← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

الفصل الرابع في تملك اللقطة المبحث الأول في تملك اللقطة إذا قام بتعريفها اللقطة بعد التعريف مال لا مالك له وواجده أحق به ما لم يظهر صاحبه. [م-٢٠٠٥] اختلف العلماء في اللقطة إذا عرفها الملتقط ومضى عليها حول هل يمتلكها بالتعريف؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أن اللقطة لا تملك بالتعريف مطلقًا عرضًا كانت أو أثمانًا، لكن له أكلها إن كان فقيرًا، وإن كان غنيًا كان مخيرًا بين حفظها لصاحبها، وبين التصدق بها بشرط الضمان. وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواه حنبل عن أحمد، وأنكره الخلال، وقال: ليس هذا مذهبًا لأحمد (٢).

стр. 9802

جاء في النتف في الفتاوى: «قال أبو حنيفة وأصحابه يعرفها، فإن لم يجد من يعرفها يتصدق بها، وإن كان فقيرًا فأكلها جاز، فإن جاء صاحبها خيره بين الضمان والأجر» (١). القول الثاني: كل ما جاز التقاطه فإن له أن يملكه إذا قام بتعريفه عرضًا كان أو أثمانًا، وهو مذهب المالكية والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، ورجحه ابن قدامة، ووهو المشهور عند المتأخرين من الحنابلة (٢). جاء في الشرح الكبير للدردير: «وله حبسها بعده: أي بعد تعريفها السنة، أو التصدق بها عن ربها أو نفسه، و التملك: بأن ينوي تملكها، للملتقط هذه الأمور الثلاثة» (٣). وكره مالك استنفاقها كراهة تنزيهية، قال ابن جزي: «ذا عرف بها سنة فلم يأت صاحبها فهو مخير بين ثلاثة أشياء أن يمسكها في يده أمانة أو يتصدق بها ويضمنها أو يتملكها وينتفع بها ويضمنها على كراهة لذلك» (٤).

стр. 9803

فصرح ابن جزي أن تملكها والانتفاع بها أن ذلك يجعله ضامنًا لها، وقوله: (على كراهة لذلك) يعني أن مالكًا يكره تملك اللقطة، ويفضل عليه حفظها لصاحبها أو التصدق بها وذلك خوفًا من أن يعوزه ضمانها إذا ظهر صاحبها. قال في التاج والإكليل: «إنما كره له أكلها بعد التعريف مخافة أن يأتي صاحبها فيجده عديمًا لا شيء له، ولو علم أنه لا يجد صاحبها أبدا لما كره له أكلها» (١). وقال النووي: «يجوز تملك اللقطة بعد التعريف، سواء كان الملتقط غنيًا أو فقيرًا» (٢). قال ابن قدامة في المغني: «وكل ما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه، أثمانا كانت أو غيرها، هذا كلام الخرقي، فإن لفظه عام في كل لقطة. وقد نقل ذلك عن أحمد» (٣).

стр. 9804

وجاء في كشاف القناع: «ولو كانت اللقطة عروضًا فهي كالأثمان؛ لعموم الأحاديث التي في اللقطة جميعها» (١). القول الثالث: أن اللقطة لا تملك إلا إذا كانت من الأثمان كالدراهم والدنانير، فإن كانت عروضًا أو ضالة لم يملكها، ولا يجوز له الانتفاع بها غنيًا كان أو فقيرًا. وهذا هو مذهب الحنابلة (٢). قال في المقنع شرح مختصر الخرقي: «والمذهب أنها لا تملك إلا إذا كانت أثمانًا» (٣). قال في الإنصاف: «وعن الإمام أحمد: لا يملك إلا الأثمان، وهي ظاهر المذهب» (٤). وقال ابن قدامة: «قال أكثر أصحابنا: لا يملك غير الأثمان؛ لأن الخبر ورد فيها، ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه؛ لعدم تعلق الغرض بعينها، فلا يقاس عليها غيرها» (٥).

стр. 9805

وقال العكبري في رؤوس المسائل: «إذا وجد لقطة فعرفها، ولم يجئ صاحبها، فإن كانت دراهم أو دنانير ملكها، وجاز الانتفاع بها، غنيًا كان أو فقيرًا، وإن كانت عروضًا أو حليًا، أو ضالة لم يملكها، ولم يجز له الانتفاع بها غنيًا كان أو فقيرًا» (١). وذكر ابن قدامة بأن هذا القول للإمام أحمد قول قديم، وقد رجع عنه (٢). دليل من قال: لا تملك اللقطة بالتعريف مطلقًا: الدليل الأول: (ث-٣٠٩) ما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة عن عمر بن الخطاب قال في اللقطة: يعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها فإن جاء صاحبها بعدما يتصدق بها خيره فإن اختار الأجر كان له وإن اختار المال كان له ماله (٣). [صحيح موقوفًا]. ويجاب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا موقوف، والموقف لا يعارض السنة المرفوعة في الصحيحين وفي غيرهما.

стр. 9806

الوجه الثاني: أن عمر قد جاء عنه مرفوعًا وموقوفًا أنه يملكها بالتعريف، وسوف يأتي ذكر ذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: (ث-٣١٠) ما رواه الطحاوي من طريق شعبة عن أبي إسحاق الهمداني، عن عاصم بن ضمرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إني وجدت صرة من دراهم، فعرفتها، فلم أجد أحدا يعرفها، فقال: تصدق بها، فإن جاء صاحبها ورضي كان له الأجر، وإلا غرمتها، وكان لك الأجر (١). [حسن] (٢). الدليل الثالث: (ث-٣١١) ما رواه الطحاوي من طريق علي بن معبد حدثنا عبيدة بن

стр. 9807

حميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في الرجل يجد اللقطة قال: يعرفها، فإن لم يجد صاحبها تصدق بها، فإن جاء صاحبها خيره، فإن شاء كان له الأجر، وإن شاء أعطاه الثمن، وكان له الأجر (١). [حسن]. والجواب عن الأثرين كالجواب عن الدليل الأول، ويضاف بأن التصدق لا ينكر أنه أحد الخيارات المتاحة للملتقط، وهو أرفعها، فربما كانت هذه الآثار تدله على ما هو الأفضل له، وهو لا ينافي صحة التملك باعتبار اللقطة مالًا لا مالك له بعد أن عرفت فلم تعرف. ° دليل من قال: تملك اللقطة بالتعريف عرضًا كانت أو أثمانًا: الدليل الأول: (ح-١٢٢٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﵇، فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ... (٢). وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن به: بلفظ: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها، فأدها إليه (٣).

стр. 9808

وكذا رواه البخاري من طريق سفيان، عن ربيعة (١). ورواه مسلم من طريق بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سئل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، فإن لم تعترف، فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها، فأدها إليه (٢). ورواه أبو داود في السنن من طريق عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، وفيه: فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم أفضها في مالك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه (٣). وعبد الله بن يزيد يعتبر به، وقد سبقت ترجمته. قال الخطابي في معالم السنن: «ثم افضها في مالك معناه ألقها في مالك واخلطها به، من قولك: فاض الأمر والحديث إذا انتشر وشاع» (٤). والاختلاف في هذه الألفاظ كلها من الرواية بالمعنى، فالاستمتاع بها، أو استنفاقها، أو إفاضتها في المال، أو الأمر بأكلها، كلها هذه الروايات بمعنى ما رواه مالك من قوله: فشأنك بها. الدليل الثاني: (ح-١٢٢٧) ما رواه البخاري ومسلم عن محمد بن بشار، عن محمد بن

стр. 9809

جعفر، عن شعبة، عن سلمة، سمعت سويد بن غفلة، قال: لقيت أبي بن كعب ﵁، فقال: أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي ﵇، وفيه: فقال: احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها (١). وجه الاستدلال: قال الخطابي: «وفي قوله: (فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها) دليل على أن له أن يتملكها بعد السنة ويأكلها بعد السنة إن شاء غنياً كان الملتقط لها أو فقيرًا» (٢). الدليل الثالث: (ح-١٢٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﵇: من وجد لقطة، فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، فلا يكتم، وهو أحق بها، وإن لم يجئ صاحبها، فإنه مال الله يؤتيه من يشاء (٣). [صحيح، وسبق تخريجه] قوله: (من وجد لقطة) من ألفاظ العموم، فيشمل العروض والأثمان. الدليل الرابع: (ح-١٢٢٩) ما رواه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله ﷺ ،

стр. 9810

وفيه: قال: يا رسول الله، اللقطة نجدها في سبيل العامرة؟ قال: عرفها حولا، فإن وجد باغيها، فأدها إليه، وإلا فهي لك ... الحديث (١). [حسن في الجملة] (٢). وجه الاستدلال: أن السؤال كان عن اللقطة توجد في السبيل العامرة، فشمل بهذا الأثمان وغيرها، والله أعلم. الدليل الخامس: (ح-١٢٣٠) ما أخرجه النسائي في الكبرى من طريق الوليد بن كثير، عن عمرو بن شعيب، عن عمرو وعاصم ابني سفيان بن عبد الله، عن أبيهما سفيان بن عبد الله الثقفي أنه التقط عيبة، فلقي بها عمر، فقال لي: عرفها حولا، فلما كان عند قرن الحول لقيته بها، فقلت: إني قد عرفتها، فلم تعترف، فقال: هي لك، إن رسول الله ق أمرنا بذلك، قلت: لا حاجة لي بها، فأمر بها فألقيت في بيت المال (٣). [عمرو وعاصم ابنا سفيان لم يوثقهما إلا ا بن حبان لكنه شاهد صالح للأحاديث السابقة] (٤).

стр. 9811

الدليل السادس: ولأن الالتقاط اكتساب أباحه الشرع فوجب أن يستوي فيه الأغنياء والفقراء كالاحتشاش والاحتطاب. الدليل السابع: إذا جاز للملتقط أن يتصدق باللقطة جاز له أن يأكلها كالفقير. ° دليل من قال: لا يملك من اللقطة إلا الأثمان: (ح-١٢٣١) ما رواه البخاري ومسلم عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة، سمعت سويد بن غفلة، قال: لقيت أبي بن كعب ﵁، فقال: أخذت صرة مائة دينار، فأتيت النبي ﵇، وفيه: فقال: احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها (١). وجه الاستدلال: بأن الخبر ورد في الأثمان، وغيرها لا يساويها؛ لعدم الغرض المتعلق بعينها، بخلاف غيرها. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن حديث زيد بن خالد وحديث عياض بن حمار وغيرهما من الأحاديث عامة في اللقطة فتشمل الأثمان وغيرها.

стр. 9812

الوجه الثاني: أن حديث أبي بن كعب وإن كان وقع في الأثمان فهو فرد من أفراد العام، أو المطلق، فإذا ورد حديث مطلق أو عام، ثم ورد حديث في فرد من أفراد العام أو المطلق لم يقتض ذلك تخصيصًا للعام أو تقييدًا للمطلق؛ لأن حكم الجزء موافق لحكم الكل، فالله تعالى حين قال ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] لم يقتض ذكر الوسطى تخصيص المحافظة عليها دون بقية الصلوات المفروضة، والله أعلم. كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا وكان من الطلبة لم يقتض ذلك تخصيص الإكرام بزيد، والله أعلم. الدليل الثاني: أنها لقطة لا تملك في الحرم فلا تملك في غيره. ويناقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: على القول بالتفريق بين لقطة الحرم وغيره فإن الأثمان لا تملك في الحرم أيضًا فكيف صح تملكها في غيره؟ الوجه الثاني: لو اختص الخبر بالأثمان، لوجب أن يقاس عليها ما كان في معناها، كسائر النصوص التي عقل معناها ووجد في غيرها، وهاهنا قد وجد المعنى، فيجب قياسه على المنصوص عليه.

стр. 9813

الوجه الثالث: إذا صح تملك التقاط الشاة بالالتقاط، وهي ليست من الأثمان لقوله ﵇: هي لك أو لأخيك أو للذئب صح التقاط غيرها. الوجه الرابع: القول بعدم تملكها بالتعريف يؤدي إلى أحد أمرين: إما أن يلتقطها وينادي عليها دائمًا بانتظار صاحبها، وهذا يؤدي إلى تعطيل ماليتها وبالتالي هلاكها على صاحبها، وعلى ملتقطها، فإذا أبيح له تملكها بعد تعريفها أدى ذلك إلى الانتفاع بها، وحفظ ماليتها على صاحبها وذلك بدفع قيمتها إليه عند العثور عليه. وإما أن يتركها فيؤدي ذلك إلى ضياعها، وقد نهى الشرع عن إضاعة المال؛ لأن المسلم إذا علم أنه لن يملكها بالتقاطها، وسوف يتحمل بالتقاطها تعريفها الدائم كان في التقاطها مشقة وكلفة من غير نفع يصل إليه فيؤدي إلى أن لا يلتقطها أحد لتعريفها فتضيع، بخلاف ما إذا قيل للملتقط: إذا عرفتها، فلم يأت صاحبها فهي لك، كان في ذلك حث على التقاطها وحفظها وتعريفها، لكونه وسيلة إلى الملك المقصود للآدمي. ° الراجح: أن الملتقط مخير بين ثلاثة أشياء، تملكها، أو التصدق بها بشرط ضمانها، أو حفظها لصاحبها، والله أعلم. * * *

стр. 9814

المبحث الثاني في وقوف تملك اللقطة على نية الملتقط أو لفظه النية في اللقطة مؤثرة، فإن أخذها بنية تعريفها جاز، وإن أخذها بنية تملكها مباشرة حرم. الملك نوعان: متلقى من الشرع كالإرث فلا يفتقر إلى نية، واكتساب من العبد فلا يملك إلا بالنية. [م-٢٠٠٦] هذه المسألة لا تتنزل على مذهب الحنفية القائلين بأن اللقطة لا يمتلكها بالتعريف، وأما القائلون بأن اللقطة تملك بالتعريف فقد اختلفوا في صفة دخول اللقطة ملك الملتقط على أقوال أربعة: القول الأول: يشترط التلفظ بالتملك، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١). قال النووي في الروضة: ««يجوز تملك اللقطة بعد التعريف، سواء كان الملتقط غنيًا أو فقيرًا ومتى تملك؟ فيه أوجه. أصحها: لا تملك إلا بلفظ، كقوله: تملكت ونحوه» (٢).

стр. 9815

° حجة هذا القول: الدليل الأول: أن التملك في اللقطة يعتبر تملك مال ببدل أي بشرط دفع بدله عند وجود صاحبه فيفتقر إلى لفظ كالتملك بالشراء. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن البيع والشراء عقد بين طرفين قائم على الإيجاب والقبول، وتملك اللقطة ليس عقدًا. الوجه الثاني: لو كانت تملك اللقطة شراءً لاشترط في صحته معرفتها حتى لو جهلت لم يصح التملك، مع أن معرفتها إنما هو شرط لاستهلاكها ليعلم ما يرده إلى مالكها، وليس شرطًا في صحة تملكها، والله أعلم. الدليل الثاني: أن نية التملك لا يستفاد منها الملك، كما أن نية الطلاق أو البيع لا يقع بها طلاق، ولا بيع، فلا بد من لفظ لحصول الملك. ويناقش: بأن النية في اللقطة مؤثرة في الحكم، فإن أخذها الملتقط بنية تعريفها جاز له التقاطها، وإن أخذها بنية تملكها مباشرة حرم عليه ذلك وكان بمنزلة الغاصب، فلو تلفت ضمنها مطلقًا ولو لم يتعد أو يفرط، فإذا كانت النية مؤثرة في حكم الالتقاط كانت النية مؤثرة في تملكها من باب أولى، والله أعلم.

стр. 9816

القول الثاني: يحصل الملك بنية التملك، وإن لم يتلفظ بها، وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية (١). قال الدردير: «وله حبسها بعده: أي بعد تعريفها السنة، أو التصدق بها عن ربها أو نفسه، أو التملك: بأن ينوي تملكها، فللملتقط هذه الأمور الثلاثة» (٢). وقال ابن شاس: «فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها» (٣). ° حجة هذا القول: قوله ﵇ في حديث زيد بن خالد الجهني: (فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) فالحديث ظاهر في التخيير بين التملك وتركه. القول الثالث: يحصل الملك بثلاثة أشياء: بمضي السنة، ولفظ التملك، والتصرف الذي يزيل الملك، وهذا قول في مذهب الشافعية (٤).

стр. 9817

° وجه هذا القول: أما اعتبار اللفظ فقد سبق بيان وجه اعتباره، وأما اعتبار التصرف فقد خرجوه على قاعدة القرض؛ فإن اللقطة تملك ملك القروض، والقرض عند الشافعية يجب رده بعينه ما دام باقيًا، فإذا استهلكه وجب رد بدله، فكان رد البدل متوقفًا على التصرف في عينه، فكذلك اللقطة لا تملك إلا بالتصرف فيها الموجب لرد بدلها، وقد سبق بيانه في عقد القرض. القول الثالث: تدخل ملكه بمضي السنة بعد التعريف حكمًا، وهذا مذهب الحنابلة، واختاره أبو سعيد الاصطخري من الشافعية (١). قال ابن قدامة: «فإن لم تعرف دخلت في ملك الملتقط عند الحول حكما كالميراث» (٢). ° دليل الحنابلة على دخولها في ملكه من غير اختيار: الدليل الأول: (ح-١٢٣٢) ما رواه مسلم من طريق وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي بن كعب، وفيه: فإن جاء أحد يخبرك بعددها

стр. 9818

ووعائها ووكائها فأعطها إياه، وإلا فهي كسبيل مالك (١). الدليل الثاني: أن تملك اللقطة من باب الاكتساب الذي أباحه الشرع فلا يعتبر فيه اختيار التمليك والقبول كالصيد والاحتشاش، والاحتطاب، والركاز. ° الراجح: الخلاف له ثمرة، وذلك أنه إذا قام بتعريفها، فإن قلنا: لا يملكها إلا بالنية، فتلفت قبل أن ينوي تملكها بلا تعد منه ولا تفريط لم يضمنها؛ لأنها أمانة في يده، وإن قلنا: إنه يملكها قهرًا بغير اختيار، فإذا تلفت بعد السنة تلفت من ماله؛ لدخولها في ملكه فيجب عليه ضمانها حتى ولو لم يتعد أو يفرط، إذا علم ذلك نقول: إن قياس ملك اللقطة على ملك الإرث قياس مع الفارق فالملك في الميراث متلقى من الشرع، فلا يمكن دفعه، والملك في اللقطة إذا قلنا: إنه اكتساب فهو ملك متلقى بفعل الملتقط، فإذا كان الملتقط لا يريد هذا الملك لم يجبر عليه، فلا تدخل اللقطة في ملكه إلا بإرادته، فإن أراد حفظها لصاحبها كانت بمنزلة الوديعة في يده، وإن أراد التصدق بها فله ذلك بشرط ضمانها إن وجد مالكها، وإن أراد تملكها كان له ذلك، والفعل الأول والثالث لا يتميز إلا بالنية، فإن قال: أردت حبسها لصاحبها لم تدخل ضمانه، وإن قال: أردت تملكها والانتفاع بها ضمن بدلها لصاحبها إذا تلفت، فكان كل ذلك متوقف على النية، والله أعلم. * * *

стр. 9819

المبحث الثالث إذا جاء صاحبها بعد التعريف تعريف اللقطة لا ينفي حق مالكها إذا أتى يطلبها. مالك اللقطة أحق بها من واجدها قبل التعريف وبعده. [م-٢٠٠٧] إذا جاء مالك اللقطة بعد تعريفها حولًا كاملًا، فهل يجب على الملتقط أن يردها إليه؟ اختلف العلماء في ذلك، وسبب الخلاف: هل تعريف اللقطة ينقل الملك نقلًا مطلقًا من صاحبها إلى واجدها، بحيث تنقطع علاقة مالكها بهذا المال بعد تعريفها، أو أن الملك انتقل إلى الواجد بشرط عدم ظهور صاحبها، فكان الملتقط أحق بهذا المال من غيره لعثوره عليه، ولقيامه بتعريفه، فإذا ظهر مالكه لم يكن لأحد أن ينازعه في ملكية ماله كامرأة المفقود إذا تزوجت، ثم رجع زوجها الأول. في هذه المسألة اختلف العلماء على قولين: القول الأول: يجب رد العين إن كانت موجودة، أو رد بدلها إن كان قد تصرف فيها، وهذا قول الجمهور، واختيار ابن حزم من الظاهرية (١).

стр. 9820

جاء في النتف في الفتاوى: «قال أبو حنيفة وأصحابه يعرفها، فإن لم يجد من يعرفها يتصدق بها، وإن كان فقيرًا فأكلها جاز، فإن جاء صاحبها خيره بين الضمان والأجر» (١). وقال الباجي في المنتقى: «جواز الاستنفاق على معنى الاستسلاف لها، وأنه متى أتى صاحبها كان له أخذها .... ومن استنفقها بعد الاجتهاد في التعريف على ما أمر به النبي ﵇ فلا إثم عليه، ومتى أتى صاحبها أداها إليه» (٢). وجاء في الحاوي: «فإن جاء صاحبها، وإلا فهي له بعد سنة على أنه متى جاء صاحبها في حياته أو بعد موته فهو غريم إن كان استهلكها» (٣). جاء في الإنصاف: «لو أدركها ربها بعد الحول مبيعة أو موهوبة فليس له إلا البدل كما في التلف» (٤). قال ابن حزم: «فإن لم يأت أحد يصدق في صفته بما ذكرنا، ولا بينة فهو عند تمام السنة مال من مال الواجد غنيًا كان أو فقيرًا يفعل فيه ما شاء، ويورث عنه، إلا أنه متى قدم من يقيم فيه بينة أو يصف شيئا مما ذكرنا فيصدق ضمنه له إن كان حيًا، أو ضمنه له الورثة إن كان الواجد له ميتًا» (٥).

стр. 9821

° دليل الجمهور على ضمان اللقطة إذا جاء صاحبها: الدليل الأول: (ح-١٢٣٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى ﵇، فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها (١). وجه الاستدلال: قوله: (فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)، وفي رواية: فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها). فالكلام فيه حذف وتقدير: فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإن لم يأت صاحبها فشأنك بها، أو فاستمتع بها على الرواية الأخرى، فكان الاستمتاع بها مشروطًا بأن لا يأتي صاحبها، فإن أتى صاحبها وجب دفعها إليه. قال ابن مالك في توضيحه: «تضمَّن هذا الحديث حذف جواب (إنْ) الأولى وحذف شرط (إنْ) الثانية، وحذف الفاء من جوابها، فإن الأصل: فإنْ جاء، صاحبُها أخذها وإلا يجئ فاسْتمتعْ بها» (٢). ويناقش: بأن الحديث تضمن جملًا، منها:

стр. 9822

أولًا: معرفة عفاصها ووكائها. ثانيًا: القيام بتعريفها، فإن جاء صاحبها دفعها إليه. ثالثًا: إذا عرفها فلم يأت صاحبها ملكها. وسكت عن حالة ما لو أتى صاحبها بعد تعريفها. ويجاب: على التسليم بأنه سكت عن ملكيته لها بعد تعريفها فإن الحديث لم ينف ملكية صاحبها لها، وقد ثبت حق المالك لماله قبل التعريف وأثناء التعريف، فيستصحب ذلك حتى يأتي ما ينقل ملكيته لماله بعد التعريف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ملكية الملتقط مشروطة بشرطين: الأول: التعريف. والثاني: ألا يأتي صاحبها، فإذا جاء صاحبها لم يتحقق شرط انتقال ملكيتها إلى الملتقط، وإذا كان صاحبها أحق بها قبل استهلاكها فكذلك إذا جاء بعد استهلاكها؛ لأنه لا يمكن أن يكون الاستهلاك سببًا في إسقاط ملكية صاحبها لماله، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-١٢٣٤) ما رواه مسلم حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث، أنه سمع زيد بن خالد الجهني صاحب رسول الله ﵇ يقول: سئل رسول الله ﵇ عن اللقطة الذهب أو الورق، فقال: اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم

стр. 9823

تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه ... الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله: (فلتكن وديعة عندك) وقوله: (فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه) كل هذا يدل على أن اللقطة تمتلك بشرط ضمانها. والبخاري وإن لم يخرج هذه اللفظة إلا أنه قد ترجم لها في صحيحه بقوله: باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه؛ لأنها وديعة. قال ابن الجوزي: قوله: «(فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه) رد صريح لمذهب داود، فإن عنده إذا جاء صاحبها بعد الحول لم يغرم له» (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن جملتي: (فلتكن وديعة عندك) وجملة (فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه) انفرد فيها سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يزيد مولى المنبعث، وقد رواه ربيعة الرأي عن يزيد كما في الصحيحين، ولم يذكر ما ذكره سليمان بن بلال عن يحيى، والقصة واحدة، كما أن سليمان بن بلال قد اختلف عليه في ذكرها، فقد رواه البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد به، ولفظه: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، يقول يزيد: إن لم تعرف استنفق بها صاحبها، وكانت

стр. 9824

وديعة عنده، قال يحيى: فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله ﵇ هو، أم شيء من عنده؟ فالتفرد والشك هل هي من الحديث أم من قول يزيد يجعل العبارة غير محفوظة من حديث زيد بن خالد الجهني. كما خالف سليمان بن بلال كل من حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، فقد روياه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يذكرا ما ذكره سليمان بن بلال: فرواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، وفيه: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها، ووكاءها فأعطه إياها، وإلا فهي لك) (١). كما رواه سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد كما في صحيح البخاري (٢)، بلفظ: اعرف وكاءها وعفاصها وعرفها سنة، فإن جاء من يعرفها وإلا فاخلطها بمالك، فلم يذكرا في رواية يحيى بن سعيد (فلتكن وديعة عندك) ولا قوله (فإن جاء يومًا من الدهر) إلا أن ابن عيينة رواه عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث مرسلًا، أن النبي ﵇، ولم يذكر زيد بن خالد (٣).

стр. 9825

وأما قوله: (فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه) فلعله من الرواية بالمعنى، حيث لم يقل أحد ممن روى حديث زيد بن خالد لفظة (يومًا من الدهر) إلا يحيى بن سعيد، تفرد بذلك عنه سليمان بن بلال على اختلاف عليه فيه، والذي يرجح ذلك أن الحديث لا يحتمل تعدد القصة، فإذا كانت القصة واحدة، وانفرد راو عن بقية الثقات بلفظة كان الحكم للأحفظ والأكثر عدداً، ويحيى بن سعيد تارة يرسله، وتارة يوصله، كل هذا يجعل رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد مما انفرد فيه يوجب التوقف فيه، والله أعلم. وفي المتواري على أبواب البخاري «في بعض طرقه أنها وديعة من رواية سليمان بن بلال لكن شك يحيى بن سعيد عن يزيد: هل الزيادة من الراوي، أو من النبي ﵇؟ فأسقطها البخاري من الترجمة لفظًا، وضمنها معنى في صيغة التعليل بقوله: (لأنها وديعة) إذ ردها إلى صاحبها أو عرفها له إن استنفقها يدل على بقاء ملكه، خلافا لمن أباحها بعد الحول، بلا ضمان» (١). الوجه الثاني: أن هناك فرقًا بين الوديعة واللقطة، فالوديعة عقد يقوم على الحفظ فقط، وليس للمودع حق التصرف في عينها، وليست مضمونة إلا بالتعدي أو التفريط، وإذا تصرف فيها كانت دينًا في ذمته، والوديعة تتعلق بالأعيان وليست بالديون، بينما اللقطة ليست عقدًا، ويملك الملتقط العين بعد التعريف، ويتصرف فيها كما يتصرف في أمواله، وتصرفه فيها بإذن الشرع، وإذن الشرع في التصرف فيها لا يمنع من ضمانها متى ما ظهر مالكها؛ وإذا استهلكها صارت دينًا في ذمته،

стр. 9826

والوديعة لا تتعلق بالديون، لهذا لا يمكن أن يقال: إن اللقطة وديعة عند الملتقط، وهذا الوصف الفقهي يؤيد أن قوله: (فلتكن وديعة عندك) مدرجة من قول الراوي، وليست من قول المعصوم ﵇. ورد هذا: بأن «قوله (ولتكن وديعة عندك) يحتمل أن يراد بذلك: بعد الاستنفاق ويكون قوله: (ولتكن وديعة عندك) فيه مجاز في لفظ الوديعة فإنها تدل على الأعيان، وإذا استنفق اللقطة لم تكن عينا فتجوَّز بلفظ الوديعة .... ويحتمل أن يكون قوله (ولتكن) الواو فيه بمعنى (أو) فيكون حكمها حكم الأمانات والودائع فإنه إذا لم يتملكها بقيت عنده على حكم الأمانة، فهي كالوديعة» (١). الدليل الثالث: (ح-١٢٣٥) ما رواه النسائي في الكبرى من طريق عمرو بن الحارث، وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا، أتى رسول الله ﵇ فقال: كيف فيما وجد في الطريق الميتاء أو في القرية المسكونة؟ قال: عرف سنة، فإن جاء باغية فادفعه إليه وإلا فشأنك به، قال: فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه، وما كان في الطريق غير الميتاء، وفي القرية غير المسكونة ففيه، وفي الركاز الخمس (٢).

стр. 9827

[إسناده حسن في الجملة] (١). الدليل الرابع: (ح-١٢٣٦) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سئل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، فإن لم تعترف، فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها، فأدها إليه (٢). وجه الاستدلال: قال ابن حجر في الفتح: «ظاهر قوله (فإن جاء صاحبها ... ) إلخ بعد قوله: (كلها) يقتضي وجوب ردها بعد أكلها، فيحمل على رد البدل ويحتمل: أن يكون في الكلام حذف يدل عليه بقية الروايات والتقدير: فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها إن لم يجئ صاحبها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه. وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: (فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها فإن جاء باغيها فأدها إليه) (٣)، فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده وهي أقوى حجة للجمهور» (٤).

стр. 9828

ويناقش: بأن هذا اللفظ هو أحد ألفاظ حديث زيد بن خالد الجهني، والأمر بأكلها من حديث زيد بن خالد الجهني قد تفرد به بسر بن سعيد، وقد رواه عن زيد بن خالد يزيد مولى المنبعث في الصحيحين، ولم يذكر الأكل، فلعل ذلك من الرواية بالمعنى لقوله ﵇: (فشأنك بها)، هذا لفظ مالك، عن ربيعة، عن يزيد مولى المبنعث، عن زيد بن خالد. الدليل الخامس: (ح-١٢٣٧) ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن يزيد، عن أبيه يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، وفيه: تعرفها حولا، فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم أفضها في مالك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه (١). [إسناده صالح في المتابعات في الجملة، وهذا اللفظ هو أحد ألفاظ حديث زيد بن خالد الجهني، إلا أن قوله: (فإن جاء صاحبها) مرتين: مرة بعد التعريف، ومرة بعد التملك مخالف لرواية الثقات الحفاظ كرواية مالك، وإسماعيل بن جعفر، والثوري وغيرهم في روايتهم عن ربيعة الرأي، كما أنه مخالف لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما (ربيعة ويحيى بن سعيد) روياه عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد وليس فيه (فإن جاء صاحبها) إلا مرة واحدة، وقد سبق تخريج كل ذلك فيما سبق فأغنى ذلك عن تفصيله، والله أعلم] (٢).

стр. 9829

الدليل السادس: حكى بعض العلماء الإجماع على أن لصاحبها الحق في المطالبة باللقطة. قال ابن بطال: «أجمع أئمة الفتوى على أن اللقطة إذا عرفها سنة وانتفع بها وأنفقها بعد السنة ثم جاء صاحبها أنه يرد عليها قيمتها ويضمنها له، وليس قوله: (فشأنك بها) يبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها؛ لما ثبت عنه ﵇ في اللقطة: (فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه؛ لأنها وديعة عند ملتقطها) .... وخرق الإجماع رجل نُسب إلى العلم يعرف بداود بن على، فقال: إذا جاء صاحبها بعد السنة لم يضمنها ملتقطها؛ لأن النبي ﵇ أطلقه على ملكها بقوله: (فشأنك بها) فلا ضمان عليه، ولا سلف له في ذلك إلا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه، أعاذنا الله من اتباع الهوى والابتداع في دينه مما لم يأذن فيه » (١). وقال ابن عبد البر: «وهذا معناه عند الجميع انطلاق يد الملتقط عليها بعد الحول بما شاء من الأكل لها واستنفاقها أو الصدقة بها ولكنه يضمنها إن جاء صاحبها بإجماع المسلمين» (٢). وقال أيضًا: «أجمعوا أن اللقطة ما لم تكن تافها يسيرا أو شيئا لا بقاء له فإنها تعرف حولا كاملا وأجمعوا على أن صاحبها إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه صاحبها وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول وأراد صاحبها أن يضمنه فإن ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن ينزل

стр. 9830

على أجرها فأي ذلك تخير كان ذلك له بإجماع» (١). والحق أن خلاف داود الظاهري وغيره من أهل العلم يخرق الإجماع؛ وإنما الإجماع ما أجمع عليه المسلمون، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وداود ﵀ من جملة المسلمين، فإذا خالف في مسألة فقهية، لم يكن ذلك سبيلًا مجمعًا عليه، وجزم ابن بطال بأن داود قال ذلك اتباعًا للهوى فيه ضيق وتعصب لا يحمد صاحبه، وما أدراك أنه قال ذلك اتباعًا للهوى، ولا يطلع على ذلك من داود إلا الله ، ولا يزال هذا الضيق والتعصب يتوارث بين أهل العلم وغيرهم إلا من رحم ربي، من ذلك العصر إلى عصرنا هذا، والحق لا يعرف بكثرة أتباعه، وإنما يعرف بدليله، فالله المستعان. القول الثاني: لا يجب ردها بعد تعريفها، اختاره الكرابيسي من الشافعية (٢). قال النووي في الروضة: «قال الكرابيسي من أصحابنا: لا يطالب بالقيمة، ولا برد العين عند بقائها» (٣).

стр. 9831

وفي تكملة المجموع: «وقال الكرابيسي: لا يلزمه ردها، ولا ضمان بدلها» (١). ° وجه قول الكرابيسي: أن الملتقط إذا قام بتعريفها سنة، ولم يأت صاحبها أثناء التعريف فقد اكتسب هذا المال، وصار من جملة أمواله، لقوله: (فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) وقوله: (وإلا فهي لك). ولأن اللقطة تملك كالركاز، فلما ملك الركاز بغير بدل كذلك يملك اللقطة بغير بدل. القول الثالث: يجب الرد مع بقاء العين ولا يجب عليه رد بدلها إذا استنفقت، وهذا قول داود الظاهري، وهو رواية عن أحمد (٢). جاء في قواعد ابن رجب: «اللقطة إذا قدم المالك بعد الحول والتملك، وقد

стр. 9832

تلفت، فالمشهور أنه يجب ضمانها للمالك، وذكر ابن أبي موسى رواية أخرى أنه لا يجب الضمان مع التلف، وإنما يجب الرد مع بقاء العين» (١). ° وجه هذا القول: إن كانت العين قائمة فهو أحق بها؛ لأنها عين ماله، وإن كان قد تصرف فيها لم يجب عليه بدلها لأن الشرع قد أذن في استنفاقها، والتصرف فيها، وما كان مأذونًا له فيه فإنه غير مضمون عليه، وليس في الأحاديث ما يدل على وجوب البدل. ° الراجح: أن مالك اللقطة أحق باللقطة من واجدها متى ما ظهر، فإن كانت العين قائمة كان له استردادها، وإن استهلكت، أو تصدق الواجد بها فعليه ضمانها، والله أعلم. * * *

стр. 9833

الفصل الخامس في نماء الضالة النماء تبع للضمان. اللقطة قبل التملك غير مضمونة فكان نماؤه لمالكها، وبعده مضمونة على الملتقط فكان نماؤها له. [م-٢٠٠٨] إذا كانت اللقطة أو الضالة لها نماء، وهذا النماء قد يكون متصلًا كالسمن، والتعليم، وقد يكون منفصلًا كالثمرة والولد، فمن يستحق هذا النماء، هل يستحقه الواجد؟ أو هو تبع للملك؟ هذا السؤال لا يوجه لمذهب الحنفية؛ لأن اللقطة ونماءها لا يملكهما الملتقط بالتعريف، وإنما يتوجه لمذهب الجمهور القائل بأن اللقطة تملك بالتعريف، إذا علم ذلك نأتي لبحث المسألة: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن الغلة تنقسم إلى أقسام: أحدها: الغلة التي جاءت عن طريق كراء الدابة ونحوها فله أن يكريها كراء مأمونًا (١)، لا يخشى عليه منه؛ لأجل علفها والنفقة عليها، وإنما جاز له الكراء

стр. 9834

مع أن ربها لم يوكله فيه؛ لأن البقر ونحوها لا بد لها من النفقة عليها فكان ذلك أصلح لربها، وما زاد من كرائها على علفها فهو لربها. الثاني: اللبن والزبد والجبن والسمن، فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه للملتقط وإن زاد على قيامه عليها وعلى علفها. القول الثاني: اختار ابن رشد وغيره أن له من الغلة بقدر علفها وقيامه عليها. الثالث: الصوف والوبر والنسل فله حكم اللقطة: أي أنه لصاحبها (١). جاء في الفواكه الدواني: «وله كراء بقر ونحوها في علفها كراء مضمونًا أي مأمونًا .... وللملتقط غلاتها من لبن وجبن، لا صوفها ولا نسلها ولا كراؤها الزائد على علفها فإنه لصاحبها» (٢). جاء في الشرح الصغير: «وله غلتها من لبن وسمن وإن زاد على علفها، لا: أي ليس له نسلها، وصوفها وشعرها» (٣). وعلق الصاوي في حاشيته، فقال: «قوله: (وإن زاد على علفها): أي وهو الموافق لرواية ابن نافع خلافا لظاهر نقل ابن رشد وسماع القرينين من أن له من

стр. 9835

الغلة بقدر علفه والزائد عليه لقطة معها. قال في الحاشية وفي كلام الأجهوري ميل لترجيح ما نقله ابن رشد» (١). القول الثاني: ذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة إلى أن النماء المتصل كالسمن فهذا لمالكها إذا استردها؛ لأنه لا يمكن انفصالها عنه؛ ولأنه يتبع في العقود والفسوخ بلا يمين ولا بينة. ولعموم لقوله ﵇ فإن جاء صاحبها فأدها إليه. وأما النماء المنفصل فإن حدث قبل التملك، كما لو حدث أثناء التعريف فهي للمالك، ولأن يد الملتقط قبل التملك يد أمانة، فلو هلكت بلا تعد ولا تفريط لم يضمن، فلا يملك شيئًا من العين ولا من نمائها. وإن كان النماء حدث بعد التعريف والتملك فهو للملتقط لا للمالك؛ لأنه نماء حصل في ملكه فيكون له، ولأن العين بعد التملك مضمونة على الملتقط مطلقًا حتى لو هلكت بلا تعد ولا تفريط، وإذا كانت مضمونة عليه فإن الخراج بالضمان (٢). قال النووي: «قال أصحابنا: إذا عرفها فجاء صاحبها في أثناء مدة التعريف أو بعد انقضائها وقبل أن يتملكها الملتقط فأثبت أنه صاحبها أخذها بزيادتها

стр. 9836

المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة كالسمن في الحيوان وتعليم صنعة ونحو ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن والصوف واكتساب العبد ونحو ذلك ..... وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة» (١). وقال ابن قدامة: «وإن جاء صاحبها، أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها ملكه، وإن جاء بعد تملكها أخذها؛ لقول النبي ﵇: «فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه» ويأخذها بزيادتها المتصلة؛ لأنها تتبع في الفسوخ، وزيادتها المنفصلة بعد تملكها لملتقطها؛ لأنها حدثت على ملكه، فأشبه نماء المبيع في يد المشتري» (٢). القول الثالث: أن النماء للمالك مطلقًا، من غير فرق بين كونه حدث قبل التملك أو بعده، وهذا قول في مذهب الحنابلة (٣). ° وجه هذا القول: أن التملك كان مستندًا إلى أن هذا المال لا مالك له، وقد تبين خطؤه بظهور صاحبها؛ لهذا نزعت منه، فكانت العين ونماؤها لصاحبها، وليس للواجد منها شيء. جاء في القواعد لابن رجب: «اللقطة إذا جاء مالكها وقد نمت نماء منفصلا فهل يسترده معها؟

стр. 9837

على وجهين خرجهما القاضي وابن عقيل من المفلس، وفرق بينهما صاحب المغني. ويحتمل الرجوع هنا بالزيادة المنفصلة وجهًا واحدًا؛ لأن تملكها إنما كان مستندًا إلى فقد ربها في الظاهر، وقد تبين خلافه، فانفسخ الملك من أصله لظهور الخطأ في مستنده، ووجب الرجوع بما وجده منها قائمًا، وهذا هو الذي ذكره ابن أبي موسى وذكر أصلا من كلام أحمد في طيرة فرخت عند قوم أنهم يردون فراخها» (١). ° الراجح: مللك نماء اللقطة بعد التعريف تبع للضمان، فإن قلنا: هي مضمونة عليه إذا ملكها الملتقط بعد التعريف فإن الخراج بالضمان، وأرى أنه في هذه الحالة لا فرق بين النماء المنفصل والمتصل خاصة إذا كان هذا النماء جاء ثمرة لجهود الملتقط، كالتسمين نتيجة التعليف ومثله التعليم، ويكون الملتقط شريكًا للمالك بقدر ما حصل له من زيادة في قيمة اللقطة، فإذا قيل: إن السلعة زادت بقدر الخمس، كان الواجد يملك من اللقطة خمسها ملكًا مشتركًا، وإن كانت الزيادة منفصلة استحقها كلها. وإن قلنا: إنه لا يضمن إذا تملك اللقطة، كانت العين بزوائدها لمالكها، ومسألة الضمان هي محل بحث في فصل مستقل، والله أعلم. * * *

стр. 9838

الفصل السادس في ضمان اللقطة المبحث الأول في ضمان اللقطة قبل تملكها الفرع الأول في ضمانها إذا التقطها للتعريف أو للحفظ [م-٢٠٠٩] إذا أخذ الملتقط اللقطة سواء أخذها لتعريفها عند القائلين بوجوب التعريف، وهم الجمهور (١). أو أخذها بنية الحفظ لصاحبها على القول بأن التعريف لا يجب إلا إذا أخذها بنية التملك بعد التعريف وهم الشافعية (٢)، فإن اللقطة أمانة في يده غير

стр. 9839

مضمونة عليه أثناء القيام بتعريفها أو أثناء حفظها لصاحبها، وهو قول الأئمة الأربعة على خلاف بينهم فيما إذا ادعى الملتقط أنه أخذها للحفظ، وكذبه المالك. فذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى أن المالك إذا كذب الملتقط صار ضامنًا إلا أن يشهد عند أخذ اللقطة فلا ضمان عليه خلافًا لأبي يوسف. وعند الجمهور تعرف نية الملتقط من جهته، فإذا قال الملتقط: إنه أخذها لا لنفسه، وإنما أخذها بنية تعريفها أو حفظها لصاحبها فالقول قوله؛ لأن نيته لا تعلم إلا من جهته، وسبق بحث هذه المسألة. جاء في الهداية: «اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها .... وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حجة في حقهما فصار كالبينة .... وإن لم يشهد الشهود عليه وقال الآخذ: أخذته للمالك، وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀: لا يضمن والقول قوله» (١). وقال ابن جزي: «وإن أخذها ليحفظها لمالكها، أو ليتأملها فهو أمين، ولا ضمان عليه» (٢). وقال القرافي: «إذا أخذ اللقطة صارت في يده أمانة كالوديعة» (٣).

стр. 9840

وقال ابن رشد: «العلماء اتفقوا على أن من التقطها وأشهد على التقاطها فهلكت عنده أنه غير ضامن، واختلفوا إذا لم يشهد: فقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: لا ضمان عليه إن لم يضيع، وإن لم يشهد. وقال أبو حنيفة، وزفر: يضمنها إن هلكت ولم يشهد. واستدل مالك والشافعي بأن اللقطة وديعة فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان» (١). وجاء في البيان في مذهب الإمام الشافعي: «وإذا التقط الرجل لقطة بنية التملك بعد التعريف، أو بنية الحفظ على صاحبها فإن اللقطة أمانة في يده مدة التعريف؛ لأن الحظ في التعريف لصاحبها، فهي كالوديعة. فإن تلفت في يده، أو نقصت من غير تفريط فلا ضمان عليه» (٢). وقال إمام الحرمين: «الملتقط وإن قصد التملك بعد السنة، فاللقطة أمانة في يده إذا لم يتعد» (٣). وقال ابن قدامة: «واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة» (٤). وبهذه النصوص عن الأئمة الأربعة علمنا أن اللقطة أمانة، إلا أنها أمانة بلا عقد من المالك، وإنما كان أمينًا بإذن الشارع له بأخذ المال، وذلك أن
следующие страницы →