الفرع الثالث
أن يكون الخلط بدون إذن صاحبها
المسألة الأولى
في خلط الوديعة بمال آخر مع إمكان التمييز
[م-١٩٣٧] إذا خلط الوديع الوديعة بمال آخر وكان يمكن تمييزها وتفريقها، كما لو خلط دراهم بدنانير، أو خلط ذهبًا بفضة، فاختلف العلماء هل هذا الخلط يوجب الضمان؟
اختلف ا لعلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يوجب الضمان مطلقًا، سواء كان هذا الخلط بإذن صاحبها أو بدون إذنه، وسواء كان هذا الخلط بماله أو بمال غيره. وهذا هو مذهب الجمهور، والأصح في مذهب الحنابلة (١).
قال ابن جزي: «فإن خلطها بما تنفصل عنه، كذهب بفضة لم يضمن» (٢).
стр. 9487
° وجه القول بعدم الضمان:
أن الوديع لا يعجز عن ردها إذا طلبها صاحبها، أشبه ما لو تركها بصندوق فيه أكياس له.
ولأن هذا الخلط هو خلط مجاورة، وليس من خلط الممازجة، فلا يوجب الضمان بل قد يكون أرفق وأحرز للوديعة من توزيع المال على حرزين.
القول الثاني:
يضمن مطلقًا، وهو رواية في مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (١).
جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج:
«سئل سفيان عن رجل استودع رجلاً دراهم بيضاً فخلطها بسود، فهلكت أيضمن؟ قال: لا.
قال أحمد: هذا رجل قد خلط ماله، بمال غيره. قلت: ترى عليه ضماناً؟ قال: إي والله.
قال إسحاق: كما قال أحمد» (٢).
° وجه القول بالضمان:
أن هذا الفعل تصرف من الوديع لم يأذن به صاحبه، فالوديعة توكيل بالحفظ، وليس له حق التصرف، والخلط نوع من التصرف فيضمن.
стр. 9488
وحمل بعض الحنابلة هذه الرواية على ما إذا نقصت بالخلط، كما لو خلط بيضًا بسود، وكانت السود تؤثر في البيض، والله أعلم.
القول الثالث:
لا يضمن إلا إذا حصل بالوديعة نقص بسبب الخلط، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
جاء في أسنى المطالب: «إذا تميزت كأن كانت دراهم فخلطها بدنانير فلا ضمان، إلا أن يحصل نقص بالخلط فيضمن» (٢).
° الراجح:
أرى أن مذهب الشافعية وسط بين الأقوال، فهو أعدلها، والله أعلم.
* * *
стр. 9489
المسألة الثانية
في خلط الوديع الوديعة بمال نفسه بما لا يتميز
الخلط بما لا يتميز بمنزلة الإتلاف.
[م-١٩٣٨] إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه بما لا يتميز الخليطان، كما لو خلط النقود بمثلها، أو الزيت بمثله، أو خلطها بما يعسر معه التمييز، كما لو خلط القمح بالشعير، فهل يعتبر الخلط بمنزلة الاستهلاك فيضمن بالخلط، كما لو تلفت الوديعة، ويكون المخلوط ملكًا للمودَع، أو يكون شريكًا بقدر ملكه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
أن الوديع يضمن إذا خلطها بما لا تتميز أو بما يعسر معه التمييز، سواء خلط الجنس بمثله، كالحنطة بمثلها، والدراهم بمثلها، والمائع بمثله، أو خلط الجنس بغيره كالحنطة بالشعير. وهذا قول أبي حنيفة، ومذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في المبسوط: «الخلط أنواع ثلاثة: خلط يتعذر التمييز بعده، كخلط
стр. 9490
الشيء بجنسه، فهذا موجب للضمان؛ لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه.
وخلط يتيسر معه التمييز كخلط السود بالبيض، والدراهم بالدنانير، فهذا لا يكون موجبًا للضمان؛ لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه، فهذه مجاورة ليس بخلط.
وخلط يتعسر معه التمييز كخلط الحنطة بالشعير فهو موجب للضمان؛ لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه، إلا بحرج، والمتعسر كالمتعذر» (١).
° وجه القول بوجوب الضمان:
الوجه الأول:
أن المالك عاجز عن الوصول إلى عين حقه بسبب الخلط، فيكون الخلط بمنزلة الاستهلاك، والاستهلاك يوجب الضمان، فكذلك الخلط.
الوجه الثاني:
أن العقد قائم على حفظ العين، و الخلط تصرف من الوديع بالوديعة بما لم يؤذن له فيه، لذا وجب الضمان.
القول الثاني:
خلط المال المثلي بمثله لا يوجب الضمان إذا وقع ذلك على وجه الإحراز والرفق، كما لو خلط الدنانير بمثلها، أو خلط الذهب بمثله، أو الحنطة بمثلها.
стр. 9491
وإن خلط الجنس بغير جنسه، كما لو خلط الحنطة بالشعير ونحوه فإنه يضمن بالخلط. وهذا هو مذهب المالكية (١).
جاء في تهذيب المدونة: «ومن أودعته دنانير ودراهم فخلطها بمثلها ثم ضاع المال كله، لم يضمن، وإن ضاع بعضه كان ما ضاع وما بقي بينكما؛ لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة دراهم كل واحد منه، ولا يغيرها الخلط.
وإن أودعته حنطة فخلطها بحنطة، فإن كانت مثلها وفعل ذلك بها على الإحراز لها والرفع، فهلك الجميع لم يضمن، وإن كانت مختلفة ضمن، وكذلك إن خلط حنطتك بشعير ثم ضاع الجميع، فهو ضامن، لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها» (٢).
° وجه قول المالكية:
إذا خلط الجنس بجنس آخر فقد يتعذر وصول المالك إلى عين ماله كما لو قام بخلط السمن بزيت، وقد يتعسر كما لو قام بخلط الحنطة بالشعير، والمتعسر كالمتعذر، لذا وجب عليه الضمان.
وأما إذا خلط المال المثلي بمثله، كما لو خلط الحنطة بمثلها، والدنانير بمثلها فإن المالك قادر للوصول إلى ماله، فلا يوجب هذا الخلط الضمان،
стр. 9492
خاصة إذا كان الباعث على الخلط هو مصلحة الوديعة حيث يكون خلطها بماله أحرز لها وأرفق به مما لو أفردها.
القول الثالث:
إن خلط الجنس بجنس مختلف كما لو خلط القمح بالشعير فعليه الضمان، وهذا باتفاق الحنفية، وسبق ذكر الأدلة في القول الأول.
وإن خلط الجنس بمثله كالشعير بالشعير، والحنطة بمثلها، فقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يخير المالك إن شاء شاركه فيها، وإن شاء ضمنه.
وإن خلط مائعًا بجنسه، فقال محمد بن الحسن: يخير كما لو خلط الشعير بمثله.
وقال أبو يوسف: يجعل الأقل تبعًا للأكثر (١).
وجه قولهما: إذا خلط الحنطة بمثلها، فإن الوصول إلى عين حقه وإن تعذر صورة، إلا أنه غير متعذر معنى، لإمكان قسمته على قدر أملاكهما؛ فهو استهلاك من وجه دون وجه، فإن شاء ضمنه لتعذر الوصول إلى عين ماله صورة، وإن شاء اقتسمه معه لإمكان الوصول إلى حقه معنى.
ولم يفرق محمد بن الحسن بين خلط الشعير بمثله، وبين خلط المائع بمثله؛ عملًا بالقاعدة عنده: وهو أن الجنس عنده لا يغلب الجنس.
وفرق بينهما أبو يوسف اعتبارًا بالغالب. والله أعلم.
стр. 9493
القول الرابع:
لا يضمن بخلط النقود بمثلها، ويضمن بخلط غيرها. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (١).
قال ابن رجب: لو خلط الوديعة وهي دراهم بماله، ولم تتميز فالمشهور الضمان لعدوانه حيث فوت تحصيلها.
وعنه رواية أخرى لا ضمان عليه؛ لأن النقود لا يتعلق الغرض بأعيانها بل بمقدارها، وربما كان خلطها مع ماله أحفظ لها» (٢).
إلا أن هذا التعليل يجب أن يجري في كل مال مثلي، فإن المال المثلي آحاده متساوية كالنقود فلا معنى لتخصيصه بالنقود، وهو ظاهرية من أصحاب الإمام أحمد عليهم رحمة الله.
° الراجح:
أرى أن مذهب المالكية أقرب الأقوال، والله أعلم.
стр. 9494
المسألة الثالثة
إذا خلط الوديعة بمال لصاحبها
[م-١٩٣٩] إذا أودع الرجل وديعتين، فقام المودَع بخلطهما، فإن كان خلطهما بما يتميز كما لو خلط دراهم بدنانير لم يضمن عند الجمهور، قال الشافعية: إلا أن يكون خلط الدراهم بالدنانير قد عاد بالنقص على الدنانير فإنه يضمن قدر النقصان (١).
والخلاف فيها لا يختلف عن الخلاف فيما لو خلط الوديعة بمال الوديع أو مال رجل أجنبي، وسبق بحث المسألة.
وإن كانت الوديعتان يتعذر التمييز بينهما، كما لو خلط دراهم بدراهم، ففي ذلك خلاف في وجوب الضمان بسبب الخلط.
القول الأول:
أنه يضمن، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، قال المرداوي في تصحيح الفروع: وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب (٢).
° وجه القول بالضمان:
أن مالكها لما ميزهما لم يرض بخلطهما، فكان قيامه بذلك يعتبر تعديًا، فوجب عليه الضمان.
стр. 9495
الوجه الثاني:
لا يضمن؛ وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح، ووجه في مذهب الحنابلة (١).
° وجه القول بعدم الضمان:
أن المال كله له، ولم يلحقه نقص بخلطهما، ولم يتعذر عليه الوصول إلى عين ماله بسبب الخلط فكان كما لو خلطهما بما يتميز.
وهذا أقرب عندي إلا أن يكون أحدهما جيدًا والأخر رديئًا فإن عليه ضمان ما نقص، والله أعلم.
* * *
стр. 9496
المبحث الثاني
في اقتراض المودع من الوديعة
الاقتراض عقد تمليك لا يصح بلا إذن المقرض ورضاه.
الوديع لا يملك ولاية التصرف في الوديعة إلا بإذن المالك
الإقراض من الوديع إن كان رفقًا بالمالك صح أو كان إرفاقًا بالمقترض لم يصح.
[م-١٩٤٠] إذا اقترض الوديع مال الوديعة فإن كان ذلك بإذن صاحبها فإن كانت مالًا مثليًا جاز الاقتراض بالاتفاق.
وإن كانت مالًا قيميًا، كان الخلاف في جوازها راجعًا إلى الخلاف في جواز اقتراض المال القيمي:
فمن اشترط في القرض أن يكون المال مثليًا كالحنفية فإنه سوف يمنعه، والجمهور على جوازه.
وسبق بحث هذه المسألة في عقد القرض، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
وإن اقترض الوديع من الوديعة بدون إذن صاحبها وجب عليه ضمانها بالاتفاق.
[م-١٩٤١] واختلفوا في حكم فعله، هل يحرم عليه الاقتراض، أو يكره، أو يباح؟ على قولين:
стр. 9497
القول الأول:
يحرم عليه الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها، وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
وجعل ابن تيمية العلم برضا صاحبها بمنزلة الإذن.
قال ابن تيمية: «إن علم المودع علمًا اطمأن إليه قلبه أن صاحب المال راض بذلك فلا بأس بذلك، وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة، وعلمت منزلتك عنده كما نقل مثل ذلك عن غير واحد، وكما كان النبي ﵇ يفعل في بيوت بعض أصحابه ... ومتى وقع في ذلك شك لم يجز الاقتراض» (٢).
° وجه القول بالتحريم:
أن المالك ائتمنه على الحفظ، فاقتراض الوديعة بدون إذن صاحبها يعتبر تعديًا، وخيانة للأمانة، واغتصاباً لمال الغير بدون إذن المالك.
القول الثاني:
أن الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها ليس حراماً إذا تحقق شرطان: أن يكون المال مثلياً، وأن يكون المتصرف مليئاً.
فالمالكية يرون أنه يحرم على الوديع أن يستلف من الوديعة إن كان فقيراً،
стр. 9498
سواء أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظراً لإعدامه.
وأما إن كان موسراً، فإن كانت الوديعة عرضاً قيمياً فيحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا.
وإن كانت الوديعة مثلية، فإن كانت نقوداً، فيكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.
وقيل يجوز بلا كراهة.
وعلل بعض المالكية عدم التحريم بتعليلات منها:
التعليل الأول:
أن المودِع قد ترك الانتفاع بها مع القدرة عليه فجاز للمودَع الانتفاع بها، ويجري ذلك مجرى الانتفاع بظل حائطه، وضوء سراجه.
التعليل الثاني:
أن المودَع لم يبطل على المودِع غرضه؛ لأنه إنما أمر بحفظها، وهذا حاصل.
التعليل الثالث:
أن الدراهم لا تتعين بالتعيين، ولذلك كان للمودَع أن يرد مثلها، ويتمسك بها مع بقاء عينها (١).
وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقوداً، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا
стр. 9499
يتحصل أمثاله، فيحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فيجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة (١).
° الراجح:
أرى أنه لا يجوز الاقتراض من الوديعة مطلقًا، حتى ولو كانت الوديعة مثلية كالدراهم، وسواء كان المقترض معسرًا أو كان موسرًا، لأن يد المودع يد أمانة، وقد وضعت على هذا المال للحفظ، وليس لشيء آخر، واقتراضها بدون إذن صاحبها يحوله إلى رجل غير أمين، فالإيداع عقد على حفظ العين، فهي تتعين بالتعيين، ولو كانت من الدراهم.
стр. 9500
نعم يجوز إقراض الوديعة إذا كان ذلك رفقًا بالمالك، كما لو أقرض الوصي والولي مال الصغير إذا خاف عليه من السرقة فيجوز إقراضه لمن كان موسرًا، وأخذ رهنًا بذلك.
وكما يجوز للوديع إذا خاف على الوديعة أن يقرضها للبنوك، باعتبار أن ودائع البنوك قروض على الصحيح وإن سماها الناس ودائع، والله أعلم.
* * *
стр. 9501
الفرع الأول
إذا اقترض من الوديعة ثم تراجع عن الاقتراض
الأمانة المحضة تبطل بالتعدي.
إذا رفع التعدي هل يزول الضمان.
الضمان يجب بالإتلاف، والأخذ بمجرده هل يعد إتلافًا.
نية الإتلاف ليست بإتلاف إلا إذا اقترنت النية بالفعل.
[م-١٩٤٢] إذا اقترض من الوديعة لينفقها، ثم ندم على ذلك، فرده، ولم ينفقها، فتلفت الوديعة، فهل يضمن ما أخذه ثم رده، أو لا يضمن؟
في ذلك خلاف بين أ هل العلم على أربعة أقوال:
القول الأول:
لا ضمان عليه، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في بدائع الصنائع: «ولو أخذ بعض دراهم الوديعة؛ لينفقها فلم ينفقها،
стр. 9502
ثم ردها إلى موضعها بعد أيام؛ فضاعت لا ضمان عليه عندنا» (١).
° وجه القول بعدم الضمان:
أنه بالرد زال التعدي، وإذا زال التعدي زال الضمان لزوال سببه، أصل المسألة أن المودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إلى الوفاق فقد برئ من الضمان.
ولأن الضمان إنما يجب بالإتلاف، والأخذ بمجرده لا يعد إتلافًا، ونية الإتلاف ليست بإتلاف فلا توجب الضمان.
القول الثاني:
يضمن ما أخذه وحده، ولا يرتفع الضمان بالرد، وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية: بشرط أن يتميز المردود عنها (٢).
جاء في الأم: «ولو أودعه عشرة دراهم فتعدى منها في درهم، فأخرجه فأنفقه، ثم أخذه فرده بعينه، ثم هلكت الوديعة ضمن الدرهم، ولا يضمن التسعة؛ لأنه تعدى بالدرهم، ولم يتعد بالتسعة ... قال الربيع: قول الشافعي إن كان الدرهم الذي أخذه، ثم وضع غيره معروفًا من الدراهم ضمن الدرهم، ولم يضمن التسعة، وإن كان لا يتميز ضمن العشرة» (٣).
стр. 9503
وجاء في الإنصاف: «وإن أخذ درهمًا، ثم رده، فضاع الكل: ضمنه وحده، هذا الصحيح من المذهب» (١).
° وجه القول بالضمان وإن رد ما أخذ:
أن الأمين لما أخذ من الوديعة تعلق الضمان بذمته بالأخذ، بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه، فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب، وضمنه وحده دون بقية الوديعة؛ لأنه تعدى فيه وحده، فلم يضمن غيره.
واشترط الشافعية أن يتميز المردود عن باقي الوديعة؛ لأنه إن لم يتميز فقد خلط مضمونًا بغير مضمون، فصار بذلك متعديًا، فضمن الجميع.
القول الثالث:
يضمن الجميع، وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الإمام أحمد (٢).
° وجه القول بضمان الجميع:
أن التعدي على الوديعة ثبت بالأخذ، ومن تعدى على الوديعة فقد ثبت عليه ضمانها إن تلفت، ولا يتجزأ التعدي؛ لأنها وديعة واحدة.
القول الرابع:
يضمن ما أخذه وحده إن لم يفتح الوديعة، فإن فتح الوديعة ضمنها كلها، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة (٣).
стр. 9504
° وجه القول بذلك:
أن الفتح هتك للحرز فيثبت الضمان بمجرده، ولو لم يأخذ شيئًا.
* * *
стр. 9505
الفرع الثاني
إذا اقترض من الوديعة ثم رد بدله
المسألة الأولى
أن يكون البدل متميزًا عن باقي الوديعة
[م-١٩٤٣] إذا اقترض الوديع من الوديعة كان ضامنًا ما أخذه بالاتفاق، فإذا استهلكه، ورد بدل ما اقترضه، فإن كان هذا البدل متميزًا عن باقي الوديعة، ولم يختلط بالوديعة خلطًا لا يتميز عنها، ثم تلفت الوديعة، فهل يضمن الجميع، أو يضمن مقدار ما تعدى به، وهو مقدار ما اقترضه؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إذا اقترض من الوديعة فلم يرد ما أخذ، ثم تلفت الوديعة بغير تعد منه ولا تفريط لم يضمن إلا ما أخذ.
فإن رد بدل ما أخذ، وخلطه بالوديعة، وكان الذي رده متميزًا عن باقي الوديعة لم يضمن إلا مقدار ما اقترضه، وهذا هو مذهب الحنفية، وبه قال الشافعية والحنابلة بشرط أن يكون قد أخذ الدراهم من كيس غير مشدود ولا مختوم؛ لأنه إذا كان الكيس مختومًا أو مشدودًا فهتك الحرز ضمن عند الشافعية والحنابلة حتى ولو لم يأخذ من الكيس شيئًا (١).
стр. 9506
جاء في مجمع الضمانات: «الوديعة إذا كانت دراهم أو دنانير أو شيئًا مما يكال أو يوزن، فأنفق المودِع طائفة منها ضمن ما أنفق، ولا يضمن الباقي إن هلك، فإن جاء المودع بمثل ما أنفق فخلطه بالباقي كان ضامنا للكل؛ لأن ما جاء به ماله، فصار خالطًا ماله بالوديعة اهـ
قال في الفصولين: هذا إذا لم يتميز ما خلط، أما لو تميز بعلامة أو شده بخرقة لم يضمن إلا ما أنفق» (١).
وعليه فلو لم يرد البدل حتى تلفت الوديعة فلا يضمن إلا ما أنفق؛ لأن الضمان يجب بقدر الخيانة، وقد خان في البعض دون البعض، وإن رد بدل ما أخذ، فإن كان لا يتميز ضمن الجميع بسبب الخلط؛ وليس بسبب الأخذ؛ لأنه خلط ماله بالوديعة، وإن كان متميزًا لم يضمن إلا ما أخذ حيث لم يوجد خلط.
وقال الشافعي في الأم: «وإذا استودع الرجل الرجل دنانير أو دراهم فأخذ منها دينارا أو درهما، ثم رد مكانه بدله فإن كان الذي رد مكانه يتميز من دنانيره ودراهمه فضاعت الدنانير كلها ضمن ما تسلف فقط، وإن كان الذي وضع بدلا مما أخذ لا يتميز، ولا يعرف فتلفت الدنانير ضمنها كلها» (٢).
وقال الشيرازي في المهذب: «وإن أودعه دراهم في كيس مشدودة، فحله، أو خرق ما تحت الشد ضمن ما فيه؛ لأنه هتك الحرز من غير عذر» (٣).
стр. 9507
° وجه القول بأنه لا يضمن إلا ما اقترض:
أما المقدار الذي اقترضه فقد تعدى فيه فيجب عليه ضمانه، ولا يبرأ من الضمان برد البدل؛ لأن الضمان متعلق بالذمة، والبدل يكون ملكًا للوديع، وإنما يبرأ برد البدل إلى المودِع وهذا ما لم يحصل، لهذا استقر عليه ضمان ما أخذه.
وأما باقي الوديعة فلا ضمان عليه فيها حيث إن التعدي لم يتطرق إليها، ورد ماله إلى الوديعة لم يوجب ضمان الباقي؛ لأن المال المردود كان متميزًا عن باقي الوديعة، فلم يتعد الضمان إلى باقي الوديعة، أما لو خلط بدل القرض خلطًا لا يتميز، فقد خلط ماله بمال الوديعة، وخلط ماله بمال الوديعة بدون إذن المالك يوجب الضمان إذا لم يتميز.
القول الثاني:
الاقتراض من الوديعة عند المالكية له حالان: التحريم وعدمه.
فالتحريم، كما لو كانت الوديعة قيمية، أو كان المودع معسرًا.
وعدم التحريم كما لو كانت الوديعة مثلية يكثر توفر مثلها في السوق، وكان الوديع موسرًا. وسبق التفصيل في مذهب المالكية في المبحث السابق.
فإذا تسلف ما لا يحرم تسلفه، ثم رد بدله قبل تلف الوديعة لم يضمن (١).
стр. 9508
جاء في تهذيب المدونة: «ومن أودعته دراهم، أو حنطة، أو ما يكال، أو يوزن، فاستهلك بعضها، ثم هلك بقيتها، لم يضمن إلا ما استهلك أولاً. ولو كان قد ردّ ما استهلك، لم يضمن شيئاً، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ، كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها. وكذلك إن تسلف جميعها، ثم رد مثلها مكانها لبرئ، كان أخذه إياها على السلف أو على غيره، فلا شيء عليه إن هلكت بعد أن ردها» (١).
° دليل المالكية على عدم الضمان:
أن الاقتراض يوجب ضمان البدل إذا لم يكن الاقتراض محرمًا، فإذا رد بدله فقد قام بالضمان الذي عليه، ولا يجب عليه ضمان آخر؛ لأنه لم يتعد بالاقتراض.
وقد ذكرت أدلتهم في عدم تحريم الاقتراض، وناقشته في المسألة السابقة، وهو قول مرجوح، وما بني على قول مرجوح فهو مرجوح مثله، والله أعلم.
القول الثالث:
أنه يضمن الجميع، سواء رده أو لم يرده، وسواء اختلط أو لم يختلط. وهذا رواية في مذهب الحنابلة (٢).
° وجه القول بالضمان:
بأن هذه الوديعة قد تعدى فيها، فضمنها كما لو أخذ الجميع.
стр. 9509
° الراجح:
لو قيل: إذا كان ما أخذه من الوديعة مالًا مثليًا، فيحرم عليه الاقتراض، فإذا أخذه ثم رد بدله، كما لو أخذ درهمًا، فرد بدله درهمًا فإنه يبرأ بالرد، فلو تلفت الوديعة بعد ذلك لم يضمن، سواء كان الخلط متميزًا أو غير متميز؛ لأنه قد رجع وتاب عن الاعتداء قبل التلف، وصحح ذلك، والمال المثلي آحاده متساوية، وقد انتقل ما وجب في ذمته إلى التعيين بالرد.
وإن كان ما أخذه من الوديعة قيميًا، فقد وجبت قيمته، فإذا رد بدله لم يبرأ حتى يرده إلى صاحبه، ويرضى بقيمة ما رده؛ لأن المال القيمي يختلف الناس بتقييمه، والمودَع غاصب فوجب أن يعامل معاملة الأشد، فلا يرضى بتقييمه هو، بل لا بد من رضا المالك بقيمة ما أخذ، لهذا كان الواجب رده على صاحبه، فلم يبرأ بالرد إلى الوديعة، والله أعلم.
* * *
стр. 9510
المسألة الثانية
أن يكون البدل غير متميز عن باقي الوديعة
[م-١٩٤٤] إذا اقترض من الوديعة، ثم رد بدل ما اقترضه، وقام بخلطه بباقي الوديعة بحيث لا يتميز البدل عن باقي الوديعة، ثم تلفت الوديعة، فهل يضمن الجميع، أو يضمن مقدار ما تعدى به؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا اقترض من الوديعة فلم يرد ما أخذ، ثم تلفت الوديعة بغير تعد منه، ولا تفريط لم يضمن إلا ما أخذ.
فإن رد بدل ما أخذ وخلطه بالوديعة، وكان الذي رده لا يتميز عن الوديعة ضمن الجميع، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وبه قال الحنابلة بشرط أن يكون قد أخذ الدراهم من كيس غير مشدود ولا مختوم؛ لأنه إذا كان الكيس مختومًا أو مشدودًا فهتك الحرز ضمن عند الحنابلة وكذا عند الشافعية في أحد الوجهين حتى ولو لم يأخذ من الكيس شيئًا (١).
جاء في المحيط البرهاني: «إذا كانت الوديعة دراهم، أو دنانير، أو شيئاً من
стр. 9511
المكيل، والموزون، فأنفق المودع طائفة منها في حاجة نفسه؛ كان ضامناً لما أنفق منها، ولم يصر ضامناً لما بقي منها، فإن جاء بمثل ما أنفق، وخلطه صار ضامناً لجميع ما أنفق بالإتلاف، وما بقي من الخلط قالوا: وهذا إذا لم يجعل على ماله علامة حين خلط بمال الوديعة، أما إذا جعل لا يضمن إلا ما أنفق» (١).
فجعل وضْعَ علامة تميز ماله من مال الوديعة سببًا في عدم ضمان الجميع، فدل على أنه لا يضمن الجميع إلا بالخلط الذي لا يتميز.
وجاء في الإنصاف: «قوله: (وإن كان غير متميز: ضمن الجميع) هو المذهب ... » (٢).
وقال في المغني: «وجملته أن من أودع شيئا، فأخذ بعضه، لزمه ضمان ما أخذ، فإن رده أو مثله، لم يزل الضمان عنه .... فأما سائر الوديعة، فينظر فيه؛ فإن كان في كيس مختوم أو مشدود، فكسر الختم أو حل الشد، ضمن، سواء أخرج منه أو لم يخرج؛ لأنه هتك الحرز بفعل تعدى به. وإن خرق الكيس فوق الشد، فعليه ضمان ما خرق خاصة؛ لأنه ما هتك الحرز. وإن لم تكن الدراهم في كيس، أو كانت في كيس غير مشدود، أو كانت ثيابا فأخذ منها واحدا ثم رده بعينه، لم يضمن غيره؛ لأنه لم يتعد في غيره. وإن رد بدله وكان متميزًا، لم يضمن غيره لذلك، وإن لم يكن متميزًا، فظاهر كلام الخرقي هاهنا أنه لا يضمن غيره ...
стр. 9512
وقال القاضي: يضمن الكل. وهو قول الشافعي؛ لأنه خلط الوديعة بما لا يتميز منها، فضمن الكل، كما لو خلطها بغير البدل» (١).
القول الثاني:
إذا تسلف ما لا يحرم تسلفه، ثم رد بدله قبل تلف الوديعة فلا ضمان عليه (٢).
جاء في تهذيب المدونة: «ومن أودعته دراهم، أو حنطة، أو ما يكال، أو يوزن، فاستهلك بعضها، ثم هلك بقيتها، لم يضمن إلا ما استهلك أولاً. ولو كان قد ردّ ما استهلك، لم يضمن شيئاً، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ، كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها. وكذلك إن تسلف جميعها، ثم رد مثلها مكانها لبرئ، كان أخذه إياها على السلف أو على غيره، فلا شيء عليه إن هلكت بعد أن ردها» (٣).
وسبق تفصيل هذا القول وأدلته ومناقشتها في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
القول الثالث:
لا يضمن إلا ما أخذ، وهو رواية في مذهب الحنابلة، اختاره الخرقي من الحنابلة (٤).
стр. 9513
° وجه هذا القول:
أن التعدي اختص به، فيختص الضمان به، وخلط المردود بغيره لا يقتضي الضمان؛ لأنه يجب رده معها، فلم يفوت على نفسه إمكان ردها، بخلاف ما إذا خلطه بغيره.
° الراجح:
أرى أن هناك حكمين حكمًا تكليفيًا وحكمًا وضعيًا، فالحكم التكليفي وهو تحريم الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها، وهذا مخالف لمقتضى العقد، فإن المالك قد ائتمنه على الحفظ، ولم يأذن في الاقتراض، وهذا واضح بالنسبة لي خلاف ما قاله المالكية.
وأما الحكم الوضعي وهو الضمان، فيجب أن يكون مرده إلى طبيعة المال، هل هو مال مثلي أو قيمي، وليس إلى الخلط المتميز وعدم التميز، فإن كانت الوديعة مالًا مثليًا، ورد بدله برئ من الضمان.
وإن كان المال قيميًا لم يبرأ من الضمان، وقد وجهت هذا التفصيل عند الكلام على الترجيح في المسألة السابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 9514
المبحث الثالث
في رهن المودِع للوديعة
كل ارتباط عقدي ينشئه الوديع بالعين المودعة فإنه لا يجوز إلا بإذن صاحبها.
الوديع لا يملك ولاية التصرف في الوديعة إلا بإذن المالك.
[م-١٩٤٥] إذا استدان المودَع، فأراد أن يدفع الوديعة رهنًا بدينه، فإن كان ذلك بإذن صاحبه جاز ذلك بلا خلاف.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «كما أنه يسوغ للمستودع استعمال الوديعة بإذن صاحبها فله أن يؤجرها أو يعيرها لآخر وأن يرهنها أيضًا .. » (١).
وقياسًا على رهن العارية، فإنه يجوز رهنها بإذن صاحبها بلا خلاف.
وهكذا كل ارتباط عقدي ينشئه الوديع، ويكون محله الوديعة فإنه لا يجوز إلا بإذن صاحبها، كالبيع، والإجارة، والإعارة، والإقراض، والإيداع، هذا هو الحكم التكليفي.
أما الحكم الوضعي، فإذا تصرف الوديع مثل هذه التصرفات بدون إذن صاحبه، فهل يصح مثل هذا التصرف، في ذلك خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
أن الرهن باطل، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة (٢).
стр. 9515
جاء في مجمع الضمانات: «الوديعة لا تودع، ولا تعار، ولا تؤجر، ولا ترهن، فإن فعل شيئًا منها ضمن» (١).
وصرح الحنابلة بأن رهن الوديعة كغصب (٢).
كما اشترط الشافعية والحنابلة وابن حزم من الظاهرية أن يكون الراهن له ولاية التصرف بأن يكون مالكًا للعين المرهونة أو مأذونًا له فيها، وعليه فلا يصح رهن الوديعة بلا إذن مالكها؛ لأن الوديع لا يملك ولاية التصرف في الوديعة (٣).
ولأن قبض المرتهن للعين المرهونة شرط، سواء أكان شرطًا للزومه أم شرطًا لصحته، وإذا اعتبرنا أن دفع الرهن للمرتهن يجري مجرى الإيداع، فالمودَع لا يملك الإيداع للغير؛ لأن إيداع الغير من غير ضرورة يعتبر اعتداء، مع أن المرتهن يقبض الرهن لمصلحته، وليس لمصلحة الوديع.
ولأن المقصود من الرهن: الاستيفاء من ماليته وذلك عن طريق بيعه إذا تعذر الوفاء، وليس للوديع أن يوفي دينه من مال غيره.
ولهذا قال المالكية والشافعية: ما صح بيعه صح رهنه، وما لا فلا (٤).
ولا يعترض على هذه القاعدة بالثمرة قبل بدو صلاحها، فإنه يصح رهنها،
стр. 9516
ولا يصح بيعها، فيقال: بل يصح بيعها بشرط قطعها في الحال، ولأنها تؤول إلى صحة البيع.
القول الثاني:
لو قيل: إن الرهن ينعقد موقوفًا على إجازة المالك تخريجًا على تصرفات الغاصب (١).
جاء في المنثور في القواعد للزركشي: «لو غصب أموالًا وتصرف في أثمانها مرة بعد أخرى فطريقان:
أصحهما: أنه على القولين الآتيين في تصرف الفضولي. والثانية: القطع بالصحة» (٢).
وإذا كان الحنابلة يرون أن رهن الوديعة كغصب (٣).
وقد قال ابن قدامة: «وتصرفات الغاصب كتصرفات الفضولي على ما ذكرنا من الروايتين: إحداهما: بطلانها. والثانية: صحتها، ووقوفها على إجازة المالك. وذكر أبو الخطاب أن في تصرفات الغاصب الحكمية رواية أنها تقع صحيحة، وسواء في ذلك العبادات كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، أو العقود كالبيع، والإجارة، والنكاح» (٤).
стр. 9517
فإذا صحت هذه العقود في إحدى الروايتين من الغاصب صحت من المودَع قياسًا عليه؛ لأنه بمنزلته، والله أعلم.
وقد يقال: لا يصح تخريجها على تصرف الفضولي؛ لأن الفضولي يتصرف في مال غيره لا لمصلحته، وإنما لمصلحة المالك، فإذا باع ملك غيره لمصلحة مالكه كما لو رأى أن في هذا غبطة لمالكه، فباع ملكه بلا تفويض من المالك فهذا هو تصرف الفضولي، وأما الوديع فهو يتصرف لنفسه، وليس للمالك، فهو غاصب، وليس فضوليًا، وإنما يكون فضوليًا لو رهن الوديعة في دين على المالك بلا إذنه.
وعلى كل حال، فإذا اطلع المالك، وأجاز هذا التصرف برئ من الضمان بكل حال، ويبقى الكلام في صحة عقد الرهن، فإن قلنا: العقد صحيح بالإجازة فالحمد لله، وإلا جدد العقد، وزال المحذور، والله أعلم.
* * *
стр. 9518
المبحث الرابع
في الاتجار بالوديعة
الفرع الأول
في الاتجار بها دون إذن من المالك
المسألة الأولى
الحكم التكليفي في اتجار الوديع بالوديعة
[م-١٩٤٦] لا خلاف بين الفقهاء أن الوديع إذا اتجر بالوديعة بلا إذن صاحبها أنه يضمنها لصاحبها إذا تلفت؛ لأن هذا الفعل يعتبر تعديًا منه، والتعدي في الوديعة يوجب الضمان.
وأما الحكم التكليفي في الاتجار بالوديعة، هل يحرم، أو لا يحرم فالحكم فيه يرجع إلى مسألتين سبق بحثهما:
المسألة الأولى: هل يحرم التعدي في الوديعة مطلقًا، وهو قول الجمهور، أو يحرم إن كان الوديع فقيرًا، وأما إذا كان له مال يرجع إليه إن استهلك الوديعة بتعديه فلا يحرم التعدي، وإن كان ترك التعدي أفضل.
قال ابن عبد البر: «ولا يجب لأحد أن يتعدى في وديعة عنده فيتلفها إلا أن يكون له مال مأمون يرجع إليه إن تلفت الوديعة بتعديه، وترك التعدي في الوديعة أفضل» (١).
стр. 9519
وسبق بحث هذه المسألة وبيان الراجح منها.
المسألة الثانية: في حكم الاقتراض من الوديعة، وسبق بحث هذه المسألة أيضًا، وبيان الخلاف فيها بين المالكية والجمهور.
فمن قال: يحرم الاقتراض من الوديعة مطلقًا كما هو قول الجمهور، فهو سيحرم بكل حال الاتجار فيها؛ لأن الاتجار في الوديعة إن كان لنفسه فهو اقترض منه للوديعة.
وإن كان الاتجار لصاحبها، فهو من تصرف الفضولي، وإن دخل بذلك على أنه مضارب، بحيث يكون الربح بينهما، فهو شريك عند من يرى أن عقد المضاربة من عقود الشركات. وتصرف الفضولي سبق بحثه في عقد البيع، وكذا أحكام المضاربة قد عقد له كتاب خاص.
وأما المالكية ففيه تفصيل في الاتجار في الوديعة يرجع إلى نفس التفصيل في الاقتراض منها:
فإن كانت الوديعة مالًا متقومًا مما تختلف الأغراض في عينه، ولا يقوم مثله مقامه، فلا تجوز الاتجارة فيه من قبل المودع.
ومثله لو كان الوديع معسرًا فلا يجوز له الاتجار في الوديعة.
وإذا كانت الوديعة مالًا مثليًا كالنقد، ومثله المكيل والموزون، والوديع مليًا، فتكره له التجارة في الوديعة، وإذا اتجر فإنه ضامن للوديعة (١).
وقد جعل خليل حكم السلف للوديع حكم الاتجار في الوديعة، فقال في
стр. 9520
مختصره: «وحرم سلف مقوم ومعدوم، وكره النقد والمثلي كالتجارة» (١).
فقوله: (كالتجارة) اختلف المالكية في هذا التشبيه، هل هو تشبيه تام بحيث يحرم الاتجار في الوديعة القيمية ومن المعدوم، وتكره في المثلي ومن الموسر.
أو تشبيه التجارة في الكراهة فقط، فتكره التجارة في مال الوديعة مطلقًا سواء كانت مثلية أو قيمية، وسواء أكان الوديع موسرًا أم معسرًا.
قال الدردير عن قوله: «(كالتجارة) تشبيه تام على الأظهر، فتحرم في المقوم، وعلى المعدوم، وتكره في المثلي للعلة المتقدمة.
وقيل: تشبيه في الكراهة فقط في الجميع» (٢).
إذا علم ذلك نأتي على بعض النصوص الفقهية المتعلقة بالمسألة، والله أعلم:
جاء في مجمع الضمانات: «الوديعة لا تودع، ولا تعار، ولا تؤجر، ولا ترهن، فإن فعل شيئًا منها ضمن» (٣).
وحرم الشافعية الاتجار في الوديعة، ولو كان بنية الاتجار لصاحبها.
قال في الحاوي الكبير: «الولي مندوب لحفظ ماله كالمودع المندوب لحفظ ما أودع، فلما لم يجز للمودع أن يتجر بالوديعة طلبًا لربح يعود على مالكها، فلم يجز للولي أن يتجر بمال اليتيم طلبا لربح يعود عليه» (٤).
стр. 9521
وقال الباجي في المنتقى شرحًا لقول مالك في الموطأ: «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: إذا استودع الرجل مالًا فابتاع به لنفسه، وربح فيه، فإن ذلك الربح له؛ لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه. اهـ قال الباجي: وهذا على حسب ما قال: إن من اتجر بمال استودعه فربح فيه، فإن الربح له، وقد اختلف قول مالك في جواز السلف من الوديعة بغير إذن المودع، فحكى القاضي أبو محمد في معونته: أن ذلك مكروه.
وقد روى أشهب عن مالك في العتبية أنه قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس، فروجع في ذلك فقال: إن كان له مال فيه وفاء، وأشهد، فأرجو أن لا بأس به.
ووجه الكراهة: ما احتج به القاضي أبو محمد؛ لأن صاحبها إنما دفعها إليه لا لينتفع بها، ولا ليصرفها، فليس له أن يخرجها عما قبضها عليه .... » (١).
فقد وصف الباجي في المنتقى أن الاتجار بالوديعة لصالح الوديع اقتراض لنفسه منها، فرجع حكم المسألة إلى حكم الاقتراض من الوديعة، وقد سبق بحثها، ولله الحمد.
وقال في الإنصاف: «لو اتجر بالوديعة، فالربح للمالك على الصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية الجماعة، ونقل حنبل ليس لواحد منهما، ويتصدق به، قال الحارثي: وهذا من الإمام أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب المختار في تصرف الغاصب، وهو أقوى. انتهى ... » (٢).
* * *
стр. 9522
المسألة الثانية
في استحقاق الربح إذا اتجر بالوديعة بدون تفويض
الخراج بالضمان.
[م-١٩٤٧] عرفنا في المبحث السابق حكم الاتجار بالوديعة بدون إذن صاحبها، وأن الجمهور يحرمون عليه ذلك خلافًا للمالكية، فلهم تفصيل بين الوديعة المثلية وبين غيرها، وبين الوديع الموسر وبين الوديع المعدوم،
فإذا اتجر الوديع بالوديعة، وخسر فإنه ضامن بالاتفاق، ولا يختلفون على ذلك.
وأما إذا ربح في الوديعة، فهل يستحق الربح المالك وحده، أو الوديع وحده، أو لا يستحق أحد منهما الربح، بل يجب أن يتصدق به؟
في ذلك خلاف بين العلماء على خمسة أقوال:
القول الأول:
يتصدق به، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
° حجة هذا القول:
أن هذا الربح هو كسب لمال مغتصب، فيكون خبيثًا، وسبيله: هو التخلص منه بالصدقة.
القول الثاني:
أن الربح يكون للوديع إذا أدى الضمان، أو سلم عينها بأن باعها، ثم
стр. 9523
اشتراها، ودفعها إلى مالكها، وإلا فإنه يتصدق به، اختاره أبو يوسف من الحنفية (١).
جاء في مجمع الأنهر: «(ولو تصرف فيها) أي الوديعة (فربح يتصدق به) أي بالربح عند الطرفين (وعند أبي يوسف يطيب له) الربح إذا أدى الضمان أو سلم عينها بأن باعها، ثم اشتراها ودفع إلى مالكها» (٢).
وانظر حجة هذا القول في القول التالي.
القول الثالث:
الربح للوديع مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (٣).
قال ابن الجلاب: «ومن استودع مالا فاتجر فيه ضمنه والربح له دون رب المال» (٤).
° حجة المالكية بأن الربح للوديع:
إذا كان ضمان هذه الوديعة على الوديع، فإن له ربحه، وعليه خسارته، ولا يمكن أن أحمله الخسارة، ولا يستحق الربح.
стр. 9524
القول الرابع:
أن الوديع إذا اتجر بالوديعة فباع واشترى بها، فهو غاصب، وأما حكم تصرفه:
فبيع الأعيان المودعة باطل مطلقًا، والبيع منقوض وإن تعددت، وهي مستردة ما دامت الأعيان قائمة، والأعيان المأخوذة في مقابلتها مردودة على ملاكها.
وإن اشترى الوديع بالوديعة، فإن كان الشراء بأعيانها فالشراء باطل كذلك.
وإن كان الوديع يشتري بذمته، ثم يؤدي الثمن من الوديعة، فالشراء ثابت له، فإذا ملك السلع، ثم ربح فيها، فله الربح، وما كان من خسارة فعليه، وعليه مثل الدراهم والدنانير التي غصبها، وهذا آخر قولي الشافعي، وعليه أكثر أصحابه (١).
وهو رواية في مذهب الحنابلة في التعامل مع الغاصب (٢).
قال ابن المنذر: «وإذا تعدى المودع فِي الوديعة واشترى بها شيئا نظر، فإن اشترى السلعة بعين المال فالشراء فاسد، ولم يملك السلعة، فإن اشترى السلعة بغير عينها فالشراء صحيح، ويضمن مثل المال الذي أتلف والربح له» (٣).
стр. 9525
° حجة هذا القول:
أن العقد إذا وقع على هذه الأعيان، كان باطلًا؛ لأن من شروط صحة العقد أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه، وهذا الوديع لا يملك التصرف في الوديعة بدون إذن صاحبها، أما إذا وقع العقد في الذمة فالعقد صحيح؛ لأن الوديع يملك أهلية التعاقد، فذمته صالحة لتحمل الحقوق، فإذا أدى ما وجب عليه في ذمته من الوديعة، كان هذا تعديًا يوجب الضمان، ولا يبطل العقد.
القول الخامس:
أن الربح يكون للمالك، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وامتلاك المالك للربح فرع عن صحة تصرف الوديع، فكيف صح تصرف الوديع، وهو بمنزلة الغاصب؟
اختلف الحنابلة في تخريج القول بالصحة على أربعة أقوال:
فقيل: بناء على القول بوقف تصرف الغاصب على الإجازة.
وقيل: إن هذا محمول على ما لو اشترى في ذمته ثم نقد الثمن من العين المغصوبة، وهي طريقة القاضي.
وقيل: إن القول بالصحة مخرج على رواية عدم تعيين النقود بالتعيين في العقد، فيبقى كالشراء في الذمة سواء.
وقيل: إن الصحة مختصة بالتصرف الكثير مما لا يدركه المالك، ولا يقدر على استرجاعه فيصح التصرف للضرورة.