الأولى، وهي اسم الوديعة لكل ما تتلقاه من الجمهور (١).
إذا علمنا ذلك نأتي إلى تعريف الوديعة المصرفية:
عرفها بعضهم: بأنها عقد بمقتضاه يسلم أفراد أو هيئات مبلغاً من النقود إلى مصرف (بنك) على أن يتعهد الأخير برده، أو برد مبلغ مماثل دفعة واحدة أو على دفعات لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها، ويكون للمصرف حق استعمال هذه النقود واستثمارها (٢).
وعرفها الصدر بقوله: «هي مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب، أو لأجل محدد اتفاقاً، ويترتب عليه من ناحية البنك الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية للمودع أو لأمره، أو لدى الطلب، أو بعد أجل» (٣).
وعرفها ثالث بأنها: «المبالغ التي يضعها صاحبها في المصرف، ويحق له سحبها في أي وقت شاء، سواء كان السحب نقدًا، أو عن طريق استعمال الشيكات، أو أوامر التحويلات المصرفية لعملاء آخرين» (٤).
والتعريفات متقاربة.
* * *
стр. 9592
الفصل الثاني
خصائص الودائع النقدية المصرفية
[م-١٩٦٢] تختص الودائع المصرفية بخصائص منها:
الأول: أنها مختصة بالنقود، بينما الوديعة العادية تشمل النقود وتشمل غيرها من الأموال والوثائق وغيرهما.
الثاني: أن المصرف يتملكها ويتصرف بها، ويتكسب منها، ويخلطها بأمواله عمداً، ويرد بدلها، بينما الوديعة العادية لا يملك المودع التصرف بها، وإنما هو موكل بحفظها، وحراستها، ونماؤها لصاحبها.
الثالث: أنها مضمونة مطلقاً، بينما الوديعة العادية لا تضمن إلا في حالتي التعدي والتفريط؛ لأنها أمانة في يد المودع.
* * *
стр. 9593
الفصل الثالث
في توصيف الودائع المصرفية الجارية
[م-١٩٦٣] إذا نص في عقد الإيداع بأن الحساب الجاري قرض يأخذه البنك من عميله المقرض فإنه لا خلاف بأن النص يقضي على الخلاف الدائر بين المعاصرين في تكييف الودائع المصرفية الجارية، لذلك كثير من البنوك الإسلامية تورد في عقد فتح الحساب النص التالي:
«الحساب الجاري هو قرض تحت الطلب، لا يستحق المتعامل مع المصرف بمقتضاه أية أرباح، كما لا يتحمل أية خسارة، ويلتزم المصرف بناء على ذلك بدفع الرصيد كاملاً عند طلبه من المتعامل».
أما إذا لم ينص على ذلك في العقد الموقع بين البنك وبين العميل، أو نص على أنه وديعة، أو على أي تكييف آخر غير القرض، فما حكم هذا التكييف إذا علمنا أن البنك يتملك الحساب الجاري، ويخلطه بأمواله، ويتصرف فيه، ويستأثر بأرباحه، ولا يرد عين ما أخذ بل يرد بدله، فهل ننظر إلى ظاهر اللفظ، أو ننظر إلى المعنى، هذا محل اختلاف بين الباحثين المعاصرين.
القول الأول:
أن الودائع الجارية قرض، وتسميتها بالودائع تسمية تاريخية حيث كانت في بدايتها كذلك.
وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)،
стр. 9594
والهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية (١)، والباحثين في ندوة البركة (٢)، وأكثر العلماء المعاصرين (٣).
القول الثاني:
الحسابات الجارية تأخذ حكم الوديعة الفقهية على خلاف بينهم:
стр. 9595
هل أخذت حكم الوديعة لأنها مأذون باستعمالها، من جهة أن المودع يعلم أن المصرف سوف يتصرف فيها وفق العرف المصرفي، كما رجحه الأستاذ الدكتور حمد الكبيسي (١).
أو أخذت حكم الوديعة؛ لأنه لا يوجد إذن بالاستعمال كما هو نص النظام الأساسي لبنك دبي الإسلامي (٢)، واختيار فضيلة الدكتور عيسى عبده (٣)، وحسن الأمين (٤).
القول الثالث:
عقد وديعة ناقصة أو شاذة (٥). وهذا التوصيف قانوني، لا يسأل عنه الفقه الإسلامي، ولولا أن الباحثين المعاصرين ذكروه لما ذكرته.
стр. 9596
القول الرابع:
أنها عقد مستقل بذاته، يدخل ضمن العقود غير المسماة في الفقه الإسلامي (١).
القول الخامس:
الوديعة الجارية إن أخذ عليها فوائد فهي عقد بيع، وإلا كانت قرضاً (٢).
هذه هي ملخص الأقوال، وقد ذكرت أدلة في المجلد الثاني عشر عند ذكر أهم المعاملات المصرفية، فلله الحمد، وإنما اقتضى التذكير بها في عقد الوديعة.
* * *
стр. 9597
الفصل الرابع
إيجار الخزائن الحديدية للإيداع
المبحث الأول
تعريف الخزائن الحديدية
تعريف الخزائن الحديدية:
بأنه عقد يتعهد بمقتضاه مصرف مقابل أجرة بوضع خزانة معينة تحت تصرف المستأجر للانتفاع بها مدة محدودة (١).
ويعتبر تأجير الخزائن الحديدية للإيداع فيها من عقود المعاملات المصرفية، وللبنك والعميل فوائد من هذه الخزائن:
أما الفوائد التي تعود على البنك:
يعتبر البنك هذه الصناديق من عوامل اجتذاب العملاء حيث إن الأجرة التي يأخذها على تأجير مثل هذه الخزائن لا تتناسب مع تكاليف إنشاء هذه الخزائن، ولا مع المسؤولية في الحفاظ عليها بعد استئجارها.
وأما الفوائد التي تعود على العميل:
فالعميل يستفيد من هذه الصناديق فوائد منها:
(١) أن ودائع العميل في هذه الصناديق لا يمتلكها البنك كالودائع الجارية،
стр. 9598
ولا يستثمرها لحسابه، لأنها تحفظ بأعيانها، وبالتالي لا يكون المودع فيها معينًا للبنوك التقليدية في إقراضها في عقود ربوية.
(٢) الاستفادة من القدرات التي تمتلكها المصارف حيث يعتبر إنشاء مثل هذه الخزائن والقيام على حراستها مكلف جدًا لا يستطيع الأفراد تحمله.
(٣) أن بعض الودائع في هذه الصناديق لا تصلح أن تكون ودائع جارية؛ لأنها ليست نقودًا، كالصكوك والجواهر وغيرها من الأموال التي ليست مثلية فيضطر العميل للاستفادة من قدرات البنك على حراسة أمواله بأن يودعها في مثل هذه الصناديق.
(٣) المحافظة على سرية هذه الودائع حيث يكون مفتاح الخزانة بيد العميل وحده، وهو الوحيد الذي يحق له فتح مثل هذه الخزانة، وتوجد فواصل خاصة بين الخزائن تضمن للعميل سرية الإطلاع المنفرد على ما بداخل خزانته.
وإذا عرفنا فوائد البنك والعميل، فإن العقد يلزم البنك والعميل بالتزامات متبادلة، من ذلك:
التزامات البنك:
(١) ـ يتعهد البنك بالمحافظة على الخزانة وصيانتها، والتأكد من صلاحيتها للحفظ.
(٢) يتعهد البنك بحراسة الخزانة عن جميع الأسباب التي قد تؤدي إلى سرقتها، والعمل على تأمين سلامتها من الحرائق ونحوها.
(٣) تمكين المستأجر من الانتفاع بالخزانة.
(٤) المحافظة على أن يكون انتفاع العميل بها سريا.
стр. 9599
(٥) تنظيم عملية فتح وإغلاق الخزانة والتحقق من شخصية العميل قبل السماح له بدخول صالة الخزائن.
(٦) احتفاظ البنك بنسخة أخرى للخزانة يستعمله في حال الضرورة.
(٧) تحصيل الإيجار من العملاء، ومراقبة تاريخ ابتداء وانتهاء العقد، وتجديده.
(٨) التأكد من شخصية العميل، وأنه معروف بالاستقامة والنزاهة، وحسن السيرة، وأنه لا يوجد عليه أي تحفظ من أي نوع كان سواء كان سياسيًا أو تجاريًا، وعدم استخدام هذه الخزائن استعمالات غير مشروعة.
التزامات العميل:
(١) دفعه الأجرة المتفق عليها في عقد الإجارة.
(٢) المحافظة على مفتاح الخزانة، ورده عند انتهاء العقد.
(٣) القيام بإبلاغ البنك في حال فقده مفتاح الخزانة؛ ليتمكن البنك من منع الدخول إليها نهائيًا.
(٤) احترامه للائحة تأجير الخزائن وتقيده بمواعيد الزيارة.
(٥) ألا يضع في الخزانة ما يهدد سلامة الخزانة أو البنك نفسه (١).
* * *
стр. 9600
المبحث الثاني
في التوصيف الفقهي لتأجير الخزائن الحديدية
[م-١٩٦٤] اختلف العلماء في توصيف عقد تأجير الخزائن، هل هو عقد إجارة، أو عقد وديعة، أو هو عقد مركب منهما.
القول الأول:
أن هذا العقد عقد إجارة حيث يمتلك البنك هذه الخزائن الحديدية، وينفرد العميل بمنفعة هذه الخزائن، حيث يعطيه البنك حق استخدامها وحده بأجرة معينة، ولمدة محدودة، وينفرد المستأجر بوضع ما يريده فيها بسرية تامة، وكون البنك يقوم بحراستها فهو يقوم بحراسة عقار البنك، وهو ملك للبنك وحده (١).
ويشكل على هذا التوصيف:
أن الخزانة وما تحتويه من ممتلكات العميل تعتبر في عهدة البنك وحراسته، بينما عقد الإجارة تكون الحيازة للمستأجر وحده.
القول الثاني:
أن عقد الخزانة هو عقد وديعة، حيث تعتبر الخزانة وما تحتويه من ممتلكات العميل في عهدة البنك وحراسته، وهذا حقيقة الوديعة (٢).
стр. 9601
ويشكل على هذا التوصيف:
أن عقد الوديعة يجعل العين المودعة في يد الوديع، بينما الخزانة يستخدمها المستأجر وحده، ويعطيه البنك حق المحافظة على سرية ما بداخلها.
القول الثالث:
أن عقد استخدام هذه الخزائن ذو طبيعة خاصة يسمى عقد الحراسة (١).
ونوقش هذا:
قال الدكتور علي البارودي: «مثل هذا الرأي لا يحل الإشكال القائم إذ يبقى بيان الآثار الخاصة التي يمكن أن تترتب على هذا العقد الجديد، والواقع أن في هذا العقد نوعًا من الحيازة المشتركة لا تتوافر في عقد الوديعة، حيث تكون الحيازة للمودع لديه وحده، ولا في عقد لإيجار حيث تكون الحيازة للمستأجر وحده، ففي عقد إيجار الخزانة يحوز البنك الخزانة ويحوز العميل ما بداخلها، فلو أن الخزانة ذاتها ملك للعميل لما كان هناك شك في أن العقد يكون وديعة تماما كمن يودع حقيبة مغلقة لدى شخص آخر لا يعلم ما بداخل الحقيبة، فملكية البنك للخزانة هي التي تمنع القول بأن العقد عقد وديعة» (٢).
القول الرابع:
الذي أراه أنه عقد إيداع لعين مستأجرة، والأجرة المأخوذة روعي فيها الأمران معًا: منفعة الخزانة، والقيام على حفظها، فلو أن الخزانة كانت ملكًا للعميل لما كان هناك خلاف في أنها وديعة، فهو كمن يودع صندوقًا مقفلًا، أو
стр. 9602
كيسًا مختومًا، فإذا استأجر العميل الخزنة فقد ملك منفعتها مدة الإجارة، وصارت يده على الخزانة كيد المستأجر، وإذا كان المستأجر يملك تأجير العين المستأجرة فهو يملك إيداعها من باب أولى، وكونه يراجع الوديع كل ما أراد ويطلع على وديعته ويزيدها وينقصها فهذا لا يفسد عقد الإيداع.
وأما أخذ الأجرة على الوديعة فهو محل خلاف بين الفقهاء، فالحنفية والشافعية وقول في مذهب الحنابلة يجيزونه مطلقًا (١).
وأما المالكية فيجيزونه إن كان مكان الحفظ له أجرة، ولا شك أن الخزائن الحديدية تشغل من العقار مكانًا له قيمة كبيرة عدا أن إنشاء مثل هذه الخزائن يكلف ماليًا قد لا يكون بمقدور كثير من الأفراد تحمله (٢).
وعليه فأخذ الأجرة على الوديعة جائز عند الحنفية والمالكية والشافعية.
وقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
والراجح الجواز؛ لأن الوديعة وكالة في الحفظ، والتوكيل يجوز اشتراط الأجرة فيه فكذلك الوديعة.
وقد سبق بحث هذه المسألة وذكرنا أدلتهم في مسألة مستقلة.
стр. 9603
وكون الوديعة تكون مضمونة مع أنها من الأمانات، فهذا أيضًا محل خلاف بين الفقهاء.
فالحنفية يرون أن الوديعة إذا هلكت بما لا يمكن التحرز منه كحريق وغرق غالبين فلا ضمان على الوديع مطلقًا سواء أكانت بأجر أم بدون أجر. وأما إن هلكت بما يمكن التحرز منه، فينظر: إن كانت بغير أجر، فلا ضمان على الوديع؛ لأنها هلكت بدون تعد ولا تفريط، وإن كان الحفظ بأجر فإن عليه الضمان (١).
стр. 9604
وعليه فيجوز أن تكون هذه الصناديق مضمونة بمقتضى مذهب الحنفية؛ لأن الحفظ في مقابل الأجرة.
إذا علمت ذلك، فقد جاء في أبحاث هيئة كبار العلماء الرسميين بالسعودية: «يظهر والله أعلم أن للعقد جانبين، جانب استئجار يبدو في تأجير البنك عميله الخزانة الحديدية بأجرة معينة لمدة محدودة يتمكن فيها من استخدام الخزانة في غرضه الذي استأجرها لأجله، هذا الجانب يمكن اعتباره عقدًا مستقلًا تثبت له أحكام الإجارة، وجانب إيداع يبدو في التزام البنك بالحفاظ على الخزانة وبذل الأسباب العادية في حمايتها وسلامتها من أي ضرر يلحق بها مما يستطيع دفعه، ونظرا إلى أن البنك مسؤول مسؤولية ضمان عن هذه الخزينة المستأجرة وحماية محتوياتها من الأسباب الموجبة لهلاكها أو تلفها فيمكن أن تعتبر بيده وديعة مضمونة، ولا يؤثر على اعتبارها وديعة أن البنك يملكها، فإن العميل قد استأجرها منه، فانتفى حقه في الانتفاع بها مدة الإجارة، وأصبح الانتفاع بها من حق العميل وحده فكأنها ملكه» (١).
* * *
стр. 9605
الباب الرابع
في انتهاء عقد الإيداع
الفصل الأول
انتهاء عقد الوديعة بالرد
[م-١٩٦٥] لا خلاف بين الفقهاء أن عقد الوديعة ينتهي بالرد، لأن عقد الوديعة عقد جائز من الطرفين يحق لكل واحد المطالبة بالرد، فالمودع يملك ذلك؛ لأن المال ماله، والوديع يملك ذلك أيضًا؛ لأنه متبرع بالحفظ، فإذا وصلت الوديعة إلى صاحبها سواء كان ذلك بطلب صاحبها، أم بطلب الوديع فقد انتهى عقد الإيداع، فالرد حق ثابت لهما لعدم لزوم العقد في حق كل واحد من الطرفين، ولا يشترط للرد رضا الطرف الآخر (١).
واستثنى الشافعية وبعض الحنابلة حق الفسخ بالرد إذا تضمن الفسخ ضررًا على أحدهما؛ لأن العقود الجائزة تصير لازمة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر.
стр. 9606
جاء في أسنى المطالب: «العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر امتنع وصارت لازمة ... » (١).
وقال ابن رجب: «التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد لم يجز، ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز على ذلك الوجه» (٢).
كما استثنى الشافعية أيضًا من القول بجواز رد الوديعة في حق المودَع ما إذا كان قبولها واجبًا في حقه.
قال الرملي: «ولو طالب المودع المالك بأخذ وديعته لزمه أخذها؛ لأن قبول الوديعة لا يجب، فكذا استدامة حفظها، ومنه يؤخذ أنه لو كان في حالة يجب فيها القبول، يجوز للمالك الامتناع» (٣).
وفي تحفة المحتاج: «ولهما يعنى للمالك الاسترداد وللوديع الرد في كل وقت لجوازها من الجانبين. نعم يحرم الرد حيث وجب القبول ويكون خلاف الأولى حيث ندب ولم يرضه المالك» (٤).
فلو دفع الرجل ماله وديعة، وخاف المودع إن لم يقبل أن يتسلط عليه ظالم فيغصبها وجب عليه القبول، ولو طالب المودع المالك رد الوديعة فله الامتناع من الرد.
* * *
стр. 9607
المبحث الأول
في مؤنة حمل الوديعة وردها
[م-١٩٦٦] يحصل رد الوديعة بالتخلية بينها وبين صاحبها على وجه يجعله متمكنا من رقبتها دون مانع، وذلك في نفس المكان الذي وقع فيه الإيداع وأما الوديع فليس عليه إلا أن يخلي بين الوديعة وبين مالكها، وهذا بالاتفاق.
وبناء عليه فلو طلبه المالك أن ينقلها إلى بيته، وامتنع الوديع، وكان لهذا الفعل مؤنة قلَّت أو كثرت، ثم تلفت الوديعة فإن الوديع لا يضمن.
جاء في درر الحكام: «إذا طلب المودع حمل الوديعة إليه يعني نقلها إلى داره مثلا ولم ينقلها المستودع يعني إذا امتنع عن نقلها وهلكت بعده بيده لا يلزم الضمان لأن مؤونة الرد على المالك ولا يترتب على المستودع شيء سوى التخلية» (١).
جاء في الفتاوى الهندية: «مؤنة رد الوديعة على المالك، لا على المودَع كذا في السراجية: إن نقلها في بلدة من محلة إلى محلة كانت مؤنة الرد على صاحبها بالاتفاق» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «وليس المراد برد الوديعة حملها إلى مالكها بل
стр. 9608
يحصل بأن يخلي بينه وبينها فقط» (١).
وقال ابن قدامة: «وليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا كانت مما لحمله مؤنة قلت المؤنة أو كثرت لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص فلم تلزمه الغرامة عليها كما لو وكله في حفظها في ملك صاحبها وإنما عليه التمكين من أخذها» (٢).
* * *
стр. 9609
المبحث الثاني
في امتناع الوديع من رد الوديعة
[م-١٩٦٧] إذا طلب المالك رد الوديعة فامتنع الوديع من الرد، فإن امتنع من الرد بلا عذر ضمن، وهذا بالاتفاق؛ لأن الامتناع تعد؛ والأمانات تضمن بالتعدي،
ووجه التعدي: أنه بامتناعه قد فعل ما ليس له فعله. وهذا بالاتفاق (١).
ولأن الوديعة حق لمالكها لم يتعلق بها حق لغيره فلزم أداؤها إليه كالمغصوب، والدين الحال. فإن امتنع من دفعها في هذه الحال فتلفت. ضمنها؛ لأنه صار غاصبًا لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم فأشبه الغاصب.
[م-١٩٦٨] وإن كان الامتناع من الرد لعذر ففي ضمانه خلاف بين الفقهاء على قولين:
стр. 9610
القول الأول:
لا يضمن، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في الهداية: «فإن طلبها صاحبها، فمنعها، وهو يقدر على تسليمها ضمنها؛ لأنه متعد بالمنع؛ لأنه لما طالبه لم يكن راضيًا بإمساكه بعده، فيضمنه بحبسه عنه» (٢).
«وقال ابن القاسم فيمن طلب وديعة فاعتذر له المودع بشغل فلم يقبل، وتشاحا، فحلف لا يعطيه الليلة، فلما كان في غد قال: قد ذهبت، فإن قال: ذهبت قبل أن تلقاني ضمن؛ لأنه أقر بها. وإن قال: لا أدري متى ذهبت حلف، ولا ضمان عليه ..... وإن قال: ذهبت بعدما حلفت وفارقتك ضمنها؛ لأنه منعه إياها إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع فيه أن يرجع، أو يكون عليه فيه ضرر فلا يضمن» (٣).
وقال النووي في الروضة: «فإذا كانت الوديعة باقية لزم المودع ردها إذا طلبها المالك، فإن أخر من غير عذر دخلت الوديعة في ضمانه» (٤).
وقال ابن مفلح: «ومن أخر ردها بعد طلبها بلا عذر ضمن، ويمهل لأكل، ونوم، وهضم طعام ونحوه بقدره ... » (٥).
стр. 9611
° وجه عدم القول بالضمان:
لم يجب الضمان إذا كان الامتناع من الرد لعذر استصحابًا ليد الأمانة، ولانتفاء موجب التضمين حيث إنه لا يعد بذلك متعديًا، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.
القول الثاني:
إن كان التأخر لتعذر الوصول إلى الوديعة فلا ضمان، وإن كان التأخير لعسر يلحقه، أو غرض يفوته فعليه الضمان، وهذا اختيار الغزالي من الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
قال الغزالي في الوسيط: «وإن كان في جنح الليل، وتعذر عليه الوصول إليه لم يضمن، وإن كان في جماع، أو على طعام لم يعص بالتأخير في هذا القدر، ولكنه جائز بشرط سلامة العاقبة، فإن تلف بهذا التأخير ضمن» (٢).
وجاء في الإنصاف نقلًا من الترغيب والتلخيص: «إن أخر لكونه في حمام، أو على طعام إلى قضاء غرضه ضمن، وإن لم يأثم على وجه. واختاره الأزجي فقال: يجب الرد بحسب العادة، إلا أن يكون تأخيره لعذر ويكون سببًا للتلف فلم أر نصًا، ويقوى عندي أنه يضمن؛ لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة. انتهى» (٣).
стр. 9612
° وجه القول بالضمان:
أن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة، فلما كان التأخير سببًا في الإتلاف، وهو لا يملك التأخير ضمن.
° الراجح:
أن التأخير إذا كان لعذر فإنه لا يوجب الضمان، وإن كان بلا عذر، أو أخره لعذر ولكن زال العذر، ولم يشتغل بالرد فإنه يضمن.
والأعذار المعتبرة لا يمكن حصرها، وإن كان الفقهاء يضربون لها أمثلة فليس الغرض من ذلك الحصر، ويمكن تلمس الضابط لهذه الأمثلة:
أن تأخير الرد إن كان بسبب العجز أو الخوف، أو كان في مصلحة فخشي فواتها بالتسليم فأخر الرد لم يضمن (١).
فالعجز يشمل العجز الحسي كما لو كانت الوديعة في مكان ناء.
ويشمل العجز الشرعي كما لو كان في صلاة.
والخوف يشمل خوفه على نفسه أو على ماله، أو خشي من ظلم المالك له أو لغيره، أو خشي بالتسليم ضياع حق من الحقوق.
أو كان في مصلحة فخشي فواتها بالتسليم: كما لو كان على طعام، أو في حمام، أو ملازمة غريم يخاف هربه.
إذا علم هذا نأتي على ذكر الأمثلة.
فذكر الحنفية من الأعذار الموجبة للتأخير:
стр. 9613
أن تكون الوديعة سيفًا، فأراد المودع أن يأخذه من المودع ليضرب به رجلًا ظلمًا، فإنه لا يدفعه إليه.
ولو أودع الزوجة كتابًا وكان فيه إقرار منها للزوج بمال، أو بقبض مهرها من الزوج فللمودع ألا يدفع الكتاب إليها إذا خاف ذهاب حق الزوج (١).
ومن الأعذار لو طلب ردها، وكان في موضع ناء لا يقدر في الحال على ردها فإنه لا يضمنها (٢).
ومثله لو طلب ردها وقت الفتنة، وخاف على نفسه أو على ماله بأن كانت الوديعة مدفونة مع ماله، وخشي عليه من الغصب أو السرقة.
ومن الأعذار عند الشافعية: جاء في كفاية الأخيار: «العذر مثل كونه بالليل، ولم يتأت فتح الحرز حينئذ، أو كان في صلاة، أو قضاء حاجة، أو طهارة، أو أكل، أو حمام، أو ملازمة غريم يخاف هربه، أو يخشى المطر والوديعة في موضع آخر، ونحو ذلك، فالتأخير جائز. قال الأصحاب: ولا يضمن وطردوه في كل يد أمانة والله أعلم» (٣).
ومن الأعذار ما لو كان يبيع ويشتري في السوق، فقال: حتى أرجع إلى البيت، أو كان مريضًا، فقال: لا أحب أن يتولى إخراجها غيري؛ لأني قد
стр. 9614
أحرزتها، أو كان المال في الصندوق، وقد ضاع مفتاحه، فإنه لا يجبر على كسر القفل، فيعطى مهلة لكي يحصل على المفتاح (١).
ومن الأعذار عند الحنابلة، ما ذكره في مجلة الأحكام الشرعية:
«يلزم الوديع رد الوديعة حين طلب ربها ويمهل لعذر، كطهارة وصلاة، ونوم، وطعام، ومطر كثير، وبعد عنها، أو عجز عن حملها، ونحو ذلك إلى زواله ولا يعد بذلك متعديًا ولا مماطلًا» (٢).
* * *
стр. 9615
المبحث الثالث
في رد الوديعة إلى عيال المالك
[م-١٩٦٩] في مبحث سابق تكلمنا عن حق الوديع في دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله من ولد وزوجة وخازن، وهذا في حفظ الوديعة، أما إذا أراد الوديع رد الوديعة فهل يجب عليه أن يدفع الوديعة إلى المالك فقط، أو يجوز أن يرد الوديعة إلى عيال المالك وأهله؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب الرد إلى المالك فقط، فإن رد الوديعة إلى أهله ضمن، وهذا أحد القولين في مذهب الحنفية، وحكاه ابن أبي موسى وجهًا في مذهب الحنابلة، وصححه الحارثي (١).
قال الكاساني: «ومنها وجوب الأداء إلى المالك؛ لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وأهلها مالكها، حتى لو ردها إلى منزل المالك، فجعلها فيه، أو دفعها إلى من هو في عيال المالك، دخلت في ضمانه، حتى لو ضاعت؛ يضمن» (٢).
стр. 9616
° وجه القول بوجوب الرد إلى المالك فقط:
أن المالك لو أرد أن يدفع ماله إلى عياله وأهله لما أودع الوديعة عند رجل أجنبي.
جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ولو رد الوديعة إلى دار مالكها ولم يسلمها إليه ضمن; لأن المالك ما رضي بدفعها إلى داره، ولا إلى من في عياله ظاهرًا؛ إذ لو رضي بهم لما أودعها» (١).
القول الثاني:
إذا رد على عيال المالك لم يضمن، وهذا قول آخر في مذهب الحنفية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
وصحح الشافعية الرد إلى وكيل المالك بقبض الودائع والحقوق إذا لم يكن المالك حاضرًا (٣).
جاء في الإنصاف: «لو رد الوديعة إلى من جرت العادة بأن يحفظ مال المودع بكسر الدال كزوجته، وأمته، وعبده، فتلفت: لم يضمن. نص عليه» (٤).
стр. 9617
° وجه القول بأنه لا يضمن:
أن يد الوكيل بقبض الودائع كيد المالك، هذه حجة الشافعية، وأما الحنابلة فيرون أن دفع الوديعة إلى من جرت العادة أن يحفظ مال الرجل كدفعه إليه.
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن الوديع لا يدفع الوديعة إلا إلى ربها، أو وكيله، أو رسوله، فإن دفع الوديعة إلى غير من ائتمنه على حفظها من وكيل أو رسول وجب عليه الإشهاد، وإلا ضمن (١).
قال ابن عبد البر: «ومن دفع إليه رجل شيئًا ليوصله إلى آخر أو أبضع معه مالًا ليوصله إلى عياله أو إلى غيره فزعم أنه قد دفعه، وأنكر المبعوث إليه فهو ضامن إلا أن تكون له بينة على الدفع» (٢).
وجاء في حاشية الدسوقي: «المودع لا يبرأ إلا بوصول المال لربه، أو لرسول ربه ببينة، أو إقرار» (٣).
وقال ابن رشد: «وأما من دفعها إلى غير اليد التي دفعتها إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد عند مالك وإلا ضمن، يريد قول الله : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فإن أنكر القابض القبض فلا يصدق المستودع في الدفع عند مالك وأصحابه إلا ببينة» (٤).
* * *
стр. 9618
المبحث الرابع
في كيفية رد الوديعة المشتركة
[م-١٩٧٠] إذا أودع رجلان مالًا مشتركًا بينهما، ثم جاء أحدهما يطالب برد الوديعة.
فإن كان مفوضًا من شريكه باستلام المال، فهذا لا إشكال في تسليمه كامل الوديعة، فهو يملك المطالبة برد نصيبه باعتباره مالكًا، وبرد نصيب شريكه باعتباره وكيلًا عنه.
أما إذا لم يكن مفوضًا، فهل له أن يطالب برد الوديعة مع غيبة الآخر، أو ليس له ذلك؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
لا يدفع الوديعة لأحدهما إلا بحضور الآخر، سواء أكانت الوديعة مثلية أم قيمية، وهذا قول أبي حنيفة (١).
جاء في الهداية: «وإذا أودع رجلان عند رجل وديعة فحضر أحدهما وطلب نصيبه منها لم يدفع إليه حتى يحضر الآخر عند أبي حنيفة، وقالا: يدفع إليه نصيبه» (٢).
стр. 9619
° وجه قول أبي حنفية:
أن المال ما دام مشتركًا فهو ملك شائع بين الشريكين، ولا يتميز نصيب كل واحد منهما إلا بالقسمة، والوديع لا يملك القسمة بينهما، كما أن القسمة على الغائب غير جائزة.
القول الثاني:
إن كانت الوديعة من المثليات التي لا تنقص بالقسمة، كالدراهم والدنانير، والمكيلات والموزونات، جاز للوديع أن يعطي الشريك نصيبه ولو مع غيبة الآخر، وإن كانت الوديعة من القيميات فليس له أن يعطي الشريك نصيبه إلا بحضور صاحبه، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمذهب عند الحنابلة (١).
جاء في مجمع الأنهر: «وإن أودع اثنان من واحد شيئًا لا يدفع الواحد إلى أحدهما ... حصته بغيبة الآخر، فإن دفع ضمن نصفه إن هلك عند الإمام (يعني أبا حنيفة)، سواء كان مثليًا أو غير مثلي في المختار ... خلافًا لهما في المثلي؛ لأن معنى الإفراز فيه غالب، كما أن معنى المبادلة في غير المثلي غالب، ولذا لا يجوز له الدفع فيه ويجوز في المثلي» (٢).
جاء في العناية شرح الهداية: «إذا كانت الوديعة من الثياب والدواب والعبيد لم يكن له أن يأخذ نصيبه بالإجماع» (٣).
стр. 9620
وجاء في مجلة الأحكام العدلية: «إذا أودع رجلان مالًا مشتركًا لهما عند شخص، ثم جاء أحد الشريكين في غيبة الآخر، وطلب حصته من المستودع فإن كانت الوديعة من المثليات أعطاه المستودع حصته، وإن كانت من القيميات لا يعطه إياها» (١).
° حجة هذا القول:
أن القسمة في المال المثلي هي قسمة إجبار، لا تتوقف على رضا الشريك، ويجوز للشريك أن يأخذ حصته في غياب الآخر، وبدون إذنه، وأما القسمة في المال القيمي فهي قسمة تراض، تأخذ حكم البيع، وليس للوديع أن يبيع على المودع الغائب؛ ولأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الغبن، فاشترط حضور الشريك لاشتراط رضاه بالقسمة، والله أعلم.
القول الثالث:
يرفع الأمر إلى الحاكم ليتولى قسمة المال بينهما، ويعطي الحاضر نصيبه. وهذا مذهب الشافعية (٢).
جاء في روضة الطالبين: «أودعه جماعة مالا، وذكر أنه مشترك بينهم، ثم جاء بعضهم يطلبه، لم يكن للمودع القسمة ولا تسليم الجميع، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقسمه ويدفع إليه نصيبه» (٣).
стр. 9621
° حجة هذا القول:
أن الوديع لا يملك قسمة المال بين الشركاء، ومنع الشريك من ماله حجر عليه، فكان الحاكم هو الذي يملك قسمة المال بينهما، ولأن له ولاية على مال الغائب، والله أعلم.
وهذا القول أقوى الأقوال وأبعدها عن النزاع، والله أعلم.
* * *
стр. 9622
الفصل الثاني
انتهاء الوديعة بالفسخ
[م-١٩٧١] عقد الوديعة عقد جائز، يجوز لكل واحد فسخها متى شاء، ولا يشترط لفسخها رضا الطرف الآخر أو قبوله، وبذلك تنتهي الوديعة بمبادرة أحد العاقدين بفسخ العقد والتحلل منه. وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة في الجملة (١).
إلا أنه وقع الخلاف فيه في مسألتين:
الأولى: هل تنفسخ الوديعة بالقول، أو لا تنفسخ إلا بالرد، وسيأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل تحت عنوان: في عزل الوديع نفسه.
стр. 9623
المسألة الثانية: أن الفسخ في عقد الوديعة فيما إذا كان العقد جائزًا، أما إذا كان العقد لازمًا فلا يملك فسخ العقد، وقد سبق لنا أن الحنفية قالوا: يكون الإيداع عقدًا لازما في مسألة واحدة.
وهي: ما إذا كان الحفظ في مقابل أجرة حيث يكون المستودع أجيرًا مشتركًا، ويصير العقد المذكور عقد إجارة، وليس لأحد الطرفين أن يفسخه قبل تمام المدة (١).
وقال الشافعية وبعض الحنابلة: يمتنع الفسخ في العقود الجائزة وتصير لازمة إذا اقتضى فسخها ضررًا على الآخر (٢).
واستثنى الشافعية أيضًا من القول بجواز رد الوديعة في حق المودَع ما إذا كان قبولها واجبًا أو مندوبًا في حقه (٣).
وقد نقلت نصوص الفقهاء الدالة على هذه الأحكام الفقهية عند الكلام على توصيف عقد الوديعة، في الفرع الثالث منه، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 9624
الفصل الثالث
انتهاء عقد الوديعة بالموت
[م-١٩٧٢] عند الكلام على تعريف الوديعة بينا أن عقد الوديعة وكالة في الحفظ، وإذا كانت الوديعة وكالة مقيدة بالحفظ دون التصرف، فإنها تنتهي بما تنهي به عقد الوكالة بما في ذلك انتهاء عقد الوديعة بموت أحد المتعاقدين:
فإذا مات المالك فقد انتقل ملكه إلى ورثته أو دائنيه، وهؤلاء لم يأتمنوه على حفظها (١).
وإن لم يكن له وارث، فإن كان بيت المال منتظمًا، صرفه إليه؛ لأن مصرف كل مال لا مالك له، وإن لم يكن بيت المال منتظمًا قام الوديع بصرفها في المصارف العامة، ومنها الصدقة على فقراء المسلمين.
جاء في مرشد الحيران: «إذا مات صاحب الوديعة ترد وديعته إلى ورثته ما لم تكن التركة مستغرقة بالدين .... » (٢).
وجاء في تحفة المحتاج: «وترتفع الوديعة: أي ينتهي حكمها بما ترتفع به الوكالة مما مر فترتفع بموت المودع أو المودع ... » (٣).
فإن لم يكن له وارث، اختار الحلواني من الحنفية ألا يرد الوديعة لبيت المال في زمانه؛ لأن بيت المال غير منتظم.
стр. 9625
جاء في حاشية ابن عابدين: «قال الإمام الحلواني إذا كان عنده وديعة فمات المودع بلا وارث له أن يصرف الوديعة إلى نفسه في زماننا هذا؛ لأنه لو أعطاها لبيت المال لضاع؛ لأنهم لا يصرفون مصارفه فإذا كان من أهله صرفه إلى نفسه وإن لم يكن من المصارف صرفه إلى المصرف» (١).
وإذا مات الوديع فأهليته للحفظ قد زالت بموته، وورثته لم يأتمنهم المالك على حفظها، فيجب ردها على صاحبها (٢).
جاء في مرشد الحيران: «إذا مات المستودَع ووجدت الوديعة عينًا في تركته فهي أمانة في يد الوارث واجب عليه أداؤها لصاحبها» (٣).
وجاء في أسنى المطالب: «وإن مات الوديع فعلى وارثه ردها إلى مالكها» (٤).
وجاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «إذا بطل عقد الإيداع بموت الوديع فالوديعة أمانة محضة في يد الورثة ... » (٥).
وقال ابن قدامة: «وإن مات وعنده وديعة معلومة بعينها، فعلى ورثته تمكين صاحبها من أخذها ... وليس لهم إمساكها قبل أن يعلم بها ربها؛ لأنه لم يأتمنهم عليها، وإنما حصل مال غيرهم في أيديهم بمنزلة من أطارت الريح إلى داره ثوبًا، وعلم به، فعليه إعلام صاحبه به، فإن أخر ذلك مع الإمكان ضمن» (٦).
* * *
стр. 9626
المبحث الأول
في الضمان بتأخير الرد إلى وارث المالك
[م-١٩٧٣] علمنا في المبحث السابق انتهاء عقد الوديعة بالموت، فإذا مات المالك انتقل ملكه إلى الورثة بما في ذلك مال الوديعة، ووجب على الوديع رد الوديعة إلى الورثة؛ لأنهم لم يأتمنوه على حفظها، فإذا أخر الوديع الرد حتى تلفت الوديعة فهل يضمن بهذا التأخير؟
في ذلك خلاف بين العلماء:
القول الأول:
إذا مات المالك، لم يلزمه ردها قبل الطلب، وإن كانت التركة مستغرقة بالدين لم يسلمها إلى الورثة، فإن سلمها إليهم ضمن (١).
جاء في مرشد الحيران: «ذا مات صاحب الوديعة ترد وديعته إلى ورثته ما لم تكن التركة مستغرقة بالدين، فإن كانت كذلك فلا تسلم للوارث إذا كان يخاف عليها منه إلا بإذن الحاكم، وإن سلمت إليه بلا إذنه، وهلكت أو ضاعت فعلى المستودع ضمانها» (٢).
القول الثاني:
ذهب الشافعية إلى أن المالك إذا مات وجب على الوديع الرد على وارثه
стр. 9627
حالًا؛ لأن الوديعة بالموت صارت ملكًا للوارث، والوارث لم يأتمنه عليها.
فإن تلفت في يده قبل التمكن من الرد لم يضمن، وإن تلفت في يده بعده ضمن على الأصح.
فإن لم يجد الورثة رد إلى الحاكم حتى يأمره فيها بما يراه حظًا لمالكها من إحرازها في يده، أو نقلها إلى غيره، فإن لم يُعلم الحاكم بها ويستأذنه فيها ضمن.
وقيد بعض الشافعية وجوب الرد بما إذا لم تعلم الورثة بالوديعة، فأما إذا علموا فلا يجب الرد إليهم إلا بعد الطلب (١).
وفسر إمام الحرمين أن المقصود بقول الأصحاب: إن تمكن من الرد: أي تمكن من الإعلام فلم يُعْلِم، ولم يرد الأصحاب أنه يلزمه تعاطي الرد بنفسه حتى إن كانت هناك مؤنة في الرد وجب عليه التزامها، فهذا ما لا قائل به من الأصحاب (٢).
جاء في الحاوي الكبير: «لو مات رب الوديعة بطل العقد، ولزم المستودع ردها على وارثه، لأنها صارت بالموت ملكا للوارث والوارث لم يأتمنه عليها، فإن لم يفعل ضمن إلا أن يستأنف الوارث إيداعها عنده فتصير وديعة مبتدأة» (٣).
وقال النووي في الروضة: «إذا مات المالك، لزم المودع الرد على ورثته
стр. 9628
حتى لو تلف في يده بعد التمكن من الرد، ضمن على الأصح، فإن لم يجد الورثة، رد إلى الحاكم، وقيد في العدة هذا الجواب بما إذا لم تعلم الورثة بالوديعة، أما إذ علموا، فلا يجب الرد إلا بعد طلبهم» (١).
القول الثالث:
ذهب كثير من الحنابلة إلى أن المالك إذا مات وجبت المبادرة إلى رد المال إلى الوارث مع العلم به والتمكن منه.
وقال بعض الحنابلة الواجب الرد إليه أو إعلامه بذلك لزوال الائتمان؛ لأن مؤنة الرد واجبة على الوارث، فإن تلف المال قبل التمكن من الرد أو الإعلام فهدر، وإن تلفت بعده فوجهان (٢).
قال ابن رجب: «الأمانات الحاصلة في يده بدون رضا أصحابها فيجب المبادرة إلى ردها مع العلم بمستحقها، والتمكن منه، ولا يجوز التأخير مع القدرة ... ثم إن كثيرًا من الأصحاب قالوا ههنا: الواجب الرد، وصرح كثير منهم بأن الواجب أحد شيئين: إما الرد أو الإعلام، كما في المغني والمحرر والمستوعب ونحوه ذكره ابن عقيل، وهو مراد غيرهم؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه، وإنما الواجب التمكين من الأخذ» (٣).
° وجه القول بوجوب الضمان بتأخير الرد:
أن الائتمان القائم بين المالك والوديع قد انتهى بموت المالك، وقد انتقل
стр. 9629
الملك إلى الورثة، والورثة لم يأتمنوه على حفظها، فتأخير الرد موجب للضمان؛ لكونه قد أمسك مال غيره بغير إذنه، فيكون متعديًا بترك التسليم.
° الراجح:
لا خلاف في أن عقد الإيداع ينتهي بموت المالك، ولكن بقاء المال أمانة في يد الوديع لا ينتهي؛ لأن الأمانة نوعان: أمانة بحكم العقد، وهذا ينتهي بالموت، وأمانة بحكم الشرع، وهذا لا ينتهي إلا برد المال، فيكون المطلوب أن يقوم الوديع بإخبار الورثة بوجود الوديعة، ولا يلزمه أكثر من ذلك، فإن طلب الورثة مالهم وجب تمكينهم من قبضه، فإن تأخر الوديع بلا عذر ضمنه، وإن طالب الوديع الورثة باستلام المال وجب على الورثة استلامه بدون تأخير، فإن تأخروا بلا عذر، ثم تلف المال لم يضمن الوديع، وكذا إذا لم يطلب الورثة المال، فتلف لم يضمن الوديع؛ لأن ترك المطالبة بالمال بعد علمهم به رضا ببقاء المال في يد الوديع، والله أعلم.
* * *
стр. 9630
المبحث الثاني
في الضمان بتأخير ورثة الوديع الرد إلى المالك
[م-١٩٧٤] علمنا في المبحث السابق حكم ما إذا مات المالك ثم أخر الوديع الرد حتى تلفت الوديعة، ونريد أن نناقش في هذا المبحث حكم ما إذا مات الوديع، ثم أخر ورثته رد الوديعة إلى المالك حتى تلفت الوديعة فهل يضمنون بهذا التأخير؟
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الوديع إذا مات، ووجدت الوديعة بعينها في تركته تكون أمانة في يد وارثه، فيردها لصاحبها (١).
القول الثاني:
ذهب الشافعية إلى أن المستودع إذا مات بطل عقد الإيداع، فإن كان مالكها حاضرًا وجب على الوارث ردها إليه، فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائبًا لزم الوارث إعلام الحاكم، فإن لم يعلم الحاكم ضمن (٢).
جاء في الحاوي الكبير: «وأما موت المستودع فمبطل لعقد الوديعة؛ لأن مالكها لم يأتمن وارثه عليها، فإن كان مالكها حاضرًا وجب على الوارث ردها عليه، فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائبًا لزم الوارث إعلام الحاكم بها