وقال الباجي في المنتقى شرحًا لقول مالك في الموطأ: «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: إذا استودع الرجل مالًا فابتاع به لنفسه، وربح فيه، فإن ذلك الربح له؛ لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه. اهـ قال الباجي: وهذا على حسب ما قال: إن من اتجر بمال استودعه فربح فيه، فإن الربح له، وقد اختلف قول مالك في جواز السلف من الوديعة بغير إذن المودع، فحكى القاضي أبو محمد في معونته: أن ذلك مكروه.
وقد روى أشهب عن مالك في العتبية أنه قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس، فروجع في ذلك فقال: إن كان له مال فيه وفاء، وأشهد، فأرجو أن لا بأس به.
ووجه الكراهة: ما احتج به القاضي أبو محمد؛ لأن صاحبها إنما دفعها إليه لا لينتفع بها، ولا ليصرفها، فليس له أن يخرجها عما قبضها عليه .... » (١).
فقد وصف الباجي في المنتقى أن الاتجار بالوديعة لصالح الوديع اقتراض لنفسه منها، فرجع حكم المسألة إلى حكم الاقتراض من الوديعة، وقد سبق بحثها، ولله الحمد.
وقال في الإنصاف: «لو اتجر بالوديعة، فالربح للمالك على الصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية الجماعة، ونقل حنبل ليس لواحد منهما، ويتصدق به، قال الحارثي: وهذا من الإمام أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب المختار في تصرف الغاصب، وهو أقوى. انتهى ... » (٢).
* * *
стр. 9522
المسألة الثانية
في استحقاق الربح إذا اتجر بالوديعة بدون تفويض
الخراج بالضمان.
[م-١٩٤٧] عرفنا في المبحث السابق حكم الاتجار بالوديعة بدون إذن صاحبها، وأن الجمهور يحرمون عليه ذلك خلافًا للمالكية، فلهم تفصيل بين الوديعة المثلية وبين غيرها، وبين الوديع الموسر وبين الوديع المعدوم،
فإذا اتجر الوديع بالوديعة، وخسر فإنه ضامن بالاتفاق، ولا يختلفون على ذلك.
وأما إذا ربح في الوديعة، فهل يستحق الربح المالك وحده، أو الوديع وحده، أو لا يستحق أحد منهما الربح، بل يجب أن يتصدق به؟
في ذلك خلاف بين العلماء على خمسة أقوال:
القول الأول:
يتصدق به، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
° حجة هذا القول:
أن هذا الربح هو كسب لمال مغتصب، فيكون خبيثًا، وسبيله: هو التخلص منه بالصدقة.
القول الثاني:
أن الربح يكون للوديع إذا أدى الضمان، أو سلم عينها بأن باعها، ثم
стр. 9523
اشتراها، ودفعها إلى مالكها، وإلا فإنه يتصدق به، اختاره أبو يوسف من الحنفية (١).
جاء في مجمع الأنهر: «(ولو تصرف فيها) أي الوديعة (فربح يتصدق به) أي بالربح عند الطرفين (وعند أبي يوسف يطيب له) الربح إذا أدى الضمان أو سلم عينها بأن باعها، ثم اشتراها ودفع إلى مالكها» (٢).
وانظر حجة هذا القول في القول التالي.
القول الثالث:
الربح للوديع مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (٣).
قال ابن الجلاب: «ومن استودع مالا فاتجر فيه ضمنه والربح له دون رب المال» (٤).
° حجة المالكية بأن الربح للوديع:
إذا كان ضمان هذه الوديعة على الوديع، فإن له ربحه، وعليه خسارته، ولا يمكن أن أحمله الخسارة، ولا يستحق الربح.
стр. 9524
القول الرابع:
أن الوديع إذا اتجر بالوديعة فباع واشترى بها، فهو غاصب، وأما حكم تصرفه:
فبيع الأعيان المودعة باطل مطلقًا، والبيع منقوض وإن تعددت، وهي مستردة ما دامت الأعيان قائمة، والأعيان المأخوذة في مقابلتها مردودة على ملاكها.
وإن اشترى الوديع بالوديعة، فإن كان الشراء بأعيانها فالشراء باطل كذلك.
وإن كان الوديع يشتري بذمته، ثم يؤدي الثمن من الوديعة، فالشراء ثابت له، فإذا ملك السلع، ثم ربح فيها، فله الربح، وما كان من خسارة فعليه، وعليه مثل الدراهم والدنانير التي غصبها، وهذا آخر قولي الشافعي، وعليه أكثر أصحابه (١).
وهو رواية في مذهب الحنابلة في التعامل مع الغاصب (٢).
قال ابن المنذر: «وإذا تعدى المودع فِي الوديعة واشترى بها شيئا نظر، فإن اشترى السلعة بعين المال فالشراء فاسد، ولم يملك السلعة، فإن اشترى السلعة بغير عينها فالشراء صحيح، ويضمن مثل المال الذي أتلف والربح له» (٣).
стр. 9525
° حجة هذا القول:
أن العقد إذا وقع على هذه الأعيان، كان باطلًا؛ لأن من شروط صحة العقد أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه، وهذا الوديع لا يملك التصرف في الوديعة بدون إذن صاحبها، أما إذا وقع العقد في الذمة فالعقد صحيح؛ لأن الوديع يملك أهلية التعاقد، فذمته صالحة لتحمل الحقوق، فإذا أدى ما وجب عليه في ذمته من الوديعة، كان هذا تعديًا يوجب الضمان، ولا يبطل العقد.
القول الخامس:
أن الربح يكون للمالك، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
وامتلاك المالك للربح فرع عن صحة تصرف الوديع، فكيف صح تصرف الوديع، وهو بمنزلة الغاصب؟
اختلف الحنابلة في تخريج القول بالصحة على أربعة أقوال:
فقيل: بناء على القول بوقف تصرف الغاصب على الإجازة.
وقيل: إن هذا محمول على ما لو اشترى في ذمته ثم نقد الثمن من العين المغصوبة، وهي طريقة القاضي.
وقيل: إن القول بالصحة مخرج على رواية عدم تعيين النقود بالتعيين في العقد، فيبقى كالشراء في الذمة سواء.
وقيل: إن الصحة مختصة بالتصرف الكثير مما لا يدركه المالك، ولا يقدر على استرجاعه فيصح التصرف للضرورة.
стр. 9526
قال في الإنصاف: «لو اتجر في الوديعة فالربح للمالك على الصحيح من المذهب» (١).
جاء في القواعد لابن رجب: «إذا غصب نقودًا واتجر فيها وربح فإن نصوص أحمد متفقة على أن الربح للمالك فمن الأصحاب من بناه على القول بوقف تصرف الغاصب على الإجازة كابن عقيل وصاحب المغني.
ومنهم من بناه على أن تصرفات الغاصب صحيحة بدون إجازة؛ لأنه مدة تطول فيشق استدراكها، وفي القضاء ببطلانها ضرر عليه وعلى المالك بتفويته الربح، وهي طريقة صاحب التلخيص، والصحة عنده مختصة بالتصرف الكثير وأشار إليه صاحب المغني، وأن ما لم يدركه المالك ولم يقدر على استرجاعه يصح التصرف فيه بدون إنكاره لهذا المعنى.
ومن الأصحاب من نزله على أن الغاصب اشترى في ذمته ثم نقد الثمن وهي طريقة القاضي في بعض كتبه وابن عقيل في موضع آخر ويشهد لهذا أن المروذي نقل عن أحمد التفرقة بين الشراء بعين الغصب والشراء في الذمة فتنزل نصوصه المطلقة على هذا المقيد، وإنما كان الربح للمالك مع أن الشراء وقع للغاصب؛ لأنه نتيجة ملك المغصوب منه وفائدته فهو كالمتولد من عينه. ويحتمل أن يخرج ذلك على رواية عدم تعيين النقود بالتعيين في العقد فيبقى كالشراء في الذمة سواء» (٢).
стр. 9527
° الراجح:
أرى أن مذهب المالكية يتفق مع القواعد، وأن الخراج بالضمان، فمن ضمن مالًا كان له غنمه، وعليه غرمه، وكون الربح له لا يعني أنه لا يستحق الإثم بالغصب، فيحتاج منه توبة لتعديه، والله أعلم.
стр. 9528
المبحث الخامس
في تأجير الوديعة
الوديع لا يملك ولاية التصرف في الوديعة.
[م-١٩٤٨] إذا قام الوديع بتأجير الوديعة، فإن كان بإذن صاحبها فذلك جائز، ويكون الوديع وكيلًا عن صاحبها، نائبًا عنه في ذلك (١).
جاء في مجلة الأحكام العدلية: « ... للمستودع أن يستعمل الوديعة بإذن صاحبها فله أيضا أن يؤجرها ويعيرها ويرهنها» (٢).
[م-١٩٤٩] وإن قام بذلك بدون إذن صاحبها، فهل يملك ذلك، ولمن تكون الأجرة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس للوديع أن يؤجر العين المستأجرة، وإذا فعل ذلك ضمن، وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
وإذا تلفت العين المودعة، فقال الحنفية المالك بالخيار إن شاء ضمن الوديع، وإن شاء ضمن المستأجر، وأما الأجرة فهي للوديع في مقابل الضمان (٣).
стр. 9529
جاء في المبسوط: «ولو أكرى ـ يعني الوديع ـ الإبل إلى مكة، وأخذ الكراء كان الكراء له؛ لأنه وجب بعقده، وليست الغلة كالولد ولا كالصوف واللبن؛ فإن ذاك يتولد من الأصل فيملك بملك الأصل، وهذا غير متولد من الأصل، بل هو واجب بالعقد؛ فيكون للعاقد» (١).
وجاء في مجمع الضمانات: «الوديعة لا تودع، ولا تعار، ولا تؤجر، ولا ترهن، فإن فعل شيئًا منها ضمن» (٢).
وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعية والحنابلة حيث جعلوا حكم الوديع إذا أجر الوديعة بدون إذن صاحبها أنه في حكم الغاصب (٣).
وجاء في مجلة الأحكام الحنبلية: «ليس للوديع تأجير الوديعة ولا إعارتها ولا قرضها ولا الانتفاع بها إلا بإذن المالك فإن فعل ذلك كان متعديا ضامنًا» (٤).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن المالك مخير بين أن يسترد العين المستأجرة، ويأخذ أجرتها، وعليه نفقتها، وبين أن يتركها للوديع، ويضمنه قيمتها يوم كرائه؛ لأنه يوم التعدي، ولا شيء له من أجرتها. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية.
стр. 9530
واختار بعض المالكية أن الوديعة إن كانت للقنية فليس لربها إلا كراؤها، وإن كانت للتجارة فيخير ربها بين أخذ الأجرة وبين الضمان (١).
° وجه التخيير بين الأجرة وبين الضمان:
هذه صورة من الصور التي لا يجوز الجمع فيها بين الأجرة والضمان، وقد صاغ بعض الفقهاء قاعدة فقهية قالوا فيها: الأجرة والضمان لا يجتمعان.
والقول بأنهما لا يجتمعان في هذه الصورة:
أن الضمان مرتبط بالاعتداء، والأجرة تستحق بالعقد.
فإن أخذ المالك الأجرة فإن هذا يعني إجازة العقد، وإذا أجيز العقد فلا معنى لوجوب الضمان.
وأما إذا اختار المالك الضمان فإن هذا يعني عدم إجازة عقد الإجارة، وعليه فلا يصح للمالك الجمع بين أخذ الأجرة وبين الضمان، والله أعلم.
° الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 9531
المبحث الخامس
في السفر بالوديعة
[م-١٩٥٠] إذا كان عند الرجل وديعة، فأراد سفرًا، فإن أذن له صاحبها بالسفر بها فلا خلاف في جوازه، ولا يعتبر متعديًا.
وكذا إذا نهاه المالك عن السفر بالوديعة صراحة، فليس له السفر بها.
وقد اعتبر جمهور الفقهاء أن إيداع المسافر حال سفره إذن ضمني له أن يسافر بها؛ لأن علم المالك بحاله رضا ضمني بجواز السفر بها (١).
أما إذا لم ينهه مالكها عن السفر، ولم يأذن له فيه، فهل يعتبر السفر بالوديعة تعديًا يوجب الضمان؟
اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال خمسة:
القول الأول:
ذهب الحنفية، والشافعية في أحد القولين أن للمستودع السفر بالوديعة ولا ضمان عليه بذلك ما لم ينهه صاحبها عن السفر بها، أو يعين له مكان حفظها، أو يكن الطريق مخوفًا وإلا كان ضامنا بسفره بها فيما عدا حالة الضرورة (٢).
جاء في مرشد الحيران: «يجوز للمستودع السفر بالوديعة برًا وإن كان لها
стр. 9532
حمل ما لم ينهه صاحبها عن السفر بها، أو يعين مكان حفظها نصًا، أو يكن الطريق مخوفًا» (١).
° وجه قول الحنفية:
الوجه الأول:
أن الأمر بالحفظ صدر مطلقًا فلا يتقيد بالمكان كما لا يتقيد بالزمان إلا بدليل، والمفازة محل للحفظ إذا كان الطريق آمنًا.
ونوقش:
بأن المطلق ينصرف إلى المتعارف، وهو الحفظ في الأمصار عادة.
الوجه الثاني:
قياس الوديع على الأب والوصي، فإذا كان الأب والوصي يملك السفر في مال الصغير مع أن تصرفهما مقيد بالأصلح، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
فلولا أنه من الأحسن لما جاز ذلك لهما، فإذا جاز لهما جاز للوديع قياسًا عليهما، لأن يد الجميع يد أمانة، والله أعلم.
ويناقش:
بأن هناك خلافًا في حق الأب والوصي في السفر بمال الصغير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين الأب والوصي وبين الوديع، ذلك أن
стр. 9533
الأب والوصي يملكان الاتجار بمال الصغير، ولا يملك ذلك الوديع، ومن لوازم الاتجار السفر بالمال طلبًا للربح، والله أعلم.
القول الثاني:
يملك الوديع أن يسافر بالوديعة إلا أن يكون لها حمل ومؤونة، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (١).
° وجه قولهما:
أن السفر بالوديعة إذا كان لحملها مؤونة فيه ضرر بالمالك لجواز أن يموت الوديع في السفر، فيحتاج المالك لاسترداد وديعته إلى النفقة، وقد لا يمكنه ذلك بخلاف ما إذا كانت الوديعة لا حمل لها ولا مؤونة، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن سفر الوديع بالوديعة من غير عذر تعد موجب للضمان، فإن هلكت ضمن، وإن رجع بها سالمة في ذاتها، وصفتها، وسوقها، ثم تلفت لم يضمن (٢).
جاء في المدونة: «قلت: فلو أن رجلا استودعني وديعة فحضر مسيري إلى بعض البلدان فخفت عليها فحملتها معي فضاعت أأضمن في قول
стр. 9534
مالك؟ قال: نعم. قلت وكيف أصنع بها؟ قال: تستودعها في قول مالك ولا تعرضها للتلف» (١).
وقال ابن شاس: «لو سافر بها مع القدرة على إيداعها عند أمين لضمن، فإن سافر بها عند العجز عن ذلك كما لو كان في قرية مثلًا لم يضمن» (٢).
° دليل من قال: إن سافر بها ضمن:
(ح-١١٨٦) روى الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇، قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله (٣).
فإذا كان يمنع كمال الطعام والشراب والنوم وهي أركان الحياة مع ما فيه من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والخوف، وخشونة العيش، وكل هذه الأمور تؤثر على قدرة الوديع في حفظ الوديعة، ويتعرض فيها للخطر، ومنه السرقة، لهذا كان السفر بها من غير ضرورة، ولا إذن من المالك تعريض للوديعة لخطر الضياع والسرقة، فيوجب ذلك ضمانها إذا تلفت.
القول الرابع:
ذهب الشافعية إلى أن الوديع إذا سافر بالوديعة مع القدرة على ردها لمالكها أو وكيله، أو إلى الحاكم إن لم يقدر عليهما، أو إلى أمين، إن لم يقدر على
стр. 9535
الحاكم فإنه يضمنها (١).
فإن قدر الوديع على صاحبها أو وكيله ردها إليه، أو أخذ الإذن منه بالسفر بها وبرئ من الضمان.
فإن لم يقدر على أحد منهما، وقدر على الحاكم قام الحاكم مقام الغائب؛ لأن له ولاية النظر في أموال الغائبين.
فإذا لم يقدر على الحاكم، وقدر على الإيداع عند رجل أمين فإن هذا عذر يسمح له بإيداع الوديعة لأجنبي؛ لأنه لما تعذر رد الوديعة إلى صاحبها لأنه لا يعلم مكان وجوده، ولا يمكننا منعه من السفر؛ لأن هذا حجر عليه، وهو متبرع بالحفظ، ولا يمكنه السفر بها؛ لأن في السفر بها تعريضًا لها للهلاك، ولم يأذن له مالكها، فلم يبق له إلا إيداعها لثقة على الوجه الذي يحفظ به ماله لو أراد إيداعه، فلا يصير ضامنًا بالدفع إلى غيره في هذه الحالة، والله أعلم.
واستدل الشافعية على جواز إيداعها لأجنبي:
(ح-١١٨٧) بما رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: أخبرني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة قال:
حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله ﵇، فذكر الحديث في خروج النبي ﵇، قال فيه: فخرج رسول الله ﵇ وأقام علي بن أبي طالب ﵁
стр. 9536
ثلاث ليال وأيامها؛ حتى أدى عن رسول الله ﵇ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﵇.
[قال الحافظ: إسناده قوي] (١).
وقد يقال: إن علي وكيل عن النبي ﵇، ويد الوكيل كيد الموكل.
القول الخامس:
ذهب الحنابلة إلى أنه لا ضمان على الوديع إن سافر بها مع حضور مالكها إذا لم يخف عليها من السفر، أو كان السفر أحفظ لها من إبقائها ولم ينهه صاحبها عنه، وإلا اعتبر متعديًا ضامنًا ما لم يكن له عذر بذلك، أو اضطرار.
وقول الحنابلة قريب من قول الحنفية، وقد سبق ذكره، فأغنى ذلك عن إعادته، ولله الحمد.
° الراجح:
لا شك أن السفر في هذا العصر يختلف عن السفر في العصور السابقة، فالسفر في الطائرة، والسيارة لا يشبه السفر بالجمال وعن طريق الصحراء، وإذا كان كذلك فإن السفر بالوديعة اليوم أكثر أمنًا من السفر فيها في العصور السابقة، ومع ذلك إذا كان البلد المسافر إليها لا يتوفر فيها الأمن، ويكثر فيها السرقات كان الوديع ممنوعًا من السفر بالوديعة، فله أن يودعها عند القاضي، أو يودعها عند ثقة، ولا يعتبر ذلك تعديًا، والله أعلم.
* * *
стр. 9537
الفصل الثالث
في الاختلاف بين المالك والوديع
المبحث الأول
إذا أنكر أصل الإيداع
الوديعة تصير غصبًا بالجحود.
[م-١٩٥١] إذا طلب المالك الوديعة فأنكر الوديع أن يكون عنده له وديعة، فالقول قول الوديع بيمنه؛ لأن المالك يدعي الإيداع، والوديع: ينكر، والقاعدة الفقهية تقول: البينة على المدعي، فإن لم يقم بينة على دعواه، فإن القول قول المدعى عليه مع يمينه (١).
(ح-١١٨٨) لما رواه مسلم من طريق ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٢).
قال أبو إسحاق الشيرازي: «إذا اختلف المودع والمودع فقال: أودعتك وديعة وأنكرها المودع فالقول قوله ... ثم ذكر حديث ابن عباس المتقدم، وقال: ولأن الأصل أنه لم يودعه فكان القول قوله» (٣).
стр. 9538
وقال العمراني في البيان: «وإن ادعى على رجل أنه أودعه وديعة معلومة، فقال المدعى عليه: ما أودعتني، ولا بينة للمدعي فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لقوله ﵇: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. ولأن الأصل عدم الإيداع» (١).
وقال ابن قدامة: «فإن طولب بالوديعة فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمها» (٢).
فإن نكل الوديع عن اليمين، أو أقام المالك البينة عليها، أو رجع الوديع واعترف بالوديعة، فإنه يصير بجحوده خائنًا ضامنًا لخروجه به عن كونه أمينًا فتنقلب يده إلى يد غاصب، فلا يبرأ إلا بردها إلى صاحبها (٣).
قال الكساني: «ومنها ـ أي ما يجعل الوديعة مضمونة ـ جحود الوديعة في وجه المالك عند طلبه، حتى لو قامت البينة على الإيداع، أو نكل المودع عن اليمين، أو أقر به، دخلت في ضمانه؛ لأن العقد لما ظهر بالحجة؛ فقد ظهر
стр. 9539
ارتفاعه بالجحود، أو عنده؛ لأن المالك لما طلب منه الوديعة، فقد عزله عن الحفظ، والمودع لما جحد الوديعة حال حضرة المالك، فقد عزل نفسه عن الحفظ؛ فانفسخ العقد، فبقي مال الغير في يده بغير إذنه؛ فيكون مضمونا عليه، فإذا هلك تقرر الضمان» (١).
وقال القرافي في الذخيرة: «إذا جحدك وشهدت البينة ضمن؛ لأنه بالجحد صار غاصبًا» (٢).
وقال الماوردي: «رجل أودع رجلًا وديعة، ثم طالبه بها، فجحدها وقال: لم تودعني شيئًا، ثم عاد فاعترف بها وقال: قد كنت استودعتها وتلفت، أو قامت بها البينة عليه فادعى بتلفها لم يقبل منه، لأمرين:
أحدهما: أنه قد صار بالجحد متعديًا فضمنها، ومن ضمن وديعة لم يسقط عنه الغرم بتلفها.
والثاني: أنه بالإنكار الأول قد أكذب نفسه بادعاء التلف» (٣).
وقال ابن قدامة: «إذا ادعى على رجل وديعة، فقال: ما أودعتني. ثم ثبت أنه أودعه، فقال: أودعتني، وهلكت من حرزي، لم يقبل قوله، ولزمه ضمانها. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة» (٤).
стр. 9540
فهذه نصوص مختلفة عن أصحاب الأئمة الأربعة تتفق على أن الوديع إذا قال: ما أودعتني، ثم قامت البينة على الإيداع، أو نكل الوديع عن اليمين، أو أقر بالوديعة بعد الاعتراف أنه يكون ضامنًا بذلك حتى يردها إلى صاحبها.
وهذا الكلام في الجملة، ولهم تفصيلات قد يتفقون عليها وقد يختلفون فيها، أذكر أهمها:
المسألة الأولى: من المسائل محل الوفاق بين الأئمة الأربعة أن الوديع لو قال: ما عندي لك وديعة، ثم ادعى الهلاك، فإنه يسمع؛ لأن هناك فرقًا بين قوله: ما أودعتني، وبين قوله: ما عندي لك وديعة، فالأول ينفي أصل الإيداع. والثاني ينفي وجود الوديعة أو استحقاقها حال طلب صاحبها، وهذا لا يتناقض مع دعوى الرد أو الهلاك (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «ولو طلب الوديعة، فقال: ما أودعتني، ثم ادعى الرد أو الهلاك لا يصدق، ولو قال: ليس له علي، ثم ادعى الرد أو الهلاك يسمع، كذا في خزانة المفتين» (٢).
وقال ابن نجيم: «رجل ادعى على آخر ألفًا وديعة، فأنكر، فلما أقام البينة على الإيداع ادعى المدعى عليه الرد أو الهلاك، إن قال أولًا: ليس لك علي شيء يسمع. وإن قال: ما أودعتني أصلًا لا يسمع» (٣).
стр. 9541
وقال النووي: «من أنكر وديعة ادعيت، صدق بيمينه، فلو أقام المدعي بينة بالإيداع، أو اعترف بها المدعى عليه، طولب بها. فإن ادعى ردها أو تلفها قبل الجحود أو بعده، نظر في صيغة جحوده، فإن أنكر أصل الإيداع، لم تقبل دعواه الرد؛ لتناقض كلامه وظهور خيانته .... وإن كانت صيغة جحوده: لا يلزمني تسليم شيء إليك، أو ما لك عندي وديعة أو شيء، صدق في دعوى الرد والتلف؛ لأنها لا تناقض كلامه الأول» (١).
وجاء في المغني: «وإذا طالبه الوديعة، فقال: ما أودعتني. ثم قال: ضاعت من حرز، كان ضامنًا؛ لأنه خرج من حال الأمانة. ولو قال: ما لك عندي شيء، ثم قال: ضاعت من حرز، كان القول قوله .... مع يمينه، ولا ضمان عليه؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة، ولا يكذبها، فإن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه، فلا شيء لمالكها عنده، ولا يستحق عليه شيئًا» (٢).
المسألة الثانية: لا يضمن إذا كان الهدف من جحود الوديعة الستر والخفاء، أو جحد الوديعة لوجود عدو يخافه عليها من التلف؛ لأن هذا الجحود لمصلحة المالك ومصلحة الوديعة، وهذا قد نص عليه الحنفية والشافعية، خلافًا لزفر (٣).
جاء في فتح القدير: «ولو جحدها عند غير صاحبها لا يضمنها عند
стр. 9542
أبي يوسف خلافًا لزفر؛ لأن الجحود عند غيره من باب الحفظ؛ لأن فيه قطع طمع الطامعين» (١).
وقال النووي: «إذا قال المودع: لا وديعة لأحد عندي، إما ابتداء، وإما جوابًا لسؤال غير المالك، فلا ضمان، سواء جرى ذلك بحضرة المالك أو في غيبته؛ لأن إخفاءها أبلغ في حفظها. وإن طلبها المالك فجحدها، فهو خائن ضامن» (٢).
وجه قول زفر: أن ما هو سبب وجوب الضمان لا يختلف بالحضرة، والغيبة كسائر الأسباب (٣).
المسألة الثالثة: إذا جحد الوديعة، ثم هلكت قبل نقلها، فهل يضمن؟
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ضمان عليه، ولهذا لو كانت الوديعة عقارًا لم يضمنها بالجحود؛ لأن العقار لا يمكن نقله عن مكانه (٤).
قال ابن نجيم: «المودع إذا جحدها ضمنها إلا إذا هلكت قبل النقل كما في الأجناس» (٥).
وفي الفتاوى الهندية: «في الأجناس: الوديعة إنما تضمن بالجحود إذا نقلها
стр. 9543
من موضعها الذي كانت فيه حال إنكاره وهلكت، فإن لم ينقلها وهلكت لا يضمن» (١).
° وجه اشتراط النقل عند الحنفية:
أن الوديع إذا جحد الوديعة صار غاصبًا، والغصب لا يتصور إلا حيث يتصور النقل.
ونص الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن بأن الوديع يضمن بالجحود، نقلها أو لم ينقلها (٢).
قال ابن رجب: «يصير المودع ضامنًا بمجرد جحود الوديعة من غير نقل، ولا إزالة يد» (٣).
وهذا هو الراجح، ولهذا لو جلس على بساط الغير مغتصبًا ضمن، ولو لم يكن هناك نقل.
المسألة الرابعة: إذا أقام الوديع البينة على هلاكها، فهذا له ثلاث صور.
الصورة الأولى:
أن يقيم البينة على الهلاك بعد الجحود.
فذهب الحنفية والشافعية، ورجحه ابن قدامة في المغني، وصوبه في الإنصاف: أن البينة لا تنفعه، وأن الضمان واجب عليه (٤).
стр. 9544
° وجه القول بوجوب الضمان:
لأن الوديع بالجحود صار ضامنًا، وهلاك المضمون في يد الضامن يوجب عليه الضمان، فلم تنفعه البينة.
جاء في المبسوط: «فإن أقام رب الوديعة البينة بعد جحود المودع أنه استودعه، ثم أقام المستودع البينة أنها ضاعت، فهو ضامن؛ لأنه بالجحود صار ضامنًا، وهلاك المضمون في يد الضامن يقرر عليه الضمان» (١).
وجاء في الحاوي الكبير: «لو أقام بينة على تلفها، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تشهد له البينة بتلفها بعد الجحود، فلا تسمع، والغرم واجب عليه؛ لأنها تلفت بعد الضمان» (٢).
القول الثاني:
أن البينة تنفعه؛ لأنه ليس بمكذب لها، وهذا هو الأصح في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في الإنصاف: «وأما إن ادعى الرد، أو التلف بعد جحوده بها، بأن يدعي عليه يوم الجمعة، فينكر، ثم يقر، وتقوم البينة به، فيقيم بينته بتلفها أو ردها يوم السبت، أو بعده مثلا، فهذا تقبل فيه البينة بالرد قولًا واحدًا، وتقبل في التلف على الصحيح من المذهب» (٤).
стр. 9545
الصورة الثانية: أن يقيم البينة على أنها هلكت قبل جحوده، ففيها خلاف:
القول الأول:
لا يقبل منه؛ وعليه الضمان، إلا أن يصدقه المالك بذلك، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
وقال الشافعية: يصدق في دعوى التلف، لكنه كالغاصب، فيضمن (٢).
قال السرخسي: «جحوده أصل الإيداع يمنعه من دعوى الهلاك قبله» (٣).
وقال في تحفة الفقهاء: «فإن أقر بالوديعة وأقام المودع البينة على أنها هلكت قبل جحوده الوديعة لا يقبل؛ لأنه بالجحود أكذب بينته» (٤).
وفي التاج والإكليل: «قال ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وابن الماجشون، وأصبغ: من استودع وديعة ببينة فجحدها، ثم أقر أنه ردها، وأقام البينة بردها فإنه ضامن؛ لأنه أكذب بينته إذ قال: لم أجدها يريد أو قال ما أودعتني شيئا» (٥).
° وجه القول بالضمان:
أنه بالجحود أكذب بينته، فلا تقبل، وعليه الضمان.
стр. 9546
القول الثاني:
تسمع بينته، ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك لما ثبت بالبينة فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود، فلا يرتفع بالجحود. وهذا قول في مذهب الحنفية، والمشهور في مذهب المالكية (١).
جاء في منح الجليل: «تحصل فيمن أنكر أمانة ثم ادعى ضياعها أو ردها ثلاثة أقوال: الأول لمالك من سماع ابن القاسم يقبل قوله فيهما.
الثاني لمالك أيضا: لا يقبل قوله فيهما.
الثالث لابن القاسم: يقبل قوله في الضياع دون الرد. المشهور أنه إن قامت بينة على ضياعه أو رده فإنها تنفعه بعد إنكاره» (٢).
وجاء في بدائع الصنائع: «وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته، ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك قبل الجحود لما ثبت بالبينة فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود، فلا يرتفع بالجحود، فظهر أن الوديعة هلكت من غير صنعة، فلا يضمن» (٣).
ولعل الجمع بين هذا القول والقول السابق، أن الوديع إذا جحد الوديعة، ثم أقام البينة على هلاكها قبل الجحود، فإن قال: ليس لك عندي وديعة قبلت بينته، ويبرأ عن الضمان.
وإن قال: لم تستودعني، ثم ادعى الهلاك قبل الجحود لم يقبل (٤).
стр. 9547
الصورة الثالثة:
أن يدعي الهلاك قبل الجحود، ولا بينة لأحد منهما.
فاختار الحنفية أن القاضي يطلب اليمين من المالك أنه ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده، فإن حلف، قضى بالضمان، وإن نكل المالك قضى بالبراءة.
جاء في الدر المختار: «ولو ادعى هلاكها قبل جحوده حلف المالك ما يعلم ذلك فإن حلف ضمنه، وإن نكل برئ» (١).
стр. 9548
المبحث الثاني
إذا اختلفا في الرد
الأمين يصدق بيمينه في براءة ذمته.
كل أمين ادعى رد الأمانة إلى مستحقها، فالقول قوله مع يمينه.
[م-١٩٥٢] إذا ادعى الوديع رد الوديعة إلى ربها، وكذبه المالك، فهل يقبل قوله:
القول الأول:
أن القول قول الوديع بيمينه، وهذا قول جمهور الفقهاء (١).
قال السرخسي: «وإذا طلب المودع الوديعة فقال المستودع: قد رددتها عليك فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين والقول قول الأمين مع اليمين؛ لإنكاره السبب الموجب للضمان، وإخباره بما هو مسلط عليه، وهو رد الوديعة على صاحبها، والمودع هو الذي سلطه على ذلك، فيجعل قوله كقول المسلط إلا أنه يستحلف لنفي التهمة عنه» (٢).
стр. 9549
° وجه أن القول قول الوديع:
الوجه الأول:
أن كل أمين ادعى رد الأمانة إلى مستحقها فالقول قوله بيمينه، لأن الأصل براءة الذمة وعدم التعدي والتقصير.
الوجه الثاني:
أن قول الوديع أنما اعتبر مع أنه يدعي خلاف الظاهر بقوله: رددت؛ لأنه وإن كان مدعيًا صورة، فإنه منكر من حيث المعنى، فالمالك يدعي الضمان بدعوى عدم الرد، والوديع منكر للضمان، والقاعدة الفقهية تقول: البينة على المدعي، واليمين على المنكر، فكان القول قول الوديع مع يمينه؛ لأنه منكر (١).
قال ابن حزم: «والقول في هلاك الوديعة، أو في ردها إلى صاحبها، أو في دفعها إلى من أمره صاحبها بدفعها إليه قول الذي أودعت عنده مع يمينه، سواء دفعت إليه ببينة أو بغير بينة؛ لأن ماله محرم كما ذكرنا فهو مدعى عليه وجوب غرامة، وقد حكم رسول الله ﵇ بأن اليمين على من ادعي عليه» (٢).
القول الثاني:
أن المالك إن دفع الوديعة بدون بينة فللوديع ردها بدون بينة، والقول قوله في الرد، وأما إذا أشهد المالك على دفع الوديعة لزم الوديع إعادتها ببينة، فإن ادعى
стр. 9550
الرد بدون بينة لم يقبل منه، وهذا مذهب المالكية، وهو رواية عن أحمد نص عليه في رواية طالب وابن منصور (١).
جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «ومن بيده وديعة أو قراض لرجل، فقال له: رددت ذلك إليك، فهو مصدق، إلا أن يكون قبض ذلك ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة» (٢).
وقال ابن رجب: «نقل أبو طالب وابن منصور عن أحمد أن الوديعة إذا ثبتت ببينة لم تقبل دعوى الرد بدون بينة، وخرجها ابن عقيل على أن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب فيكون تركه تفريطا فيجب فيه الضمان وكذلك خرج طائفة من الأصحاب في وصي اليتيم أنه لا يقبل قوله في الرد بدون بينة، وعزاه القاضي في خلافه إلى قول الخرقي وهو متوجه على هذا المأخذ ; لأن الإشهاد بالدفع إلى اليتيم مأمور به بنص القرآن، وقد صرح أبو الخطاب في انتصاره باشتراطه الإشهاد عليه كالنكاح» (٣).
° وجه القول بأن ما دفعه ببينة لا يقبل قوله بالرد إلا ببينة:
قال ابن رشد: «الأمانة التي تكون بين المخلوقين أمرهم الله فيها بالتقوى والأداء، ولم يأمرهم بالإشهاد كما فعل في ولي اليتيم، فدل ذلك على أنهم
стр. 9551
مؤتمنون في الرد إلى من ائتمنهم دون إشهاد، فوجب أن يصدق المستودع في دعواه رد الوديعة مع يمينه إن أكذبه المودع .... إلا أن يكون دفعها إليه بإشهاد، فيتبين أنه إنما ائتمنه على حفظها، ولم يأتمنه على ردها، فيصدق في الضياع الذي ائتمنه عليه، ولا يصدق في الرد الذي استوثق منه فيه، ولم يأتمنه عليه» (١).
* * *
стр. 9552
المبحث الثالث
إذا اختلفا في التعدي والتفريط
[م-١٩٥٣] سبق لنا أن الوديعة أمانة في يد الوديع، فلا تضمن إلا إذا كان هلاكها بتعديه أو بتفريطه.
فإذا ادعى الوديع هلاك الوديعة أو ضياعها، فإن أقر بتعديه أو تفريطه ضمن، وسبق بحث هذه المسألة.
وإن ادعى براءته من التعدي والتفريط، فإن صدقه المالك فلا ضمان عليه قولًا واحدًا؛ لأنه أمين، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط.
وإن كذبه المالك، فهل يقبل قوله في نفي التعدي والتفريط، أو يطالب بالبينة على ذلك، وللجواب على ذلك نقول:
إن كان يدعي التلف بسبب خفي كالسرقة والضياع فهذا محل اتفاق بين الفقهاء أن القول قوله، ولا يطالب بالبينة، ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (١).
وإن كان يدعي التلف بسبب ظاهر كالحريق، والسيل الجارف، والعسكر ونحو ذلك فهل يطالب بالبينة على حدوث الحريق، والسيل الجارف، في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
يقبل قوله مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وابن حزم من الظاهرية (٢).
стр. 9553
° دليل من قال: يقبل قوله مطلقًا:
الدليل الأول:
من الإجماع، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله، وقال أكثرهم: إن القول قوله مع يمينه» (١).
الدليل الثاني:
أن الوديع يدعي براءة ذمته من الضمان، والمالك يدعي شغل ذمته، وذلك خلاف الأصل؛ إذ الأصل براءة ذمته.
الدليل الثالث:
من النظر، وذلك أن الوديعة أمانة في يده، والوديع مؤتمن عليها، وهذا بالاتفاق، وإذا كان أمينًا فلا بد من قبول قول الأمناء في التلف؛ إذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان، ومن لوازمه قبول قوله في التلف، ولو طالبناه بالبينة لم يكن أمينًا.
القول الثاني:
إن ادعى التلف بسبب ظاهر كحريق، وغرق لم يقبل قوله إلا ببينة، فإن أقام
стр. 9554
بينة على حصول الحريق أو الغرق قبل قوله بلا بينة أن الوديعة هلكت فيه، وإن لم يقم بينة على حصول الحريق أو الغرق فإنه ضامن.
وإن ادعى التلف ولم يذكر سببًا، أو ذكر سببًا خفيًا كالسرقة، والضياع، فالقول قوله في الهلاك والتضييع. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
° وجه القول بالتفريق:
أن الوديع إذا ادعى تلفها بسبب خفي كالسرقة والضياع فالقول قوله؛ ولا يطالب بالبينة؛ لأن إقامة البينة على سبب خفي متعذر.
وإن ادعى تلفها بسبب ظاهر، كالسيل، والعسكر، والنهب، والحريق لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على حدوث ذلك السبب؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه؛ لأنه لا يخفى على أحد، وكما يقال فيمن قال لامرأته: إن ولدت فأنت طالق، فادعت أنها ولدت لم يقبل قولها من غير بينة، ولو قال: إذا حضت فأنت طالق، فادعت أنها حاضت قبل قولها مع يمينها.
° الراجح:
أرى أن التفصيل الذي قاله الشافعية والحنابلة أقوى، وهو لا يخرج المسألة عن كون الوديع أمينًا، وذلك أنه لا يطالب بالبينة على تلف الوديعة في الحريق أو في السيل الجارف، وإنما الوديع يدعي حدوث أمر ظاهر لا يخفى على
стр. 9555
أحد، والمالك يكذبه، فيطالب بالبينة على حدوث الحريق والسيل الجارف فقط، فلو أن المالك أقر بحدوث الحريق، أو حصول السيل لكان القول قول الوديع، ولم يطالب بالبينة على تلف الوديعة في ذلك الحدث.
* * *
стр. 9556
المبحث الرابع
في مطالبة الوديع باليمين إذا ادعى التلف
[م-١٩٥٤] عرفنا في المبحث السابق أن الوديع إذا ادعى التلف أن القول قوله؛ فهل يطالب باليمين، أو يكتفى بقوله دون يمينه؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن القول قوله مع يمينه، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (١).
وقال ابن المنذر: هو قول الأكثر. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله، وقال أكثرهم: إن القول قوله مع يمينه» (٢).
стр. 9557
° دليل من قال: القول قوله مع يمينه:
أن المالك يدعي على الوديع التعدي والتفريط، والوديع مدعى عليه، واليمين في حق المدعى عليه.
(ح-١١٨٩) لما رواه مسلم من طريق ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١).
القول الثاني:
أن القول قوله، ولا يطالب باليمين، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (٢).
لأن الوديع أمين، والأمين مصدق فيما يقول، وهذا يقتضي ألا يحلف؛ لأن اليمين لدفع التهمة، وهو ليس متهمًا.
القول الثالث:
لا يمين عليه إلا أن يتهم، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
والمتهم عند المالكية: هو من يشار إليه بالتساهل في حفظ الوديعة، وقيل: هو من ليس من أهل الصلاح (٤).
стр. 9558
° وجه التفريق بين المتهم وغير المتهم:
أن غير المتهم مصدق فيما يقول؛ لكونه أمينًا، وأما المتهم بالتساهل في الحفظ أو بكونه ليس صالحًا فإن اليمين لدفع تهمة التساهل أو الكذب، فإن نكل حلف المالك، وضمن المودَع فإن لم يحلف صدق الوديع.
° الراجح:
القول بأن عليه اليمين سواء كان متهمًا أو غير متهم؛ لأن النبي ﵇ أوجب اليمين على المدعى عليه من غير فرق بين متهم وغيره، والله أعلم.
وبهذه المسألة أكون قد انتهيت من بيان آثار عقد الوديعة ابتداء من وجوب حفظها، إلى بيان صفة الحفظ، ومن يحفظ الوديعة، ومن تجب عليه النفقة على الوديعة، وصفة الإنفاق، ووجوب رد الوديعة عند طلب صاحبها، وفي ضمانه إذا امتنع من الرد بدون عذر، وكون الوديعة أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط.
* * *
стр. 9559
المبحث الخامس
إذا اختلفا في الأمر بالتصرف في الوديعة
الأصل عدم الإذن بالتصرف.
[م-١٩٥٥] إذا اختلف المالك والوديع، بأن قال الوديع أمرتني أن أنفق الوديعة على عيالك، أو أمرتني بأن أدفعها إلى فلان، فقال: لم أمرك بذلك، فمن المقدم قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أن القول قول المالك مع يمينه، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١).
جاء في المبسوط: «وإن ادعى المستودع أنه أنفق الوديعة على عيال المودع بأمره، وصدقه عياله في ذلك، وقال رب الوديعة: لم آمرك بذلك، فالقول قول رب الوديعة مع يمينه» (٢).
وجاء في المدونة: «أرأيت إن استودعني رجل وديعة فجاء يطلبها فقلت له:
стр. 9560
إنك أمرتني أن أدفعها إلى فلان وقد دفعتها إليه، وقال رب الوديعة: ما أمرتك بذلك؟
قال: هو ضامن إلا أن يكون له بينة أنه أمره بذلك» (١).
وقال الشافعي في الأم: « ... المستودَع قال: أمرتني أن أدفعها إلى فلان، فدفعتها، وقال المستودع: لم آمرك، فالقول قول المستودِع، وعلى المستودَع البينة» (٢).
° وجه من قال: إن القول قول المالك:
الوجه الأول:
الأصل عدم الإذن بالتصرف، فإذا ادعى الوديع الإذن فعليه البينة.
الوجه الثاني:
الوديع يدعي الرد على من لم يأتمنه فضمنها فكان كما لو أودعها إلى أجنبي، ولهذا نقول: إذا ادعى الوصي رد مال الطفل عليه بعد بلوغه لم نكتف بقول الوصي ويمينه، فإنه وإن كان أمينا، فقد ادعى الرد على من لم يأتمنه، وهو الطفل الذي بلغ، وقد شهد بذلك نص القرآن، فإنه عز من قائل قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] والأمر بالتأكيد بالشهود يشعر بأن الراد لا يصدق في دعوى الرد.