وزاد ابن حزم عن عمر قولًا خامسًا: أنه يعرفها أربعة أشهر.
قال ابن حجر: «ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها» (١).
دليل من قال: يعرف القليل والكثير مدة يغلب على الظن أن صاحبه لا يطلبه من غير تقدير ذلك بمدة معينة.
ربما يحتج صاحب هذا القول بأن الأمر بتعريفها سنة في حديث زيد بن خالد لم يكن على سبيل بيان مدة التعريف اللازمة لكل مال، ولهذا في حديث أبي أمر بتعريفها ثلاثة أحوال، وورد عن عمر خمسة أقوال في التعريف، كل هذا يدل على أن الواجب تعريفها مدة يغلب على الظن أن صاحبها لا يطلبها بعد ذلك.
° دليل من قال: التعريف أن يشهد عند أخذها:
(ح-١٢٢٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير،
عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل،
стр. 9767
وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﵇ أمر في هذا الحديث بالإشهاد، ولم يأمر بالتعريف، فدل على أن المقصود بالإشهاد هو التعريف، فإن تعريف اللقطة يلزم منه الإشهاد عليها، وإذا أشهدت عليها فقد عرفتها، وهذا أدنى درجات التعريف، وإذا كان ليس للتعريف لفظ يجب اتباعه، وإنما الغرض شهر الأمر وإظهار القصة، فهذا يحصل بالإشهاد، والله أعلم.
ويناقش:
بأن الإشهاد أخص من التعريف، فالتعريف من أجل الوصول إلى صاحبها، ولتملكها بعد التعريف، والإشهاد من أجل الامتناع به من الخيانة، ولأنه قد يموت فجأة قبل استحقاق تملكها فإذا لم يشهد فاتت على مالكها، والله أعلم.
* * *
стр. 9770
المبحث الخامس
في وجوب الفورية في التعريف
الأمر بالفعل يقتضي الفور إلا بقرينة.
[م-١٩٩٥] إذا وجب تعريف اللقطة، فهل يجب فور التقاطها، أم المطلوب تعريفها سنة متى أراد؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال، وسبب الخلاف يرجع إلى مسألة أصولية، هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟
القول الأول:
أن التعريف واجب على الفور، وهو مذهب المالكية، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية، وقال به القاضي أبو الطيب منهم، واعتمده الغزالي، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال العدوي المالكي: «متى أخر تعريفها وتلفت فإنه يضمنها» (٢).
وجاء في مواهب الجليل: «يجب التعريف عقب الالتقاط، قال ابن الحاجب: ويجب تعريفها سنة عقيبه» (٣).
стр. 9771
وجاء في تحفة المحتاج: «لا تجب المبادرة للتعريف، وهو ما صححاه لكن خالف فيه القاضي أبو الطيب، فقال: يجب فورًا واعتمده الغزالي» (١).
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي كما في القواعد لابن اللحام: «لا خلاف أن التعريف معتبر عقيب التقاطها» (٢).
° حجة القول بأنه يجب على الفور:
الحجة الأولى:
أن النبي ﵇ أمر بتعريفها حين سئل عنها، والأمر بالفعل يقتضي الفورية، ولهذا ذم الله إبليس على عدم الفور بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية [الأعراف: ١٢].
(ح-١٢٢٣) وروى البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان،
أن النبي ﵇ لما قال لأصحابه في صلح الحديبية: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس (٣).
فلو لم يكن الأصل في الأمر الفورية لم يغضب النبي ﵇.
الحجة الثانية:
التأخير في تعريفها يفوت معرفة المالك؛ إذ الغالب على الناس أنهم يجدُّون
стр. 9772
في البحث عن أموالهم بعد ضياعها، فإذا ذهب عام على فقدها بدا صاحبها يسلو عنها، وييئس من الحصول عليها، ويترك طلبها.
القول الثاني:
لا يجب أن يكون التعريف على الفور، بل المطلوب تعريفها سنة متى أراد، وهذا هو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (١).
قال النووي: «وفي وجوب المبادرة بالتعريف على الفور وجهان:
الأصح الذي يقتضيه كلام الجمهور: لا يجب، بل المعتبر تعريف سنة متى كان» (٢).
وفي أسنى المطالب: «ولا يشترط الفور للتعريف، بل المطلوب التعريف سنة متى كان» (٣).
° حجة هذا القول:
أن الحديث فيه الأمر بتعريفها، وصيغة (عرفها) طلب للتعريف في الزمن المستقبل، فإذا عرفها في أي وقت كان المأمور ممتثلًا للأمر، والأمر بالفعل لا يدل إلا على مجرد طلب الفعل فقط، وكونه على الفور أو على التراخي خارج عن مدلوله، وإنما يفهم ذلك بالقرائن، وليس في صيغة الأمر ما يدل على طلب الفورية لا بلفظه، ولا بمعناه.
стр. 9773
القول الثالث:
لا يجوز تأخيره عن زمن تطلب فيه عادة، ويختلف ذلك بقلتها وكثرتها، اختاره الأذرعي من الشافعية، وبه قال البلقيني والسبكي (١).
جاء في حاشية الجمل: «والأوجه ما توسطه الأذرعي، وهو عدم جواز تأخيره عن زمن تطلب فيه عادة، ويختلف بقلتها وكثرتها، ووافقه السبكي فقال: يجوز التأخير ما لم يغلب على ظنه فوات معرفة المالك به» (٢).
وقال الرملي: «ولا يشترط الفور محله ما لم يغلب على ظن الملتقط أن التأخير يفوت معرفة المالك، وإلا وجب البدار» (٣).
° الراجح:
أن الأمر بالفعل يقتضي الفور إلا بقرينة تدل على جواز التأخير، والله أعلم.
* * *
стр. 9774
المبحث السادس
في ضمان الملتقط إذا أخر التعريف
[م-١٩٩٦] إذا قلنا: إن التعريف ليس على الفور كما هو الأصح في مذهب الشافعية فلن يضمن إذا أخره؛ وهذا بين.
وإذا قلنا: إن التعريف على الفور، فلا إشكال في استحقاق الإثم واللوم بتأخيره.
وهل يضمن اللقطة إذا ضاعت؟ في ذلك خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
يضمن مطلقًا، وهو قول في مذهب المالكية، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال العدوي المالكي: «متى أخر تعريفها وتلفت فإنه يضمنها» (٢).
وقال ابن اللحام الحنبلي: «فلو أخر مع الإمكان فلا إشكال في الإثم واستقرار الضمان، ذكره في التلخيص وغيره» (٣).
° وجه القول بالضمان:
أن اللقطة أمانة في يد الملتقط، وقد وجب عليه تعريفها بالتقاطه إياها فترك حقها تفريط موجب للضمان.
стр. 9775
القول الثاني:
يضمن إن أخر التعريف سنة كاملة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (١).
قال الدردير في الشرح الكبير: «فإن أخره سنة، ثم عرفه فهلك ضمن» (٢).
وعلق الدسوقي في حاشيته: «إنما قيد بالسنة؛ لأن الضمان إذا ضاعت حال التعريف إنما يكون إذا أخره سنة وأما إن أخره أقل من سنة، ثم شرع فيه فضاعت فلا ضمان» (٣).
والقول الأول أحوط، والله أعلم.
* * *
стр. 9776
المبحث السابع
في سقوط التعريف إذا أخره
[م-١٩٩٧] إذا أخر التعريف، فإن قلنا: إن التعريف ليس على الفور كما هو الأصح في مذهب الشافعية فلن يسقط التعريف إذا أخره؛ وهذا واضح.
وإن قلنا: يجب التعريف فورًا فهل يسقط التعريف إذا أخره؟ فيه خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول:
لا يسقط التعريف، وهو ظاهر مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة صححه الحارثي (١).
قال ابن اللحام: «فلو أخر مع الإمكان فلا إشكال في الإثم .... وهل يسقط التعريف؟
ذكر القاضي أبو يعلى وأبو محمد أنه يسقط في ظاهر كلام أحمد.
ولنا وجه: بانتفاء السقوط، قال الحارثي: وهو الصحيح» (٢).
° وجه القول بعدم السقوط:
أن التعريف واجب، والواجب لا يسقط بتأخيره كالعبادات وسائر الواجبات.
стр. 9777
ويناقش:
بأن القياس على العبادات قياس غير صحيح من وجهين:
الأول: أن العبادات مختلف في صحة القضاء إذا تركها الإنسان عمدًا حتى خرج وقتها، وما اختلف فيه لا يكون القياس عليه حجة.
الوجه الثاني: على القول بأن القضاء في العبادات لازم فإن هناك فرقًا بين العبادات وبين تعريف اللقطة، فتعريف اللقطة واجب على الملتقط حقًا لصاحبها من أجل الوصول إليه، وهو في السنة الأولى أقرب من غيره من الأعوام بخلاف العبادات فإنها واجبة لحق الله تعالى على عباده.
القول الثاني:
يسقط التعريف إذا أخره عن السنة الأولى، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
قال ابن قدامة: «ويسقط التعريف بتأخيره عن الحول الأول في المنصوص عن أحمد؛ لأن حكمة التعريف لا تحصل بعد الحول الأول، وإن تركه في بعض الحول عرف بقيته.
ويتخرج ألا يسقط التعريف لتأخره؛ لأنه واجب فلا يسقط بتأخيره عن وقته كالعبادات وسائر الواجبات» (٢).
وجاء في الإنصاف: «لو أخر التعريف عن الحول الأول، مع إمكانه: أثم. وسقط التعريف على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه الأصحاب.
стр. 9778
وخرج عدم السقوط من نصه على تعريف ما يوجد من دفن المسلمين. وهو وجه ذكره في المغني. قاله الحارثي: وهو الصحيح فيأتي به في الحول الثاني، أو يكمله إن أخل ببعض الأول.
وعلى كلا القولين: لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول، وكذا لو ترك التعريف في بعض الحول الأول لا يملكها بالتعريف بعده» (١).
لأن شرط الملك التعريف في الحول ولم يوجد، وكذا لو قطع التعريف في الأول، وأكمله في الثاني لا يملك بذلك عند الحنابلة.
وإن أخر التعريف لحبس أو مرض فوجهان عند الحنابلة:
أحدهما: أن حكمها حكم ما لو ترك تعريفها مع إمكانه.
والثاني: يعرفها في الحول الثاني، ويملكها بعد ذلك (٢).
* * *
стр. 9779
المبحث الثامن
في وجوب الموالاة في التعريف
[م-١٩٩٨] اختلف العلماء في وجوب الموالاة في السنة أثناء التعريف، أما الذين يقولون إنه على الفور فإنهم يوجبون الموالاة في التعريف، وهذا واضح.
وأما الشافعية الذين قالوا: إنه لا تجب الفورية في التعريف، فقد اختلفوا في وجوب الموالاة في التعريف على قولين:
أحدها: لا تجب المولاة، صححه النووي، وقال به العراقيون من الشافعية.
الثاني: تجب الموالاة في السنة.
جاء في كفاية الأخيار: «وقول الشيخ عرفها سنة يقتضي إطلاقه أنه لا يجب الترتيب في السنة، حتى لو عرف شهرين أو أقل أو أكثر في كل سنة كفى، وهو كذلك على الأصح عند النووي.
وقيل: يجب الترتيب؛ لأن المقصود أن يبلغ الخبر المالك، والتفريق لا يحصل هذا المقصود، وهذا هو الأحسن في المحرر، وصححه الإمام، وما صححه النووي صححه العراقيون» (١).
* * *
стр. 9780
المبحث التاسع
في مؤنة التعريف
[م-١٩٩٩] اختلف العلماء فيمن يتحمل مؤنة التعريف على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يتحمل الملتقط مؤنة التعريف، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
واستثنى الحنفية ما لو قال القاضي: أنفق لترجع فإن له الرجوع على المالك.
جاء في حاشية ابن عابدين: «وهو في الإنفاق على اللقيط واللقطة متبرع؛ لقصور ولايته، إلا إذا قال له قاض: أنفق لترجع، فلو لم يذكر الرجوع لم يكن دينًا في الأصح» (٢)؛ لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينًا بالشك (٣).
وجاء في الهداية: وإن أنفق بأمره ـ أي بأمر القاضي ـ كان ذلك دينا على صاحبها؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب» (٤).
فالنفقة على اللقطة يشمل نفقة التعريف ويشمل غيرها من النفقات.
وجاء في كشاف القناع: «وأجرة المنادي على الملتقط ... ولا يرجع
стр. 9781
الملتقط بها أي: بأجرة المنادي على رب اللقطة ولو قصد حفظها لمالكها خلافا لأبي الخطاب؛ لأن التعريف واجب على الملتقط فأجرته عليه» (١).
ولأن ملتقط اللقطة متطوع بحفظها، فلا يرجع بشيء من ذلك على صاحب اللقطة.
القول الثاني:
مؤنة التعريف وغيرها مما أنفقه الملتقط على اللقطة فالمالك مخير بين أن يفتك اللقطة فيدفع ما أنفقه عليها وبين أن يترك اللقطة لمن التقطها في نفقته التي أنفق عليها، سواء أنفق بأمر السلطان أو بدونه، وسواء تجاوزت قيمته النفقة أم لا، وهذا مذهب المالكية (٢).
جاء في المدونة: «قال مالك في المتاع يلتقطه الرجل فيحمله إلى موضع من المواضع ليعرفه فيعرفه ربه، قال مالك: هو لصاحبه، ويدفع إليه هذا الكراء الذي حمله، فكذلك الغنم والبقر إذا التقطها رجل فأنفق عليها، ثم أتى ربها فإنه يغرم ما أنفق عليها الملتقط إلا أن يشاء ربها أن يسلمها.
قلت: أرأيت ما أنفق هذا الملتقط على هذه الأشياء التي التقطها بغير أمر السلطان، أيكون ذلك على رب هذه الأشياء إن أراد أخذها في قول مالك؟
قال: نعم، إن أراد ربها أخذها لم يكن له أن يأخذها حتى يغرم لهذا ما أنفق عليها، بأمر السلطان أو بغير أمر السلطان» (٣).
стр. 9782
° وجه هذا القول:
النفقة تتعلق في ذات اللقطة لا في ذمة مالكها كالجناية في رقبة العبد إن أسلمه المالك لا شيء عليه، وإن أراد أخذه غرم أرش الجناية.
القول الثالث:
إن قصد بأخذها حفظها لصاحبها لم تلزمه مؤنة التعريف، ويجعلها القاضي من بيت المال قرضًا، أو يبيع قسمًا منها لنفقة تعريفها، وإن أخذها بنية تملكها بعد تعريفها، فإن لم يظهر صاحبها فمؤنة التعريف على الملتقط قولًا واحدًا، وإن ظهر المالك فوجهان: أصحهما أنها على الملتقط. وهذا مذهب الشافعية (١).
وقال أبو الخطاب من الحنابلة: ما لا يملك بالتعريف وما أخذه بقصد حفظه لمالكه فإنه يرجع على مالكها بالنفقة، وهذا نحو مذهب الشافعية (٢).
° وجه هذا القول:
أن اللقطة إذا أخذها للحفظ كانت المنفعة لصاحبها، فكانت النفقة عليه، وإن أخذها للتملك كان الالتقاط لمصلحة الملتقط، فكانت النفقة عليه.
وهذا أقرب الأقوال، والله أعلم.
* * *
стр. 9783
المبحث العاشر
في مكان تعريف اللقطة
[م-٢٠٠٠] ذهب العلماء إلى أن اللقطة يعرفها ملتقطها في المكان الذي وجدها فيه، وفي الأسواق، وأبواب المساجد، ومواضع اجتماع الناس (١).
قال ابن الهمام في فتح القدير: «وينبغي أن يعرفها في الموضع الذي أصابها فيه وفي الجامع: يعني الأسواق وأبواب المساجد فينادي من ضاع له شيء فليطلبه عندي» (٢).
قال ابن عبد البر: «التعريف عند جماعة الفقهاء فيما علمت لا يكون إلا في الأسواق وأبواب المساجد ومواضع العامة واجتماع الناس» (٣).
قال النووي: «قال أصحابنا والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس» (٤).
стр. 9784
وجاء في المبدع: «ويعرف الجميع بالنداء عليه في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات حولًا كاملًا» (١).
° وجه القول بتعريفها في هذه الأمكنة:
أما تعريفها في المكان الذي وجدت فيه؛ فلأن صاحبها يطلبها في ذلك الموضع غالبًا.
وأما تعريفها في مجامع الناس فلأن المقصود إيصالها إلى صاحبها، ومجامع الناس مظنة وجود صاحبها بينهم فإن لم يكن بينهم فإن الناس سوف يتحدثون فيشتهر الخبر فيصل ذلك إلى صاحبها.
* * *
стр. 9785
المبحث الحادي عشر
في تكرار التعريف
إذا أمرنا بشيء ولم يبين لنا صفته كان متروكًا لعادة الناس.
[م-٢٠٠١] جاء الحديث المتفق على صحته بتعريف اللقطة سنة، وهذا يقتضي تكرار التعريف؛ لأن السنة كلها ظرف للتعريف بحيث يفعله وقتًا بعد وقت، وقد اختلف العلماء في تكرار التعريف على النحو التالي:
القول الأول: مذهب الحنفية:
في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال: أحدها: يعرفها كل جمعة، وقال بعضهم: كل شهر. وقال آخرون: كل ستة أشهر (١).
القول الثاني:
ذكر خليل في مختصره وابن شاس وابن الحاجب والقرافي وغيرهم بأنه يعرفها في كل يومين أو ثلاثة مرة (٢).
قال بعض شراح خليل تعليقًا: «(قوله: في كل يومين، أو ثلاثة مرة إلخ) هذا
стр. 9786
في غير أول زمان التعريف، أما في أوله فينبغي أن يكون أكثر من ذلك ففي كل يوم مرتين، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل يومين مرة، ثم في كل ثلاثة أيام مرة، ثم في كل أسبوع مرة كما ذكره شارح الموطأ» (١).
وقال ابن شاس: «يعرفها كل يومين أو ثلاثة، وكلما تفرغ، لا يجب عليه أن يدع التصرف في حوائجه» يعني من أجل التعريف (٢).
القول الثالث:
ذهب الشافعية إلى أنه ينادي كل يوم مرتين في طرفيه في الابتداء للتعريف، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرتين، أو مرة، ثم في كل شهر كذلك بحيث لا ينسى أنه تكرار لما مضى (٣).
وسكت في الروضة وأصلها عن بيان المدة لهذا التقسيم، وفي مذهب الشافعية قولان:
الأول: يعرف كل يوم مرتين طرفي النهار أسبوعًا، ثم كل يوم مرة إلى أن يتم أسبوع آخر، ثم كل أسبوع مرة أو مرتين إلى أن يتم سبعة أسابيع أخذا مما قبله، ثم في كل شهر مرة ..
стр. 9787
الثاني: يعرف كل يوم مرتين ثلاثة أشهر، وفي مثلها كل يوم مرة، وفي مثلها كل أسبوع مرة، وفي مثلها كل شهر مرة (١)
والأقرب أن هذا التحديد كله للاستحباب لا الوجوب كما يفهمه ما يأتي أنه تكفي سنة مفرقة على أي وجه كان التفريق (٢).
القول الرابع:
في مذهب الحنابلة قولان في صفة تكرار التعريف:
الأول: يعرفها في الأسبوع الأول كل يوم مرة، ولا يجب فيما بعد ذلك متواليًا، بل يعرفها على عادة الناس في ذلك، وعلى هذا أكثر الأصحاب.
الثاني: أن التعريف في الأسبوع الأول مرة كل يوم، ثم مرة في كل أسبوع لمدة شهر، ثم مرة في كل شهر (٣).
° الراجح:
الأحاديث جاءت بتعريف اللقطة حولًا كاملًا، ولم يبين في هذه الأحاديث صفة التعريف، وتقدير التكرار يحتاج إلى توقيف، فكان هذا متروكًا لعادة الناس في التعريف، والأقوال متفقة على أن تعريفها في الأيام الأولى أكثر من غيرها، وهذا معقول المعنى؛ لأن صاحبها يطلبها في هذه المدة أكثر من غيرها، والله أعلم.
стр. 9788
قال شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله: «بيَّن الرسول ﵇ أنها تُعَرَّف سنة، ونعلم علم اليقين أن الرسول ﵇ لا يريد أن يبقى ليلاً ونهاراً يعرِّف، فيرجع في ذلك إلى العرف، وقد اجتهد بعض العلماء فقال: يُعَرِّفها في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع مرة لمدة شهر، ثم في كل شهر مرة، وهذا التقدير اجتهاد ليس عليه دليل، ولكن الأولى أن يرجع في ذلك إلى العرف» (١).
* * *
стр. 9789
المبحث الثاني عشر
في ذكر جنس اللقطة في التعريف
[م-٢٠٠٢] اختلف العلماء في ذكر جنس اللقطة في التعريف،
القول الأول:
لا يذكر الجنس في تعريف اللقطة، وهذا مذهب الحنفية، والمختار في مذهب المالكية (١).
جاء في المبسوط: «ولا يضره ألا يسمي جنسها، ولا صفتها في التعريف؛ لأنه إنما امتنع من ذلك لتحقيق الحفظ على المالك كي لا يسمع إنسان ذلك منه فيدعيها لنفسه» (٢).
وفي كفاية الطالب: «وإذا عرفها لا يذكر جنسها بل يقول: من ضاع له شيء» (٣).
وقال القرافي: «قال اللخمي اختلف عن مالك في ذكر جنسها إذا عرفها، قال: وعدم تسمية الجنس أحسن» (٤).
стр. 9790
° وجه القول بعدم ذكر الجنس:
قوله ﵇: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة.
ولم يقل ثم عرف بذلك، ولا أبرزها وأظهرها، ولو جاز له أن يذكر صفتها لما احتاج إلى حفظ العفاص والوكاء، ولأغنى عن ذلك إظهارها والله أعلم وأحكم (١).
القول الثاني:
الأفضل أن يذكر المعرف جنس اللقطة، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة، واختاره بعض الشافعية (٢).
قال ابن شاس: «وفي ذكر الجنس في التعريف خلاف» (٣).
وجاء في حاشية الدسوقي: «ولا يذكر المعرف وجوبا جنسها: أي مثل حيوان، أو عين ... على المختار: أي على ما اختاره اللخمي من الخلاف.
والقول الثاني يجوز للمعرف أن يذكر جنس اللقطة وعبارة اللخمي: وألا يذكر جنسها أحسن أي والقول بعدم ذكر جنسها أحسن من مقابله» (٤).
قال الماوردي: «فأما صفة التعريف فهو مخير بين أحد أمرين: إما أن يقول من ضاع من شيء، ولا يذكر جنسه، وهذا أولى الأمرين. وإما أن يذكر
стр. 9791
الجنس، فيقول: من ضاعت منه دراهم، أو من ضاعت منه دنانير ولا يصفها بجميع أوصافها فينازع فيها» (١).
وقال ابن قدامة: «كيفية التعريف: وهو أن يذكر جنسها لا غير، فيقول: من ضاع منه ذهب، أو فضة، أو دنانير، أو ثياب، ونحو ذلك» (٢).
جاء في كشاف القناع: «اتفقوا على أنه لا يصفها؛ لأنه لا يؤمن أن يدعيها بعض من سمع صفتها فتضيع على مالكها» (٣).
القول الثالث:
الأفضل أن يذكر جنسها وبعض أوصافها، ويحرم عليه استيعاب صفاتها؛ لأن ذلك أقرب إلى الظفر بالمالك، وهذا مذهب الشافعية (٤).
جاء في مغني المحتاج: «ويذكر ندبًا بعض أوصافها، كما يذكر جنسها، فيقول: من ضاع له دنانير .... لأنه أقرب إلى الظفر بالمالك» (٥).
فصارت الأقوال ثلاثة:
أحدها: لا يذكر جنس اللقطة.
الثاني: يذكر جنسها.
الثالث: يذكر جنسها وبعض صفاتها.
стр. 9792
وهؤلاء متفقون على أنه لا يستوعب صفاتها؛ لأنه إذا استوعب صفاتها فقد يدعيها من لا يملكها، ولم يبق وصفها من قبل المالك دليلًا على ملكه لها.
وأقربها عندي أن يذكر الجنس فقط، فيقول: من ضاعت له الدابة، أو من ضاع له الدراهم، ولا يذكر شيئًا من صفاتها، وحديث زيد بن خالد طلب منه حفظ صفاتها، اعرف عفاصها ووكاءها، ولم يقل: احفظ جنسها، والله أعلم.
стр. 9793
المبحث الثالث عشر
في ضمان المتلقط إذا عرفها بجميع صفاتها
[م-٢٠٠٣] إذا استوعب الملتقط صفاتها في التعريف، حتى كان ذلك سببًا لأن يدعيها غير مالكها، فهل يضمن؟
في المسألة قولان، هما وجهان في مذهب الشافعية:
أحدهما: لا يضمن؛ لأن دفع اللقطة لا يتوقف على معرفة الصفة، بل لا بد من تقديم البينة على أنه ربها (١).
والثاني: يضمن؛ وهو المذهب عند الشافعية، صححه في الروضة؛ والمذهب عند الحنابلة (٢).
جاء في مغني المحتاج: «ويذكر ندبا بعض أوصافها ... ولا يستوفيها؛ لئلا يعتمدها كاذب، فإن استوفاها حرم عليه كما جزم به الأذرعي وضمن؛ لأنه قد يرفعه إلى من يلزمه الدفع بالصفات» (٣).
وقال ابن مفلح الصغير: «وفي المغني والشرح يذكر جنسها، فيقول: من ضاع منه ذهب، أو فضة، ومقتضاه أنه إذا أطنب في الصفات فهو ضامن» (٤).
стр. 9794
° وجه القول بالضمان:
الوجه الأول:
أنه لا يؤمن أن يحفظ ذلك رجل، ثم يرافعه إلى حاكم يوجب دفع اللقطة بذكر صفتها.
الوجه الثاني:
القياس على ضمان الوديع إذا دل على الوديعة من يسرقها.
جاء في كشاف القناع: «ومقتضى قولهم: لا يصفها أنه لو وصفها فأخذها غير مالكها بالوصف ضمنها الملتقط لمالكها كما لو دل الوديع على الوديعة من سرقها» (١).
* * *
стр. 9795
الفصل الثالث
في الإشهاد على اللقطة
الإشهاد على اللقطة لا يجب كسائر الأمانات.
[م-٢٠٠٤] إذا وجد اللقطة ولم يشهد عليها، فضاعت، فهل يضمن اللقطة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الإشهاد على أخذ اللقطة واجب،، فإن ترك الإشهاد مع تمكنه منه، فإن أقر بأنه أخذها لنفسه ضمن باتفاق الحنفية إن هلكت في يده؛ لأنه متعد، وإن قال: إنما أخذها لصاحبها، فإن صدقه المالك لم يضمن باتفاق الحنفية؛ لأن تصادقهما كالبينة، وإن كذبه المالك فعليه الضمان عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف (١).
والقول بوجوب الإشهاد هو قول ثان في مقابل الأصح في مذهب الشافعية، وفي مقابل المذهب عند الحنابلة، إلا أنهم لا يرتبون على تركه الضمان كالحنفية (٢).
جاء في مجمع الضمانات: «اللقطة أمانة في يد الملتقط ... إذا أشهد
стр. 9796
الملتقط حين الأخذ أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها ... وإن لم يشهد عليه وقال: أخذتها للرد على المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا يضمن، والقول قوله في أنه أخذ للرد.
وإن أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع ذكره في الهداية، ثم الخلاف على ما ذكره في الإيضاح عن المبسوط ويشير إليه قاضي خان فيما إذا ترك الإشهاد مع التمكن منه أما عند عدمه بأن لم يجد أحدًا يشهده عند الرفع، أو خاف أنه لو أشهد عند الرفع يأخذها منه ظالم لا يكون ضامنا بالاتفاق» (١).
° دليل الحنفية على وجوب الإشهاد:
(ح-١٢٢٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير،
عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (٢).
[صحيح، وسبق تخريجه]
ويجاب عن هذا الحديث:
بأن الحديث فيه الأمر بالإشهاد، وليس فيه وجوب الضمان بترك الإشهاد، وبينهما فرق.
стр. 9797
وليس الأمر بالإشهاد من أجل خوف كتمانها، بل من أجل هذا ومن أجل مصالح أخرى منها الخوف على ضياعها بموت أو نسيان، ولهذا أمر الله بالإشهاد بالبيع، ولم يكن ذلك واجبًا، قال تعالى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث عندي والله أعلم أن ملتقط اللقطة إذا عرفها وسلك فيها سنتها ولم يكن مغيبًا ولا كاتمًا، وكان معلنًا معرفًا وحصل بفعله ذلك، أمينًا لا يضمن إلا بما يضمن به الأمانات، وإذا لم يعرفها، ولم يسلك بها سنتها، وغيب، وكتم، ولم يعلم الناس أن عنده لقطة، ثم قامت عليه البينة بأنه وجد لقطة ذكروها، وضمها إلى بيته، ثم ادعى تلفها ضمن؛ لأنه بذلك الفعل خارج عن حدود الأمانة» (١).
ولأنه قد يشهد الملتقط احتياطًا لنفسه، ويضمر التقاطها لنفسه لا لتعريفها، فلا يكون الإشهاد مانعًا من الغصب، ولأن الإشهاد على أصل اللقطة لا على جميع صفاتها، فجميع صفاتها لا تعلم إلا من جهته، وهذا يدل على أن ترك الإشهاد لا يخرج اللقطة عن سبيل الأمانات.
الدليل الثاني:
أخذ مال الغير يوجب الضمان، ولا يخرجه عن ذلك إلا أحد أمرين، إما أن يشهد أنه أخذها لصاحبها، أو يصدقه المالك أنه أخذها لمصلحة ربها، وليس لنفسه، أما دعواه أنه أخذها لصاحبها إذا لم يصدقه المالك فهي دعوى تحتاج إلى بينة، فلا يسقط عنه الضمان بمجرد الدعوى.
стр. 9798
ونوقش هذا:
القول بأن أخذ مال الغير يوجب الضمان ليس على إطلاقه، نعم يوجب الضمان لو أخذه على وجه الاعتداء، أما إذا أخذه في حال ضياعه فلا يوجب الضمان؛ لأن أخذه قد يكون واجبًا عليه إذا خشي عليه الهلاك أو الاعتداء، إلا أن تقوم بينة على أنه أخذه لنفسه فيكون بمنزلة الغاصب، ودعوى المالك بأن الملتقط أخذ المال لنفسه لا يقبل إلا ببينة؛ لأنه يدعي ما يوجب الضمان على الملتقط، والأصل عدمه، والملتقط منكر، فإذا لم يقم البينة على صحة دعواه فالقول قول المنكر.
ولأن هذا الأمر لا يمكن معرفته إلا من قبل الملتقط؛ فإذا أخبر بأنه أخذها ليعرفها قبل منه ذلك.
ولأن الأصل حمل فعل المسلم (الملتقط) على الحسبة والصلاح وليس على المعصية والاعتداء والفساد.
جاء في تبيين الحقائق: «إن لم يشهد عند الالتقاط، وادعى أنه أخذها للرد، وادعى صاحبها أنه أخذها لنفسه، فالقول لصاحبها ويضمن الملتقط قيمتها عندهما.
وقال أبو يوسف: القول قول الملتقط فلا يضمن؛ لأن أخذها لصاحبها حسبة ولنفسه معصية، فكان حمل فعله على الصلاح أولى من حمله على الفساد.
ولأن الملتقط منكر، والمالك مدع للضمان، فالقول قول المنكر.
ولهما أنه أخذ مال الغير بغير إذنه، وهو سبب الضمان فيضمن» (١).
стр. 9799
القول الثاني:
يستحب الإشهاد، ولا يجب كسائر الأمانات، وإذا ضاعت ولم يشهد فلا ضمان عليه، وهذا مذهب الجمهور، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره أبو يوسف من الحنفية (١).
° دليل الجمهور على أن الإشهاد ليس واجبًا:
الدليل الأول:
(ح-١٢٢٥) ما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث،
عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه (٢)، وفي الباب حديث أبي بن كعب ﵁.
وجه الاستدلال:
أن النبي ﵇ وقد سئل عن الواجب في اللقطة، فأمره بتعريفها وحفظ عفاصها
стр. 9800
ووكائها كما في حديث زيد بن خالد الجهني وحديث أبي بن كعب، ولم يأمره بالإشهاد عليها، ولو كان الإشهاد واجبًا لبينه ﵇؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فتعين حمل الأمر في حديث عياض على الاستحباب.
الدليل الثاني:
أن الالتقاط لا يخرج عن كونه إما أمانة إن قصد به الحفظ، أو كسبًا إن نوى بتعريفها تملكها، وكلاهما لا يجب الإشهاد عليهما.
الدليل الثالث:
قال ابن عبد البر: «إجماع العلماء بأن المغصوبات لو أشهد الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاده ذلك في حكم الأمانات، فكذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها في حكم المضمونات» (١).
° الراجح:
أن الإشهاد مستحب، وتركه لا يوجب الضمان؛ لأن تعريفها واجب عليه، وهو أبلغ من الإشهاد؛ لأنه إشهاد متكرر على مدار العام، والله أعلم.
* * *
стр. 9801
الفصل الرابع
في تملك اللقطة
المبحث الأول
في تملك اللقطة إذا قام بتعريفها
اللقطة بعد التعريف مال لا مالك له وواجده أحق به ما لم يظهر صاحبه.
[م-٢٠٠٥] اختلف العلماء في اللقطة إذا عرفها الملتقط ومضى عليها حول هل يمتلكها بالتعريف؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
أن اللقطة لا تملك بالتعريف مطلقًا عرضًا كانت أو أثمانًا، لكن له أكلها إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًا كان مخيرًا بين حفظها لصاحبها، وبين التصدق بها بشرط الضمان. وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواه حنبل عن أحمد، وأنكره الخلال، وقال: ليس هذا مذهبًا لأحمد (٢).
стр. 9802
جاء في النتف في الفتاوى: «قال أبو حنيفة وأصحابه يعرفها، فإن لم يجد من يعرفها يتصدق بها، وإن كان فقيرًا فأكلها جاز، فإن جاء صاحبها خيره بين الضمان والأجر» (١).
القول الثاني:
كل ما جاز التقاطه فإن له أن يملكه إذا قام بتعريفه عرضًا كان أو أثمانًا، وهو مذهب المالكية والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، ورجحه ابن قدامة، ووهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٢).
جاء في الشرح الكبير للدردير: «وله حبسها بعده: أي بعد تعريفها السنة، أو التصدق بها عن ربها أو نفسه، و التملك: بأن ينوي تملكها، للملتقط هذه الأمور الثلاثة» (٣).
وكره مالك استنفاقها كراهة تنزيهية، قال ابن جزي: «ذا عرف بها سنة فلم يأت صاحبها فهو مخير بين ثلاثة أشياء أن يمسكها في يده أمانة أو يتصدق بها ويضمنها أو يتملكها وينتفع بها ويضمنها على كراهة لذلك» (٤).
стр. 9803
فصرح ابن جزي أن تملكها والانتفاع بها أن ذلك يجعله ضامنًا لها، وقوله: (على كراهة لذلك) يعني أن مالكًا يكره تملك اللقطة، ويفضل عليه حفظها لصاحبها أو التصدق بها وذلك خوفًا من أن يعوزه ضمانها إذا ظهر صاحبها.
قال في التاج والإكليل: «إنما كره له أكلها بعد التعريف مخافة أن يأتي صاحبها فيجده عديمًا لا شيء له، ولو علم أنه لا يجد صاحبها أبدا لما كره له أكلها» (١).
وقال النووي: «يجوز تملك اللقطة بعد التعريف، سواء كان الملتقط غنيًا أو فقيرًا» (٢).
قال ابن قدامة في المغني: «وكل ما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه، أثمانا كانت أو غيرها، هذا كلام الخرقي، فإن لفظه عام في كل لقطة. وقد نقل ذلك عن أحمد» (٣).
стр. 9804
وجاء في كشاف القناع: «ولو كانت اللقطة عروضًا فهي كالأثمان؛ لعموم الأحاديث التي في اللقطة جميعها» (١).
القول الثالث:
أن اللقطة لا تملك إلا إذا كانت من الأثمان كالدراهم والدنانير، فإن كانت عروضًا أو ضالة لم يملكها، ولا يجوز له الانتفاع بها غنيًا كان أو فقيرًا. وهذا هو مذهب الحنابلة (٢).
قال في المقنع شرح مختصر الخرقي: «والمذهب أنها لا تملك إلا إذا كانت أثمانًا» (٣).
قال في الإنصاف: «وعن الإمام أحمد: لا يملك إلا الأثمان، وهي ظاهر المذهب» (٤).
وقال ابن قدامة: «قال أكثر أصحابنا: لا يملك غير الأثمان؛ لأن الخبر ورد فيها، ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه؛ لعدم تعلق الغرض بعينها، فلا يقاس عليها غيرها» (٥).
стр. 9805
وقال العكبري في رؤوس المسائل: «إذا وجد لقطة فعرفها، ولم يجئ صاحبها، فإن كانت دراهم أو دنانير ملكها، وجاز الانتفاع بها، غنيًا كان أو فقيرًا، وإن كانت عروضًا أو حليًا، أو ضالة لم يملكها، ولم يجز له الانتفاع بها غنيًا كان أو فقيرًا» (١).
وذكر ابن قدامة بأن هذا القول للإمام أحمد قول قديم، وقد رجع عنه (٢).
دليل من قال: لا تملك اللقطة بالتعريف مطلقًا:
الدليل الأول:
(ث-٣٠٩) ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة
عن عمر بن الخطاب قال في اللقطة: يعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها فإن جاء صاحبها بعدما يتصدق بها خيره فإن اختار الأجر كان له وإن اختار المال كان له ماله (٣).
[صحيح موقوفًا].
ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا موقوف، والموقف لا يعارض السنة المرفوعة في الصحيحين وفي غيرهما.