المبحث الرابع
في مطالبة الوديع باليمين إذا ادعى التلف
[م-١٩٥٤] عرفنا في المبحث السابق أن الوديع إذا ادعى التلف أن القول قوله؛ فهل يطالب باليمين، أو يكتفى بقوله دون يمينه؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن القول قوله مع يمينه، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (١).
وقال ابن المنذر: هو قول الأكثر. قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله، وقال أكثرهم: إن القول قوله مع يمينه» (٢).
стр. 9557
° دليل من قال: القول قوله مع يمينه:
أن المالك يدعي على الوديع التعدي والتفريط، والوديع مدعى عليه، واليمين في حق المدعى عليه.
(ح-١١٨٩) لما رواه مسلم من طريق ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، أن النبي ﵇ قال: لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (١).
القول الثاني:
أن القول قوله، ولا يطالب باليمين، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (٢).
لأن الوديع أمين، والأمين مصدق فيما يقول، وهذا يقتضي ألا يحلف؛ لأن اليمين لدفع التهمة، وهو ليس متهمًا.
القول الثالث:
لا يمين عليه إلا أن يتهم، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٣).
والمتهم عند المالكية: هو من يشار إليه بالتساهل في حفظ الوديعة، وقيل: هو من ليس من أهل الصلاح (٤).
стр. 9558
° وجه التفريق بين المتهم وغير المتهم:
أن غير المتهم مصدق فيما يقول؛ لكونه أمينًا، وأما المتهم بالتساهل في الحفظ أو بكونه ليس صالحًا فإن اليمين لدفع تهمة التساهل أو الكذب، فإن نكل حلف المالك، وضمن المودَع فإن لم يحلف صدق الوديع.
° الراجح:
القول بأن عليه اليمين سواء كان متهمًا أو غير متهم؛ لأن النبي ﵇ أوجب اليمين على المدعى عليه من غير فرق بين متهم وغيره، والله أعلم.
وبهذه المسألة أكون قد انتهيت من بيان آثار عقد الوديعة ابتداء من وجوب حفظها، إلى بيان صفة الحفظ، ومن يحفظ الوديعة، ومن تجب عليه النفقة على الوديعة، وصفة الإنفاق، ووجوب رد الوديعة عند طلب صاحبها، وفي ضمانه إذا امتنع من الرد بدون عذر، وكون الوديعة أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط.
* * *
стр. 9559
المبحث الخامس
إذا اختلفا في الأمر بالتصرف في الوديعة
الأصل عدم الإذن بالتصرف.
[م-١٩٥٥] إذا اختلف المالك والوديع، بأن قال الوديع أمرتني أن أنفق الوديعة على عيالك، أو أمرتني بأن أدفعها إلى فلان، فقال: لم أمرك بذلك، فمن المقدم قوله؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
أن القول قول المالك مع يمينه، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١).
جاء في المبسوط: «وإن ادعى المستودع أنه أنفق الوديعة على عيال المودع بأمره، وصدقه عياله في ذلك، وقال رب الوديعة: لم آمرك بذلك، فالقول قول رب الوديعة مع يمينه» (٢).
وجاء في المدونة: «أرأيت إن استودعني رجل وديعة فجاء يطلبها فقلت له:
стр. 9560
إنك أمرتني أن أدفعها إلى فلان وقد دفعتها إليه، وقال رب الوديعة: ما أمرتك بذلك؟
قال: هو ضامن إلا أن يكون له بينة أنه أمره بذلك» (١).
وقال الشافعي في الأم: « ... المستودَع قال: أمرتني أن أدفعها إلى فلان، فدفعتها، وقال المستودع: لم آمرك، فالقول قول المستودِع، وعلى المستودَع البينة» (٢).
° وجه من قال: إن القول قول المالك:
الوجه الأول:
الأصل عدم الإذن بالتصرف، فإذا ادعى الوديع الإذن فعليه البينة.
الوجه الثاني:
الوديع يدعي الرد على من لم يأتمنه فضمنها فكان كما لو أودعها إلى أجنبي، ولهذا نقول: إذا ادعى الوصي رد مال الطفل عليه بعد بلوغه لم نكتف بقول الوصي ويمينه، فإنه وإن كان أمينا، فقد ادعى الرد على من لم يأتمنه، وهو الطفل الذي بلغ، وقد شهد بذلك نص القرآن، فإنه عز من قائل قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] والأمر بالتأكيد بالشهود يشعر بأن الراد لا يصدق في دعوى الرد.
стр. 9561
القول الثاني:
أن القول قول الوديع، وهذا قول ابن أبي ليلى من الحنفية، ومذهب الحنابلة، وقول ابن حزم من الظاهرية (١).
° وجه من قال: إن القول قول الوديع:
الوجه الأول:
أن الوديع يدعى دفعًا يبرأ به من الوديعة فكان القول قوله فيه كما لو ادعى ردها إلى مالكها.
الوجه الثاني:
أن التفريق بين أن يدعي الرد على مالكها فيقبل قوله، وبين أن يدعي أن المالك قد أذن له بالرد إلى فلان فلا يقبل تفريق بلا دليل، ولم يأت بالفرق قرآن ولا سنة.
ويناقش:
بأن هناك فرقًا، فإذا ردها إلى من ائتمنه فيقبل؛ ولا معنى لائتمانه إذا لم يقبل قوله في الرد إليه، أما الرد إلى أجنبي فلا يقبل قوله؛ لأنه رد إلى شخص لم يأتمنه، فكان عليه أن يشهد في الرد عليه، كما قدمنا من طلب الإشهاد عند دفع المال إلى اليتيم إذا بلغ؛ لأن اليتيم لم يأتمن الوصي، والله أعلم.
стр. 9562
المبحث السادس
إذا تنازع الوديعة رجلان
[م-١٩٥٦] إذا كان في يده وديعة فادَّعها رجلان، فقال الوديع: أودعني أحدكما، ولست أدري أيكما هو؟
فاختلف الفقهاء في الحكم في هذه المسألة على النحو التالي:
القول الأول: مذهب الحنفية:
إن اصطلح الرجلان على أن تكون الوديعة بينهما فليس للوديع أن يمتنع عن تسليم الوديعة إليهما، وليس لهما أن يستحلفا الوديع بعد الصلح.
وإن لم يصطلحا، فعلى الوديع أن يحلف لكل واحد منهما أنه ما أودعه هذه الوديعة بعينها؛ لأن كل واحد من الاثنين مدع، ودعواه محتملة للصدق، والوديع منكر، واليمين على المنكر، فإن حلف لهما فلا شيء لهما لعدم الحجة، وانقطاع الخصومة إلى وقت إقامة البينة كما في سائر الأحكام.
وإن نكل لهما قضي بالوديعة بينهما نصفين، وضمن مثلها بينهما؛ لأن كل واحد منهما يدعي أن الوديعة كاملة له، ولأن التجهيل من الوديع موجب للضمان عليه، وقد صار مجهلًا في حق كل واحد منهما، فيصير ضامنًا، ثم بنكوله صار مقرًا لكل واحد منهما أنه أخذ جميعها منه، وإنما رد على كل واحد منهما نصفها، فيصير ضامنا لكل واحد منهما ما بقي من حقه.
وإن نكل لأحدهما وحلف للآخر قضي بالوديعة للذي نكل له، ولا شيء
стр. 9563
للذي حلف له؛ لأن النكول حجة من نكل له، لا حجة من حلف له. هذا ملخص مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
في مذهب المالكية قولان:
أحدهما: إذا تنازع الوديعة رجلان، فقال الوديع: لا أدري لمن هي منهما، أنهما يقتسمانها جميعًا بينهما إن حلفا أو نكلا؛ لعدم وجود المرجح بينهما. وتكون للحالف منهما إن نكل أحدهما عن اليمين.
لأن الأمين لا يلزمه رد أكثر من الوديعة، فيقتسمانها بينهما، ولا يغرم أكثر من ذلك.
الثاني: يضمن لكل واحد منهما وديعة كاملة إن حلفا أو نكلا، لأنه بالتجهيل قد ضمن الوديعة، وكل واحد منهما تحتمل دعواه الصدق (٢).
جاء في بداية المجتهد: «ويختلف في المذهب في ضمانها بالنسيان ... أو يدعيها رجلان، فقيل: يحلفان وتقسم بينهما. وقيل: إنه يضمن لكل واحد منهما» (٣).
стр. 9564
القول الثالث: مذهب الشافعية:
إذا ادعى رجلان وديعة، فقال المودع: لا أدري لأيكما هو، وقد علمت أنه لأحدكما. فإن لم يدعيا علمه، فلا كلام لهما معه؛ فإنه ليس متعديا باتفاقهما، ونسيانه لا يلحقه بالمتعدين وفاقًا، فإذا لم يكن ضامنًا، ولم يدع عليه علم، انقطعت الطلبة عنه. هذا ما ذكره الأصحاب.
وإن ادعيا عليه العلم طلب منه اليمين أنه لا يدري من المستحق منهما، وتنقطع الطلبة عنه.
وإن نكل عن اليمين رد اليمين على المدعين، فإما أن يحلفا، أو ينكلا جميعًا، أو ينكل أحدهما.
فإن نكلا جميعًا لم يدفع المال إليهما، ولكن يوقف كما يوقف كل مال بين جماعة أشكل مستحقه منهم حتى يقيم أحدهما بينة على ما يدعي.
وإن اصطلاحا وتراضيا فهو إليهما.
واختار بعض الشافعية أنهما إذا لم يحلفا قسمت الوديعة بينهما قهرًا.
وأما إذا حلفا: فقيل: تقسم الوديعة بينهما.
وقيل: إذا تحالفا سقطت يمينهما لتعارضها وتضادها، ويلتحقا بما إذا نكلا (١).
стр. 9565
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة إلى أن الوديع إذا قال: هي لأحدكما، ولا أعرف عينه، فإن صدقاه فلا يمين عليه، وعليه التسليم لأحدهما بالقرعة مع يمينه.
وإن كذباه، أو أحدهما، حلف لهما يمينًا واحدة أنه لا يعلم؛ لأنه منكر، فإن نكل قضي عليه بالنكول، وألزم تعيين صاحبها، فإن أبى أجبر على دفع القيمة مع العين فيقترعان عليهما أو يتفقان، هذه طريقة صاحب المحرر وجماعة، وقدمها الحارثي، وقال: في كلام المحرر ما يقتضي الاقتراع على العين، فمن أخذها تعينت القيمة للآخر، قال: وهو أولى؛ لأن كلًا منهما يستحق ما يدعيه في هذه الحالة، أو بدله عند التعذر، والتعذر لا يتحقق بدون الأخذ، فتعين الاقتراع. اهـ فمن خرجت له القرعة حلف أنها له؛ لاحتمال عدمه، وأخذها بمقتضى القرعة، ثم إن قامت بينة بالعين لآخذ القيمة سلمت إليه العين للبينة، وتقديمها على القرعة، وردت القيمة إلى الوديع ولا شيء للقارع على الوديع لأنه لم يفوت عليه شيئًا، بل المفوت البينة (١).
هذه أقوال المذاهب في هذه المسألة، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 9566
الفصل الرابع
إذا جحد الوديعة معاملة بالمثل
[م-١٩٥٧] إذا جحد الوديع الوديعة، ثم أودع عند المالك وديعة، فهل يجوز أن يجحد منها مقدار حقه؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، منها:
القول الأول:
يجوز إن كانت الوديعة من جنس حقه، فإن كانت الوديعة من غير جنس حقه لم يكن له أن يأخذ حقه منها، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الثوري (١).
° حجة الحنفية في المنع إن اختلف الجنس:
الأخذ من جنس الحق يعتبر استيفاء، ولصاحب الحق أن ينفرد بالاستيفاء، وأما الأخذ من غير الجنس فهو من باب المعاوضة كالبيع، وهذا لا يصح أن ينفرد به أحد المتعاوضين، بل لا بد من رضا المتبادلين، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
القول الثاني:
لا يجوز استيفاء حقه من الوديعة مطلقًا، سواء أكانت من جنس حقه أم من
стр. 9567
غير جنسه، وهذا القول هو رواية ابن القاسم عن مالك، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
واشترط الشافعية في أحد الوجهين: ألا تكون له بينة، فإن كانت له بينة لم يجز له أخذه؛ لأنه يمكنه أخذه عن طريق القاضي (٢).
° دليل من قال: لا تجوز:
(ح-١١٩٠) روى الإمام أحمد من طريق حميد، عن رجل من أهل مكة، يقال له: يوسف، قال: كنت أنا ورجل من قريش نلي مال أيتام، قال: وكان رجل قد ذهب مني بألف درهم، قال: فوقعت له في يدي ألف درهم، قال: فقلت للقرشي إنه قد ذهب لي بألف درهم، وقد أصبت له ألف درهم، قال: فقال القرشي:
حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
[هذا إسناده ضعيف لإبهام ابن الصحابي الذي روى عنه يوسف وله شواهد ضعيفة، قال أحمد: لا أعرفه عن النبي ﵇ من وجه صحيح] (٣).
стр. 9568
ويناقش:
بأن الحجة في القدر المرفوع من الحديث، وليست الحجة في فهم أحد رواته، فالحديث ينهى عن مقابلة الخيانة بمثلها، وأخذ حقك ممن ظلمك لا يعتبر خيانة منك له، بل يعتبر إبراء لذمته من المطالبة به يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].
القول الثالث:
يجوز له أن يأخذ من الوديعة بقدر حقه، من غير فرق بين جنس ماله وغيره، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية.
وقالت الشافعية: إن قدر على الجنس فلا يأخذ من غيره، فإن لم يجد إلا غير الجنس جاز الأخذ منه، وهو ورواية عن أحمد (١).
قال الدردير: «المذهب أن له الأخذ منها بقدر حقه إن أمن العقوبة، والرذيلة وربها ملد، أو منكر، أو ظالم ... ولا فرق بين أخذ العين، والمثل، والقيمة على المذهب» (٢).
стр. 9569
° حجة القائلين بجواز الأخذ:
الدليل الأول:
من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤].
الدليل الثاني:
(ح-١١٩١) ما رواه البخاري من طريق هشام، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة، أن هند بنت عتبة، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك، بالمعروف (١).
القول الرابع:
يجوز للوديع أن يأخذ بقدر حقه من وديعته بشرط ألا يكون عليه دين لغيره، فإن كان عليه دين فإنه يحاصصه، وهذا رواية ابن وهب عن مالك (٢).
° وجه هذا القول:
أنه إذا كان عليه دين آخر فإنما يتحاصان في ماله إذا أفلس، فلا يصح أن ينفرد بالأخذ عنه بخلاف ما إذا لم يكن عليه دين آخر.
ويناقش:
بأن هذا في حق المفلس، ولكن هذا ليس مفلسًا بل مماطلًا فلا يصح القياس عليه.
стр. 9570
القول الخامس:
أن هذا فرض عليه، وهو اختيار ابن حزم.
قال في المحلى: «كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وإنصاف المظلوم منه» (١).
° حجة ابن حزم على القول بالوجوب:
الدليل الأول:
احتج ابن حزم بجملة من الآيات القرآنية بعضها فيها الأمر بالمعاقبة بالمثل، والأصل في الأمر الوجوب.
وبعضها فيها الإذن بالمجازاة بالمثل، من ذلك:
قول الله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤].
стр. 9571
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
الدليل الثاني:
واحتج من السنة بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان، وقوله ﵇ لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (١).
(ح-١١٩٢) وبما رواه مسلم من طريق ليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله،
عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﵇ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﵇: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﵇ لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك (٢).
قال ابن حزم: وهذا إطلاق منه ﵇ لصاحب الحق على ما وجد للذي له عليه الحق.
وأما قولنا: إن لم يفعل فهو عاص لله تعالى، فلقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فمن ظفر بمثل ما ظلم فيه هو، أو مسلم، أو ذمي، فلم يزله عن يد الظالم ويرد إلى المظلوم حقه فهو أحد الظالمين، لم يعن على البر والتقوى بل أعان على الإثم والعدوان، هذا أمر يعلم ضرورة.
стр. 9572
وكذلك أمر رسول الله ﵇: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع (١).
فمن قدر على كف الظلم وقطعه، وإعطاء كل ذي حق حقه فلم يفعل فقد قدر على إنكار المنكر فلم يفعل فقد عصى الله ، وخالف أمر رسول الله ﵇ إلا أن يحلله من حق نفسه فقد أحسن بلا خلاف، والدلائل على هذا تكثر جدًا.
القول السادس:
يستحب له أخذ حقه من وديعته، وهذا قول ابن الماجشون من المالكية (٢).
القول السابع:
يجوز له الأخذ إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق النفقة بسبب النكاح أو القرابة، وحق الضيف، ونحو ذلك، أما إذا كان سبب الاستحقاق خفيًا يتطلب إثباتًا، وينسب الآخر إلى خيانة أمانته بحيث يتهم بالأخذ، وينسب في الظاهر إلى الخيانة لم يكن له الأخذ، وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٣).
° حجة هذا القول:
الدليل الأول:
(ح-١١٩٣) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير،
عن عقبة بن عامر ﵁، أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا، فننزل بقوم
стр. 9573
فلا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﵇: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم (١).
الدليل الثاني:
أذن النبي ﵇ لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي ولدها بالمعروف. وسبق تخريج الحديث.
ولأنه يشق على الزوجة أن ترفع الأمر إلى الحاكم، فيلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها.
ولأن حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقًا واحدًا مستقرًا يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين (٢).
فهذه الأحاديث كلها دليل على أن الحق إذا كان سببه ظاهرًا كالنكاح والقرابة، وحق الضيف جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، وإن كان سبب الحق خفيًا، بحيث يتهم بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهراً، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذًا حقه كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تسلط الناس على عرضه، وإن ادَّعى أنه محق غير متهم.
قال ابن القيم: «وهذا القول أصح الأقوال وأسدُّها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث» (٣).
* * *
стр. 9574
الفصل الخامس
في تجهيل الوديعة
تجهيل الوديعة موجب للضمان لتعريضها للتلف.
[م-١٩٥٨] إذا مات الوديع ولم يبين ما عنده من وديعة، فإن كانت الوديعة معروفة بعينها فهي أمانة في يد الورثة، ويجب عليهم ردها لمالكها بلا خلاف بين الفقهاء.
(ح-١١٩٤) لما رواه البخاري من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز، أخبره أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبره،
أنه، سمع أبا هريرة ﵁، يقول: قال رسول الله ﵇: من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره (١).
فالحديث نص أن لصاحب المتاع الرجوع بعين ماله إذا وجده عند رجل قد أفلس، وإن كان المفلس قد ملكه عن طريق المعاوضة، فالمودع أولى بهذا الحكم من غيره؛ لأن الوديعة هي على ملك صاحبها لم تنتقل إلى ملك الوديع.
وأما إن مات الوديع مجهلًا حال الوديعة فلم يبين حالها ولم يوص بها فإنه يضمنها بالتجهيل؛ وتصير دينًا واجب الأداء من تركته كباقي الديون ويشارك المودِع سائر غرماء الوديع فيها، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة في الجملة على خلاف بينهم بالتفصيل (٢).
стр. 9575
واشترط الحنفية للضمان عدم معرفة الوارث بالوديعة (١).
واشترط المالكية ألا تتقادم كعشر سنين من يوم الإيداع؛ إذ لا ضمان عليه حينئذ؛ لأنه يحمل على أنه ردها لربها إلا أن تكون الوديعة ثابتة بإشهاد قصد به التوثيق فلا يسقط الضمان بطول الزمان، فإن أوصى بها ثم لم توجد فإنه لا يضمنها كما لو تلفت بلا تعد ولا تفريط (٢).
стр. 9576
وقال الشافعية: من كانت عنده وديعة، وهو في حال الصحة واستمرار السلامة، فلو مات فجأة، أو قتل غيلة، ولم يتمكن من الإيصاء، فلا ضمان؛ لأنه لا ينسب إلى التقصير، وإن كان أدب الدين يقضي ألا يبيت المسلم ليلة إلا ووصيته مكتوبة عنده، ولكن ترك الأولى لا يوجب الضمان.
ولو مرض الرجل مرضًا مخوفًا، أو حبس ليقتل، وتمكن من الإيصاء، ثم تركه، فإن ذلك موجب للضمان؛ لأنه بإعراضه وتركه الدلالة على الوديعة مع ظهور شواهد الموت يعد مضيعًا للوديعة، والتضييع من أسباب الضمان.
ويشترط الإشهاد على ما فعله من ذلك صونًا له عن الإنكار، ولا بد في الإيصاء أن يعين الوصية بإشارة إليها، أو يصفها بما تتميز به، فلو لم يبين الجنس، بل قال: عندي وديعة، فهو كما لو لم يوص (١).
هذا ما يخص الأقوال، وأما النصوص الدالة على ذلك، فاخترت منها:
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا مات المستودع بدون أن يبين حال الوديعة يكون مجهلًا فتؤخذ الوديعة من تركته كسائر ديونه» (٢).
وجاء في التاج والإكليل: «من هلك وقِبَله قراض وودائع لم توجد، ولم
стр. 9577
يوص بها فذلك في ماله، ويحاص بذلك غرماؤه ... وهذا صحيح لا أعلم فيه خلافًا» (١).
وقال النووي: «إذا مرض المودع مرضًا مخوفًا، أو حبس للقتل، لزمه أن يوصي بها، فإن سكت عنها، ضمن؛ لأنه عرضها للفوات؛ إذ الوارث يعتمد ظاهر اليد ويدعيها لنفسه» (٢).
وقال أيضًا: «أن يبين الوديعة ويميزها عن غيرها بإشارة إليها، أو ببيان جنسها وصفتها، فلو لم يبين الجنس، بل قال: عندي وديعة، فهو كما لو لم يوص ... لو ذكر الجنس فقال: عندي ثوب لفلان، نظر إن لم يوجد في تركته ثوب، فهل يضمن؟ وجهان، أصحهما عند جماهير الأصحاب: يضمن؛ لتقصيره في البيان .... وإن وجد في تركته أثواب، ضمن قطعًا؛ لأنه إذا لم يميز، فكأنه خلط الوديعة ....
قال الإمام: إذا لم يوص أصلًا، فادعى صاحب الوديعة أنه قصر، وقال الورثة: لعلها تلفت قبل أن ينسب إلى التقصير، فالظاهر براءة الذمة .... جميع ما ذكرناه إذا تمكن من الإيداع، أو الوصية، فإن لم يتمكن، بأن قتل غيلة، أو مات فجأة، فلا ضمان» (٣).
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية: «يضمن الوديع إذا مات مجهلا للوديعة فلم
стр. 9578
يعلم حالها ولم توجد في تركته وتغرمها التركة كسائر الديون من غير تفصيل» (١).
° وجه القول بالضمان بالتجهيل:
الوجه الأول:
أن الوديع بالتجهيل عرض الوديعة للفوات على صاحبها، وهذا موجب للضمان.
الوجه الثاني:
أن في تركه بيان الوديعة قد أدى ذلك إلى اختلاط الوديعة بماله خلطًا لا تتميز، والخلط موجب للضمان كما سبق بحثه.
الوجه الثالث:
أنه بتجهيل الوديعة صار ممتلكًا لها، حيث سلط غرماءه وورثته على أخذها والوديع بالتملك يصير ضامنًا.
* * *
стр. 9579
مبحث
في التصرف في الودائع المجهول أصحابها
[م-١٩٥٩] إذا غاب رب الوديعة، فلا يعلم أحي هو أم ميت، فما الواجب عمله في هذا المال؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
يمسكها حتى يعلم بموته، وهذا مذهب الحنفية (١).
° وجه القول بذلك:
أن الوديع قد التزم بحفظها لصاحبها، فعليه الوفاء بما التزم.
قال السرخسي: «وأما إذا غاب رب الوديعة، ولا يدرى: أحي هو أو ميت، فعليه أن يمسكها حتى يعلم بموته؛ لأنه التزم حفظها له، فعليه الوفاء بما التزم» (٢).
القول الثاني:
إذا طال زمن غيابه، أو أيس منه، ولا وارث له تصدق بها عنه، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 9580
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت لو أن رجلًا استودعني وديعة، ثم غاب، فلم أدر، أحي هو أم ميت، ولا أعلم له موضعا ولا أعرف ورثته؟
قال: قال مالك: إذا طال زمانه فأيس منه تصدق بها عنه» (١).
القول الثالث:
الودائع المجهولة أمرها لبيت المال يتصرف فيها الحاكم إلا أن يكون جائرًا فأمرها لمن هي في يده، وهذا مذهب الشافعية (٢).
° وجه القول بذلك:
أن الحاكم له ولاية في أموال الغائبين، وهو موضع أمانات المسلمين.
القول الرابع:
هو مخير بين أن يتصدق بها بدون إذن الحاكم بشرط ضمانها له، وبين أن يدفعها إلى الحاكم، ويلزم الحاكم قبول الودائع، والغصوب، ودين الغائب، والمال الضائع. على الصحيح من المذهب، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
° وجه القول بالتخيير:
أن هذا المال سقط وجوب رده إلى صاحبه أو إلى ورثته لتعذر الوصول إليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 9581
فصار المال في حكم المال الذي لا مالك له، والمال الذي لا مالك له يصرف في مصالح المسلمين، والصدقة من أعظم مصالح المسلمين.
قال ابن تيمية: «المال الذي لا نعرف مالكه يسقط عنا وجوب رده إليه فيصرف في مصالح المسلمين والصدقة من أعظم مصالح المسلمين، وهذا أصل عام في كل مال جهل مالكه بحيث يتعذر رده إليه. كالمغصوب والعواري والودائع تصرف في مصالح المسلمين على مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم» (١).
وقيل: ليس له الصدقة بها إلا إذا تعذر إذن الحاكم، ذكره القاضي الحنبلي، وفي الإنصاف ذكره احتمالًا (٢).
° وجه هذا القول:
أن المال الذي لا مالك له يصبح ملكًا لعموم المسلمين، والقاضي نائب عنهم، والله أعلم.
стр. 9582
الفصل السادس
في تعدد الوديع
[م-١٩٦٠] إذا أودع الرجل وديعته عند رجلين، فمن يتولى الحفظ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة:
القول الأول:
إن كانت الوديعة تقبل القسمة حفظ كل واحد منهما نصيبه، وإن كانت الوديعة لا تقبل القسمة حفظه أحدهما بأمر الآخر. وهذا قول أبي حنفية (١).
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ولو أودع عند رجلين شيئا مما يقسم اقتسماه، وحفظ كل منهما نصفه، وإن كان لا يقسم حفظه أحدهما بأمر الآخر» (٢).
° وجه هذا القول:
أن الوديع يلتزم الحفظ بحسب إمكانه، ومعلوم أنهما لا يقدران على أن يتركا جميع أشغالهما، ويجتمعا في مكان واحد لحفظ الوديعة، والمالك لما أودعهما مع علمه بذلك فقد صار راضيًا بقسمة الوديعة بينهما مع إمكانه، فيحفظ كل واحد منهما للنصف دلالة، والثابت بالدلالة كالثابت بالنص، فإن دفع أحدهما
стр. 9583
نصيبه إلى الآخر من غير رضا المالك ضمن الدافع، ولا يضمن القابض؛ لأن المالك إنما رضي بحفظهما، ولم يرض بحفظ أحدهما، وهذا لا يتحقق إلا بالقسمة، بخلاف ما لا يقسم فإنه يمكن أن يحفظه أحدهما بأمر الآخر؛ لأن المالك لما أودعهما مع علمه أنهما لا يجتمعان على حفظه آناء الليل والنهار فقد صار راضيًا بحفظ كل واحد منهما لجميعه، ألا ترى أنهما يتهايآن في الحفظ، وفي مدة المهايأة يتركه كل واحد منهما عند صاحبه في نوبته (١).
القول الثاني:
يحفظ أحد الوديعين المال بإذن الآخر مطلقًا، أي سواء أكانت الوديعة تقبل القسمة أم لا، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن (٢).
° وجه قولهما:
أن الوديع قد رضي بأمانتهما، فكان لكل واحد منهما أن يسلم إلى الآخر ولا يضمنه كما فيما لا يقسم.
القول الثالث:
إذا أودع رجل اثنين جعلت الوديعة بيد الأعدل منهما، فإن كانوا في العدالة سواء، فإن كان ربها حاضرًا فالكلام له، وإن كان غائبًا، وتساويا في العدالة، فقيل: تقسم بينهما إن قبلت القسمة، وإلا فالقرعة (٣).
стр. 9584
وقيل: ينظر السلطان في ذلك، فيدفع المال إلى أحرزهما، وأكفاهما كالقول في الوصيين (١).
وقيل: تجعل في محل بقفلين، ويأخذ كل واحد مفتاحاً (٢).
وفي الذخيرة نقلًا من التنبيهات: «لو اقتسماها لم يضمناها في ظاهر قول ابن القاسم، والخلع عند عدم العدالة مختص بالوصيين؛ لأن الإيداع مشروع عند البر والفاجر، ولا يوصى الفاجر» (٣).
وقال ابن حبيب: يضمن كل وصي ما سلم بالتسليم؛ لأن الموصي لم يرضهما إلا جميعًا (٤).
والوديعان قياس على الوصيين.
القول الرابع:
يجوز أن يقتسماها، ويجوز أن تكون عند أحدهما، وهذا قول أشهب من المالكية.
جاء في الذخيرة: «قال أشهب من المالكية: إن اقتسماها، أ وكانت عند أدناهما عدالة ما لم يكن بيّن الفجور فلا ضمان على واحد منهما» (٥).
وإنما لم يشترط أعدلهما؛ لأن الإيداع كما سبق لا تشترط له العدالة عند المالكية.
стр. 9585
° الراجح:
أرى أن الوديعة إذا أودعت لاثنين، فإن كان المال ينقسم قسم بينهما، وإن كان المال لا ينقسم، فإن أمكن مراجعة المالك فالقول قوله فيمن تكون يده على الوديعة، فإن كان غائبًا فإنهما يتهايآن في الحفظ، وإن اضطر أحدهما للتصرف في الوديعة رجع إلى الآخر، ولا ينفرد بذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 9586
الفصل السابع
في الوديع يكره على تسليم الوديعة
[م-١٩٦١] اختلف الفقهاء في الوديع يكره على تسليم الوديعة لغير صاحبها، هل يضمنها؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا يضمن، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
واشترط الحنفية بأن يكون الإكراه ملجئًا: هو أن يكرهه بأمر يخاف على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وبه قال ابن الزاغوني من الحنابلة (٢).
جاء في مرشد الحيران: «إذا حصل تهديد أو وعيد للمستودع على دفع الوديعة، فإن خاف تلف نفسه، أو عضو من أعضائه، أو ضياع ماله كله فدفع لا ضمان عليه، وإن فرط في الوديعة بدون عذر من هذه الأعذار فعليه ضمانها» (٣).
стр. 9587
جاء في القواعد: «وعن ابن الزاغوني أنه إن أكره على التسليم بالتهديد والوعيد فعليه الضمان ولا إثم، وإن ناله العذاب فلا إثم ولا ضمان (١).
° وجه القول بعدم الضمان:
الوجه الأول:
أن التسليم مع الإكراه لا يعتبر إتلافًا، فلا يجب عليه الضمان فرقًا بينه وبين الإكراه على القتل فإن الإكراه على القتل لا يعذر فيه، بخلاف هذا. وقد علل بذلك القاضي من الحنابلة.
الوجه الثاني:
أن الإكراه عذر يسقط الضمان عن الوديع كما لو أخذت من يده بغير فعل من جهته.
واشترط الحنفية أن يكون الإكراه ملجئًا؛ بحيث يخاف على نفسه، أو على تلف عضو من أعضائه؛ لأن مثل هذا الإكراه ينافي الرضا كما ينافي الاختيار، فإذا وقع تصرفه تحت هذا النوع من الإكراه فلا ضمان عليه.
وأما الإكراه القاصر، وهو ما دون ذلك كأن يكون معه تهديد بالحبس أو القيد، فهذا ينافي الرضا، ولكنه لا ينافي الاختيار، فالوديع إذا أكره إكراهاً غير ملجئ، فالوديع مختار لما فعله، قاصد إياه؛ فهو قد اختار أهون الشرين عليه، إلا أنه قصده لا عن رضا به، بل لدفع الشر عن نفسه، فيضمن (٢).
стр. 9588
القول الثاني:
إذا أكره على تسليم الوديعة لغير صاحبها فللمالك الخيار إن شاء ضمن الوديع، وإن شاء ضمن الظالم، فإن ضمن الوديع رجع الوديع على الظالم، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية (١).
° وجه قول الشافعية:
الوجه الأول:
إنما جاز تضمين الوديع لمباشرته للتسليم، ثم للوديع أن يرجع على الظالم لاستيلائه.
الوجه الثاني:
أن الضمان يستوي فيه الاختيار والاضطرار.
القول الثالث:
لا يضمن إذا أكره على التسليم، ويضمن إذا أكره على الإتلاف، ذكره بعض الحنابلة احتمالًا (٢).
° وجه القول بالتفريق:
قال ابن اللحام: «وقد يقال: إنه لا يضمن إذا أكره على التسليم، ويضمن إذا أكره على الإتلاف، بأن هذا إكراه على سبب، وذاك إكراه على مباشرة، يؤيده
стр. 9589
نص الإمام أحمد في رواية ابن ثواب على أن حافر البئر عدوانًا إذا أكرهه السلطان على الحفر لم يضمن ... » (١).
* * *
стр. 9590
الباب الثالث
في الودائع المصرفية
الفصل الأول
في تعريف الودائع المصرفية
تعريف الودائع المصرفية:
الودائع المصرفية هي كلمة مركبة من كلمتين: أحدهما كلمة (الودائع) والثانية (المصرفية).
وسبب إطلاق الودائع على الودائع المصرفية أن وظيفة البنوك كانت في مرحلة من تاريخها مقتصرة على قبول الودائع من معادن ثمينة، وعملات مقابل حصولها على عمولة لقيامها بالحراسة، والمحافظة على الوديعة، ولكن البنوك قد تغيرت وظيفتها فلم تعد تتقبل الودائع من الناس من أجل حفظها، وإنما أصبحت تتملك تلك الودائع، وتتصرف فيها وذلك حين رأى أصحاب المصارف أن نسبة ضئيلة من المودعين هي التي تسترد ودائعها كاملة في آن واحد، وأن لديهم حصيلة كبيرة من نقود الودائع عاطلة، وأن من المفيد لهم إقراضها بفائدة، فأصبحوا يقرضون ما أودع الناس لديهم بعد تقديم ضمانات كافية، وتوسعوا في ذلك حتى أصبحت تلك المصارف تقرض من نقود ليس لها وجود، أي أنها تخلق هذه النقود خلقاً، ومع تغير وظيفة المصارف من حفظ الودائع إلى اقتراضها وإقراضها بفائدة لم تغير تسميتها، فأبقت على التسمية
стр. 9591
الأولى، وهي اسم الوديعة لكل ما تتلقاه من الجمهور (١).
إذا علمنا ذلك نأتي إلى تعريف الوديعة المصرفية:
عرفها بعضهم: بأنها عقد بمقتضاه يسلم أفراد أو هيئات مبلغاً من النقود إلى مصرف (بنك) على أن يتعهد الأخير برده، أو برد مبلغ مماثل دفعة واحدة أو على دفعات لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها، ويكون للمصرف حق استعمال هذه النقود واستثمارها (٢).
وعرفها الصدر بقوله: «هي مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب، أو لأجل محدد اتفاقاً، ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع أو لأمره، أو لدى الطلب، أو بعد أجل» (٣).
وعرفها ثالث بأنها: «المبالغ التي يضعها صاحبها في المصرف، ويحق له سحبها في أي وقت شاء، سواء كان السحب نقدًا، أو عن طريق استعمال الشيكات، أو أوامر التحويلات المصرفية لعملاء آخرين» (٤).
والتعريفات متقاربة.
* * *
стр. 9592
الفصل الثاني
خصائص الودائع النقدية المصرفية
[م-١٩٦٢] تختص الودائع المصرفية بخصائص منها:
الأول: أنها مختصة بالنقود، بينما الوديعة العادية تشمل النقود وتشمل غيرها من الأموال والوثائق وغيرهما.
الثاني: أن المصرف يتملكها ويتصرف بها، ويتكسب منها، ويخلطها بأمواله عمداً، ويرد بدلها، بينما الوديعة العادية لا يملك المودع التصرف بها، وإنما هو موكل بحفظها، وحراستها، ونماؤها لصاحبها.
الثالث: أنها مضمونة مطلقاً، بينما الوديعة العادية لا تضمن إلا في حالتي التعدي والتفريط؛ لأنها أمانة في يد المودع.
* * *
стр. 9593
الفصل الثالث
في توصيف الودائع المصرفية الجارية
[م-١٩٦٣] إذا نص في عقد الإيداع بأن الحساب الجاري قرض يأخذه البنك من عميله المقرض فإنه لا خلاف بأن النص يقضي على الخلاف الدائر بين المعاصرين في تكييف الودائع المصرفية الجارية، لذلك كثير من البنوك الإسلامية تورد في عقد فتح الحساب النص التالي:
«الحساب الجاري هو قرض تحت الطلب، لا يستحق المتعامل مع المصرف بمقتضاه أية أرباح، كما لا يتحمل أية خسارة، ويلتزم المصرف بناء على ذلك بدفع الرصيد كاملاً عند طلبه من المتعامل».
أما إذا لم ينص على ذلك في العقد الموقع بين البنك وبين العميل، أو نص على أنه وديعة، أو على أي تكييف آخر غير القرض، فما حكم هذا التكييف إذا علمنا أن البنك يتملك الحساب الجاري، ويخلطه بأمواله، ويتصرف فيه، ويستأثر بأرباحه، ولا يرد عين ما أخذ بل يرد بدله، فهل ننظر إلى ظاهر اللفظ، أو ننظر إلى المعنى، هذا محل اختلاف بين الباحثين المعاصرين.
القول الأول:
أن الودائع الجارية قرض، وتسميتها بالودائع تسمية تاريخية حيث كانت في بدايتها كذلك.
وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)،
стр. 9594
والهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية (١)، والباحثين في ندوة البركة (٢)، وأكثر العلماء المعاصرين (٣).
القول الثاني:
الحسابات الجارية تأخذ حكم الوديعة الفقهية على خلاف بينهم:
стр. 9595
هل أخذت حكم الوديعة لأنها مأذون باستعمالها، من جهة أن المودع يعلم أن المصرف سوف يتصرف فيها وفق العرف المصرفي، كما رجحه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي (١).
أو أخذت حكم الوديعة؛ لأنه لا يوجد إذن بالاستعمال كما هو نص النظام الأساسي لبنك دبي الإسلامي (٢)، واختيار فضيلة الدكتور عيسى عبده (٣)، وحسن الأمين (٤).
القول الثالث:
عقد وديعة ناقصة أو شاذة (٥). وهذا التوصيف قانوني، لا يسأل عنه الفقه الإسلامي، ولولا أن الباحثين المعاصرين ذكروه لما ذكرته.