المسألة الثانية: الترجيح بذكر وصف خفي.
المسألة الثالثة: الترجيح بوضع اليد.
المسألة الرابعة: ترجيح السابق على غيره في دعوى النسب.
الفرع الثاني: إذا ادعاه رجلان ولم يكن هناك مرجح.
الفصل الرابع: في تملك اللقيط للمال الموجود معه.
المبحث الأول: ملكيته للمال الموصول به.
المبحث الثاني: في ملكية اللقيط للمال المنفصل عنه.
المبحث الثالث: في ملكيته للمال المدفون تحته.
الفصل الخامس: في النفقة على اللقيط.
المبحث الأول: في الجهة ا لتي تجب عليها نفقة اللقيط.
المبحث الثاني: في تعذر النفقة على اللقيط من بيت المال.
المبحث الثالث: في الرجوع في نفقة اللقيط.
الفصل السادس: في ميراث اللقيط.
هذه أهم المسائل التي وقع عليها الاختيار في عقد اللقيط حسب الاجتهاد، وقد اقتصرت عليها اختصارًا، أسأل الله وحده العون والتوفيق، إنه ولي ذلك سبحانه، والقادر عليه.
وسيكون البحث في عقد العارية إن شاء الله تعالى مكونًا من أربعة أبواب، والأبواب مقسمة إلى فصول، ومباحث، وفروع وفق الخريطة التالية:
стр. 9732
خطة البحث في عقد العارية:
التمهيد: وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف العارية.
المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية العارية.
المبحث الثالث: في حكم العارية.
المبحث الرابع: في توصيف عقد العارية.
الباب الأول: في أركان العارية.
الفصل الأول: في الألفاظ التي تنعقد بها العارية.
الفصل الثاني: في اشتراط اللفظ في صيغة الإعارة
الفصل الثالث: في انقسام ألفاظ العارية إلى صريح وكناية.
الفصل الرابع: في تعليق الإعارة وإضافتها إلى المستقبل.
الباب الثاني: في شروط الإعارة.
الفصل الأول: في شروط المعير.
الشرط الأول: أن يكون المعير ممن يصح تبرعه.
المبحث الأول: في إعارة المحجور عليه للغير.
الشرط الثاني: أن يكون المعير مالكًا أو مأذونًا له بالإعارة.
المبحث الأول: في إعارة الفضولي.
стр. 9733
المبحث الثاني: في إعارة الولي والوصي ونحوهما من مال الصغير.
المبحث الثالث: في إعارة المستأجر.
المبحث الرابع: في إعارة المستعير.
الشرط الثالث: أن يكون المعير راضيًا مختارًا.
الفصل الثاني: في شروط المستعير.
الشرط الأول: في اشتراط الأهلية في المستعير.
المبحث الأول: في حكم استعارة الصبي والمجنون.
المبحث الثاني: في إعارة المسلم للذمي.
الشرط الثاني: في اشتراط أن يكون المستعير معينًا.
الفصل الثالث: في أحكام المعار.
المبحث الأول: في شروط العين المستعارة.
الشرط الأول: أن تشتمل العين المعارة على منفعة مباحة.
الشرط الثاني: في اشتراط تعيين المعار.
الشرط الثالث: في اشتراط قبض العين المعارة.
الشرط الرابع: أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها.
المبحث الثاني: في إعارة النقود.
المبحث الثالث: في إعارة المشاع.
المبحث الرابع: في إعارة الحائط لوضع الخشب عليه.
стр. 9734
المبحث الخامس: في إعارة الأرض.
الفرع الأول: إعارة الأرض للزرع.
الفرع الثاني: في إعارة الأرض للبناء والغرس.
المبحث السادس: في إعارة المركوب.
المبحث السابع: في إعارة ما يتزين به.
المبحث الثامن: في إعارة الكتب لطلبة العلم.
المبحث التاسع: في نفقة العارية.
المبحث العاشر: في مؤنة رد العارية.
الباب الثالث: في ضمان العارية.
الفصل الأول: في ضمان المستعير بمقتضى العقد.
الفصل الثاني: في اشترط الضمان على المستعير.
الباب الرابع: في انتهاء عقد العارية.
الفصل الأول: انتهاء العارية بانتهاء مدتها.
الفصل الثاني: تنتهي الإعارة برجوع المعير أو رد المستعير.
الفصل الثالث: تنتهي الإعارة بجنون أو موت أحد المتعاقدين.
الفصل الرابع: انتهاء العارية بهلاك العين المعارة.
الفصل الخامس: انتهاء العارية باستحقاق العين المعارة.
стр. 9735
هذه أهم المسائل التي رأيت أن أتعرض لها بالبحث، وقد تركت مسائل أخرى من عقد العارية، تركتها اقتصارًا واختصارًا، أسأل الله عونه وتوفيقه، وأن يجعله خالصًا لوجهه، مقربًا إليه.
* * *
стр. 9736
تتمة مباحث اللقطة
стр. 9737
المبحث الثاني
في معرفة اللقطة قبل تعريفها
[م-١٩٩١] اختلف العلماء في الرجل يأخذ اللقطة، هل عليه أن يقوم بتعريفها أولًا أو يقوم بمعرفتها أولًا ثم تعريفها؟
القول الأول:
يتعرف عليها قبل أن يقوم بتعريفها، وعليه أكثر رواة حديث زيد بن خالد (١).
° وجه هذا القول:
أن الملتقط يتعرف على اللقطة قبل تعريفها حتى يمكنه التعريف بها، ومن أجل أن صاحبها إذا جاء فنعتها أثناء التعريف استطاع أن يعلم صدق واصفها من كذبه.
القول الثاني:
يتعرف عليها مرتين، فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ولئلا تختلط وتشتبه، فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضا مرة أخرى تعرفًا وافيًا محققًا ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها، ورجحه النووي (٢).
стр. 9738
° وجه القول بذلك:
أما التعرف عليها قبل تعريفها فقد عرفنا وجهه في القول الأول، وأما التعرف عليها مرة أخرى بعد تملكها؛ فلأن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا فرغ من النفقة، فأمر معرفتها وحفظها لذلك، وحتى إذا ما جاء صاحبها بعد استنفاقها دفع إليه بدلها.
القول الثالث:
المطلوب أن يقع التعرف والتعريف، مع قطع النظر عن أيهما أسبق، وهذا قول ابن قدامة، واختيار ابن حجر في الفتح (١).
قال ابن قدامة: «وإن أخر معرفة ذلك ـ إشارة إلى وعائها ووكائها ـ إلى حين مجيء باغيها جاز؛ لأن المقصود يحصل بمعرفتها حينئذ ... » (٢).
° وجه القول بذلك:
أن الغرض أن يقع التعرف والتعريف، فسواء سبق هذا أو ذاك فإذا قام الملتقط بهما فقد تحققت المصلحة، بصرف النظر عن السابق منهما.
° وسبب الخلاف في المسألة:
أن الحديث جاء مرة صريحًا بأنه يتعرف عليها قبل تعريفها،
رواه البخاري ومسلم بلفظ: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة).
стр. 9739
وجاء أيضًا عند البخاري ومسلم بلفظ: (عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها).
وإذا أردنا أن نقف على طرق هذا الحديث، والموقف من اختلاف ألفاظه، فإننا نقول:
الحديث رواه يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﵇.
ورواه عن يزيد ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واختلف على ربيعة:
فرواه مالك كما في صحيح البخاري ومسلم وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما (١).
وسليمان بن بلال كما في صحيح البخاري، وأكتفي بالبخاري عن غيره (٢).
وعمرو بن الحارث، كما في صحيح ابن حبان (٣).
وأيوب بن موسى، كما في معجم الطبراني في الأوسط وفي الكبير (٤)، كلهم رووه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن بتقديم معرفتها على تعريفها، بلفظ: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة).
فأمر الرسول بمعرفتها أولًا ثم تعريفها.
стр. 9740
وخالفهم كل من:
إسماعيل بن جعفر، كما في صحيح البخاري (١) وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.
سفيان الثوري، كما في صحيح البخاري (٢)، فروياه بلفظ: (عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها).
والفرق بين رواية مالك ومن تابعه وبين هذه الرواية أن رواية مالك أمره بمعرفتها قبل تعريفها، ورواية إسماعيل وسفيان فيها الأمر بتعريفها، ثم معرفتها.
هذا وجه الاختلاف على ربيعة:
وكما اختلف على ربيعة اختلف على يزيد مولى المنبعث:
فقد رواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يزيد مولى المنبعث به بمعرفتها قبل تعريفها، رواه البخاري، مسلم (٣)، بلفظ: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة).
وهذه متابعة لربيعة بن أبي عبد الرحمن من رواية مالك وسليمان بن بلال وعمرو بن الحارث وأيوب بن موسى عنه.
وخالف في ذلك عبد الله بن يزيد كما في مشيخة ابن طهمان (٤)، وسنن
стр. 9741
أبي داود (١)، والسنن الكبرى للنسائي (٢)، وسنن البيهقي (٣)، فرواه عن أبيه يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني بلفظ: (تعرفها حولًا فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم أفضها في مالك).
وعبد الله بن يزيد يعتبر به (٤).
وتابعه بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني عند مسلم (٥)، بلفظ: «عرفها سنة، فإن لم تعترف، فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها .. ).
هذا هو بيان الاختلاف في حديث زيد بن خالد، هل المعرفة تتقدم على التعريف، أو التعريف يتقدم على المعرفة، والحديث واحد، ولا يحتمل تعدد القصة.
والسبيل إما أن نرجح أو نجمع:
° أما سبيل الترجيح:
فإن الحديث مدني، وإذا كان كذلك فإن أحفظ وأجل من روى عن ربيعة هو إمام أهل المدينة الإمام مالك ﵀، لهذا أر ى أن كل من خالف مالكًا في لفظ الحديث إن لم يكن حمله على الرواية بالمعنى فرواية مالك مقدمة عليه خاصة أن
стр. 9742
مالكًا لم يختلف عليه فيه في ألفاظه، وقد تابعه جماعة في تقديم معرفتها على تعريفها، وهو الأولى من جهة النظر، فإن الإنسان يتعرف عليها، ثم يعرفها، حتى إذا جاء من يدعيها، سأله عن مال يعرف صفته ليتبين صدقه من كذبه. هذا سبيل الترجيح.
° وأما سبيل الجمع فهناك طريقان:
الطريق الأول:
أن كلمة (ثم) قد تأتي أحيانًا في اللغة ولا يقصد بها الترتيب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحسَنَ وَتَفصِيلًا لِّكُلِّ شَي﴾ [الأنعام: ١٥٤] فـ (ثم) في الآية لا يراد بها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى متقدم على تلاوة الرسول محمد ﵇ هذا الكتاب.
قال ابن حجر: «يحتمل أن تكون ثم في الروايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيبًا، ولا تقتضي تخالفا يحتاج إلى الجمع ويقويه كون المخرج واحدًا والقصة واحدة» (١).
وجاء في الشعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده.
الطريق الثاني للجمع:
قال النووي: «عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ... هذا ربما أوهم أن معرفة الوكاء والعفاص تتأخر على تعريفها سنة، وباقي الروايات صريحة في
стр. 9743
تقديم المعرفة على التعريف فيجاب عن هذه الرواية: أن هذه معرفة أخرى ويكون مأمورًا بمعرفتين، فيتعرفها أول ما يلتقطها حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ولئلا تختلط وتشتبه، فإذا عرفها سنة وأراد تملكها استحب له أن يتعرفها أيضا مرة أخرى تعرفًا وافيًا محققًا ليعلم قدرها وصفتها فيردها إلى صاحبها إذا جاء بعد تملكها وتلفها» (١).
ونوقش هذا:
قال ابن حجر: «إنما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفا فيحمل على تعدد القصة وليس الغرض إلا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما أسبق» (٢).
* * *
стр. 9744
المبحث الثالث
في وجوب التعريف على الملتقط
تعريف اللقطة حق لصاحبها سواء أخذها للتملك أو للحفظ.
[م-١٩٩٢] تكلمنا في خلاف العلماء في تعريف اللقطة اليسيرة والكبيرة، كما تكلمنا في حكم تعريف ضالة الإبل وما يمتنع من صغار السباع، وحكم تعريف ضالة الغنم وما لا يمتنع من صغار السباع، والسؤال، هل هذا التعريف واجب مطلقًا، أو يجب في حال أراد تملكها؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يجب تعريفها سواء أراد قصد تملكها أو حفظها لصاحبها، وهذا مذهب الجمهور، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وصححه الغزالي، وقواه النووي في الروضة (١).
قال ابن جزي: «الثالث الكثير الذي له بال فيجب تعريفه ... » (٢).
стр. 9745
وجاء في أسنى المطالب: «وجوب التعريف فيما إذا التقط للحفظ هو ما صححه الإمام الغزالي، وجعله في الروضة الأقوى والمختار، وصححه في شرح مسلم، والذي أورده الأكثرون عدم وجوبه؛ لأنه إنما يجب لتحقق شرط التملك، والأوجه الأول، وهو ما أورده الماوردي والفوراني» (١).
° حجة من قال يجب تعريفها:
الدليل الأول:
(ح-١٢١٧) ما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث،
عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه (٢).
الدليل الثاني:
(ح-١٢١٨) روى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني،
عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﵇ أنه قال: من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها (٣).
[هذا الحديث بهذا اللفظ من أفراد مسلم، وحديث زيد بن خالد في الصحيحين بغير هذا اللفظ، وأبو سالم الجيشاني لم يوثقه إلا ابن حبان
стр. 9746
والعجلي، وقيل له صحبة] (١).
الدليل الثالث:
ورد في السنة ما يدل على تحريم أخذ اللقطة بنية التملك، من ذلك:
(ح-١٢١٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا حميد يعني الطويل، حدثنا الحسن، عن مطرف،
عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله، هوام الإبل نصيبها؟ قال: ضالة المسلم حرق النار (٢).
[اختلف في إرساله ووصله، والراجح وصله، ورجاله ثقات] (٣).
ويناقش:
بأن الحديث في هوام الإبل، وقد ورد النهي عن أخذ ضالة الإبل لكونها تمتنع بنفسها عن السباع، وترد الماء.
الدليل الرابع:
الإجماع على وجوب تعريف اللقطة،
قال النووي: «وأما تعريف سنة، فقد أجمع المسلمون على وجوبه إذا كانت اللقطة ليست تافهة، ولا في معنى التافهة، ولم يرد حفظها على صاحبها بل أراد تملكها، ولا بد من تعريفها سنة بالإجماع» (٤).
стр. 9747
الدليل الخامس:
أن الملتقط إنما يأخذها حفظًا على صاحبها، ألا ترى أن ما استقل من الضوال لا يجوز أخذه؛ لأن الحفظ في تركه، والحفظ إنما يحصل بالتعريف فيهدى إليها، ويعرف مكانها فيطلبها، وإذا لم يعرف لم يحصل له ذلك المعنى.
القول الثاني:
إن أراد أن يتملكها وجب عليه تعريفها قولًا واحدًا، وإن أراد أن يحفظها لصاحبها، فهل يجب عليه تعريفها، فيه وجهان في مذهب الشافعية، المشهور أنه لا يجب عليه تعريفها (١).
جاء في المهذب: «إن أخذها وأراد الحفظ على صاحبها لم يلزمه التعريف؛ لأن التعريف للتملك، فإذا لم يرد التملك لم يجب التعريف، فإن أراد أن يتملكها نظرت، فإن كان مالاً له قد يرجع من ضاع منه في طلبه لزمه أن يعرفه سنة» (٢).
وقال العمراني في البيان: «إذا أخذ اللقطة بنية أن يحفظها على صاحبها أبدا، فهل يلزمه تعريفها؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري:
стр. 9748
أحدهما: لا يلزمه، وهو المشهور؛ لأن التعريف يراد للتملك وإباحة أكلها، ولا نية له في ذلك.
والثاني: يلزمه التعريف؛ لقوله ﵇: عرفها سنة.
ولأن صاحبها لا يعلم بها إلا بالتعريف. وإن أراد أن يتملكها عرفها» (١).
° الراجح:
الخلاف يرجع في التعريف هل شرع من أجل إيصال المال إلى صاحبه، أو شرع من أجل أنه طريق للتملك، أو من أجلهما معًا، والذي أميل إليه هو الثالث، وهو أن التعريف شرع لأمرين لإيصال المال إلى صاحبه عن طريق التعريف، ومن أجل التملك إذا لم يعرف صاحبها، لهذا أرى أنه يجب عليه تعريفها مطلقًا سواء أراد تملكها أو حفظها لصاحبها، فإذا لم يعرفها لم يتملكها، والله أعلم.
* * *
стр. 9749
المبحث الرابع
في مدة التعريف
الفرع الأول
في تعريف ما يسرع إليه الفساد
[م-١٩٩٣] علمنا أن اللقطة تعرف سنة كاملة إن كانت مما يبقى مدة طويلة، فإن كانت اللقطة يتسارع إليها الفساد، فقد اختلف الفقهاء في وجوب تعريفها، وفي مدته على النحو التالي:
القول الأول:
إذا كانت اللقطة مما لا يبقى فإنه يعرفها مدة حتى يخاف فسادها، ثم يتصدق بها، وهذا مذهب الحنفية (١).
° دليل الحنفية:
أما وجوب تعريفها مدة لا يخاف منها فساد اللقطة:
فلأن الرسول ﵇ أمر بتعريف اللقطة سنة، فإذا كانت لا تستطيع البقاء لمدة سنة كان الواجب تعريفها مدة لا تفسد فيها عملًا بقوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم (٢).
стр. 9750
ولأن المقصود من التعريف إيصالها إلى صاحبها، فتقيد مدة التعريف بالوقت الذي لا تفسد فيه؛ لأنه بعد الفساد لا فائدة لصاحبها في إيصالها إليه.
وأما الدليل على أن اللقطة لا تملك وأنه يجب عليه التصدق بها بعد تعريفها فقد سبق ذكر أدلتهم، عند الكلام على حكم تملك اللقطة بعد تعريفها، وعمدتهم آثار عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، وقد سبق تخريجها هناك، وهذه الآثار لا يمكن أن يعارض بها السنة المرفوعة، وغايتها أنها ترشد إلى التصدق بها، ولا تمنع غيره مما دلت عليه السنة المرفوعة، فإذا كان التصدق بها هو أحد الخيارات المتاحة للملتقط، وهو أرفعها، فربما كانت هذه الآثار تدله على ما هو الأفضل له، وهو لا ينافي صحة التملك باعتبار اللقطة مالًا لا مالك له بعد أن قام بتعريفه فلم يعرف.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الملتقط إذا أخذ ما يخشى فساده، ولا يبقى في أيد الناس لا يجب عليه تعريفه، ويجوز له أن يأكله ولو وجده في العمران، ولا ضمان عليه في أكله، وظاهره سواء كان له ثمن أو كان تافهًا لا ثمن له.
وقال ابن رشد: إن كان له ثمن بيع ووقف ثمنه. وقال في المجموع: له أكل ما يفسد وضمن ما له ثمن (١).
° دليل المالكية على أنه لا يجب تعريفه، ولا يضمنه إن أكله:
القياس على لقطة الغنم، فقوله في ضالة الغنم: (هي لك أو لأخيك أو
стр. 9751
للذئب) دليل على جواز تملكها في الحال بدون تعريف وعلل ذلك بأنه إن لم يأخذها أكلها الذئب، وفي هذا ضياع للمال بلا فائدة ترجع لصاحبها، ولم يذكر في الحديث ضمانًا فعلى هذا إذا أكلها في الصحراء التي يخشى عليها من الذئب لم تكن مضمونة، وكان خوف الفساد كخوف الذئب يحل أكلها بلا ضمان.
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أن الرجل إذا التقط ما يخشى فساده خير بين أمرين:
الأول: أن يبيعه بإذن الحاكم، فإن لم يجد الحاكم باعه استقلالًا، ثم يعرفه بعد بيعه ليتملك ثمنه بعد التعريف.
الثاني: أن يتملكه في الحال ويأكله، ويغرم قيمته مطلقا أي سواء وجده في مفازة، أو عمران وسواء أكان في زمن أمن أم غيره، وإنما جاز أكله في العمران؛ لأنه مما يسرع فساده بخلاف الغنم في العمران.
وقيل: إن وجده في عمران وجب البيع، وامتنع الأكل كالغنم، والأول هو المشهور (١).
القول الرابع:
ما يخشى فساده، فإن كان مما لا يمكن تجفيفه كالفاكهة والخضروات فيلزمه فعل الأحظ من أكله، وعليه قيمته، أو بيعه بلا حاكم وحفظ ثمنه، وقيد بعضهم الخيار بين الأكل والبيع بعد تعريفه مدة لا يفسد فيها. وهذا مذهب الحنابلة (٢).
стр. 9752
جاء في الإنصاف: «ما يخشى فساده، فيخير بين بيعه وأكله. يعني: إذا استويا، وإلا فعل الأحظ كما تقدم .... قال الحارثي: ما لا يبقى قال المصنف فيه، والقاضي، وابن عقيل: يتخير بين بيعه وأكله، كذا أوردوا مطلقًا، وقيد أبو الخطاب بما بعد التعريف. فإنه قال: عرفه بقدر ما يخاف فساده، ثم هو بالخيار. قال: وقوله: (بقدر ما يخاف فساده) وهم، وإنما هو بقدر ما لا يخاف» (١).
وقول الحنابلة قريب من قول الشافعية، والفرق بينهما في أمرين:
أحدها: أن الحنابلة أجازوا بيعها دون الرجوع إلى الحاكم، واشترطه الشافعية مع إمكانه.
الثاني: أن الشافعية أجازوا تعريفها بعد بيعها، ثم تملك الثمن، ومنع منه الحنابلة في المشهور، حيث جعلوا التملك خاصًا بلقطة الدراهم والدنانير دون العروض.
° دليل الشافعية والحنابلة على جواز تملكها في الحال بالقيمة:
قوله ﵇: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) فقوله: (هي لك) دليل على إباحة تملكها في الحال، والخبر محمول على أنه أراد: بعوضها؛ لأن هذا الحيوان ملك لغيره فلم يكن له تملكه بغير عوض.
ولقوله ﵇: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه.
ولأنها لقطة يلزمه ردها مع بقائها فوجب أن يلزمه غرمها عند استهلاكها قياسًا على اللقطة في الأموال.
стр. 9753
ولأنها ضالة فوجب أن تضمن بالاستهلاك كالإبل.
وأما الدليل على جواز بيعها وحفظ ثمنها:
فالقياس، فإذا جاز أن يتملكها في الحال بدون تعريف، جاز من باب أولى أن يبيعها، لكن قال الشافعية: يعرفها، ثم يتملك الثمن، ولم ير ذلك الحنابلة لأنهم لا يرون تملك اللقطة إذا كانت من العروض، والله أعلم.
° الراجح:
أرى أن مذهب الشافعية هو أقرب الأقوال:
وهو أن له تملكها في الحال، ويضمن مثلها أو قيمتها، أو يبيعها، ويعرفها، ثم يتملك قيمتها، وقول المالكية بأن له أكلها ولا يضمنها مخالف للقواعد.
وقول الحنفية بأنه يجب التصدق بها اعتمادًا على بعض الآثار التي جاءت بالإرشاد بالتصدق، فإن القول بالتصدق لا يمنع ما ثبت بالسنة من جواز التملك، وقول الحنابلة بأنه لا يتملك إلا الدراهم والدنانير قول ضعيف أيضًا، فصار قول الشافعية هو أقواها، والله أعلم.
* * *
стр. 9754
الفرع الثاني
في تعريف ما لا يتطرق إليه الفساد
[م-١٩٩٤] اختلف العلماء في مدة تعريف ما لا يتطرق إليه الفساد:
القول الأول:
التعريف حولًا كاملًا من غير فرق بين القليل والكثير.
وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقول محمد بن الحسن، وحكاه ابن القاسم عن مالك في المدونة، وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة، والأصح عند العراقيين من الشافعية.
قال الطحاوي كما في العناية شرح الهداية: «وإذا التقط لقطة فإنه يعرفها سنة سواء كان الشيء نفيسا أو خسيسا في ظاهر الرواية» (١).
وجاء في الهداية: «وقدره محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير» (٢).
وجاء في الاستذكار: «روى مالك وابن القاسم أن اللقطة تعرف سنة ولم يفرق بين قليلها وكثيرها» (٣).
وقال ابن عبد البر: «ومن التقط شيئا غير الحيوان ذهبًا أو فضة أو ثوبًا أو غير
стр. 9755
ذلك من العروض كلها، والطعام الذي له بقاء، وسائر الأموال غير الحيوان ولو درهمًا واحدًا فإنه يلزمه تعريف ذلك سنة كاملة .... » (١).
وقال ابن رشد: «الثاني: أن يكون يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة وقد يشح به صاحبه ويطلبه، فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه؛ إلا أنه يختلف في حده: فقيل سنة كالذي له بال، وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة، وروى عيسى عن ابن وهب في العتبية أنه يعرفه إياها وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة.
والثالث: أن يكون كثيرًا له بال، فإن هذا لا اختلاف في وجوب تعريفه حولًا كاملًا» (٢).
وقال النووي: «وإن كان متمولًا مع قلته، وجب تعريفه، وفي قدر تعريفه وجهان، أصحهما عند العراقيين: سنة كالكثير» (٣).
القول الثاني:
أنه يعرف القليل والكثير مدة يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه، وبه قال السرخسي من الحنفية، وصححه في الهداية وغيرها، وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الراوية (٤).
جاء في حاشية ابن عابدين: «قوله: (إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها) لم
стр. 9756
يجعل للتعريف مدة اتباعًا للسرخسي، فإنه بنى الحكم على غالب الرأي، فيعرف القليل والكثير إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه، وصححه في الهداية وفي المضمرات والجوهرة، وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير» (١).
القول الثالث:
أنه يعرف ثلاثة أعوام، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁.
القول الرابع:
أن أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ، ويقول: أخذتها لأردها، فيكون المراد بالتعريف هو الإشهاد (٢).
جاء في فتح القدير لابن الهمام: «قال الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ ويقول: أخذتها لأردها، فإن فعل ذلك، ولم يعرفها بعد ذلك كفى فجعل التعريف إشهادًا .... فاقتضى هذا الكلام أن يكون الإشهاد الذي أمر به في الحديث هو التعريف، وقوله ﵊: من أصاب ضالة فليشهد، معناه فليعرفها» (٣).
ويناقش:
بأن الإشهاد غير التعريف، إذا الإشهاد يحصل الامتثال به مرة واحدة، بينما التعريف يستمر لمدة عام كامل، فدل على أن الإشهاد غير التعريف.
стр. 9757
القول الخامس:
التفريق بين اللقطة القليلة وبين الكثيرة في مدة التعريف، فكلما قل المال قلت مدة تعريفه، وكلما زاد زادت مدة تعريفه إلى أن يبلغ حد المال الكثير، فإذا بلغ حد المال الكثير وجب تعريفه سنة، وهذا القول رواية عن أبي حنيفة، وقول في مذهب المالكية، وعليه أكثر الشافعية، على خلاف بين هؤلاء في تقدير القليل، هل هو معدود أو محدود.
فقيل: إن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وهو رواية عن أبي حنيفة (١).
جاء في بدائع الصنائع: «أما مدة التعريف: فيختلف قدر المدة لاختلاف قدر اللقطة إن كان شيئًا له قيمة تبلغ عشرة دراهم فصاعدا يعرفه حولا، وإن كان شيئا قيمته أقل من عشرة يعرفه أيامًا على قدر ما يرى.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال التعريف على خطر المال إن كان مائة ونحوها عرفها سنة، وإن كان عشرة ونحوها عرفها شهرًا، وإن كان ثلاثة ونحوها عرفها جمعة أو قال عشرة، وإن كان درهمًا ونحوه عرفه ثلاثة أيام، وإن كان دانقًا ونحوه عرفه يومًا، وإن كان تمرة أو كسرة تصدق بها» (٢).
وقال ابن شاس: «ولا تتحدد عدد الأيام بعدد معين بل بحسب ما يظن أن مثله يطلب فيها، وهذا كالمخلاة والحبل، والدلو» (٣).
стр. 9758
وقال النووي في الروضة: «وإن كان متمولا مع قلته، وجب تعريفه، وفي قدر تعريفه وجهان: ..... أشبههما باختيار معظم الأصحاب: لا يجب سنة. فعلى هذا أوجه:
أحدها: يكفي مرة.
والثاني: ثلاثة أيام. وأصحها: مدة يظن في مثلها طلب فاقده له، فإذا غلب على الظن إعراضه سقط، ويختلف ذلك باختلاف المال، قال الروياني: فدانق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يعرف يوما، أو يومين، أو ثلاثة.
وأما الفرق بين القليل والمتمول والكثير، ففيه أوجه:
أصحها: لا يتقدر، بل ما غلب على الظن أن فاقده لا يكثر أسفه عليه، ولا يطول طلبه له غالبا، فقليل، قاله الشيخ أبو محمد، وغيره، وصححه الغزالي، والمتولي.
والثاني: القليل: ما دون نصاب السرقة.
والثالث: الدينار قليل.
والرابع: ما دون الدرهم قليل، والدرهم كثير» (١).
وقال النووي أيضًا: «وأما الشيء الحقير فيجب تعريفه زمنا يظن أن فاقده لا يطلبه في العادة أكثر من ذلك الزمان» (٢).
هذا ما وقفت عليه من الأقوال في المسألة، وملخصها ما يأتي:
стр. 9759
القول الأول:
التعريف حولًا كاملًا من غير فرق بين القليل والكثير.
القول الثاني:
التعريف ثلاثة أعوام.
القول الثالث:
يعرف القليل والكثير مدة يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه من غير تقدير ذلك بمدة معينة.
القول الرابع:
أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند أخذها.
القول الخامس:
التفريق في مدة التعريف بين المال القليل والكثير، فالكثير يجب تعريفه حولًا كاملًا، بخلاف المال القليل، وكلما قل المال قلت مدة تعريفه، وقيل: القليل لا يتقدر، بل ما غلب على الظن أن فاقده لا يكثر أسفه عليه، ولا يطول طلبه له غالبا.
إذا وقفت على الأقوال نأتي على ذكر الأدلة:
° دليل من قال: التعريف حولًا كاملًا للقليل والكثير:
(ح-١٢٢٠) ما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث،
عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن
стр. 9760
اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﵇: (عرفها سنة) ولم يفرق بين القليل والكثير.
° دليل من قال: تعرف ثلاثة أعوام:
(ح-١٢٢١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق غندر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت سويد بن غفلة،
عن أبي بن كعب، قال: إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﵇، فأتيت بها رسول الله ﵇، فقال: عرفها حولًا، قال: فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: عرفها حولًا، فعرفتها، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: عرفها حولًا، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها، ووعاءها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا، فاستمتع بها، فاستمتعت بها، فلقيته بعد ذلك بمكة، فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد. واللفظ لمسلم، وفيه قصة لسلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان مع سويد بن غفلة.
ورواه مسلم من طريق بهز عن شعبة، به، وفيها: قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عامًا واحدًا (٢).
[تعريف اللقطة ثلاث سنين خطأ من سلمة بن كهيل، حيث لم يحفظ مدة التعريف، فهو تارة يجزم بالتعريف ثلاث سنين، وتارة أنه أمره بتعريفها ثلاث
стр. 9761
مرار، قال: فلا أدري قال له ذلك في سنة، أو في ثلاث سنين، ورواه آخر ما رواه بالتعريف سنة جزمًا بلا شك، هكذا سمعه منه شعبة بعد عشر سنوات من سماعه القديم، فكأنه تثبت واستذكر].
ولا شك أن مثل هذا الاختلاف إما أن نسلك فيها سبيل الترجيح أو مسلك الجمع:
وسبيل الترجيح له طريقان:
الطريق الأول:
أن يقال: إن حديث أبي بن كعب ورد فيه ثلاثة ألفاظ:
التعريف حولًا واحدًا، والتعريف ثلاثة أحوال، والشك.
فرواية الشك مطروحة؛ لأن الأحكام لا تبنى على الشك، ويبقى النظر في الترجيح بين التعريف حولًا واحدًا أو ثلاثة أحوال، ولا شك أن الترجيح بتعريفها حولًا واحدًا أقوى لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أن التعريف حولًا واحدًا موافق لبقية الأحاديث كحديث زيد بن خالد الجهني، وحديث عبد الله بن عمرو.
السبب الثاني: لو كان الواجب تعريف اللقطة ثلاث سنوات، لأمره الرسول ﵇ منذ البداية بتعريفها ثلاثة أحوال، ولكن في كل أحاديث اللقطة يأتي الأمر بتعريفها حولًا حتى في حديث أبي بن كعب، إلا أنه في حديث أبي لما أتاه مرة أخرى أمره بتعريفها حولًا، ثم عاد له في الثالثة فأمره بتعريفها حولًا، ولا يعرف فائدة فقهية من أمره له بتعريفها حولًا إذا كان الواجب هو تعريفها
стр. 9762
ثلاثة أحوال، فإما أن يكون تكراره خطأ، ولهذا شك الراوي هل أمره بحول أو بثلاثة أحوال.
أو يكون تكراره كما قال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون التعريف لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر أبيًا بإعادة التعريف كما قال للمسيء صلاته ارجع فصل فإنك لم تصل.
أو يكون الزائد على الحول ليس على سبيل الوجوب، وإنما هو على سبيل الاستحباب، وحديث زيد بن خالد وغيره على سبيل الوجوب. والوجهان الأخيران يصحان أن يقالا عند الكلام على سبيل الجمع بين الرويات، وليس على سبيل الترجيح، لكن اقتضى ذكرهما هنا لمناسبة الكلام.
السبب الثالث: أن التعريف حولًا واحدًا موافق للجانب العملي، فهو قول عامة الفقهاء.
جاء في الفتح: «قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شيء جاء عن عمر انتهى وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء» (١).
وقال ابن بطال: «وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال، ولا يحفظ عن أحد قال ذلك إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ... وقد روى عن عمر بن الخطاب أن اللقطة تعرف سنة مثل قول الجماعة، وممن روى عنه أنها تعرف سنة: على بن أبى طالب، وابن عباس، وسعيد بن المسيب،
стр. 9763
والشعبى، وإليه ذهب مالك، والكوفيون، والشافعى، وأحمد بن حنبل، واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهنى» (١).
الطريق الثاني للترجيح:
أن يقال: إن سلمة لم يحفظ مدة التعريف لدخول الشك في روايته، فلا تكون روايته حجة في مدة التعريف، ويؤخذ الحكم في مدة التعريف من غيره من الأحاديث التي لم تختلف في مدة التعريف، فإن الحديث الذي لم يتطرق إليه شك ولا اختلاف أولى بالعمل من الحديث الذي تطرق إليه شك واختلاف.
وأما سبيل الجمع، فله ثلاثة أجوبة:
الأول: أن يكون حديث أبي على سبيل الورع والمبالغة في التعفف عن اللقطة، وحديث زيد بن خالد على ما لا بد منه.
الثاني: حديث زيد بن خالد كان السائل أعرابيًا فاكتفى بالتعريف حولًا واحدًا نظرًا لحاجة الأعرابي، واستغناء أبي بن كعب.
الثالث: أن يكون ﵇ علم أنه لم يقع تعريفها كما ينبغي، فلم يحتسب له بالتعريف الأول (٢).
الدليل الثاني:
(ث-٣٠٨) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن جريج قال: قال مجاهد:
وجد سفيان بن عبد الله الثقفي عيبة فيها مال عظيم فجاء بها عمر بن الخطاب
стр. 9764
فأخبره خبرها فقال عمر: هي لك، فقال: يا أمير المؤمنين لا حاجة لي فيها، غيري أحوج إليها مني قال: فعرفها سنة، ففعل ثم جاءه بها فقال عمر: هي لك، فقال مثل قوله الأول. فقال عمر: عرفها سنة، ففعل ثم جاءه بها فقال عمر: هي لك فقال سفيان مثل قوله الأول فقال عمر: عرفها سنة ففعل ثم جاءه بها فقال عمر: هي لك، فقال مثل قوله الأول فقال عمر: عرفها سنة ففعل فلما أبى سفيان جعلها عمر في بيت مال المسلمين (١).
[منقطع مجاهد لم يسمع من سفيان، ورواه غيره عن سفيان على التعريف سنة مرفوعًا إلى النبي ﵇] (٢).
وقد ورد عن عمر في تعريف اللقطة أربعة أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى عند الكلام على أدلة من قال: إن مدة التعريف تختلف بحسب كثرة المال وقلته.
دليل من قال: الكثير يعرف سنة، والقليل بحسبه:
ورد عن عمر ﵁ في تعريف اللقطة أربعة أقوال:
стр. 9765
أحدها: أنه يعرفها ثلاثة أعوام، وسبق تخريجها.
الثاني: أنه يذكرها ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة.
الثالث: أنها يعرفها سنة.
الرابع: أنه يعرفها ثلاثة أشهر (١).
стр. 9766
وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا: أنه يعرفها أربعة أشهر.
قال ابن حجر: «ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها» (١).
دليل من قال: يعرف القليل والكثير مدة يغلب على الظن أن صاحبه لا يطلبه من غير تقدير ذلك بمدة معينة.
ربما يحتج صاحب هذا القول بأن الأمر بتعريفها سنة في حديث زيد بن خالد لم يكن على سبيل بيان مدة التعريف اللازمة لكل مال، ولهذا في حديث أبي أمر بتعريفها ثلاثة أحوال، وورد عن عمر خمسة أقوال في التعريف، كل هذا يدل على أن الواجب تعريفها مدة يغلب على الظن أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك.
° دليل من قال: التعريف أن يشهد عند أخذها:
(ح-١٢٢٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير،
عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل،
стр. 9767
وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﵇ أمر في هذا الحديث بالإشهاد، ولم يأمر بالتعريف، فدل على أن المقصود بالإشهاد هو التعريف، فإن تعريف اللقطة يلزم منه الإشهاد عليها، وإذا أشهدت عليها فقد عرفتها، وهذا أدنى درجات التعريف، وإذا كان ليس للتعريف لفظ يجب اتباعه، وإنما الغرض شهر الأمر وإظهار القصة، فهذا يحصل بالإشهاد، والله أعلم.
ويناقش:
بأن الإشهاد أخص من التعريف، فالتعريف من أجل الوصول إلى صاحبها، ولتملكها بعد التعريف، والإشهاد من أجل الامتناع به من الخيانة، ولأنه قد يموت فجأة قبل استحقاق تملكها فإذا لم يشهد فاتت على مالكها، والله أعلم.
* * *
стр. 9770
المبحث الخامس
في وجوب الفورية في التعريف
الأمر بالفعل يقتضي الفور إلا بقرينة.
[م-١٩٩٥] إذا وجب تعريف اللقطة، فهل يجب فور التقاطها، أم المطلوب تعريفها سنة متى أراد؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، وسبب الخلاف يرجع إلى مسألة أصولية، هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟
القول الأول:
أن التعريف واجب على الفور، وهو مذهب المالكية، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية، وقال به القاضي أبو الطيب منهم، واعتمده الغزالي، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال العدوي المالكي: «متى أخر تعريفها وتلفت فإنه يضمنها» (٢).
وجاء في مواهب الجليل: «يجب التعريف عقب الالتقاط، قال ابن الحاجب: ويجب تعريفها سنة عقيبه» (٣).