاق المستودع من ماله، أو لعدم ترك المودِع نفقتها للمستودَع لا يلزم ضمان على المستودع» (١). وجه القول بأنه لا يلزمه الإنفاق عليها: أن العقد هو على الحفظ، وليس على الإنفاق، والنفقة على مالكها، فإذا لم ينفق عليها كان هو المفرط في ماله. القول الثاني: يلزمه الإنفاق عليها، ولو ترك الإنفاق ضمن، وهو قول في مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).

стр. 9443

جاء في قرة عين الأخيار: «ولو أنفق عليها بلا أمر قاض فهو متبرع ولو لم ينفق عليها المودع حتى هلكت يضمن» (١). وجاء في الإشراف للقاضي عبد الوهاب: «إذا أودع عنده بهيمة ولم يأمره أن يعلفها لزم المودع أن يعلفها أو يرفعها إلى الحاكم فيتداين على صاحبها في علفها أو يبيعها عليه إن كان قد غاب فإن تركها ولم يعلفها فتلفت ضمن. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه علفها. فدليلنا أن المودع مأمور بحفظ الوديعة ... » (٢). وجاء في نهاية المطلب: «إذا أودع عند إنسان دابة، ولم يتعرض لعلفها وسقيها، وغاب، فليس للمودع أن يعطلها، ويقطع عنها ما تحتاج إليه، خلافا لأبي حنيفة، ومعتمد المذهب أن قبول الوديعة يتضمن القيام بحفظها واستدامتها، وليس من استدامتها أن تعطل حتى تهلك، وهذا يعتضد بالعرف أيضًا، فإن الدواب لا تقبل لتقتل وتترك حتى تموت وتهلك ضياعًا وجوعًا» (٣). وجاء في المغني: «وإن أطلق، ولم يأمره بعلفها لزمه ذلك أيضًا، وبهذا قال الشافعي. ويحتمل ألا يلزمه ذلك، وبه قال أبو حنيفة .... ولنا أنه لا يجوز إتلافها، والتفريط فيها، فإذا أمره بحفظها تضمن ذلك علفها، وسقيها ... » (٤).

стр. 9444

° وجه القول بوجوب علفها: أن قبول الوديعة يعني حفظها واستدامتها، فإذا ترك علفها فقد عرضها للهلاك فيضمن أشبه ما لو لم يحرزها. وهذا هو القول الراجح؛ لأن الله نهى عن إضاعة المال، والله أعلم. هذا ما يخص الكلام في الضمان إذا ترك الإنفاق عليها، وأما كيفية الإنفاق عليها، وهل يلزم أن يكون الإنفاق عليها من مال الوديع أو من غيره، وهل يلزم أن يرجع إلى القاضي حتى يأذن له بالإنفاق، أو في تأجيرها والإنفاق عليها من غلتها، أو في بيعها وحبس ثمنها لصاحبها فهذا ما سوف نكشفه في المبحث التالي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 9445

الفرع الثاني في صفة الإنفاق [م-١٩٢٦] تكلمت في المبحث السابق هل يلزم الوديع الإنفاق على الوديعة، أو لا يلزمه؟ وفي حال ترك الإنفاق عليها، هل يضمن الوديعة، أو لا يضمن؟ ونريد أن نتكلم في هذا المبحث عن طريقة الإنفاق على الوديعة، فإذا قلنا: إن قبول الوديعة يعني المحافظة عليها، ومن المحافظة عليها الإنفاق عليها، فكيف ينفق على ملك غيره؟ القول الأول: يرى الحنفية أن على المودع أن يرفع الأمر إلى القاضي، فإذا أقام البينة على أن العين وديعة عنده، وأن صاحبها غائب، فإن أمكن تأجير الوديعة، والإنفاق عليها من غلتها أمره القاضي بذلك، وإلا فللقاضي أن يأمره بالإنفاق عليها اليوم واليومين والثلاثة رجاء أن يحضر صاحبها، ولا يأمره بالإنفاق أكثر من ذلك، بشرط ألا يتجاوز ما صرفه الثلاثة أيام قيمة العين المودعة إلا أن تكون عبدًا، فإذا لم يحضر أمره بالبيع وإمساك الثمن، وما أنفقه عليها في الثلاثة أيام يرجع به على صاحبها. وإن أنفق عليها بدون الرجوع إلى القاضي كان متبرعًا. هذا ملخص مذهب الحنفية (١).

стр. 9446

جاء في الفتاوى الهندية: «لو أنفق على الوديعة حال غيبة المالك بغير أمر القاضي كان متبرعًا ... وإن رفع الأمر إلى القاضي سأله القاضي البينة على كون العين الوديعة عنده، وعلى كون المالك غائبًا، فإذا أقام بينة على ذلك، فإن كانت الوديعة شيئًا يمكن أن يؤاجر، وينفق عليه من غلتها أمره القاضي بذلك، وإن كانت الوديعة شيئًا لا يمكن أن يؤاجر فالقاضي يأمره بأن ينفق عليها من ماله يومًا أو يومين، أو ثلاثة رجاء أن يحضر المالك، ولا يأمره بالإنفاق عليها زيادة على ذلك، بل يأمره بالبيع وإمساك الثمن والحاصل أن القاضي يفعل بالوديعة ما هو أصلح وأنظر في حق صاحبها، وإن كان القاضي أمره بالبيع في أول الوهلة كان جائزا وما أنفق المودع على الوديعة بأمر القاضي فهو دين على صاحبها يرجع به عليه إذا حضر غير أن في الدابة يرجع بقدر قيمة الدابة لا بزيادة على ذلك، وفي العبد يرجع بالزيادة على قيمته، كذا في المحيط» (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الوديعة إن احتاجت إلى نفقة، وقام المودَع بذلك فإنه يرجع على صاحبها بما أنفق عليها مطلقًا، حتى ولو كان ذلك بدون إذن المالك، ولا إذن القاضي. قال ابن عبد البر: «وما انفق المودع على الوديعة فعلى ربها، سواء أذن له أو لم يأذن له إذا احتاجت إلى ذلك» (٢).

стр. 9447

القول الثالث: قسم الشافعية حال الوديعة إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: إذا أمره بالإنفاق عليها، فلا يخلو حاله في الإذن من أحد أمرين: إما أن يشترط له الرجوع، أو لا: فإن اشترط له الرجوع ففي وجوب تقديره للنفقة وجهان: أحدهما: يجب تقدير النفقة لتنتفي الجهالة عن ضمانها، وليزول الخلف بينهما في قدرها، فإن أنفق عليها من غير تقدير النفقة كان متطوعًا لا يرجع بنفقته، وإن قدر له قدرًا رجع به، وإن زاد عليه كان متطوعًا. الوجه الثاني: لا يجب تقديرها؛ فإذا أذن له بالنفقة عليها كان له أن يتولاها المستودع بنفسه، ويقبل قوله في قدرها إذا لم يدع سرفًا؛ لأنه أمين. وإن لم يشترط له الرجوع بالنفقة حين أمره بالنفقة، ففي رجوعه على المالك وجهان: أحدهما: يرجع اعتبارًا بالأغلب من حال الإذن؛ ولأنه أخرجها بإذنه فلم يكن متطوعًا. والثاني: لا يرجع؛ لأن الإذن لم يتضمن اشتراط الرجوع. القسم الثاني: إذا أودعه ونهاه عن الإنفاق عليها، فعليه أن يأتي الحاكم حتى يجبر المالك على علفها إن كان حاضرًا، أو يأذن له القاضي في علفها إن كان غائبًا، فإن علفها من غير حكم حاكم لم يرجع.

стр. 9448

القسم الثالث: إذا أودعه ولم يأمره بالإنفاق، ولم ينهه عن النفقة، فإنه يرجع إليه أو إلى وكيله ليستردها، أو يعطي علفها، فإن لم يظفر بهما، رفع الأمر إلى الحاكم ليقترض على المالك، أو يؤجرها، ويصرف الأجرة في مؤنتها، أو يبيع جزءًا منها أو جميعها إن رآه كما لو خاف أن ينفق عليها أكثر من قيمتها. فإن رأى الحاكم أن يأذن للمستودع في النفقة عليها، فهل يلزمه تقديرها له أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين في المالك لو كان هو الآذن. وهل يجوز أن يتولى النفقة عليها بنفسه، أو ينصب له أمينا يأخذها منه؟ على وجهين. فإن أنفق بغير إذن الحاكم، فإن أمكنه الحاكم، أو لم يمكنه ولم يشهد على النفقة فلا رجوع. وإن لم يقدر على الحاكم، فإن لم ينو الرجوع، ولم يشهد لم يرجع؛ لأن الظاهر أنه متطوع. وإن أشهد على الإنفاق ليرجع، فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع؛ لأنه موضع ضرورة. والثاني: لا يرجع؛ لأنه لا ولاية له عليه. فإن تعذر الإشهاد، قال ابن الصباغ: ينوي الرجوع، فأقام نية الرجوع مقام الإشهاد عند تعذر الإشهاد. والمعتمد أنه لا يكفي نية الرجوع إن تعذر الإشهاد؛ لأنه عذر نادر. قال أبو إسحاق المروزي: فإذا قلنا: له أن يرجع بما أنفق بنفسه فله أن يبيع

стр. 9449

البهيمة، ويحفظ ثمنها لمالكها، أو يبيع جزءًا منها، أو يؤجرها مما يرى المصلحة في ذلك؛ لأنا قد أقمناه مقام الحاكم في ذلك (١). هذا تحرير مذهب الشافعية في المسألة، والله أعلم. القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن المستودع إن قدر على صاحبها أو وكيله طالبه بالإنفاق عليها أو بردها عليه، أو أن يأذن له في الإنفاق عليها ليرجع به. فإن عجز عن صاحبها ووكيله رفع الأمر إلى الحاكم، فإن وجد لصاحبها مالًا أنفق عليها منه، وإن لم يجد فعل ما يرى فيه الحظ لصاحبها من بيعها، أو بيع بعضها وإنفاقه عليها، أو إجارتها، أو الاستدانة على صاحبها فيدفعه إلى المودع أو غيره فينفق عليها، ويجوز أن يأذن للمودع أن ينفق عليها من ماله، ويكون المودع قابضًا من نفسه لنفسه، ويكل ذلك إلى اجتهاده في قدر ما ينفق ويرجع به على صاحبها ... وإذا أنفق عليها بإذن حاكم رجع به قولًا واحدًا. وإن كان بغير إذنه مع تعذره، وأشهد على الإنفاق رجع به. قال الحارثي: رواية واحدة حكاه الأصحاب. وإن كان مع إمكان إذن الحاكم، ولم يستأذنه، بل نوى الرجوع لم يرجع على الصحيح من المذهب.

стр. 9450

وقيل: يرجع؛ لأنه مأذون فيه عرفًا، اختاره جمع من الحنابلة (١). هذا هو تحرير المذاهب في مسألة كيفية النفقة، وملخصه ما يلي: القول الأول: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة في المشهور أنه لا ينفق عليها حتى يرجع إلى القاضي مع إمكان الرجوع، فإن أنفق عليها مع إمكان الرجوع إلى القاضي فليس له الرجوع على صاحبها بما أنفقه عليها؛ بل يكون متبرعًا بما أنفقه. ° وجه القول بوجوب الرجوع إلى القاضي: أن القاضي له ولاية النظر في أموال الغائبين، فهو ينوب عن أصحابها، فإذا أمره بالإنفاق كان كما لو أمره صاحبها بذلك، ولأن القاضي وحده الذي له النظر في تقدير الأصلح في حق صاحبها من الإنفاق أو البيع، أو التأجير والإنفاق عليها من غلتها. فإذا ترك الرجوع إلى القاضي مع إمكانه فإن ذلك يعني أنه متطوع بما أنفق؛ فهو بمنزلة ما لو كان بإمكانه الرجوع إلى صاحبها واستئذانه، فأنفق عليها بدون الرجوع إلى صاحبها لم يستحق شيئًا، فكذلك إذا ترك الرجوع إلى القاضي مع إمكانه. القول الثاني: له الرجوع على صاحبها بما أنفق عليها، سواء رجع إلى القاضي أو لم يرجع، وسواء أذن له صاحبها أو لم يأذن، وهذا مذهب المالكية.

стр. 9451

° وجه القول بذلك: أن المودع مأمور بحفظها، ومن حفظها الإنفاق عليها، وهو مؤتمن، والأمين مصدق إذا ادعى ما يشبه في النفقة عليها القول الثالث: يرجع به إذا أشهد، ونوى الرجوع، ولو لم يرجع إلى الحاكم، وهذا قول في مذهب الحنابلة. وجهه: قاسه الحنابلة على ما إذا قضى دين غيره بنية الرجوع على صاحبه فله الرجوع بل هذه أولى؛ لأن للحيوان حرمة في نفسه توجب تقديمه على قضاء الدين. وإذا أنفق عليها مع تعذر الرجوع إلى القاضي: فقيل: له الرجوع إن نوى الرجوع، وأشهد على ذلك، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. لأنه لما تعذر الرجوع إلى المالك والقاضي قام المودع مقام القاضي بالنظر في مال الغائب للضرورة. وقيل: له الرجوع إذا نوى الرجوع، ولو لم يشهد، وهو قول في مذهب الحنابلة بناء على أنه مأمور بالحفظ، ومؤتمن عليه، وأما مذهب المالكية فقد تقدم أن له الرجوع مطلقًا، سواء رجع إلى الحاكم أو لم يرجع، والله أعلم. * * *

стр. 9452

الفرع الثالث الوديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت من غير تفريط لم يضمن. هلاك الأمانة في يد الأمين كهلاكها في يد صاحبها. [م-١٩٢٧] إذا كانت الوديعة أمانة من الأمانات، ترتب على هذا التوصيف ألا ضمان على المودع إذا تلفت من غير تعد منه ولا تفريط. والتعدي: بأن يفعل ما ليس له فعله. والتفريط: بأن يترك ما يجب عليه فعله. وهذه المسألة منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف: أما ما هو محل وفاق: فإن الوديعة إذا تلفت بتعديه وتفريطه ضمن بلا خلاف (١). وكذلك لو تلفت مع ماله من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه بلا نزاع (٢). وعليه يحمل الإجماعات المنقولة في دواوين الفقه. قال أبو إسحاق الشيرازي: «الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت من غير تفريط لم يضمن .... وهو إجماع فقهاء الأمصار» (٣).

стр. 9453

وقال الوزير ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الوديعة أمانة ... وأن الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي» (١). وقال ابن المنذر: «أجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته أن لا ضمان عليه» (٢). فالتعبير بأنه إجماع أكثر أهل العلم يشير إلى أن في المسألة خلافًا وإن كان في بعض الصور. وقال ابن رشد: «اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب» (٣). [م-١٩٢٨] واختلفوا في الوديعة إذا تلفت وحدها من بين مال الوديع، وإن لم يتعد أو يفرط على قولين: القول الأول: لا ضمان عليه، وهي أمانة في يده مطلقًا من غير فرق بين ما إذا كان الحفظ بأجرة أو بدون أجرة. وهو مذهب المالكية، والشافعية. ووافقهم الحنابلة على أنها أمانة، غير مضمونة إلا أنهم منعوا أخذ الأجرة على حفظ الوديعة (٤).

стр. 9454

وقد سبق بحث أخذ الأجرة على الوديعة في مسألة مستقلة. ° دليل من قال: لا ضمان: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. وجه الاستدلال: المودع إذا حفظ الوديعة فإنه يقوم بذلك لمصلحة مالكه، لا لمصلحته، وهو بذلك محسن بما يقوم به، فإذا تلفت الوديعة بلا تعد ولا تفريط فلا سبيل عليه، وإلزامه بالضمان نوع من السبيل. قال الشيخ السعدي: «ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه، أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن؛ لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن ـ وهو المسيء ـ كالمفرط، أن عليه الضمان» (١). وفي تفسير القاسمي: «يدل على أن المستودع والوصيّ والملتقط لا ضمان عليهم مع عدم التفريط، وأنه لا يجب عليهم الرد» (٢).

стр. 9455

الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن نجيم الحنفي، وابن رشد المالكي، والشيرازي الشافعي، وابن قدامة الحنبلي: «الوديعة أمانة» (١). وإنما كانت الوديعة أمانة؛ لأن صاحبها ائتمن المودع على حفظها، فاطمأن عليه، وإذا كانت الوديعة أمانة فإن الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي. الدليل الثالث: الأصل عدم الضمان، وهذا كاف في الاستدلال، فمن قال: عليه الضمان هو المطالب بالدليل. قال الشوكاني: «الأصل الشرعي عدم الضمان؛ لأن مال الوديع معصوم بعصمة الإسلام، فلا يلزم منه شيء إلا بأمر الشرع، ولا يحتاج مع هذا الأصل إلى الاستدلال على عدم الضمان بما لم يثبت» (٢). (ح-١١٧٨) والدليل على عصمة مال الوديع ما رواه الشيخان من حديث أبي بكرة، وفيه: فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب ... (٣).
следующие страницы →