← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

ولا يستحب الالتقاط لغير واثق بأمانة نفسه، ويكره لفاسق لئلا تدعوه نفسه إلى الخيانة (١). جاء في المهذب: «روى المزني أنه قال: لا أحب تركها. وقال في الأم: لا يجوز تركها، فمن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما لا يجب لأنها أمانة فلم يجب أخذها كالوديعة والثاني يجب .... وقال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما: إن كانت في موضع لا يخاف عليها لأمانة أهله لم يجب عليه؛ لأن غيره يقوم مقامه في حفظها، وإن كان في موضع يخاف عليها لقلة أمانة أهله وجب؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، فتعين عليه، وحمل القولين على هذين الحالين، فإن تركها ولم يأخذها لم يضمن؛ لأن المال إنما يضمن باليد أو بالإتلاف ولم يوجد شيء من ذلك، ولهذا لا يضمن الوديعة إذا ترك أخذها فكذلك اللقطة» (٢). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن الملتقط إن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها، فله أخذها، والأفضل تركها. وقال أبو الخطاب: أخذها أفضل إذا وجدها بمضيعة، وأمن نفسه عليها (٣).

стр. 9662

جاء في الإقناع: «ومن أمن نفسه عليها وقوى على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها، ولو وجدها بمضيعة، وإن عجز عن تعريفها فليس له آخذها» (١). إذا علمت تحرير حكم المسألة في كل مذهب من المذاهب الفقهية، نأتي إلى إجمالها مع ذكر الأدلة، فأقول اللقطة لها ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يعلم من نفسه الخيانة، فهنا يحرم عليه الالتقاط؛ لأنه بمنزلة الغاصب، ولأن في أخذها تضييعًا لمال غيره فيحرم كإتلافه، وكما لو نوى كتمانها، أو نوى تملكها في الحال. (ح-١١٩٦ د روى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﵇ أنه قال: من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها (٢). [هذا الحديث بهذا اللفظ من أفراد مسلم، وحديث زيد بن خالد في الصحيحين بغير هذا اللفظ، وأبو سالم الجيشاني لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، وقيل له صحبة] (٣).

стр. 9663

الحال الثانية: أن يثق بأمانة نفسه، ولا يخشى على اللقطة، فهنا أخذها لا يحرم، والخلاف في الأفضل، وقد اختلفوا فيه على أقوال: القول الأول: يستحب أخذها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختيار بعض المالكية. ° دليل من قال بالاستحباب: الدليل الأول: (ح-١١٩٧ رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها (١). فقد دل الحديث على استحباب الالتقاط من وجهين: الوجه الأول: أن الرسول ﵇ أمر بأخذ الشاة، بقوله (خذها، فإنما هي لك أو لأخيك، أو

стр. 9664

للذئب) ومعلوم أن اللقطة مثلها بجامع أن كلًا منهما لا يمتنع على من أراده بهلاك أو فساد. الوجه الثاني: أن الرسول ﵇ أمره بتعريفها، ولم يقل له كما قال في الإبل: دعها حتى يلقاها فدل هذا على أن الأفضل أخذها وتعريفها. ويناقش: أما الأمر بأخذ الشاة فهو ليس للندب لأنه قاله جوابًا على سؤال السائل، فيحمل على الإرشاد، نعم يكون الأمر للوجوب أو للندب لو أن الرسول ﵇ أمر بأخذها ابتداء دون أن يكون ذلك مرتبًا على سؤال السائل، والله أعلم. أما كون النبي ﵇ لم ينه السائل عن أخذها كما نهاه في ضالة الإبل فهو دليل على جواز الالتقاط، ولا يمكن أن يكون ترك النهي دليلًا على الاستحباب، بل يطلب الاستحباب من دليل آخر. الدليل الثاني: أن أخذ اللقطة إذا وثق بأمانة نفسه فيه صيانة لمال الغير من الضياع، وإنما لم يجب؛ لأنه في مكان لا يخاف عليها؛ لأن صاحبها سوف يفتش عنها في المحل الذي فقدها، ويجدها، ويظفر بماله. القول الثاني: يستحب أخذ اللقطة إن كان لها بال. وهو قول في مذهب المالكية. واحتج أصحاب هذا القول: بأن اللقطة إذا لم يكن لها بال لم يطلبها صاحبها، ولا تشح بها النفوس.

стр. 9665

(ح-١١٩٨ د روى البخاري من طريق منصور، عن طلحة، عن أنس ﵁، قال: مر النبي ﵇ بتمرة في الطريق، قال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها (١). فلم يجعل النبي ﵇ حكم التمرة حكم اللقطة؛ وهكذا سائر المحقرات من الأموال لا يكون لها حكم اللقطة، وسوف نناقش إن شاء الله تعالى حكم يسير اللقطة في مبحث مستقل. القول الثالث: يكره أخذها، وهو مذهب المالكية. القول الرابع: الأفضل تركها، وهو مذهب الحنابلة. ° وحجة هذين القولين: الدليل الأول: (ح-١١٩٩ رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا حميد يعني الطويل، حدثنا الحسن، عن مطرف، عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله، هوام الإبل نصيبها؟ قال: ضالة المسلم حرق النار (٢). [اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله، ورجاله ثقات] (٣).

стр. 9666

ويناقش: بأن الحديث في هوام الإبل، وقد ورد النهي عن أخذ ضالة الإبل لكونها تمتنع بنفسها عن السباع، وترد الماء، ولا يمكن أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ؛ لأنه قد ورد الأمر بأخذ ضالة الغنم، وعلل ذلك بأن تركها يعرضها للتلف بأن يأكلها الذئب، وأذن في أخذ اللقطة من غير الحيوان بشرط أن يعرفها. الدليل الثاني: (ث-٢٩٩) ما رواه مالك، عن نافع، أن رجلا وجد لقطة فجاء إلى عبد الله بن عمر، فقال له: إني وجدت لقطة فماذا ترى فيها؟ فقال له عبد الله بن عمر: عرفها، قال: قد فعلت؟ قال: زد، قال: قد فعلت، فقال عبد الله: لا آمرك أن تأكلها، ولو شئت لم تأخذها (١). وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الله بن دينار، قال: قلت لابن عمر: وجدت لقطة، قال: ولم أخذتها (٢). [صحيح] (٣). الدليل الثاني: (ث-٣٠٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان،

стр. 9667

[عن أبيه] (١)، عن ابن عباس كان يقول: لا ترفع اللقطة لست منها في شيء، وقال: تركها خير من أخذها (٢). [ضعيف قابوس بن أبي ظبيان متكلم فيه]. قال ابن المنذر: «اختلف أهل العلم في أخذ اللقطة، فكرهت طائفة أخذها، روينا هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس ... » (٣). وقال ابن قدامة: «الأفضل ترك الالتقاط روي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر .... ولا نعرف لهما مخالفًا في الصحابة». الدليل الثالث: أن في الالتقاط تعريضًا لنفسه للوقوع في الإثم، فقد يأكلها قبل أن يقوم بحقها، وقد يقصر بما يجب لها من تعريفها، وأداء الأمانة فيها، فكان تركه أولى وأسلم كولاية مال اليتيم. ° الراجح: أن الأخذ مع الأمن على اللقطة يدور على معنين: أحدهما: الوصول إلى صاحبها، عن طريق تعريفها، وفي هذا حفظ المال لصاحبه، وهو مطلوب.

стр. 9668

الثاني: اكتساب اللقطة عن طريق تعريفها، والاكتساب الأصل فيه الإباحة، لهذا نقول: إن أخذها بنية حفظها لصاحبها كان ذلك مستحبًا، وإن أخذها رغبة في تملكها بعد القيام بتعريفها كان ذلك مباحًا، والله أعلم. الحال الثالثة: أن يخاف على اللقطة من الخونة، فاختلفوا في وجوب أخذها: فقيل: يجب أخذها، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة. وقيل: لا يجب أخذها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره الكاساني من الحنفية. واختلف الحنابلة في الأفضل: فقيل: الأفضل تركها لأثر ابن عمر وابن عباس المتقدمين ولا مخالف لهما من الصحابة، وهذا هو المشهور من المذهب. وقيل: الأفضل أخذها، اختاره بعضهم لما في ذلك من حفظ مال أخيك المسلم. ° دليل من قال بوجوب الالتقاط إذا خاف عليها: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. فإذا كان وليه وجب عليه حفظ ماله.

стр. 9669

ونوقش هذا: بأن المراد بهذه الآية النصرة وولاية الدين بدلالة أنه قال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٧١]. الدليل الثاني: أن في تركها تضييعًا لها، وقد نهى النبي ﵇ عن إضاعة المال. (ح-١٢٠٠) لما رواه مسلم من طريق الشعبي، عن وراد، مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﵇ قال: إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات. وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال (١). ونوقش هذا: بأن الترك لا يكون تضييعًا بل هو امتناع من حفظ مال لم يلزمه حفظه، ولم يلتزمه، والامتناع من ذلك لا يكون تضييعا كالامتناع عن قبول الوديعة. الدليل الثالث: القياس على ضالة الغنم، فإنها لما كان يخاف عليها من الذئب أمر الشارع الملتقط أن يأخذها. (ح-١٢٠١) لما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن

стр. 9670

جاء ربها فأدها إليه قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها (١). ففرق بين الضالة التي يخاف عليها وبين الضالة التي لا يخاف عليها، واللقطة مقيسة عليهما، فإن كان في مكان يخاف عليها من الفسقة كان مأمورًا بأخذها حفظًا لها، وإلا كان له تركها. ويناقش: بأن قوله: (خذها) جاء جوابًا على سؤال، فيكون للإرشاد والإباحة، وليس للوجوب، كما لو قلت: أين طريق مكة، فقال لك: اذهب من هنا، لم يكن أمره إلزامًا بالذهاب، والله أعلم. الدليل الرابع: القياس على حراسة نفس المسلم، فإذا وجب على المسلم حراسة نفس أخيه المسلم وجب عليه حراسة ماله، فإن حرمة المال كحرمة النفس. ° دليل من قال: لا يجب الالتقاط مطلقًا: الأصل في حقيقة اللقطة أن فيها معنى الكسب من جهة أن الملتقط يتملكها إن أراد بشرط أن يقوم بما يجب لها، وفيها معنى الأمانة من جهة أنها لو تلفت في يد الملتقط في مدة التعريف أو قبل الاشتغال بها فإنها لا تكون مضمونة على الملتقط، وكلاهما (الكسب أو الأمانة) لا معنى لوجوبه.

стр. 9671

° الراجح: أن الالتقاط لا يجب، وإنما هو مباح، وقد يستحب بشروط، أن يعلم أمانة نفسه، وأن يقوى على تعريفها، والقدرة على حفظها، وأن يكون الباعث على أخذها حفظ حق صاحبها؛ لأنه إن أخذها رغبة في تملكها كان الاكتساب هو الباعث على أخذها، والاكتساب الأصل فيه الإباحة، والله أعلم. * * *

стр. 9672

الفصل الثاني في التقاط الحيوان المبحث الأول في التقاط ما يمتنع من السباع ويقوى على ورود الماء الالتقاط شرع لمصلحة المالك لهذا نهي عن التقاط ضالة الإبل. [م-١٩٨٣] اختلف العلماء في ضالة الإبل، وكذا كل حيوان يمتنع من السباع ويقوى على ورود الماء على قولين: القول الأول: يجوز التقاط الإبل وغيرها من الحيوانات، والأفضل أن يأخذها ويعرفها كغيرها، ولا يتركها تضيع، وهذا مذهب الحنفية، وقيده بعض المالكية فيما إذا خاف عليها من أخذ خائن كما لو كان في فساد من الزمان، وعليه حمل فعل عثمان بن عفان ﵁ (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات» (٢).

стр. 9673

جاء في حاشية الدسوقي: «أما في الزمن الذي فسد فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لربها، فإذا أيس منه تصدق به كما فعل عثمان لما دخل الناس في زمنه الفساد وقد روي ذلك عن مالك» (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الاختيار في ضالة الإبل تركها، فإن أخذها وجب تعريفها، فإن لم تعرف ردت حيث وجدت (٢). وهذا حكم ضالة الإبل في جميع الأزمنة في مشهور المذهب، وقيل: إنما هو في زمان العدل، وأن الأفضل في زمان غير العدل التقاطها (٣). وروى ابن وهب، قال: سمعت مالكًا والليث يقولان في ضالة الإبل: من وجدها في القرى أخذها، وعرفها، ومن وجدها في الصحارى فلا يقربها (٤). جاء في بداية المجتهد: «القسم الثالث: فهو كالإبل، أعني أن الاختيار عنده فيه الترك للنص الوارد في ذلك، فإن أخذها وجب تعريفها، والاختيار تركها. وقيل في المذهب: هو عام في جميع الأزمنة. وقيل: إنما هو في زمان العدل، وأن الأفضل في زمان غير العدل التقاطها» (٥).

стр. 9674

وجاء في حاشية الدسوقي: «المعتمد من مذهب مالك تركها مطلقًا قال في المقدمات بعد أن ذكر عدم التقاط الإبل، قيل: إن ذلك في جميع الزمان، وهو ظاهر قول مالك في المدونة والعتبية. وقيل: هو خاص بزمن العدل، وصلاح الناس، وأما في الزمن الذي فسد فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لربها فإذا أيس منه تصدق به كما فعل عثمان لما دخل الناس في زمنه الفساد وقد روي ذلك عن مالك أيضًا» (١). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن ضالة الإبل، وكذا كل حيوان يدفع عن نفسه صغار السباع إما بقوة جسمه كالخيل والبقر والحمير، وإما بعدوه كالغزال، والأرنب أو بجناحه كالطير، فهذا النوع إن وجد في الصحراء الآمنة فلا يجوز التقاطها للتملك. هذا حكم التقاطها للتملك، وأما حكم التقاطها للحفظ؟ فإن كان الواجد هو السلطان جاز؛ لأن للسلطان ولاية في حفظ مال الغائب من المسلمين. وإن كان الواجد لها من الرعية ففيه وجهان: أصحهما يجوز؛ لأنه يأخذها للحفظ على صاحبها فجاز كالسلطان، وهو المنصوص لئلا يأخذها خائن فتضيع.

стр. 9675

فإن أخذها للتملك ضمنها؛ لأنه تعدى بأخذها فضمنها كالغاصب، ولا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع. وإن دفعها إلى السلطان ففيه وجهان أصحهما أنه يبرأ وهو المذهب؛ لأن للسلطان ولاية على الغائب في حفظ ما يخاف عليه من ماله، ولهذا لو وجدها السلطان جاز له أخذها للحفظ على مالكها، فإذا أخذها غيره وسلمها إليه برئ من الضمان. وإن وجدها في صحراء غير آمنة بأن كان الزمن زمن نهب جاز التقاطه للحفظ والتملك. وإن وجدها في بلدة أو قرية، أو في موضع قريب منها فوجهان، أو قولان: أحدهما: لا يجوز التقاطها للتملك كالمفازة. وأصحهما: جوازه؛ لأنها في العمارة تضيع بتسلط الخونة، هذا تفصيل مذهب الشافعية (١). وملخصه: جواز التقاطها للحفظ مطلقًا في الصحراء والمصر. ولا يجوز التقاطها للتملك في الصحراء الآمنة، ويجوز للحفظ في الأصح. ويجوز في الأصح التقاطها في المصر مطلقًا للتملك أو للحفظ، ومثله في الصحراء إذا لم تكن آمنة كما لو كان الزمن زمن نهب.

стр. 9676

جاء في روضة الطالبين: «ما يمتنع من صغار السباع بفضل قوته، كالإبل، والخيل، والبغال، والحمير، أو بشدة عدوه كالأرانب، والظباء المملوكة، أو بطيرانه كالحمام، فإن وجدها في مفازة، فللحاكم ونوابه أخذها للحفظ. وفي جواز أخذها للآحاد للحفظ وجهان: أصحهما عند الشيخ أبي حامد، والمتولي، وغيرهما: جوازه، وهو المنصوص، لئلا يأخذها خائن فتضيع. وأما أخذها للتملك، فلا يجوز لأحد، فمن أخذها للتملك ضمنها، ولا يبرأ عن الضمان بالرد إلى ذلك الموضع. فإن دفعها إلى القاضي، برئ على الأصح. وإن وجدها في بلدة أو قرية، أو في موضع قريب منها، فوجهان أو قولان. أحدهما: لا يجوز التقاطها للتملك كالمفازة. وأصحهما: جوازه، لأنها في العمارة تضيع بتسلط الخونة. وقيل: يجوز قطعًا. وقيل: لا يجوز قطعا. فإن منعنا، فالتقاطها بقصد التملك كما ذكرنا في التقاطها من الصحراء ... هذا كله إذا كان زمان أمن. فأما في زمن النهب، والفساد، فيجوز التقاطها قطعًا، وسواء وجدت في الصحراء أو العمران» (١). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن ما يمتنع من صغار السباع كالإبل والبقر والخيل والبغال

стр. 9677

لا يجوز التقاطه بلا نزاع، ويجوز للإمام أو نائبه أخذه وحفظه لربه، ولا يلزمه تعريفه، ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء من ذلك لحفظه لربه على الصحيح من المذهب. واختار ابن قدامة ومن تبعه جواز أخذها إذا خيف عليها كما لو كانت في أرض مسبعة، أو قريبًا من دار حرب، أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين، أو في صحراء لا ماء فيها ولا مرعى، ولا ضمان على آخذها؛ لأنه إنقاذ لها من الهلاك. قال المرداوي: ولو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه (١). هذا تحرير المسألة في كل مذهب من المذاهب المشهورة، وملخص الأقوال: القول الأول: أن ضالة الإبل كغيرها يجوز التقاطها للتملك، وهذا مذهب الحنفية. القول الثاني: ضالة الإبل تترك مطلقًا في الصحراء والبنيان، سواء قلنا: إن الترك هو الأفضل كما في مذهب المالكية، أو قلنا: إن الترك واجب كما هو مذهب الحنابلة. القول الثالث: التفريق بين الصحراء الآمنة وبين المصر، وبين التقاطها للتملك وبين التقاطها للحفظ.

стр. 9678

فيجوز التقاطها للحفظ مطلقًا في الصحراء والمصر. ويجوز في الأصح التقاطها في المصر مطلقًا للتملك والحفظ. ولا يجوز التقاطها للتملك في الصحراء الآمنة، ويجوز للحفظ في الأصح. وهذا مذهب الشافعية. وأجاز مالك في رواية، وهو قول الليث التقاطها للتعريف في المصر دون الصحراء. القول الرابع: يجوز للإمام أو نائبه أخذها وحفظها لربها، وبه قال الشافعية والحنابلة. القول الخامس: يجوز أخذها إذا خيف عليها، ولو كانت في الصحراء وهو مذهب الشافعية، واختاره ابن قدامة من الحنابلة. لأنه إنقاذ لها من الهلاك. ° دليل من قال: ضالة الإبل كغيرها يجوز التقاطها: (ث-٣٠١) ما رواه مالك، يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره، أنه وجد بعيرًا بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات، فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: أرسله حيث وجدته (١). [صحيح] (٢).

стр. 9679

وجه الاستدلال: قال الطحاوي: «ثابت بن الضحاك هو رجل من أصحاب النبي ﵇، وقد أخذ البعير الضال ليعرفه، ووقف عمر على ذلك منه، فلم ينكره عليه، ولم يعنفه في أخذه إياه، فدل ذلك في أمر الضوال من الإبل على ما ذكرنا وأحكام الضوال عندنا كأحكام اللقطة سواء» (١). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحكم من عمر مخالف للمرفوع عن النبي ﵇، ولا حجة في قول الصحابي إذا كان مخالفًا للسنة المرفوعة. الوجه الثاني: لو كانت ضالة الإبل في حكم اللقطة لما قال عمر (أرسله حيث وجدته) لأن من أخذ لقطة فعرفها لم يطلب منه إرسالها إذا لم يجد صاحبها، فلما طلب عمر أن يرسلها حيث وجدها دل على اختلاف ضالة الإبل عن غيرها من أحكام اللقطة، نعم قد يكون حجة للمالكية على أن النهي عن أخذ ضالة الإبل للتعريف ليس للتحريم، ولكن إن أخذها لم يملكها بالتعريف بخلاف غيرها، فإن وجد

стр. 9680

صاحبها وإلا أرسلها خلافًا للحنابلة الذين قالوا: إن النهي للتحريم، والله أعلم. ° دليل المالكية على أن المختار تركها، فإن أخذها عرفها ولم يملكها: (ح-١٢٠٢) استدلوا على أن المختار تركها بما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها (١). فاشتمل الحديث على نوعين من اللقطة: أحدها: المال من غير الحيوان، وحكمه أن يعرفه سنة، ثم يتصرف فيه. الثاني: الحيوان، هو على نوعين: أحدهما: ضالة الغنم، ومثله كل حيوان لا يمتنع بنفسه عن صغار السباع، فهذا النوع مأمور بتملكها في الحال، وعلل ذلك بأنه إن لم يأخذها أكلها الذئب، وفي هذا ضياع للمال بلا فائدة ترجع لصاحبها. الثاني: ضالة الإبل، فنهى عن أخذها، وعلل ذلك بأن معها حذاءها وسقاءها، حتى يلقاها ربها، وهذا النهي ليس على سبيل التحريم لفهم عمر بن

стр. 9681

الخطاب وعثمان بن عفان، وهما خليفتان راشدان، وقد أمرنا باتباع سنتهما، وليس تصرفهما مخالفًا للسنة المرفوعة، وإنما هو مبين لها. فإن أخذها لم يتملكها بالحال كالغنم، ولا يملك التصرف فيها بعد التعريف كما يتملك لقطة المال من غير الحيوان. (ث-٣٠٢) فقد روى مالك في الموطأ من طريق سليمان بن يسار، أن ثابت بن الضحاك الأنصاري أخبره، أنه وجد بعيرًا بالحرة فعقله، ثم ذكره لعمر بن الخطاب، فأمره عمر أن يعرفه ثلاث مرات، فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: أرسله حيث وجدته (١). فدل هذا الأثر على أنه يجوز أخذها وإحرازها لصاحبها، وحفظها لمالكها، فليست كالغنم يتملكها بمجرد أخذها، وليست كالذهب والفضة يتصرف فيها بعد القيام بتعريفها، فالنهي في الحديث محمول على من أخذها ليتملكها بالتعريف، فنهاه عن ذلك. وقد باع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها، فدل على جواز أخذها لأربابها. (ث-٣٠٣) فقد روى مالك، أنه سمع ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تَنَاتَج، لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان، أمر بتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها. أعطي ثمنها (٢).

стр. 9682

[منقطع، الزهري لم يدرك عمر ولا عثمان]. ويجاب عن ذلك بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن الأثر ضعيف. الوجه الثاني: أن عثمان هو الإمام، والإمام نائب عن آحاد المسلمين في حفظ أموالهم، والقيام على مصالحهم، وما أقامه المسلمون إمامًا إلا من أجل مصالحهم في الدين والدنيا، ومنها حفظ المال الضال لصاحبه، فكان كيد الوكيل بالنسبة للموكل بخلاف آحاد الرعية فلا يأخذ ضالة الإبل. الوجه الثالث: أن عثمان رأى أن الناس قد دبَّ إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فأخذ بالمقصود الشرعي من التفريق بين ضالة الإبل وبين ضالة الغنم، فالحديث واضح في أنَّ الفرق بين الغنم وبين الإبل عدم الأمن على الأولى، والأمن على الثانية، والحكم المُعلَّلُ بعلة يتغير إذا تغيرت تلك العلة، فكان معنى الحديث: لا تلتقط الإبل الضالة ما دمت آمنة، ومفهومه، التقطها إذا كانت غير آمنة أو غير مأمونة. ° دليل من قال: لا يجوز التقاط ضالة الإبل مطلقًا: (ح-١٢٠٣) استدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني المتقدم: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن ضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى احمرت وجنتاه - أو احمر وجهه - ثم قال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، حتى يلقاها ربها (١).

стр. 9683

وجه الاستدلال: أن غضب النبي ﵇ واحمرار وجهه كل ذلك يدل على أن النهي للتحريم، وليس للكراهة. ° دليل من فرق بين الصحراء الآمنة وبين المصر: استدلوا بحديث زيد بن خالد ﵁ في الصحيح: أن أعرابيا سأل النبي ﵇ عن اللقطة، والضالة، وفيه: وسأله عن ضالة الإبل؟ فتمعر وجهه، وقال: ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر، دعها حتى يجدها ربها، وسأله عن ضالة الغنم؟ فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب (١). وجه الاستدلال: أن قوله ﵇ في ضوال الإبل معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر يختص بالبادية التي يكون فيها الماء والشجر دون المصر، وهي تمنع صغار السباع عن أنفسها في البادية ولا تقدر على منع الناس في المصر. والشاة تؤكل في البادية؛ لأن الذئب يأكلها، وهو لا يأكلها في المصر فاختلف معناهما في البادية والمصر فاختلف حكمهما (٢). ° دليل القائلين بأن أخذها للحفظ لا للتملك جائز مطلقًا: أن أخذ مال الغير بنية إحرازه وحفظه لصاحبه من باب التعاون على البر والتقوى، وإنما فارقت ضالة الإبل غيرها كالغنم والدراهم، فإن الغنم له أن

стр. 9684

يتملكها، وكذا الدراهم إذا قام بتعريفها، بخلاف الإبل فإنه لما كان لا خوف عليها من السباع والعطش لم تلحق بالغنم والدراهم، ونهي عن أخذها بنية أكلها أو التصرف فيها. ° دليل من قال: إذا خاف على الإبل جاز التقاطها: حديث زيد بن خالد الجهني المتقدم واضح في أنَّ الفرق بين الغنم وبين الإبل عدم الأمن على الأولى، والأمن على الثانية، والحكم المُعلَّلَ بعلة يتغير إذا تغيرت تلك العلة، فكان معنى الحديث: لا تلتقط الإبل الضالة ما دمت آمنة، ومفهومه، التقطها إذا كانت غير آمنة أو غير مأمونة، ولأن الشارع لما أمر بترك الإبل كان مقصوده وصولها إلى ربها، وقد كان في ترك الإبل في ذلك الوقت سبيل لرجوع المال إلى صاحبه، فإذا تغير الزمان، وصار تركها طريقًا لتلفها كان الالتقاط هو المتعين لتحقق مقصود الشارع به، وهو وصوله إلى ربه، وأقصى ما في حديث زيد بن خالد الجهني أن يكون عامًا في كل الأوقات خص منه بعض الوقت بضرورة العقل. هذا ما وقفت عليه من الأقوال وأدلتها، والله أعلم. ° الراجح: أخذ لقطة الإبل وغيرها من الحيوانات التي ترد الماء، ولا يخاف عليها من الجوع منهي عنه بالأحاديث الصحيحة، وإذا كان هناك عارض يدعو لأخذها خوفًا عليها من الهلاك أو السرقة جاز أخذها لمصلحة ربها، إلا أن ذلك لا يعني أنه يتملكها بالتعريف، والله أعلم. * * *

стр. 9685

المبحث الثاني في التقاط الغنم وما لا يمتنع من صغار السباع ما يظن هلاكه من الحيوان بتركه يشرع التقاطه بلا تعريف. [م-١٩٨٤] اختلفت أقوال العلماء في كيفية التصرف في الحيوان الضال إذا كان لا يمتنع من صغار السباع كالشاة ونحوها، وهذا تفصيل أقوالهم في المسألة: القول الأول: يجوز التقاط ضالة الحيوان من غير فرق بين الإبل والغنم، والأفضل أن يأخذها ويعرفها كغيرها، ولا يتركها تضيع، وهذا مذهب الحنفية (١). جاء في الاختيار لتعليل المختار: «ويجوز التقاط الإبل والبقر والغنم وسائر الحيوانات» (٢). ° دليل الحنفية: أن هذه الضالة يتوهم ضياعها، فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس. القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الشاة إذا وجدها في الصحراء، ولم يتيسر حملها ولا سوقها للعمران، فله أكلها، ولا يعرفها، ولا ضمان عليه.

стр. 9686

فإن تيسر حملها أو سوقها للعمران حملت، أو سيقت وعرفها وجوبًا، وليس له أكلها، فإن أكلها ضمنها، فإن حملها مذبوحة فربها أحق بها إن علم به قبل أكلها، وعليه أجرة حملها، وإن وجد الشاة فيما قرب من العمران وجب عليه تعريفها هذا هو المعتمد في المذهب (١). وقيل: يجوز أكلها في الصحراء ولو تيسر سوقها للعمران، وهو ظاهر المدونة (٢). وقال سحنون: إذا أكلها يضمن قيمتها لربها إذا علم به بعد ذلك (٣). قال الدردير: في الشرح الكبير: «و له أكل شاة وجدها بفيفاء، ولم يتيسر حملها للعمران، ولا ضمان، فإن حملها للعمران ولو مذبوحة فربها أحق بها إن علم، وعليه أجرة حملها، ووجب تعريفها إن حملها حية كما لو وجدها بقرب العمران، أو اختلطت بغنمه في المرعى» (٤). وقال الخرشي: «من وجد شاة بالفيفاء فذبحها فيها وأكلها فإنه لا ضمان عليه على المشهور، وسواء أكلها في الصحراء أو في العمران، لكن إن حملها أو الطعام إلى العمران ووجده ربه فهو أحق به، وليدفع له أجرة حمله، فإن أتى بها

стр. 9687

حية إلى العمران فعليه تعريفها أو يدفعها لمن يثق به يعرفها؛ لأنها صارت كاللقطة» (١). وجاء في المدونة: «قلت ـ أي سحنون ـ أرأيت من التقط شاة في فيافي الأرض أو بين المنازل؟ قال ـ أي ابن القاسم ـ سألت مالكا عن ضالة الغنم يصيبها الرجل؟ قال: قال مالك: أما ما كان قرب القرى فلا يأكلها، وليضمها إلى أقرب القرى إليها يعرفها فيها. قال: وأما ما كان في فلوات الأرض والمهامه، فإن تلك يأكلها ولا يعرفها. فإن جاء صاحبها فليس له عليه من ثمنها قليل ولا كثير. وكذلك قال مالك، قال: ألا ترى أن النبي ﵇ قال في الحديث: هي لك أو لأخيك أو للذئب» (٢). ° دليل المالكية على التفريق بين الصحراء والعمران: أن قوله في ضالة الغنم: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) إشارة إلى أن هذا حكمها إذا كان يخشى عليها الذئب، وفي العمران لا يخشى عليها من الذئب فيكون حكمها حكم اللقطة، من أخذها وجب عليه تعريفها كسائر الأموال. القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن ضالة الغنم وكذا كل حيوان مأكول لا يمتنع بنفسه عن صغار السباع إن وجده في الصحراء كان الواجد مخيرًا بين ثلاثة أشياء:

стр. 9688

أحدها: أن يمسكها، ويعرفها، ثم يتملكها. الثاني: أن يبيعها ويستقل واجدها بالبيع إن لم يجد حاكمًا، وإن وجده استأذنه في البيع، ويحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن. الثالث: أن يأكلها إن كانت مأكولة ويغرم قيمتها. والخصلة الأولى أولى من الثانية؛ لأنه يحفظ العين على صاحبها، والثانية أولى من الثالثة؛ لأنه إذا أكلها استباحها قبل الحول، وإذا باع لم يملك الثمن إلا بعد الحول. وإن وجده في العمران، فله الإمساك مع التعريف والتملك، وله البيع والتعريف وتملك الثمن. وفي الأكل قولان، أظهرهما عند الأكثرين: المنع؛ لأن البيع في العمران أسهل هذا إذا كانت مأكولة. فأما الجحش وصغار ما لا يؤكل فله فيه خصلتان: الأولى: أن يمسكها، ويعرفها، ثم يتملكها. الثاني: أن يبيعها، ويحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن. وفي جواز تملكها في الحال، وجهان، أصحهما: لا يجوز تملكها حتى تعرف سنة كغيرها (١). قال النووي في منهاج الطالبين: «وما لا يمتنع منها كشاة يجوز التقاطه لتملك

стр. 9689

في القرية والمفازة ويتخير آخذه من مفازة، فإن شاء عرفه وتملكه ـ أو باعه وحفظ ثمنه وعرفها ثم تملكه ـ أو أكله وغرم قيمته إن ظهر مالكه، فإن أخذ من العمران فله الخصلتان الأوليان لا الثالثة في الأصح» (١). ° دليل الشافعية على جواز تملكها في الحال بالقيمة: قوله ﵇: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) فقوله: (هي لك) دليل على إباحة تملكها في الحال، والخبر محمول على أنه أراد: بعوضها؛ لأن هذا الحيوان ملك لغيره فلم يكن له تملكه بغير عوض. ولقوله ﵇: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (٢). ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها قياسًا على اللقطة في الأموال. ولأنها ضالة فوجب أن تضمن بالاستهلاك كالإبل. وأما دليلهم على جواز إمساكها، وتعريفها، ثم تملكها: أنه يجوز أن يجري في ضالة الغنم ونحوها حكم اللقطة، فإذا جاز إمساك الأموال من غير الحيوان، وتعريفها، ثم تملكها جاز ذلك في الحيوان بشرط أن

стр. 9690

يتطوع بالنفقة عليها؛ لأن الرجوع بالنفقة عليها مضر بصاحبها؛ لأنه قد ينفق عليها أكثر من ثمنها. (ح-١٢٠٤) ولما رواه زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه (١). وأما الدليل على جواز بيعها وحفظ ثمنها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن. فالقياس، فإذا جاز أن يتملكها في الحال بدون تعريف، جاز من باب أولى أن يبيعها، ويعرفها، ثم يتملك الثمن. القول الرابع: مذهب الحنابلة. في مذهب الحنابلة قولان: أحدهما: وهو المشهور أنه يلزم الملتقط للشاة ونحوها فعل الأحظ من أكلها وعليه قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها، ولا يحتاج إلى إذن الإمام في الأكل والبيع، ويلزمه حفظ صفتها فيهما، أو حفظها والإنفاق عليها من ماله، ولا يملكه فإذا جاء صاحبه استلمه، ويرجع الملتقط بما أنفق على الحيوان إن نوى الرجوع، ما لم يتعد بأن التقطه لا ليعرفه، أو بنية تملكه في الحال (٢)، فإن استوت الثلاثة خير بينها. قال الحارثي: وأولى الأمور الحفظ مع الإنفاق، ثم البيع وحفظ الثمن، ثم الأكل وغرم القيمة (٣).

стр. 9691

° وحجة هذا القول: أما الدليل على جواز أكلها، فلقوله ﵇ وقد سئل عن ضالة الغنم: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، فجعلها له في الحال، لأنه سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا يستأني بأكلها؛ ولأن في أكل الحيوان في الحال إغناء عن الإنفاق عليه؛ وحراسة لماليته على صاحبه إذا جاء، وإذا أراد أكله حفظ صفته، فمتى جاء ربه فوصفه؛ غرم له قيمته بكمالها. وأما الدليل على جواز بيعه: فلأنه إذا جاز أكله فبيعه لصاحبه أولى بالجواز، ويجب حفظ ثمنه لصاحبه. وأما الدليل على أنه لا يملك بالتقاطه ولو بثمن المثل: فقياسًا على ولي اليتم لا يبيع من نفسه. وأما الدليل على جواز حفظها لصاحبها: فلأن هذا هو الأصل باعتبار أنه مال مملوك للغير. وأما الدليل على الرجوع بالنفقة إذا أنفق بنية الرجوع: فلأنه أنفق على اللقطة لحفظها ولمصلحة مالكها، فكان من مال صاحبها، وكل من أنفق على مال غيره من أجل حفظه فإن له الرجوع بالنفقة على المذهب بشرط أن يكون قد أنفق عليها بنية الرجوع، فإن أنفق متبرعًا لم يرجع.

стр. 9692

الرواية الثانية في مذهب الحنابلة: لا يجوز التقاط الشاة ونحوها مما لا يمتنع من صغار السباع إلا للإمام (١). ° ودليل هذه الرواية: (ح-١٢٠٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن زكريا ـ وهو ابن أبي زائدة ـ حدثنا أبو حيان التيمي، عن الضحاك بن المنذر، عن منذر بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا يؤوي الضالة إلا ضال. [ضعيف] (٢).

стр. 9693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9694

الدليل الثاني: (ث-٣٠٤) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، عن قتادة، عن

стр. 9695

ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب قال: لا يضم الضوال إلا ضال (١). [صحيح] (٢).

стр. 9696

ويجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن المقصود لا يضم الضالة إلا ضال أي يضمها لملكه بدون القيام بحقها من التعريف: (ح-١٢٠٦) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﵇ أنه قال: من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها (١). (ث-٣٠٥) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن بن شريح، قال: حدثني أبو قبيل، عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا قال: التقطت دينارًا، فقال: لا يأوي الضالة إلا الضال، قال: فأهوى به الرجل ليرمي به، فقال: لا تفعل، قال: فما أصنع به؟ قال: تعرفه، فإن جاء صاحبه فرده إليه، وإلا فتصدق به (٢). [حسن].

стр. 9697

الجواب الثاني: أن إطلاقه معارض للمرفوع عن النبي ﵇، والمرفوع مقدم عليه، فإما أن نرده لذلك، وإما أن نحمله على الضالة المنهي عن أخذها، وهي ضالة الإبل كما حمله على ذلك يحيى بن سعيد الأنصاري في مصنف عبد الرزاق (١). * * *

стр. 9698

المبحث الثالث في الالتقاط في طريق غير مسلوك [م-١٩٨٥] إذا وجد لقطة في طريق غير مسلوك، فهل تعتبر لقطة يجب تعريفها، أو تأخذ حكم الركاز، بحيث يملكها واجدها دون تعريف، ويجب عليه فيها الخمس؟ نص على هذه المسألة الحنابلة، ولهم فيها قولان: القول الأول: أنها لقطة يجب تعريفها على الصحيح من مذهب الحنابلة، وأحد القولين عن ابن تيمية (١). قال في الإنصاف: «لو وجد لقطة في غير طريق مأتي: فهي لقطة. على الصحيح من المذهب. قدمه في الفائق .. » (٢). وفي كشاف القناع: «وإن وجد لقطة في غير طريق مأتي، أي: مسلوك فهي لقطة تعرف، كالتي في الطريق المسلوك» (٣). وفي مجموع الفتاوى: «وسئل: عن رجل لقي لقطة في وسط فلاة، وقد أنشد عليها إلى حيث دخل إلى بلده. فهل هي حلال؟ أم لا؟

стр. 9699

فأجاب: يعرفها سنة قريبا من المكان الذي وجدها فيه فإن لم يجد بعد سنة صاحبها فله أن يتصرف فيها وله أن يتصدق بها. والله أعلم» (١). القول الثاني: ذهب بعض الحنابلة واختاره ابن تيمية في أحد قوليه أنه في حكم الركاز. جاء في الإنصاف: «اختار الشيخ تقي الدين ﵀: أنه كالركاز، واختاره في الفائق. وجعله في الفروع: توجيها له» (٢). قال في الفروع: «ويتوجه جعل لقطة موضع غير مأتي كركاز» (٣). ° ودليل هذا القول: (ح-١٢٠٧) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﵇ عن اللقطة؟ فقال: ما كان في طريق مأتي أو في قرية عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فلك، وما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس (٤). ° الراجح: إذا ثبت حديث عمرو بن شعيب، فإنه حجة في الباب، وإن كان ما ينفرد به

стр. 9700

عمرو بن شعيب في النفس منه شيء، وقد رواه عنه جماعة كثيرون، يزيد بعضهم على بعض مما يدل على عدم ضبط الحديث، والله أعلم، وسوف يأتي تخريجه عند الكلام على ذكر العدد في اللقطة. قد رجح شيخنا محمد بن عثيمين أن هذه اللقطة كسائر الأموال التي لا يرجى وجود أصحابها، كالعواري، والودائع، والغصوب، وغيرها، وقد ذكر الأصحاب: أنه يتصدق بها عن صاحبها مضمونة، وأن أحمد نص على جواز بيعها والتصدق بثمنها، أي: إذا لم تكن أثماناً، وأنه لا يجوز لمن هي في يده الأكل منها، وإن كان محتاجاً. غير أن ابن رجب ذكر في القواعد، عن القاضي تخريجاً بجواز أكله إذا كان فقيراً على الروايتين في جواز شراء الوكيل من نفسه، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب إذا تاب. فعلى هذا: يكون حكم هذه اللقطة حكم تلك الأموال على الخلاف المذكور، وقول القاضي: ليس ببعيد، وربما يستأنس له بحديث المجامع في نهار رمضان؛ على أحد الاحتمالين في الحديث، وهو أن الرسول ﵇ أعطاه كفارة نفسه، وأما على الاحتمال الثاني- وهو سقوطها عنه، لفقره، وهو أقرب- فلا شاهد فيه، ولكن تؤخذ من نصوص أخري. ويفرق بينها وبين مسألة المجامع: أن كفارة المجامع عن نفسه بخلاف ذاك، والله أعلم» (١). * * *
следующие страницы →