° وجه القول بذلك:
أن المودع مأمور بحفظها، ومن حفظها الإنفاق عليها، وهو مؤتمن، والأمين مصدق إذا ادعى ما يشبه في النفقة عليها
القول الثالث:
يرجع به إذا أشهد، ونوى الرجوع، ولو لم يرجع إلى الحاكم، وهذا قول في مذهب الحنابلة.
وجهه: قاسه الحنابلة على ما إذا قضى دين غيره بنية الرجوع على صاحبه فله الرجوع بل هذه أولى؛ لأن للحيوان حرمة في نفسه توجب تقديمه على قضاء الدين.
وإذا أنفق عليها مع تعذر الرجوع إلى القاضي:
فقيل: له الرجوع إن نوى الرجوع، وأشهد على ذلك، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
لأنه لما تعذر الرجوع إلى المالك والقاضي قام المودع مقام القاضي بالنظر في مال الغائب للضرورة.
وقيل: له الرجوع إذا نوى الرجوع، ولو لم يشهد، وهو قول في مذهب الحنابلة بناء على أنه مأمور بالحفظ، ومؤتمن عليه،
وأما مذهب المالكية فقد تقدم أن له الرجوع مطلقًا، سواء رجع إلى الحاكم أو لم يرجع، والله أعلم.
* * *
стр. 9452
الفرع الثالث
الوديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط
الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت من غير تفريط لم يضمن.
هلاك الأمانة في يد الأمين كهلاكها في يد صاحبها.
[م-١٩٢٧] إذا كانت الوديعة أمانة من الأمانات، ترتب على هذا التوصيف ألا ضمان على المودع إذا تلفت من غير تعد منه ولا تفريط.
والتعدي: بأن يفعل ما ليس له فعله.
والتفريط: بأن يترك ما يجب عليه فعله.
وهذه المسألة منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف:
أما ما هو محل وفاق: فإن الوديعة إذا تلفت بتعديه وتفريطه ضمن بلا خلاف (١).
وكذلك لو تلفت مع ماله من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه بلا نزاع (٢).
وعليه يحمل الإجماعات المنقولة في دواوين الفقه.
قال أبو إسحاق الشيرازي: «الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت من غير تفريط لم يضمن .... وهو إجماع فقهاء الأمصار» (٣).
стр. 9453
وقال الوزير ابن هبيرة: «واتفقوا على أن الوديعة أمانة ... وأن الضمان لا يجب على المودع إلا بالتعدي» (١).
وقال ابن المنذر: «أجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته أن لا ضمان عليه» (٢).
فالتعبير بأنه إجماع أكثر أهل العلم يشير إلى أن في المسألة خلافًا وإن كان في بعض الصور.
وقال ابن رشد: «اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب» (٣).
[م-١٩٢٨] واختلفوا في الوديعة إذا تلفت وحدها من بين مال الوديع، وإن لم يتعد أو يفرط على قولين:
القول الأول:
لا ضمان عليه، وهي أمانة في يده مطلقًا من غير فرق بين ما إذا كان الحفظ بأجرة أو بدون أجرة. وهو مذهب المالكية، والشافعية.
ووافقهم الحنابلة على أنها أمانة، غير مضمونة إلا أنهم منعوا أخذ الأجرة على حفظ الوديعة (٤).
стр. 9454
وقد سبق بحث أخذ الأجرة على الوديعة في مسألة مستقلة.
° دليل من قال: لا ضمان:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
وجه الاستدلال:
المودع إذا حفظ الوديعة فإنه يقوم بذلك لمصلحة مالكه، لا لمصلحته، وهو بذلك محسن بما يقوم به، فإذا تلفت الوديعة بلا تعد ولا تفريط فلا سبيل عليه، وإلزامه بالضمان نوع من السبيل.
قال الشيخ السعدي: «ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه، أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن؛ لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن ـ وهو المسيء ـ كالمفرط، أن عليه الضمان» (١).
وفي تفسير القاسمي: «يدل على أن المستودع والوصيّ والملتقط لا ضمان عليهم مع عدم التفريط، وأنه لا يجب عليهم الرد» (٢).
стр. 9455
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
قال ابن نجيم الحنفي، وابن رشد المالكي، والشيرازي الشافعي، وابن قدامة الحنبلي: «الوديعة أمانة» (١).
وإنما كانت الوديعة أمانة؛ لأن صاحبها ائتمن المودع على حفظها، فاطمأن عليه، وإذا كانت الوديعة أمانة فإن الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي.
الدليل الثالث:
الأصل عدم الضمان، وهذا كاف في الاستدلال، فمن قال: عليه الضمان هو المطالب بالدليل.
قال الشوكاني: «الأصل الشرعي عدم الضمان؛ لأن مال الوديع معصوم بعصمة الإسلام، فلا يلزم منه شيء إلا بأمر الشرع، ولا يحتاج مع هذا الأصل إلى الاستدلال على عدم الضمان بما لم يثبت» (٢).
(ح-١١٧٨) والدليل على عصمة مال الوديع ما رواه الشيخان من حديث أبي بكرة، وفيه:
فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب ... (٣).
стр. 9456
الدليل الرابع:
(ح-١١٧٩) ما رواه ابن ماجه من طريق أيوب بن سويد، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، قال: قال رسول الله ﵇: من أودع وديعة فلا ضمان عليه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-١١٨٠) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، عن النبي ﵇، قال: ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان.
[ضعيف جدًا] (٣).
الدليل السادس:
(ث-٢٩٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا قيس بن الربيع، عن الحجاج، عن هلال،
عن عبد الله بن عكيم الجهني قال: قال عمر بن الخطاب: «العارية بمنزلة الوديعة، ولا ضمان فيها إلا أن يتعدى (٤).
[ضعيف] (٥).
стр. 9457
الدليل السابع:
المودع يقبض الوديعة لمصلحة مالكها، فلو لزمه الضمان لا متنع الناس من قبول الوديعة، وهذا مضر لما في الناس من الحاجة إليها لحفظ أموالهم.
القول الثاني:
إن تلفت وحدها من بين ماله ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط، وبه قضى عمر بن الخطاب (١)، وهو رواية عن أحمد، وقال به إسحاق (٢).
قال الزركشي: ينبغي أن يكون محل الرواية إذا ادعى التلف، أما إن ثبت التلف ـ يعني بلا تعد ولا تفريط ـ فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة (٣).
° حجة هذا القول:
(ث-٢٩٨) ما رواه ابن الجعد في مسنده، قال: أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن النظر بن أنس،
عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر ضمنه وديعة سرقت من بين ماله (٤).
[صحيح] (٥).
стр. 9458
القول الثالث:
أن الوديعة إذا هلكت بما لا يمكن التحرز منه كحريق وغرق غالبين فلا ضمان على الوديع مطلقًا سواء أكانت بأجر أم بدون أجر.
وأما إن هلكت بما يمكن التحرز منه، فينظر: إن كانت بغير أجر، فلا ضمان على الوديع؛ لأنها هلكت بدون تعد ولا تفريط.
وإن كان الحفظ بأجر فإن عليه الضمان. وهذا مذهب الحنفية (١).
جاء في مجمع الضمانات: «الوديعة ما يترك عند الأمين، وهي أمانة في يد المودَع إذا هلكت لا يضمنها كما في الهداية وغيرها.
стр. 9459
قال في الأشباه: الوديعة أمانة إلا إذا كانت بأجر فمضمونة، ذكره الزيلعي انتهى» (١).
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الوديعة أمانة في يد الوديع. بناء عليه: إذا هلكت بلا صنع المستودع أو تعديه، أو تقصيره في الحفظ فلا يلزمه الضمان، إلا إذا كان الإيداع بأجرة على حفظ الوديعة، فهلكت، أو ضاعت بسبب يمكن التحرز منه لزم المستودع ضمانها» (٢).
° وجه القول بالضمان:
أن الحفظ إذا كان في مقابل أجر يصبح مستحقًا على الوديع؛ إذ الأجر في مقابل الحفظ، فإذا تلفت بأمر يمكنه التحرز منه كان ضامنًا حيث لم يقم بالعمل الواجب عليه.
° الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقوى، والوديعة أمانة سواء كانت بأجرة أو بغير أجرة، أرأيت العين المستأجرة قد قبضت في مقابل عوض، ومع ذلك هي أمانة في يد المستأجر، وأما القول بأنها إذا هلكت من بين ماله فإنه يضمن هذا القول أرى أن الخلاف فيه لا يدخل تحت مسألة، هل الوديعة أمانة، أو مضمونة؛ لأن التضمين في هذه المسألة إنما هو للتهمة، كما أن القول بتضمين المودع إذا تعدى أو فرط لا يخرج الوديعة عن عقود الأمانات فكذلك هنا، ولذلك عبر ابن المنذر بقوله: وقال أحمد وإسحاق: لا يضمن صاحب الوديعة إلا أن يتهم
стр. 9460
بريبة، كما ضمن عمر أنسًا (١)، والتهمة هنا: هو مظنة التفريط، حيث حفظ ماله دون الوديعة.
وقال معمر كما في مصنف عبد الرزاق: لأن عمر اتهمه يقول: كيف ذهبت من بين مالك؟! والله أعلم.
* * *
стр. 9461
الفرع الرابع
في إتلاف المودع الوديعة
المسألة الأولى
في الحكم التكليفي
[م-١٩٢٩] إذا فعل المودع بالوديعة ما يؤدي إلى إتلافها وذلك بتعريضها للضياع كأن يلقيها الوديع في مفازة، أو يحفظها في غير حرز مثلها، أو يقوم بإحراقها، أو باستهلاكها أو نحو ذلك، فما حكم هذا التصرف؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أن ذلك الفعل محرم على المستودع في حال السعة والاختيار، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم (١).
وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، والإجماع، والنظر.
أما الكتاب فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣].
والأمر بأداء الأمانة أمر بالمحافظة عليها، وعدم إتلافها.
стр. 9462
وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقد قام عقد الوديعة على التزام الوديع بالمحافظة على الوديعة بما يحفظ به ماله، فإتلافها خيانة للمودِع، وترك لما وجب عليه من القيام بحفظها.
(ح-١١٨١) وأما من السنة، فالدليل على عصمة مال المودِع ما رواه الشيخان من حديث أبي بكرة، وفيه:
فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب ... (١).
وقد نهى الشرع عن إضاعة المال، وإتلاف مال المودِع إضاعة له.
(ح-١١٨٢) فقد روى البخاري من طريق الشعبي، قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﵇، فكتب إليه:
سمعت النبي ﵇ يقول: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (٢).
فإطلاق النهي عن إضاعة المال يشمل الأمانات التي يجب حفظها إن لم يكن دخولها فيه دخولًا أوليًا؛ لأن إتلافه فيه مخالفتان، أحدهما: إتلاف مال معصوم، والثاني: ترك الحفظ الواجب بالعقد.
وأما الإجماع، فقد قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن المودع ممنوع من استعمال الوديعة، ومن إتلافها» (٣).
стр. 9463
ومن النظر: فإن المقصود من الإيداع هو حفظ العين لصاحبها، فإذا أتلفها المودِع كان هذا مناقضًا لمقصود العقد.
القول الثاني:
ذهب ابن عبد البر إلى أن التعدي على مال المودِع محرم إلا أن يكون له مال مأمون يرجع إليه إن تلفت الوديعة بتعديه، فله استهلاكه، وترك التعدي أفضل.
قال في الكافي: «ولا يجب لأحد أن يتعدى في وديعة عنده فيتلفها إلا أن يكون له مال مأمون يرجع إليه إن تلفت الوديعة بتعديه، وترك التعدي في الوديعة أفضل» (١).
الراجح:
أرى أن القول الأول هو الراجح، ووجوب الضمان لا يعني إباحة التعدي، ولو قيل بقول ابن عبد البر يرحمه الله لكان ذلك يعني إباحة الاعتداء على أموال الناس إذا كان الإنسان قادرًا على ضمانها، ولا يقول بذلك أحد، والله أعلم.
стр. 9464
المسألة الثانية
الحكم الوضعي لتعدي الوديع
الأمانات تضمن بالتعدي.
[م-١٩٣٠] إذا تعدى الوديع على الوديعة أو فرط في حفظها حتى ضاعت فإنه ضامن لصاحبها، وهذا بالاتفاق (١).
جاء في الهداية: «الأمانات تضمن بالتعدي» (٢).
وقال الماوردي الشافعي: «الأمانات تضمن بالتعدي» (٣).
وقال ابن قدامة: «الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان» (٤).
ولأن الوديعة ملك لصاحبها بالاتفاق، فإذا أتلفها الوديع أو تسبب في إتلافها فقد أتلف مال غيره، وإتلاف مال الغير بدون إذنه موجب للضمان باتفاق أهل العلم.
وأنواع التعدي والتفريط كثيرة لا تنحصر، والمرجع عند الفقهاء في معرفة ذلك إلى عرف الناس، وهو يختلف باختلاف الأموال، والأزمنة، والأمكنة،
стр. 9465
وسوف نعرض إن شاء الله تعالى لبعض الأفعال التي تعتبر تعديًا في الفصل الثاني من هذا الباب، وما لم يذكر فإنه مقيس على ما ذكر.
* * *
стр. 9466
المسألة الثالثة
في ارتفاع الضمان برجوعه عن التعدي
الأمانة المحضة تبطل بالتعدي.
[م-١٩٣١] إذا تعدى الوديع أو فرط، ثم رد بدلها فهل تعود له الأمانة، أو يبقى ضامنًا حتى يدفع الوديعة إلى صاحبها؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
إذا زال التعدي زال الضمان، وهذا مذهب الحنفية (١).
قال ابن نجيم: «تعدى في الوديعة: بأن كانت دابة فركبها، أو ثوبًا فلبسه، أو عبدًا فاستخدمه، أو أودعها غيره، ثم أزال التعدي فردها إلى يده برئ عن الضمان؛ لأنه مأمور بالحفظ في كل الأوقات، فإذا خالف في البعض ثم رجع أتى بالمأمور به، كما إذا استأجره للحفظ شهرًا فترك الحفظ في بعضه، ثم حفظ في الباقي استحق الأجرة بقدره. وقد قدمنا في باب الجنايات على الإحرام عن الظهيرية أنه يزول الضمان عنه بشرط أنه لا يعزم على العود إلى التعدي، حتى لو نزع ثوب الوديعة ليلًا ومن عزمه أن يلبسه نهارًا، ثم سرق ليلًا لا يبرأ عن الضمان» (٢).
وقال سبط ابن الجوزي: «المودع إذا خالف في الوديعة، ثم عاد الى الوفاق برئ من الضمان، وهو قول مالك.
стр. 9467
وقال زفر: لا يبرأ، وهو قول الشافعي وأحمد» (١).
القول الثاني:
إذا تعدى ثم أزال التعدي فإنه ضامن حتى يردها إلى صاحبها، وهو مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).
قال ابن رجب: «إذا تعدى في الوديعة بطلت ولم يجز له الإمساك ووجب الرد على الفور؛ لأنها أمانة محضة وقد زالت بالتعدي فلا تعود بدون عقد متجدد. هذا هو المشهور» (٣).
° وجه هذا القول:
أن الوديعة تضمن بالتعدي تارة، وبالجحود أخرى، فلما كان لو ضمنها بالجحود، ثم اعترف لم يسقط عنه الضمان، وجب إذا ضمنها بالتعدي، ثم كف أن لا يسقط عنه الضمان، ولأن الوديعة مال وجب ضمانه بهتك الحرز، فوجب ألا يسقط ضمانه بعوده إلى الحرز (٤).
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى التفريق بين الوديعة المثلية، وبين الوديعة القيمية:
فإن تعدى على وديعة مثلية كالدراهم والدنانير، أو كانت الوديعة طعامًا مكيلًا
стр. 9468
أو موزونًا، فتعدى فيه، فرد مثله مكانه فلا شيء عليه بعد ذلك إن تلف بدون تعديه أو تفريطه.
وإن كانت الوديعة عروضًا قيمية فهو ضامن لها من ساعة إتلافها، سواء رد بدلها إلى مكانها أم لا، ولا يبرأ من تلك القيمة إلا إذا أشهد على ردها لربها (١).
° وجه القول بالتفريق:
أن المال المثلي يجب على المودِع أن يرد مثله، فإذا رد مثله فقد برئ من الضمان، ورجعت إليه الأمانة.
وأما المال القيمي فإنه يجب عليه قيمته، فإذا استهلك ثياباً وجب عليه قيمتها؛ فإذا أخرج ثيابًا مكان القيمة لم يبرأ بذلك.
فقول المالكية يتفق مع الحنفية أن التعدي إذا أمكن إزالته رجع إلى الأمانة، لكن إزالة التعدي لا يكون إلا برد ما وجب بالإتلاف، فإن أتلف مالًا مثليًا وجب عليه مال مثلي، وإن أتلف مال قيميًا لم يرتفع التعدي برد مثل ما أتلف بل برد القيمة. والله أعلم.
وللخروج من الخلاف على المودِع أن يرد الوديعة، ثم يعقد عليها عقدًا جديدًا فترجع إليه الأمانة باتفاقهم، والله أعلم.
* * *
стр. 9469
المسألة الرابعة
في ضمان الوديع إذا نوى التعدي ولم يفعل
الحكم إذا علق بفعل لم يثبت بمجرد النية.
النية المجردة معفو عنها.
[م-١٩٣٢] اختلف الفقهاء في الوديع ينوي التعدي على الوديعة إلا أنه لم يفعل، فهل إذا تلفت بعد ذلك يكون ضامنًا بسبب نية الخيانة، أو لا يكون ضامنًا لعدم الفعل؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
نية التعدي لا تجعل الوديع ضامنًا إذا تلفت الوديعة ولم يتعد، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية في الأصح، ومذهب الحنابلة.
واستثنى الشافعية ما لو اتصل بالنية نقل من الحرز فيضمن.
والقول بعدم الضمان هو مقتضى مذهب المالكية حيث لم يجعلوه ضامنًا إذا تعدى، ثم رجع عن تعديه، فمن باب أولى إذا نوى التعدي ولم يتعد (١).
стр. 9470
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «نية التعدي المجردة بلا فعل ليست موجبة للضمان» (١).
وجاء في الإنصاف: «لا يضمن بمجرد نية التعدي، بل لا بد من فعل، أو قول، وهو صحيح، وهو المقطوع به عند الأصحاب» (٢).
° دليل من قال بعدم الضمان:
الدليل الأول:
(ح-١١٨٣) ما رواه البخاري من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇ قال: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم (٣).
الدليل الثاني:
لا يصير الإنسان متعديًا بمجرد النية، كما لا يصير غاصبًا بمجرد نية الغصب، ولا يصير بائعًا بمجرد نية البيع، ولا يصير مطلقًا بمجرد نية الطلاق.
القول الثاني:
إذا نوى التعدي، ثم تلفت بعد ذلك ضمن، وهذا وجه في مذهب الشافعية،
стр. 9471
حكاه العراقيون، ورجحه ابن سريج من الشافعية، وهو وجه في مذهب الحنابلة حكاه القاضي أبو يعلى (١).
قال إمام الحرمين: «حكى العراقيون والشيخ أبو علي وجها غريبا أن مجرد النية يتضمن التضمين، كما أن مجرد نية الاقتناء تقطع حول التجارة» (٢).
° وجه القول بالضمان:
القياس على الملتقط إذا أخذها بنية التملك فإنه يضمنها فكذلك الوديعة.
° ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
الكلام على النية الطارئة، أما لو أخذ الوديعة بنية الخيانة من الابتداء فإنه يضمن، وكذلك اللقطة إذا أخذها بنية حفظها لصاحبها، ثم نوى الخيانة فإن الخلاف يجري فيها كما يجري في الوديعة.
قال ابن قدامة: «وفارق الملتقط بقصد التملك فإنه عمل فيها بأخذها ناويًا للخيانة فيها، فوجب الضمان بفعله المنوي، لا بمجرد النية، ولو التقطها قاصدًا لتعريفها، ثم نوى بعد ذلك إمساكها لنفسه، كانت كمسألتنا» (٣).
стр. 9472
الوجه الثاني:
الفرق بين عقد الوديعة واللقطة وذلك أن الوديعة عقد، والنية ضعيفة فيه فلا تؤثر بخلاف الالتقاط.
° الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقوى، وأن النية بمجردها لا توجب الضمان، والله أعلم.
* * *
стр. 9473
الفرع الخامس
في اشتراط الضمان على الوديع
اشتراط الضمان على الأمين باطل.
كل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه.
[م-١٩٣٣] اختلف الفقهاء في اشتراط الضمان على المودِع، وهذه المسألة فرع من مسائل كثيرة، وهي هل الأمانات يصح اشتراط الضمان فيها؟
ونستطيع أن نقسم الأمانات إلى قسمين:
ما كان من عقود المعاوضات كضمان رأس مال المضاربة، وضمان العين المستأجرة، فهذه المسائل سبق تحرير الخلاف فيها، ولا أرى صحة اشتراط الضمان فيها بحال، وذلك أن التزام الضمان فيها يجعل الضمان جزءاً من المعاملة: ففي ضمان رأس مال المضاربة يوقع الضمان في الربا، حيث يتحول رأس المال إلى ما يشبه القرض، ويتحول الربح إن وجد إلى فائدة للقرض.
وفي ضمان العين المستأجرة يوقع المستأجر في الغرر، حيث إن الضمان جزء من الإجارة، ولا يعلم مقدار ما سوف يغرم بسبب التلف، وجهالة الأجرة مفسدة للعقد. وراجع بحث المسألتين في عقد المضاربة، وعقد الإجارة فقد استوفيت ذكر الأدلة مما يغني ذلك عن إعادته هنا.
أما الأمانات القائمة على التبرع، كالعارية، والوديعة ونحوهما، فهل يصح اشتراط الضمان أو لا يصح؟
стр. 9474
في ذلك خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
لا يصح اشتراط الضمان على الوديع، وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية في المشهور، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقال به الثوري، وإسحاق، وغيرهم، على خلاف بينهم: هل يفسد العقد لبطلان الشرط أو يفسد الشرط وحده، ويصح العقد (٢).
قال ابن المنذر: «وإذا شرط المودع على المودَع أنه ضامن للوديعة فلا ضمان عليه، كذلك قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ويشبه ذلك مذهب مالك .... » (٣).
وقد صاغ الفقهاء على اختلاف مذاهبهم قواعد وضوابط فقهية لبيان أن التزام الضمان لا يصح.
ففي مذهب الحنفية، قالوا: «اشتراط الضمان على الأمين باطل» (٤).
стр. 9475
وفي مذهب الشافعي: «الشيء إذا كان حكمه في الأصل على الأمانة فإن الشرط لا يغيره عن حكم أصله» (١).
وجاء في المذهب الحنبلي: «كل ما كان أمانة لا يصير مضموناً بشرطه، وما كان مضموناً لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٢).
واحتج الجمهور على بطلان الشرط:
الدليل الأول:
أن اشتراط الضمان على الأمين شرط ليس في كتاب الله: أي في حكمه.
(ح-١١٨٤) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه
عن عائشة مرفوعاً في قصة عتق بريرة من حديث طويل، وقوله ﷺ : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق (٣).
وفي رواية: من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط (٤).
ونوقش هذا:
بأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم اشتراط الضمان في الأمانات، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حراماً؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز.
стр. 9476
الدليل الثاني:
يد الوديع يد أمانة، واشتراط الضمان على الأمين باطل؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يفسده تماماً كما لو اشترط عليه في البيع ألا يتصرف فيه، وفي النكاح ألا يدخل بها.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم بأن اشتراط الضمان على الوديع ينافي مقتضى العقد، نعم يصح أن يقال: إنه مخالف لمقتضى العقد، وبينهما فرق، فاشتراط ما ينافي مقتضى العقد لا يصح بحال، كالبيع عليه بشرط ألا يستعمله، ولا يتصرف فيه.
وأما اشتراط ما يخالف مقتضى العقد فإنه لا مانع منه إذا كان الباعث عليه غرضًا صحيحًا، كما لو باع عليه، واشترط عليه ألا يبيعه، وقصد من هذا الشرط نفع المشتري، أو نفع السلعة، فمثال الأول: كما لو كان المشتري إذا ملك شيئاً باعه ولم يحسن التصرف في ثمنه، وأراد البائع أن ينتفع المشتري من المبيع.
ومثال الثاني كما لو باعه حيواناً، وعلم أن المشتري يرفق به، ولم يرغب في بيعه لغيره فلا مانع من اشتراط مثل ذلك على الصحيح، وإن كان شرطاً يخالف مقتضى العقد، وسبق بحث هذه المسألة في عقد البيع، والله أعلم.
الوجه الثاني:
نسلم لكم أن عقود الأمانات المطلقة الأصل فيها عدم الضمان، ولكن إذا التزم الشخص الضمان بالشرط فإنه يلزمه؛ لأنه قد أوجب على نفسه بالشرط ما لا يجب عليه بدونه، والأصل في الشروط الصحة والجواز.
стр. 9477
القول الثاني:
يصح اشتراط الضمان على الأمين، وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري (١)، وهو مخرج من كلام عام في صحة التزام ضمان الأمانات على وجه العموم، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد.
جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلاً عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (٢).
وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون على شروطهم كما تقدم» (٣).
وفي قول للحنفية صححوا اشتراط الضمان في العارية (٤).
° دليل من قال: يصح اشتراط الضمان:
الدليل الأول:
لم يثبت دليل من الكتاب أو من السنة على تحريم اشتراط الضمان في رد الوديعة، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز.
стр. 9478
نعم نقل الإجماع في تحريم اشتراط ضمان رأس مال المضاربة؛ مع كونه أمانة في يد العامل؛ لأن ذلك يؤدي إلى الوقوع في الربا كما بينت في مدخل هذه المسألة، ويلحق به اشتراط ضمان العين المستأجرة؛ لأن ذلك يؤدي إلى الوقوع في الغرر، باعتبار أن الضمان في عقود المعاوضات سيكون جزءاً من الأجرة، وهو مجهول، بخلاف الضمان في عقود التبرع، حيث لا يوقع في غرر، وعلى فرض أنه أوقع فيه؛ فإن الغرر في عقود التبرع مغتفر، وقد تبرع به المودع فلا حرج في اشتراطه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-١١٨٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية،
عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعاً، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (١).
وجه الاستدلال:
قياس الوديعة على العارية، وذلك أن العارية ليست مضمونة على الصحيح، بل هي أمانة في يد صاحبها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، وقد ضمنها النبي ﷺ بالشرط، فدل على أن الأمانات تضمن بالشرط.
وأجيب بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
أن الحديث مضطرب من مسند صفوان.
стр. 9479
ورد هذا:
بأن الحديث وإن كان مضطربًا من مسند صفوان، فإنه حسن من مسند جابر ﵁ (١).
الجواب الثاني:
أن الرسول ﵇ قد أخذ العارية بدون رضا صاحبها، وإذا أخذ شيء بدون رضا صاحبه صح اشتراط الضمان فيه، بخلاف الوديعة فإن المودَع قد دفع الشيء لمصلحته هو، وليس لمصلحة الوديع.
جاء في تبيين الحقائق: «وحديث صفوان كان بغير إذنه لحاجة المسلمين، ولهذا قال «أغصبًا يا محمد.» وعند الحاجة يرخص تناول مال الغير بغير إذنه بشرط الضمان كحالة المخمصة ... » (٢).
الجواب الثالث:
من الشروط الأساسية لصحة القياس أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتاً بالنص أو بالإجماع، والعارية قد اختلف العلماء، هل هي مضمونة مطلقاً، أو أمانة في يد صاحبها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، فإذا كان الأصل مختلفاً فيه فكيف يحتج علينا بالقياس عليه، فقد يقول من يرى أن الأصل في العارية الضمان: إن هذا الحديث دليل على ضمان العواري ولو بدون شرط.
الجواب الرابع:
لو صح الاستدلال بالحديث لكان هناك فرق بين العارية والوديعة، فالعارية
стр. 9480
يقبضها المستعير لمصلحته، وما قبضه لمصلحته صح اشتراط الضمان عليه، بخلاف الوديعة فإن الوديع يقبضها لمصلحة مالكها، فافترقا.
وعندي أن هذه الأجوبة لا تقوم على رد الاستدلال، فالعارية على الصحيح ليست مضمونة، وإذا صح اشتراط ضمانها، فهو دليل على صحة اشتراط الضمان في عقود الأمانات لكن يشترط في الأمانة المضمونة أن تكون من عقود التبرع، كالوديعة والعارية، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث على صحة اشتراط الضمان في جميع الأمانات كضمان رأس مال المضاربة، أو ضمان العين المستأجرة لما بينا سابقًا، والله أعلم.
القول الثالث:
حكى ابن حبيب عن مطرف في ذلك تفصيلًا: وهو أنه إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة، أو لصوص، أو ما أشبه ذلك، فيلزمه الشرط إن تلف في ذلك المعنى الذي خافه، وإن تلف في سواه، لم يلزمه الشرط (١).
ولم أقف على دليل على هذا التفصيل، ويمكن التماسه بأن اشتراط الضمان مطلقًا لا يصح لما سبق، واشتراط الضمان من أمر خاص كان المالك يحذره من طريق مخوفة أو لصوص فإذا قبله الوديع لزمه الضمان؛ لأن قبول اشتراط الضمان يعني تعهد الوديع للمالك بعدم حدوث ذلك، فإذا حدث هذا المخوف فكأن الوديع قد غرر بالمالك، فلزمه الضمان، والله أعلم.
стр. 9481
° الراجح من الخلاف:
أرى أن القول باشتراط الضمان في عقود التبرع كالعارية والوديعة لا مانع منه، وإذا التزم الوديع والمستعير بالضمان لزمه، والله أعلم.
* * *
стр. 9482
الفصل الثاني
في تصرفات الوديع بالوديعة
المبحث الأول
في خلط الوديعة بغيرها
الفرع الأول
أن يكون الخلط بغير فعل الوديع
[م-١٩٣٤] إذا اختلطت الوديعة بغيرها بغير تعد من الوديع، ولا تفريط منه فلا ضمان عليه، وهذا لا ينبغي الخلاف فيه؛ لأن الوديعة إذا تلفت بغير جناية الوديع، ولا تفريطه لم يضمن فالخلط من باب أولى.
وأصبح شريكًا بقدر ملكه لصاحبها؛ لاختلاط الملكين (١).
جاء في فتح القدير: «وإن اختلطت بماله من غير فعله فهو شريك لصاحبها، كما إذا انشق الكيسان فاختلطا؛ لأنه لا يضمنها لعدم الصنع منه، فيشتركان، وهذا بالاتفاق» (٢).
وقال في بدائع الصنائع: «ولو اختلطت بماله بنفسها من غير صنعه؛ لا يضمن
стр. 9483
وهو شريك لصاحبها أما عدم وجوب الضمان؛ فلانعدام الإتلاف منه، بل تلفت بنفسها؛ لانعدام الفعل من جهته؛ وأما كونه شريكا لصاحبها؛ فلوجود معنى الشركة؛ وهو اختلاط الملكين» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن اختلطت هي بغير تفريط منه، فلا ضمان عليه؛ لأنها لو تلفت بذلك لم يضمن، فخلطها أولى. وإن خلطها غيره، فالضمان على من خلطها؛ لأن العدوان منه، فالضمان عليه، كما لو أتلفها» (٢).
* * *
стр. 9484
الفرع الثاني
أن يكون الخلط بإذن صاحبها
[م-١٩٣٥] إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه فإن كان الخلط بإذن صاحبها فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما فوضه المالك بفعله، فكان نائبًا عنه، ولأن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
ويكون المال بينهما شركة ملك على قدر أملاكهما؛ لأن الخلط لو كان بدون فعل المودع كانا شريكين بالاتفاق، فكذلك إذا اختلط بإذن صاحبه وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن والمذهب عند الحنابلة (١).
جاء في الهداية شرح البداية: «وإن اختلطت بماله من غير فعله فهو شريك لصاحبها كما إذا انشق الكيسان فاختلطا؛ لأنه لا يضمنها لعدم الصنع منه، فيشتركان، وهذا بالاتفاق» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن أمره صاحبها بخلطها بماله أو بغيره ففعل ذلك فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، فكان نائبًا عن المالك فيه» (٣).
[م-١٩٣٦] وإن خلط الوديع الوديعة بدون إذنه، ثم أبرأه:
فقيل: لا شيء للمودِع، ويكون المال كله للوديع، وهذا قول أبي حنيفة.
стр. 9485
وقيل: يبرأ من الضمان، ويكون شريكًا في الملك، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن.
° وجه قول أبي حنيفة:
أنه بالخلط ملك الوديع المخلوط، واستقر الضمان دينًا في ذمته وذلك برد مثله، فإذا أبرأه فقد سقط بإبرائه ما وجب عليه في ذمته.
وجه قولهما: أنه إذا أبرأه توجه ذلك إلى الضمان، وعين الوديعة موجودة فلم تكن دينًا، بل ملكًا مشتركًا.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «فلو أبرأ المودِع الخالط برئ أصلًا وعندهما يبرأ من الضمان، فتتعين الشركة في المخلوط» (١).
وقال الزيلعي: «ولو أبرأ المودِع الخالط، لا سبيل للمودع على المخلوط عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن حقه في الدين لا غير، وقد سقط بإبرائه، وعندهما يسقط الخيار (٢)، وتتعين الشركة في المخلوط» (٣).
وهذا هو الصواب.
стр. 9486
الفرع الثالث
أن يكون الخلط بدون إذن صاحبها
المسألة الأولى
في خلط الوديعة بمال آخر مع إمكان التمييز
[م-١٩٣٧] إذا خلط الوديع الوديعة بمال آخر وكان يمكن تمييزها وتفريقها، كما لو خلط دراهم بدنانير، أو خلط ذهبًا بفضة، فاختلف العلماء هل هذا الخلط يوجب الضمان؟
اختلف ا لعلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يوجب الضمان مطلقًا، سواء كان هذا الخلط بإذن صاحبها أو بدون إذنه، وسواء كان هذا الخلط بماله أو بمال غيره. وهذا هو مذهب الجمهور، والأصح في مذهب الحنابلة (١).
قال ابن جزي: «فإن خلطها بما تنفصل عنه، كذهب بفضة لم يضمن» (٢).
стр. 9487
° وجه القول بعدم الضمان:
أن الوديع لا يعجز عن ردها إذا طلبها صاحبها، أشبه ما لو تركها بصندوق فيه أكياس له.
ولأن هذا الخلط هو خلط مجاورة، وليس من خلط الممازجة، فلا يوجب الضمان بل قد يكون أرفق وأحرز للوديعة من توزيع المال على حرزين.
القول الثاني:
يضمن مطلقًا، وهو رواية في مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (١).
جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج:
«سئل سفيان عن رجل استودع رجلاً دراهم بيضاً فخلطها بسود، فهلكت أيضمن؟ قال: لا.
قال أحمد: هذا رجل قد خلط ماله، بمال غيره. قلت: ترى عليه ضماناً؟ قال: إي والله.
قال إسحاق: كما قال أحمد» (٢).
° وجه القول بالضمان:
أن هذا الفعل تصرف من الوديع لم يأذن به صاحبه، فالوديعة توكيل بالحفظ، وليس له حق التصرف، والخلط نوع من التصرف فيضمن.
стр. 9488
وحمل بعض الحنابلة هذه الرواية على ما إذا نقصت بالخلط، كما لو خلط بيضًا بسود، وكانت السود تؤثر في البيض، والله أعلم.
القول الثالث:
لا يضمن إلا إذا حصل بالوديعة نقص بسبب الخلط، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
جاء في أسنى المطالب: «إذا تميزت كأن كانت دراهم فخلطها بدنانير فلا ضمان، إلا أن يحصل نقص بالخلط فيضمن» (٢).
° الراجح:
أرى أن مذهب الشافعية وسط بين الأقوال، فهو أعدلها، والله أعلم.
* * *
стр. 9489
المسألة الثانية
في خلط الوديع الوديعة بمال نفسه بما لا يتميز
الخلط بما لا يتميز بمنزلة الإتلاف.
[م-١٩٣٨] إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه بما لا يتميز الخليطان، كما لو خلط النقود بمثلها، أو الزيت بمثله، أو خلطها بما يعسر معه التمييز، كما لو خلط القمح بالشعير، فهل يعتبر الخلط بمنزلة الاستهلاك فيضمن بالخلط، كما لو تلفت الوديعة، ويكون المخلوط ملكًا للمودَع، أو يكون شريكًا بقدر ملكه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
أن الوديع يضمن إذا خلطها بما لا تتميز أو بما يعسر معه التمييز، سواء خلط الجنس بمثله، كالحنطة بمثلها، والدراهم بمثلها، والمائع بمثله، أو خلط الجنس بغيره كالحنطة بالشعير. وهذا قول أبي حنيفة، ومذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في المبسوط: «الخلط أنواع ثلاثة: خلط يتعذر التمييز بعده، كخلط
стр. 9490
الشيء بجنسه، فهذا موجب للضمان؛ لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه.
وخلط يتيسر معه التمييز كخلط السود بالبيض، والدراهم بالدنانير، فهذا لا يكون موجبًا للضمان؛ لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه، فهذه مجاورة ليس بخلط.
وخلط يتعسر معه التمييز كخلط الحنطة بالشعير فهو موجب للضمان؛ لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه، إلا بحرج، والمتعسر كالمتعذر» (١).
° وجه القول بوجوب الضمان:
الوجه الأول:
أن المالك عاجز عن الوصول إلى عين حقه بسبب الخلط، فيكون الخلط بمنزلة الاستهلاك، والاستهلاك يوجب الضمان، فكذلك الخلط.
الوجه الثاني:
أن العقد قائم على حفظ العين، و الخلط تصرف من الوديع بالوديعة بما لم يؤذن له فيه، لذا وجب الضمان.
القول الثاني:
خلط المال المثلي بمثله لا يوجب الضمان إذا وقع ذلك على وجه الإحراز والرفق، كما لو خلط الدنانير بمثلها، أو خلط الذهب بمثله، أو الحنطة بمثلها.