← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

المبحث الأول في الضمان بتأخير الرد إلى وارث المالك [م-١٩٧٣] علمنا في المبحث السابق انتهاء عقد الوديعة بالموت، فإذا مات المالك انتقل ملكه إلى الورثة بما في ذلك مال الوديعة، ووجب على الوديع رد الوديعة إلى الورثة؛ لأنهم لم يأتمنوه على حفظها، فإذا أخر الوديع الرد حتى تلفت الوديعة فهل يضمن بهذا التأخير؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: إذا مات المالك، لم يلزمه ردها قبل الطلب، وإن كانت التركة مستغرقة بالدين لم يسلمها إلى الورثة، فإن سلمها إليهم ضمن (١). جاء في مرشد الحيران: «ذا مات صاحب الوديعة ترد وديعته إلى ورثته ما لم تكن التركة مستغرقة بالدين، فإن كانت كذلك فلا تسلم للوارث إذا كان يخاف عليها منه إلا بإذن الحاكم، وإن سلمت إليه بلا إذنه، وهلكت أو ضاعت فعلى المستودع ضمانها» (٢). القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن المالك إذا مات وجب على الوديع الرد على وارثه

стр. 9627

حالًا؛ لأن الوديعة بالموت صارت ملكًا للوارث، والوارث لم يأتمنه عليها. فإن تلفت في يده قبل التمكن من الرد لم يضمن، وإن تلفت في يده بعده ضمن على الأصح. فإن لم يجد الورثة رد إلى الحاكم حتى يأمره فيها بما يراه حظًا لمالكها من إحرازها في يده، أو نقلها إلى غيره، فإن لم يُعلم الحاكم بها ويستأذنه فيها ضمن. وقيد بعض الشافعية وجوب الرد بما إذا لم تعلم الورثة بالوديعة، فأما إذا علموا فلا يجب الرد إليهم إلا بعد الطلب (١). وفسر إمام الحرمين أن المقصود بقول الأصحاب: إن تمكن من الرد: أي تمكن من الإعلام فلم يُعْلِم، ولم يرد الأصحاب أنه يلزمه تعاطي الرد بنفسه حتى إن كانت هناك مؤنة في الرد وجب عليه التزامها، فهذا ما لا قائل به من الأصحاب (٢). جاء في الحاوي الكبير: «لو مات رب الوديعة بطل العقد، ولزم المستودع ردها على وارثه، لأنها صارت بالموت ملكا للوارث والوارث لم يأتمنه عليها، فإن لم يفعل ضمن إلا أن يستأنف الوارث إيداعها عنده فتصير وديعة مبتدأة» (٣). وقال النووي في الروضة: «إذا مات المالك، لزم المودع الرد على ورثته

стр. 9628

حتى لو تلف في يده بعد التمكن من الرد، ضمن على الأصح، فإن لم يجد الورثة، رد إلى الحاكم، وقيد في العدة هذا الجواب بما إذا لم تعلم الورثة بالوديعة، أما إذ علموا، فلا يجب الرد إلا بعد طلبهم» (١). القول الثالث: ذهب كثير من الحنابلة إلى أن المالك إذا مات وجبت المبادرة إلى رد المال إلى الوارث مع العلم به والتمكن منه. وقال بعض الحنابلة الواجب الرد إليه أو إعلامه بذلك لزوال الائتمان؛ لأن مؤنة الرد واجبة على الوارث، فإن تلف المال قبل التمكن من الرد أو الإعلام فهدر، وإن تلفت بعده فوجهان (٢). قال ابن رجب: «الأمانات الحاصلة في يده بدون رضا أصحابها فيجب المبادرة إلى ردها مع العلم بمستحقها، والتمكن منه، ولا يجوز التأخير مع القدرة ... ثم إن كثيرًا من الأصحاب قالوا ههنا: الواجب الرد، وصرح كثير منهم بأن الواجب أحد شيئين: إما الرد أو الإعلام، كما في المغني والمحرر والمستوعب ونحوه ذكره ابن عقيل، وهو مراد غيرهم؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه، وإنما الواجب التمكين من الأخذ» (٣). ° وجه القول بوجوب الضمان بتأخير الرد: أن الائتمان القائم بين المالك والوديع قد انتهى بموت المالك، وقد انتقل

стр. 9629

الملك إلى الورثة، والورثة لم يأتمنوه على حفظها، فتأخير الرد موجب للضمان؛ لكونه قد أمسك مال غيره بغير إذنه، فيكون متعديًا بترك التسليم. ° الراجح: لا خلاف في أن عقد الإيداع ينتهي بموت المالك، ولكن بقاء المال أمانة في يد الوديع لا ينتهي؛ لأن الأمانة نوعان: أمانة بحكم العقد، وهذا ينتهي بالموت، وأمانة بحكم الشرع، وهذا لا ينتهي إلا برد المال، فيكون المطلوب أن يقوم الوديع بإخبار الورثة بوجود الوديعة، ولا يلزمه أكثر من ذلك، فإن طلب الورثة مالهم وجب تمكينهم من قبضه، فإن تأخر الوديع بلا عذر ضمنه، وإن طالب الوديع الورثة باستلام المال وجب على الورثة استلامه بدون تأخير، فإن تأخروا بلا عذر، ثم تلف المال لم يضمن الوديع، وكذا إذا لم يطلب الورثة المال، فتلف لم يضمن الوديع؛ لأن ترك المطالبة بالمال بعد علمهم به رضا ببقاء المال في يد الوديع، والله أعلم. * * *

стр. 9630

المبحث الثاني في الضمان بتأخير ورثة الوديع الرد إلى المالك [م-١٩٧٤] علمنا في المبحث السابق حكم ما إذا مات المالك ثم أخر الوديع الرد حتى تلفت الوديعة، ونريد أن نناقش في هذا المبحث حكم ما إذا مات الوديع، ثم أخر ورثته رد الوديعة إلى المالك حتى تلفت الوديعة فهل يضمنون بهذا التأخير؟ القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن الوديع إذا مات، ووجدت الوديعة بعينها في تركته تكون أمانة في يد وارثه، فيردها لصاحبها (١). القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن المستودع إذا مات بطل عقد الإيداع، فإن كان مالكها حاضرًا وجب على الوارث ردها إليه، فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائبًا لزم الوارث إعلام الحاكم، فإن لم يعلم الحاكم ضمن (٢). جاء في الحاوي الكبير: «وأما موت المستودع فمبطل لعقد الوديعة؛ لأن مالكها لم يأتمن وارثه عليها، فإن كان مالكها حاضرًا وجب على الوارث ردها عليه، فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائبًا لزم الوارث إعلام الحاكم بها

стр. 9631

حتى يأمره فيها بما يراه حظًا لمالكها من إحرازها في يد الوارث، أو نقلها إلى غيره، فإن لم يعلم الحاكم بها ويستأذنه فيها ضمن» (١). قال إمام الحرمين: «معنى قول الأصحاب: إن تلفت الوديعة قبل الإمكان، لم يضمن، وإن تلفت بعد إمكان الرد، ضمنها، والمراد: إن تمكن من الإعلام، فلم يعلم، ولم يرد الأصحاب أن الوارث يلزمه تعاطي الرد بنفسه، حتى إن كانت مؤنة في الرد، وجب عليه التزامها، هذا ما لا قائل به من الأصحاب» (٢). القول الثالث: أنه لا ضمان على الورثة إذا تأخروا في رد الوديعة، وهو قول في مذهب الشافعية (٣). وجهه: أن الوارث ليس مودعًا من جهة المالك، وموت الوديع لا ينقل حق الحفظ في الوديعة إلى الورثة، كما أن موت الوكيل لا يورث وارثه حق التصرف الذي كان مفوضًا إلى الوكيل، ولم يكن أمينا من جهة المالك، فلا وجه لوجوب تضمينه بمجرد التأخير (٤). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن وارث الوديع لا يجوز له إمساك الوديعة بدون إذن

стр. 9632

المالك، فإن تلفت عند الوارث قبل تمكنه من الرد فلا ضمان عليه. وإن تلفت بعد تمكنه من الرد ضمنها في أحد الوجهين، وهو المذهب. وقال كثير من الحنابلة: الواجب الرد. وصرح كثير منهم: أن الواجب الرد أو الإعلام بها؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه (١). ونوقش بأن الإعلام بها حاصل للمالك، حيث لا يتصور نسيانه إلا أن يكون المقصود بالإعلام الإعلام بموته لا بالوديعة. قال في الإنصاف: «وإن تلفت عند الوارث قبل إمكان ردها لم يضمنها بلا نزاع، وبعده يضمنها في أحد الوجهين وهو المذهب .... قال في القاعدة الثالثة والأربعين: والمشهور الضمان ... والوجه الثاني: لا يضمنها. قال الحارثي: وهذا لا أعلم أحدا ذكره إلا المصنف» (٢). وجاء في كشاف القناع: «إذا مات المؤتمن وانتقلت إلى وارثه، وجب على من هي بيده المبادرة إلى الرد مع العلم بصاحبها والتمكن منه، أو إعلامه؛ لزوال الائتمان .... قال في القواعد الفقهية: وظاهر كلامه أي القاضي أنه يجب فعل الرد فإن العلم هنا حاصل للمالك انتهى قلت: وفيه نظر؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه .... وإن تلفت الوديعة أو نحوها عند الوارث قبل إمكان ردها لم يضمنها؛ لأنه لم يفرط» (٣).

стр. 9633

وجاء في القواعد لابن رجب: «إذا مات المؤتمن وانتقلت إلى وارثه فإنه لا يجوز الإمساك بدون إذن؛ لأن المالك لم يرض به ... ثم إن كثيرًا من الأصحاب قالوا ههنا: الواجب الرد، وصرح كثير منهم بأن الواجب أحد شيئين: إما الرد أو الإعلام كما في المغني والمحرر والمستوعب ونحوه ذكره ابن عقيل وهو مراد غيرهم؛ لأن مؤنة الرد لا تجب عليه وإنما الواجب التمكين من الأخذ» (١). ° الراجح: لا خلاف في أن عقد الإيداع ينتهي بموت الوديع، ولكن بقاء المال أمانة في يد الورثة لا ينتهي؛ لأن الأمانة نوعان: أمانة بحكم العقد، وهذا ينتهي بالموت، وأمانة بحكم الشرع، وهذا لا ينتهي إلا برد المال، فيكون المطلوب أن يقوم الوارث بإخبار المالك بموت الوديع، ولا يلزمه أكثر من ذلك، فإن طلب المالك ماله وجب تمكينه من قبضه، فإن تأخر الوارث بلا عذر ضمنه، وإن طالب الوارث المالك بقبض المال وجب على المالك استلامه بدون تأخير، فإن تأخر بلا عذر، ثم تلف المال لم يضمن الوارث؛ وكذا إذا لم يطلب المالك المال، فتلف لم يضمن الوارث؛ لأن ترك المطالبة بالمال رضا ببقاء المال في يد الوارث، والله أعلم. * * *

стр. 9634

الفصل الرابع انتهاء عقد الوديعة بالعزل المبحث الأول انتهاء عقد الوديعة بعزل المالك للوديع [م-١٩٧٥] ذهب الفقهاء بأن الوديعة تنتهي بعزل المالك للوديع إذا بلغه الخبر. واعتبر الحنفية من العزل أن يطلب المالك وديعته. جاء في بدائع الصنائع: «المالك لما طلب منه الوديعة فقد عزله عن الحفظ» (١). وجاء في المحيط البرهاني: «العزل لا يصح من غير علم المعزول» (٢). وجاء في أسنى المطالب: «ولو عزل المودِع المودَع لم ينعزل حتى يبلغه الخبر، والفرق بينه وبين الوكيل أن المودع أمين، والوكيل متصرف، والعزل يمنع صحة التصرف» (٣). وجاء في مجلة الأحكام الحنبلية: «ويبطل العقد بعزل المودع مع علم الوديع بالعزل أما قبل علمه فلا ينعزل» (٤). * * *

стр. 9635

المبحث الثاني في عزل الوديع نفسه الأمانات هل تنفسخ بالقول؟ [م-١٩٧٦] هل تنفسخ الوديعة بعزل الوديع نفسه، أو يشترط الرد إلى المالك؟ القول الأول: مذهب الحنفية للوديع عزل نفسه بشرط أن يكون ذلك بحضرة المالك (١). جاء في فتح القدير: «المودَع ينفرد بعزل نفسه بمحضر من المستودِع، كالوكيل يملك عزل نفسه بحضرة الموكل، وإذا ارتفع لا يعود إلا بالتجديد» (٢). وفي الهداية: «لا يملك عزل نفسه بغير محضر منه ـ أي من المالك ـ أو طلبه» (٣). القول الثاني: مذهب الشافعية. قال النووي: «إذا فسخ المستودع الوديعة من غير حضور مالكها ففي صحة الفسخ وجهان حكاهما الروياني هنا: أحدهما: لا يصح؛ لأن الأمانة لا تنفسخ بالقول، ولهذا لو قال: فسخت الأمانة كان على الأمانة ما لم يردها حتى لو هلكت قبل إمكان الرد لا ضمان

стр. 9636

والثاني: يصح، ويرتفع حكم عقد الوديعة، ويبقى حكم الأمانة كالثوب إذا ألقته الريح في دار إنسان يكون أمانة ولا يكون وديعة، فيلزمه أن يعلم صاحبه بذلك» (١). وفرق الزركشي بين أمين المالك، والذي هو أمين بحكم العقد، وبين الأمانات التي هي أمانة بحكم الشرع. فأمين المالك إذا عزل نفسه، فهل ينعزل في مذهب الشافعية وجهان: إن قلنا: إن الوديعة عقد فله عزل نفسه، وتبقى الوديعة أمانة شرعية في يده كالثوب يلقيه الريح في يده. وإن قلنا: إن الوديعة إذن مجرد بالحفظ فلا ينعزل؛ لأن ابتداءه يكون بالفعل، فكذا رفعه لا يرتفع إلا بالرد. أما الأمانات التي هي بحكم الشرع، فلا تنفسخ بالقول بالاتفاق عندهم، وإنما تنفسخ بالرد؛ لأنها ليست عقدًا. قال الزركشي: «لو عزل المودع نفسه فوجهان، إن قلنا: الوديعة عقد ارتفعت، أو مجرد إذن فالعزل لغو، كما لو أذن في تناول طعامه للضيفان، فقال بعضهم عزلت نفسي فيلغو قوله. قال الزركشي: وهذا الخلاف في أمين المالك، أما الأمانات الشرعية فلا تقبل الفسخ بالاتفاق، كما يقتضيه كلام الروياني، فلو قال: فسخت الأمانة كان على الأمانة، فمتى لم يرد حتى هلكت قبل القدرة على ردها لا ضمان» (٢).

стр. 9637

وقال السبكي في الأشباه والنظائر: «ومنها: بانعزال المودع بعزلة نفسه في غيبة المودع وجهان: إن قلنا: الوديعة عقد انعزل وتبقى أمانة، وإن قلنا: ليست بعقد فلا ينعزل؛ لأن ابتداءه بالفعل، فكذا رفعه» (١). القول الثالث: مذهب الحنابلة. جاء في مجلة الأحكام الشرعية: «يبطل العقد بعزل الوديع نفسه والعين أمانة بيده يجب ردها حالا إلى مالكها كحكم ثوب أطارته الريح إلى داره» (٢). وفرق ابن رجب بين المالك وبين الوديع، فالأول يملك فسخ العقد بالقول، والثاني: لا يملك الفسخ إلا بالرد. قال ابن رجب: «ذكر القاضي في مواضع كثيرة من خلافه أن للمودِع فسخها بالقول في غيبة المودَع، وتنفسخ قبل علم المودَع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة، كمن أطارت الريح إلى بيته ثوبا لغيره، ثم إنه ذكر في مسألة الوكالة أن الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنما تنفسخ بالرد إلى صاحبها أو بأن يتعدى المودَع فيها، فلو قال المودَع بمحضر من رب الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسها عنها لم تنفسخ قبل أن يصل إلى صاحبها، ولم يضمنها.

стр. 9638

فإما أن يكون هذا تفريقًا بين فسخ المودِع والمودَع، أو يكون اختلافا منه في المسألة، والأول أشبه؛ لأن فسخ المودِع إخراج للمودَع عن الاستحفاظ، وهو يملكه، وأما المودَع فليس له فيها تصرف سوى الإمساك والحفظ، فلا يصح أن يرفعه مع وجوده» (١). * * *

стр. 9639

الفصل الخامس انتهاء عقد الوديعة بالتعدي أو بالتفريط [م-١٩٧٧] اختلف الفقهاء هل ينتهي عقد الوديعة بالاعتداء على الوديعة أو بالتفريط فيها، بحيث لا يصح له إمساكها بعد التعدي عليها إلا بعقد إيداع جديد، أو يجوز له إمساكها إذا أزال التعدي، وقام بحفظها على الوجه المطلوب، ويرجع إلى الأمانة بذلك حتى لو تلفت بعد ذلك بغير تعد منه أو تفريط لم يضمن؟ في ذلك خلاف بين العلماء: القول الأول: إذا زال التعدي زال الضمان، وهذا مذهب الحنفية (١). قال ابن نجيم: «تعدى في الوديعة: بأن كانت دابة فركبها، أو ثوبًا فلبسه، أو عبدًا فاستخدمه، أو أودعها غيره، ثم أزال التعدي فردها إلى يده برئ عن الضمان؛ لأنه مأمور بالحفظ في كل الأوقات، فإذا خالف في البعض ثم رجع أتى بالمأمور به، كما إذا استأجره للحفظ شهرًا فترك الحفظ في بعضه، ثم حفظ في الباقي استحق الأجرة بقدره. وقد قدمنا في باب الجنايات على الإحرام عن الظهيرية أنه يزول الضمان عنه بشرط أنه لا يعزم على العود إلى التعدي، حتى لو نزع ثوب الوديعة ليلًا ومن عزمه أن يلبسه نهارًا، ثم سرق ليلًا لا يبرأ عن الضمان» (٢).

стр. 9640

القول الثاني: إذا تعدى ثم أزال التعدي فإنه ضامن حتى يردها إلى صاحبها، وهو مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة (١). قال ابن رجب أيضًا: «عقود الأمانات هل تنفسخ بمجرد التعدي فيها أم لا؟ المذهب أن الأمانة المحضة تبطل بالتعدي والأمانة المتضمنة لأمر آخر لا تبطل على الصحيح. ويتخرج على ذلك مسائل (منها) إذا تعدى في الوديعة بطلت ولم يجز له الإمساك ووجب الرد على الفور لأنها أمانة محضة وقد زالت بالتعدي فلا تعود بدون عقد متجدد. هذا هو المشهور» (٢). القول الثالث: ذهب المالكية إلى التفريق بين تعد وآخر، وبين التفريق بين الوديعة المثلية، وبين الوديعة القيمية. فإن كان التعدي بمجرد الركوب، ولبس الثوب، فإذا ترك ذلك عاد إلى الأمانة. وإن كان التعدي بالاستهلاك، فإن تعدى على وديعة مثلية كالدراهم والدنانير، أو كانت الوديعة طعامًا مكيلًا أو موزونًا، فتعدى فيه، فرد مثله مكانها فلا شيء عليه بعد ذلك إن تلف بدون تعديه أو تفريطه. وإن كانت الوديعة عروضًا قيمية فهو ضامن لها من ساعة إتلافها، سواء رد

стр. 9641

بدلها إلى مكانها أم لا، ولا يبرأ من تلك القيمة إلا إذا أشهد على ردها لربها (١). وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في مبحث سابق، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وإنما أعيد ذكر المسألة هنا تحت مبحث جديد، وهو انتهاء عقد الوديعة في الاعتداء، فأشرت إلى الأقوال، وتركت التفصيل في ذكر الأدلة. * * *

стр. 9642

الفصل السادس انتهاء عقد الوديعة بزوال الأهلية [م-١٩٧٨] يشترط في العقود أهلية التصرف، وهذا الشرط كما هو شرط في ابتداء العقد، فهو شرط في استمراره، فإذا فقدت الأهلية فقد انتهى عقد الإيداع. فالأهلية تزول بالجنون عند جمهور الفقهاء، فإذا جن المالك بعد عقد الإيداع بطل عقده؛ لأنه لم يعد ولي نفسه، بل يلي ماله غيره من ولي أو وصي. وإذا جن الوديع لم يعد أهلًا للحفظ، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة (١). وأما المالكية فلم أقف لهم على نص في المسألة، ويمكن تخريج عقد الإيداع على عقد الوكالة، فإنهم عرفوا الإيداع: بأنه توكيل بحفظ المال (٢). والمذهب عندهم في الوكالة أن جنون الوكيل لا يوجب عزله إن برأ، وكذا جنون الموكل، فإن طال نظر السلطان في أ مره (٣). قال الدسوقي في حاشيته: «لا ينعزل الوكيل بجنونه، أو جنون موكله إلا أن يطول جنون الموكل جدًا فينظر له الحاكم» (٤).

стр. 9643

وأما فقد الأهلية بالإغماء ففيه وجهان في مذهب الشافعية، الأصح أن الأهلية تزول بالإغماء عندهم (١). هذا ما يخص الأقوال، وأما نصوص الفقهاء في هذه المسألة فإليك بعض ما وقفت عليه منهم: جاء في درر الحكام: «إذا عرض للمستودع حال جنة بدرجة أن انقطع الرجاء من شفائه: أي أنه صار بدرجة الجنون المطبق ... وحصل يأس من صحوه وإفاقته، فإن كانت الوديعة موجودة، وأثبت صاحب الوديعة في مواجهة ولي المجنون أو وصيه بالبينة أن الوديعة التي أخذها المجنون قبل الجنة عينًا هي وديعته هذه ترد إلى صاحبها .. » (٢). وقال السيوطي: «يبطل بالجنون كل عقد جائز، كالوكالة إلا في رمي الجمار، والإيداع ..... وفي الإغماء وجهان: أصحهما كالمجنون» (٣). وقال الشيرازي في المهذب: «وتنفسخ ـ يعني الوديعة ـ بما تنفسخ به الوكالة من العزل والجنون والإغماء كما تنفسخ به الوكالة لأنه وكالة في الحفظ فكان كالوكالة، في العقد والفسخ» (٤). وقال ابن مفلح: «وتنفسخ - أي الوديعة - بموت وجنون وعزل مع علمه» (٥). * * *

стр. 9644

الفصل السابع انتهاء عقد الوديعة بالجحود [م-١٩٧٩] تنتهي عقد الوديعة بالجحود؛ لأنه لا يخلو حال الجاحد من أمرين: أحدها: ألا يكون هناك بينة للمالك على وديعته، فالقول قول الوديع مع يمينه بأنه ليس عنده وديعة للمالك، فإذا حلف فقد انتهى الأمر، ولم يبق مطالبًا بها. الثاني: أن يقيم المالك البينة على الإيداع، أو يقر بها فيصير بجحوده خائنًا ضامنًا لخروجه بذلك عن كونه أمينًا فتنقلب يده إلى يد غاصب، فلا يبرأ إلا بردها إلى صاحبها، وعلى كلا الحالين فإن الوديعة تكون قد انتهت بذلك (١). قال الكساني: «ومنها ـ أي ما يجعل الوديعة مضمونة ـ جحود الوديعة في وجه المالك عند طلبه، حتى لو قامت البينة على الإيداع، أو نكل المودع عن اليمين، أو أقر به، دخلت في ضمانه؛ لأن العقد لما ظهر بالحجة؛ فقد ظهر ارتفاعه بالجحود، أو عنده؛ لأن المالك لما طلب منه الوديعة، فقد عزله عن الحفظ، والمودع لما جحد الوديعة حال حضرة المالك، فقد عزل نفسه عن الحفظ؛ فانفسخ العقد، فبقي مال الغير في يده بغير إذنه؛ فيكون مضمونا عليه،

стр. 9645

فإذا هلك تقرر الضمان» (١). وقال القرافي في الذخيرة: «إذا جحدك وشهدت البينة ضمن؛ لأنه بالجحد صار غاصبًا» (٢). وقال الماوردي: «رجل أودع رجلًا وديعة، ثم طالبه بها، فجحدها وقال: لم تودعني شيئًا، ثم عاد فاعترف بها وقال: قد كنت استودعتها وتلفت، أو قامت بها البينة عليه فادعى بتلفها لم يقبل منه، لأمرين: أحدهما: أنه قد صار بالجحد متعديًا فضمنها، ومن ضمن وديعة لم يسقط عنه الغرم بتلفها. والثاني: أنه بالإنكار الأول قد أكذب نفسه بادعاء التلف» (٣). وقال ابن قدامة: «إذا ادعى على رجل وديعة، فقال: ما أودعتني. ثم ثبت أنه أودعه، فقال: أودعتني، وهلكت من حرزي، لم يقبل قوله، ولزمه ضمانها. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وأصحاب الرأي؛ لأنه مكذب لإنكاره الأول ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة» (٤). فهذه نصوص مختلفة عن أصحاب الأئمة الأربعة تتفق على أن الإيداع ينتهي بالجحود، والله أعلم. وبهذه المسألة أكون قد انتهيت من بحث المسائل المختارة في عقد الوديعة، فالحمد لله أولًا وآخرًا. * * *

стр. 9646

عقد اللقطة

стр. 9647

تمهيد المبحث الأول في تعريف اللقطة تعريف اللقطة اصطلاحًا (١): تعريف الحنفية: جاء في البحر الرائق نقلًا من التتارخانية «مال يوجد ولا يعرف له مالك، وليس بمباح» (٢). فقوله: (مال) خرج ما ليس بمال، فلا يعتبر لقطة عند الحنفية. وقوله: (ولا يعرف له مالك) خرج به ما عرف مالكه فإنه وإن كان أمانة، إلا أنه ليس لقطة.

стр. 9648

قوله: (وليس بمباح) خرج به المباحات قبل تملكها كالاحتطاب فإن هذا لا يعتبر لقطة، بل هو مباح تملكه للجميع بحيازته. وفي تعريف آخر للحنفية: جاء في مجمع الأنهر شرح متلقى الأبحر: «رفع شيء ضائع للحفظ على الغير لا لتمليك» (١). فقوله: (رفع شيء) لفظ شيء عام، وهو أعم من كلمة (مال). (ضائع) يقصد به ضائعًا مخصوصًا، وهو الضائع الذي لا يعرف مالكه، كما قال في التعريف السابق: لا يعرف له مالك. وقوله: (للحفظ لا لتمليك) هذه مسألة خلافية، هل تكون اللقطة ملكًا لواجدها إذا قام بتعريفها مدة معينة، أو لا يملكها، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها، وبيان الراجح بعون الله وتوفيقه. تعريف المالكية: قال ابن عرفة في تعريف اللقطة: «مال وجد بغير حرز محترمًا ليس حيوانًا ناطقًا، ولا نعمًا» (٢). فقوله: (مال) أخرج غير المال فلا يعتبر لقطة عندهم، كالأشياء النجسة التي يجوز أن يختص بها الإنسان لا تدخل في اللقطة عندهم، هذا مفهوم قيد المال. وقوله: (وجد بغير حرز) لأنه إذا كان محرزًا لم يكن مالًا ضائعًا.

стр. 9649

وقوله: (محترمًا) أخرج ما ليس بمحترم إما لتحريمه كالخمر، وإما لقلته كالتمرة ونحوها. وقوله: (ليس حيوانًا) لأنه إذا كان حيوانًا، فهو ضالة، وليس لقطة، وللحيوان حكم خاص تفريقًا بين الإبل والغنم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه أثناء الكلام على أحكام اللقطة. تعريف الشافعية: عرفها الشافعية بأنها: ما وجد في موضع غير مملوك من مال أو مختص ضائع من مستحقه لسقوط أو غفلة، أو نحوها لغير حربي ليس بمحرز، ولا ممتنع بقوة، ولا يعرف الواجد مستحقه (١). شرح التعريف: قوله: (ما وجد في موضع غير مملوك) لأنه إذا وجد في موضع مملوك فهو لمالك ذلك الموضع؛ لأن يده ثابتة على الموضع، وعلى ما فيه. قوله: (من مال أو مختص) فاللقطة تشمل نوعين: أحدهما: الأموال، والثاني: ما يختص به الإنسان مما يحل الانتفاع به وإن لم يكن مالًا كنجاسة يحل الانتفاع بها، وخمرة الخلال، ونحو ذلك. وقوله: (ضائع من مستحقه) أخرج المال الذي سيبه صاحبه زهدًا فيه، فلا يسمى لقطة. وقوله: (بسقوط أو غفلة) خرج بذلك ما لو ألقت الريح ثوبًا في حجره، أو

стр. 9650

ألقى في حجره هارب كيسًا ولم يعرفه، فهو مال ضائع يحفظه، ولا يتملكه، وليس لقطة. والتفريق بين المال الضائع واللقطة هو تفريق اصطلاحي للشافعية، وإلا فإن اللقطة تعتبر مالًا ضائعًا. وقوله: (لغير حربي) خرج بذلك ما وجد بدار الحرب، وليس بها مسلم؛ فهو غنيمة يخمس، وليس لقطة. وقوله: (ليس بمحرز) لأنه إذا كان محرزًا لم يكن لقطة ضائعة. وقوله: (ولا يعرف الواجد مستحقه) لأنه إذا كان يعرف صاحبه لم يكن لقطة (١). تعريف الحنابلة: جاء في الإقناع: «وهي اسم لما يلتقط: من مال أو مختص ضائع وما في معناه لغير حربي يلتقطه غير ربه» (٢). فقوله: (من مال أو مختص) هذا موافق لمذهب الشافعية بكون اللقطة لا تختص بالمال وحده، وإنما تختص بكل ما يختص به الإنسان مما يباح الانتفاع به، وإن لم يكن مالًا كخمرة الخلال، والسرجين النجس، وقد تقدم التنبيه عليه في مذهب الشافعية. وقوله: (ضائع وما في معناه) الضائع معلوم، أما الذي في معنى الضائع فهو يشمل المتروك لمعنى يقتضيه، ويشمل المدفون المنسي. وقوله: (لغير حربي) فإن كان المال لحربي فهو لآخذه عند الحنابلة (٣). * * *

стр. 9651

المبحث الثاني الفرق بين اللقطة والضالة الضالة لا تقع إلا على الحيوان وما سواه يقال له لقطة. [م-١٩٨٠] اختلف العلماء في الفرق بين اللقطة والضالة على قولين: القول الأول: التفريق بين اللقطة والضالة، فالضالة لا تكون إلا في الحيوان، واللقطة في غير الحيوان. وهذا قول جماعة من اللغويين كالقاسم بن سلام، والأزهري، وجمهور الفقهاء. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: إنما الضوال ما ضل بنفسه، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يدع اللقطة، ولا يجوز له أخذ الضالة. وقال الأزهري وغيره: لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان ... وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال لها: لقطة، ولا يقال: ضالة (١). وقال الخطابي في معالم السنن: «اسم الضالة لا يقع على الدرهم والدنانير والمتاع ونحوها، وإنما الضالة اسم للحيوان» (٢).

стр. 9652

وقال ابن حجر: «قال العلماء الضالة لا تقع إلا على الحيوان وما سواه يقال له لقطة ويقال للضوال أيضا الهوامي والهوافي بالميم والفاء والهوامل» (١). ° دليل من فرق بين الضالة واللقطة: (ح-١١٩٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا حميد يعني الطويل، حدثنا الحسن، عن مطرف، عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله، هوام الإبل نصيبها؟ قال: ضالة المسلم حرق النار (٢). [اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله، ورجاله ثقات] (٣).

стр. 9653

وأجيب: بأن قوله ﵇: (ضالة المؤمن حرق النار) إنما قال ذلك؛ لأنهم أرادوها للركوب والانتفاع لا للحفظ على صاحبها، حيث جاء في رواية الطحاوي: قدمنا على رسول الله ﵇ في نفر من بني عامر، فقال لنا: ألا أحملكم، فقلت: إنا نجد في الطريق هوامي الإبل، فقال النبي ﵇: إن ضالة المسلم حرق النار (١). القول الثاني: أن اللقطة والضالة سواء في المعنى، والحكم فيهما سواء، وممن ذهب إلى هذا أبو جعفر الطحاوي، وأنكر قول أبي عبيد الضالة ما ضل بنفسه وقال هذا غلط؛ لأنه قد روي عن النبي ﵇ في حديث الإفك قوله للمسلمين (إن أمكم ضلت قلادتها) فأطلق ذلك على القلادة (٢). قلت: يجاب عن حديث (ضلت قلادتها) بجوابين: الجواب الأول: أنه قد تفرد بهذه اللفظ أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة.

стр. 9654

وأحمد بن عبد الرحمن متكلم فيه، وابن لهيعة ضعيف الحديث مطلقًا، من رواية العبادلة ومن رواية غيرهم على التحقيق. وحديث عائشة في الصحيحين وفي غيرهما ليس فيه هذه اللفظة. الجواب الثاني: أن الفاعل قد يكون ضميرًا مستترًا يعود على أمنا عائشة ﵂ وعن أبيها، وليست القلادة، وإنما يكون شاهدًا لو تعين أن يكون الفاعل هو القلادة، والله أعلم. * * *

стр. 9655

المبحث الثالث في أركان اللقطة ركن الشيء ما يتوقف عليه وجوده، وكان جزءًا من الماهية. [م-١٩٨١] عند الكلام على الأركان نقف على قولين: أحدها: قول الحنفية الذي يرى أن ركن الشيء: هو ما يتوقف عليه وجوده، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، وعلى هذا الركن في اللقطة هو الالتقاط فقط، وأما الملتقط واللقطة فهي من لوازم اللقطة وليست جزءاً من حقيقة اللقطة، وإن كان يتوقف عليها وجوده. والثاني: قول الجمهور الذي يرى أن الركن: هو ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن. وعلى هذا يكون الأركان هي: الالتقاط، والملتقط، واللقطة (١). ومذهب الحنفية أجود، وأدق في الجملة، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد الوصية وعقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. هذا بيان لسبب الخلاف بين الحنفية والجمهور في ركن الشيء. * * *

стр. 9656

الباب الأول في حكم الالتقاط الفصل الأول في التقاط غير الحيوان الخيانة في الالتقاط بمنزلة الاغتصاب. اللقطة أمانة فلم يجب أخذها كالوديعة. [م-١٩٨٢] اختلف الفقهاء في حكم أخذ اللقطة على أقوال، ونظرًا لاختلاف الحكم باختلاف حال الملتقط ومكان اللقطة رأيت أن أحرر أقوال كل مذهب على حدة، ثم أجملها بعد ذلك مع ذكر الأدلة: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أنه يحرم رفع اللقطة إن أخذها لنفسه، ويندب رفعها إن أمن الملتقط على نفسه، وإلا فالترك أولى من الرفع. وإن خاف عليها من الضياع فرفعها واجب، وقال في البدائع: يستحب (١).

стр. 9657

جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وأخذها أفضل، وإن خاف ضياعها فواجب» (١). وقال الكاساني في بدائع الصنائع عن حكم أخذ اللقطة: «قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح الأخذ، وقد يكون حرام الأخذ: أما حالة الندب: فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها؛ لأنه إذا خاف عليها الضيعة كان أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم معنى فكان مستحبًا، والله تعالى أعلم. وأما حالة الإباحة: فهو أن لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها ... وأما حالة الحرمة: فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها» (٢). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن المتلقط إما أن يعلم أمانة نفسه، أو خيانتها، أو يشك فيها، وفي كلٍ إما أن يخاف الخونة على اللقطة لو ترك الأخذ، أو لا. فيجب الأخذ بشرطين: إن خاف الخونة على اللقطة، ولم يعلم خيانة نفسه بأن علم أمانتها أو شك فيها. فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ خاف الخونة أم لا. وإن لم يخف الخونة كره الالتقاط علم أمانة نفسه أو شك فيها. هذا هو تحرير مذهب المالكية.

стр. 9658

واختار بعض المالكية: أن المتلقط إن وثق بأمانة نفسه، ولم يخف عليها ففيها ثلاثة أقوال: الأول: الاستحباب مطلقًا. الثاني: الاستحباب فيما له بال فقط. الثالث: الكراهة (١). جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: «حاصل هذا المبحث أن مريد الالتقاط إما أن يعلم أمانة نفسه أو خيانتها أو يشك فيها، وفي كل إما أن يخاف الخائن لو ترك الأخذ أو لا: فيجب الأخذ بشرطين إن خاف الخائن ولم يعلم خيانة نفسه: بأن علم أمانتها أو شك فيها. فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ خاف الخائن أم لا. وإن لم يخف الخائن كره علم أمانة نفسه أو شك فيها .... هذا حاصل ما يؤخذ من الشارح وهو التحرير .... واعلم أنه إذا لم يخف خائنًا، وعلم أمانة نفسه، فثلاثة أقوال: الاستحباب، والكراهة، والتفصيل: يستحب فيما له بال، ويكره في غيره،

стр. 9659

واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة مطلقًا، وأما إذا لم يخف خائنًا وشك في أمانة نفسه فالكراهة اتفاقًا» (١). وقال ابن شاس: «وليس بواجب ـ يعني الالتقاط ـ إلا أن يكون بين قوم غير مأمونين، والإمام غير عدل، لكن إن وثق بأمانة نفسه، فالأخذ مستحب له. وروي تخصيص الاستحباب بما له بال، فإن علم الخيانة من نفسه فالأخذ محرم عليه، وإن خافها كره الأخذ» (٢). وجاء في منح الجليل: «وما أحسن قول ابن الحاجب تابعًا لابن شاس: والالتقاط حرام على من علم خيانة نفسه، ومكروه للخائف، وفي المأمون: الاستحباب، والكراهة، والاستحباب فيما له بال، والوجوب إن خاف عليها الخونة» (٣). وقال الباجي: «فأما جواز أخذها فقد روى نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان يمر باللقطة فلا يأخذها. وفي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا أحب أن يأخذها من وجدها إلا أن يكون لها قدر. وقال في موضع آخر أو لذي رحمه: وأما الشيء الذي له بال فأرى له أخذه. وروى عنه أشهب: أما الدنانير وشيء له بال فأحب إلي أن يأخذه، وليس كالدرهم، وما لا بال له لا أحب له أن يأخذ الدرهم ومعنى ذلك أن الشيء

стр. 9660

الكثير الذي له بال يخاف عليه الضياع إن تركه فأخذه له على وجه التعريف به والحفظ له إلى أن يجده صاحبه من أعمال البر» (١). القول الثالث: مذهب الشافعية: نقل عن الشافعي نصان في المسألة: أحدهما: قال في مختصر المزني: «لا أحب لأحد ترك لقطة وجدها إذا كان أمينًا عليها» (٢). وقال في الأم: «لا يجوز لأحد ترك لقطة وجدها إذا كان من أهل الأمانة» (٣). واختلف أصحابه لذلك، فمنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه، ويكره تركها لئلا تقع في يد خائن، وإنما لم يجب الالتقاط لأنها أمانة أو كسب وكل منهما لا يجب ابتداء. الثاني: يجب عليه الالتقاط صيانة للمال عن الضياع. واختار أبو العباس وأبو إسحاق حمل النصين على حالين مختلفين: فالموضع الذي قال: يستحب له أخذها إذا كان لا يخاف عليها من الضياع كما لو كانت في موضع يعلم أمانة أهلها. والموضع الذي قال: يجب عليه أخذها إذا كانت في موضع يخاف عليها من الضياع، واختار هذا التفصيل السبكي.

стр. 9661

ولا يستحب الالتقاط لغير واثق بأمانة نفسه، ويكره لفاسق لئلا تدعوه نفسه إلى الخيانة (١). جاء في المهذب: «روى المزني أنه قال: لا أحب تركها. وقال في الأم: لا يجوز تركها، فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما لا يجب لأنها أمانة فلم يجب أخذها كالوديعة والثاني يجب .... وقال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما: إن كانت في موضع لا يخاف عليها لأمانة أهله لم يجب عليه؛ لأن غيره يقوم مقامه في حفظها، وإن كان في موضع يخاف عليها لقلة أمانة أهله وجب؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، فتعين عليه، وحمل القولين على هذين الحالين، فإن تركها ولم يأخذها لم يضمن؛ لأن المال إنما يضمن باليد أو بالإتلاف ولم يوجد شيء من ذلك، ولهذا لا يضمن الوديعة إذا ترك أخذها فكذلك اللقطة» (٢). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن الملتقط إن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها، فله أخذها، والأفضل تركها. وقال أبو الخطاب: أخذها أفضل إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها (٣).

стр. 9662

جاء في الإقناع: «ومن أمن نفسه عليها وقوى على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها، ولو وجدها بمضيعة، وإن عجز عن تعريفها فليس له آخذها» (١). إذا علمت تحرير حكم المسألة في كل مذهب من المذاهب الفقهية، نأتي إلى إجمالها مع ذكر الأدلة، فأقول اللقطة لها ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يعلم من نفسه الخيانة، فهنا يحرم عليه الالتقاط؛ لأنه بمنزلة الغاصب، ولأن في أخذها تضييعًا لمال غيره فيحرم كإتلافه، وكما لو نوى كتمانها، أو نوى تملكها في الحال. (ح-١١٩٦ د روى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﵇ أنه قال: من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها (٢). [هذا الحديث بهذا اللفظ من أفراد مسلم، وحديث زيد بن خالد في الصحيحين بغير هذا اللفظ، وأبو سالم الجيشاني لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، وقيل له صحبة] (٣).

стр. 9663

الحال الثانية: أن يثق بأمانة نفسه، ولا يخشى على اللقطة، فهنا أخذها لا يحرم، والخلاف في الأفضل، وقد اختلفوا فيه على أقوال: القول الأول: يستحب أخذها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار بعض المالكية. ° دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: (ح-١١٩٧ رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها (١). فقد دل الحديث على استحباب الالتقاط من وجهين: الوجه الأول: أن الرسول ﵇ أمر بأخذ الشاة، بقوله (خذها، فإنما هي لك أو لأخيك، أو

стр. 9664

للذئب) ومعلوم أن اللقطة مثلها بجامع أن كلًا منهما لا يمتنع على من أراده بهلاك أو فساد. الوجه الثاني: أن الرسول ﵇ أمره بتعريفها، ولم يقل له كما قال في الإبل: دعها حتى يلقاها فدل هذا على أن الأفضل أخذها وتعريفها. ويناقش: أما الأمر بأخذ الشاة فهو ليس للندب لأنه قاله جوابًا على سؤال السائل، فيحمل على الإرشاد، نعم يكون الأمر للوجوب أو للندب لو أن الرسول ﵇ أمر بأخذها ابتداء دون أن يكون ذلك مرتبًا على سؤال السائل، والله أعلم. أما كون النبي ﵇ لم ينه السائل عن أخذها كما نهاه في ضالة الإبل فهو دليل على جواز الالتقاط، ولا يمكن أن يكون ترك النهي دليلًا على الاستحباب، بل يطلب الاستحباب من دليل آخر. الدليل الثاني: أن أخذ اللقطة إذا وثق بأمانة نفسه فيه صيانة لمال الغير من الضياع، وإنما لم يجب؛ لأنه في مكان لا يخاف عليها؛ لأن صاحبها سوف يفتش عنها في المحل الذي فقدها، ويجدها، ويظفر بماله. القول الثاني: يستحب أخذ اللقطة إن كان لها بال. وهو قول في مذهب المالكية. واحتج أصحاب هذا القول: بأن اللقطة إذا لم يكن لها بال لم يطلبها صاحبها، ولا تشح بها النفوس.

стр. 9665

(ح-١١٩٨ د روى البخاري من طريق منصور، عن طلحة، عن أنس ﵁، قال: مر النبي ﵇ بتمرة في الطريق، قال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها (١). فلم يجعل النبي ﵇ حكم التمرة حكم اللقطة؛ وهكذا سائر المحقرات من الأموال لا يكون لها حكم اللقطة، وسوف نناقش إن شاء الله تعالى حكم يسير اللقطة في مبحث مستقل. القول الثالث: يكره أخذها، وهو مذهب المالكية. القول الرابع: الأفضل تركها، وهو مذهب الحنابلة. ° وحجة هذين القولين: الدليل الأول: (ح-١١٩٩ رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا حميد يعني الطويل، حدثنا الحسن، عن مطرف، عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله، هوام الإبل نصيبها؟ قال: ضالة المسلم حرق النار (٢). [اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله، ورجاله ثقات] (٣).
следующие страницы →