← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

المتصلة والمنفصلة، فالمتصلة كالسمن في الحيوان وتعليم صنعة ونحو ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن والصوف واكتساب العبد ونحو ذلك ..... وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها بزيادتها المتصلة دون المنفصلة» (١). وقال ابن قدامة: «وإن جاء صاحبها، أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة؛ لأنها ملكه، وإن جاء بعد تملكها أخذها؛ لقول النبي ﵇: «فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه» ويأخذها بزيادتها المتصلة؛ لأنها تتبع في الفسوخ، وزيادتها المنفصلة بعد تملكها لملتقطها؛ لأنها حدثت على ملكه، فأشبه نماء المبيع في يد المشتري» (٢). القول الثالث: أن النماء للمالك مطلقًا، من غير فرق بين كونه حدث قبل التملك أو بعده، وهذا قول في مذهب الحنابلة (٣). ° وجه هذا القول: أن التملك كان مستندًا إلى أن هذا المال لا مالك له، وقد تبين خطؤه بظهور صاحبها؛ لهذا نزعت منه، فكانت العين ونماؤها لصاحبها، وليس للواجد منها شيء. جاء في القواعد لابن رجب: «اللقطة إذا جاء مالكها وقد نمت نماء منفصلا فهل يسترده معها؟

стр. 9837

على وجهين خرجهما القاضي وابن عقيل من المفلس، وفرق بينهما صاحب المغني. ويحتمل الرجوع هنا بالزيادة المنفصلة وجهًا واحدًا؛ لأن تملكها إنما كان مستندًا إلى فقد ربها في الظاهر، وقد تبين خلافه، فانفسخ الملك من أصله لظهور الخطأ في مستنده، ووجب الرجوع بما وجده منها قائمًا، وهذا هو الذي ذكره ابن أبي موسى وذكر أصلا من كلام أحمد في طيرة فرخت عند قوم أنهم يردون فراخها» (١). ° الراجح: مللك نماء اللقطة بعد التعريف تبع للضمان، فإن قلنا: هي مضمونة عليه إذا ملكها الملتقط بعد التعريف فإن الخراج بالضمان، وأرى أنه في هذه الحالة لا فرق بين النماء المنفصل والمتصل خاصة إذا كان هذا النماء جاء ثمرة لجهود الملتقط، كالتسمين نتيجة التعليف ومثله التعليم، ويكون الملتقط شريكًا للمالك بقدر ما حصل له من زيادة في قيمة اللقطة، فإذا قيل: إن السلعة زادت بقدر الخمس، كان الواجد يملك من اللقطة خمسها ملكًا مشتركًا، وإن كانت الزيادة منفصلة استحقها كلها. وإن قلنا: إنه لا يضمن إذا تملك اللقطة، كانت العين بزوائدها لمالكها، ومسألة الضمان هي محل بحث في فصل مستقل، والله أعلم. * * *

стр. 9838

الفصل السادس في ضمان اللقطة المبحث الأول في ضمان اللقطة قبل تملكها الفرع الأول في ضمانها إذا التقطها للتعريف أو للحفظ [م-٢٠٠٩] إذا أخذ الملتقط اللقطة سواء أخذها لتعريفها عند القائلين بوجوب التعريف، وهم الجمهور (١). أو أخذها بنية الحفظ لصاحبها على القول بأن التعريف لا يجب إلا إذا أخذها بنية التملك بعد التعريف وهم الشافعية (٢)، فإن اللقطة أمانة في يده غير

стр. 9839

مضمونة عليه أثناء القيام بتعريفها أو أثناء حفظها لصاحبها، وهو قول الأئمة الأربعة على خلاف بينهم فيما إذا ادعى الملتقط أنه أخذها للحفظ، وكذبه المالك. فذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى أن المالك إذا كذب الملتقط صار ضامنًا إلا أن يشهد عند أخذ اللقطة فلا ضمان عليه خلافًا لأبي يوسف. وعند الجمهور تعرف نية الملتقط من جهته، فإذا قال الملتقط: إنه أخذها لا لنفسه، وإنما أخذها بنية تعريفها أو حفظها لصاحبها فالقول قوله؛ لأن نيته لا تعلم إلا من جهته، وسبق بحث هذه المسألة. جاء في الهداية: «اللقطة أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها .... وكذلك إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما حجة في حقهما فصار كالبينة .... وإن لم يشهد الشهود عليه وقال الآخذ: أخذته للمالك، وكذبه المالك يضمن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀: لا يضمن والقول قوله» (١). وقال ابن جزي: «وإن أخذها ليحفظها لمالكها، أو ليتأملها فهو أمين، ولا ضمان عليه» (٢). وقال القرافي: «إذا أخذ اللقطة صارت في يده أمانة كالوديعة» (٣).

стр. 9840

وقال ابن رشد: «العلماء اتفقوا على أن من التقطها وأشهد على التقاطها فهلكت عنده أنه غير ضامن، واختلفوا إذا لم يشهد: فقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: لا ضمان عليه إن لم يضيع، وإن لم يشهد. وقال أبو حنيفة، وزفر: يضمنها إن هلكت ولم يشهد. واستدل مالك والشافعي بأن اللقطة وديعة فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان» (١). وجاء في البيان في مذهب الإمام الشافعي: «وإذا التقط الرجل لقطة بنية التملك بعد التعريف، أو بنية الحفظ على صاحبها فإن اللقطة أمانة في يده مدة التعريف؛ لأن الحظ في التعريف لصاحبها، فهي كالوديعة. فإن تلفت في يده، أو نقصت من غير تفريط فلا ضمان عليه» (٢). وقال إمام الحرمين: «الملتقط وإن قصد التملك بعد السنة، فاللقطة أمانة في يده إذا لم يتعد» (٣). وقال ابن قدامة: «واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة» (٤). وبهذه النصوص عن الأئمة الأربعة علمنا أن اللقطة أمانة، إلا أنها أمانة بلا عقد من المالك، وإنما كان أمينًا بإذن الشارع له بأخذ المال، وذلك أن

стр. 9841

الأمانات على قسمين: القسم الأول: أمانة بعقد: وهذا على نوعين أيضًا. الأول: ما كانت الأمانة أصالة في العقد كالوديعة. الثاني: ما كانت الأمانة فيه تابعة للعقد، وليست أصيلة فيه، كالعين المؤجرة في يد المستأجر، ومال الموكل في يد وكيله، ومال القاصر في يد وصيه، ومال الشريك في يد شريكه، والعين المرهونة في يد المرتهن، ونحو ذلك. القسم الثاني: أمانة بلا عقد، كاللقطة في يد الملتقط، والأب والجد إذا وليا مال الصغير، فهو أمين، وأمانته بإذن من الشرع، وما كان بإذن الشارع فهو أقوى من إذن المالك؛ لأن تصرف المالك في ملكه متوقف على إذن الشارع. وإذا خلصنا بأن اللقطة أمانة في يد الملتقط فإن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي: بأن يفعل ما ليس له فعله، أو يفرط: بأن يترك ما يجب عليه فعله. والدليل على هذا: قال ابن بطال: «ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا بما تضمن به الأمانات من التعدي والتضييع» (١). وقال ابن عبد البر: «لا خلاف أن الملتقط أمين لا ضمان عليه إلا بما تضمن به الأمانات من التعدي والتضييع والاستهلاك» (٢). ولأن الأمين لو ضمن مطلقًا لامتنع الناس من قبول الأمانات، وهذا فيه مضرة بالناس. * * *

стр. 9842

الفرع الثاني في ضمان اللقطة إذا أخذها لنفسه أخذ اللقطة للتملك بلا تعريف بمنزلة الغصب. [م-٢٠١٠] إذا أقر الملتقط أنه أخذ اللقطة لنفسه، لا لتعريفها، ولا لحفظها لصاحبها فإنه يضمنها لصاحبها مطلقًا حتى ولو لم يتعد أو يفرط، وهذا بالاتفاق؛ لأنه اجتمع في هذا القصد المحرم والفعل المقارن له (١). قال في الهداية: «ولو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن بالإجماع؛ لأنه أخذ مال غيره بغير إذنه، وبغير إذن الشرع» (٢). وقال ابن جزي: «أخذها ـ يعني اللقطة ـ على ثلاثة أوجه: إن أخذها واجدها على وجه الالتقاط لزمه حفظها وتعريفها .... وإن أخذها على وجه الاغتيال فهو غاصب ضامن، وإن أخذها ليحفظها لمالكها أو ليتأملها فهو أمين ولا ضمان عليه» (٣). وقال الخرشي: «الملتقط لما رأى اللقطة فقبل أن يضع يده عليها نوى أن يأكلها، فلما وضع يده عليها وحازها تلفت من عنده بغصب أو بغيره فإنه يكون

стр. 9843

ضامنًا لها بتلك النية؛ لأنه صار كالغاصب حين وضع يده عليها بتلك النية، ومن باب أولى الضمان لها إذا حدث له نية أكلها قبل السنة بعد أن وضع يده عليها» (١). وقال ابن قدامة: «إذا التقط لقطة عازمًا على تملكها بغير تعريف، فقد فعل محرمًا، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط» (٢). * * *

стр. 9844

الفرع الثالث إذا أخذها بنية الأمانة ثم طرأ قصد الخيانة [م-٢٠١١] إذا أخذ اللقطة بنية الأمانة، ثم نوى الخيانة، فهل يضمن بمجرد النية، فيه خلاف بين العلماء على قولين: القول الأول: لا يضمن بمجرد القصد حتى يكون معه فعل من استعمال أو نقل كالوديع، واختاره ابن عبد السلام من المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن قدامة (١). قال النووي: «وإذا قصد الأمانة، ثم قصد الخيانة، فالأصح أنه لا يصير مضمونًا عليه بمجرد القصد، كالمودع لا يضمن بنية الخيانة على المذهب. والثاني: يصير، لأنه لم يسلطه المالك» (٢). ° وجه القول بعدم الضمان: القياس على الوديعة، كما أن المودع إذا نوى الخيانة في الوديعة بالجحود والاستعمال ولم يفعل لم يصر ضامنًا؛ لأنه لم يحدث في الوديعة قولًا، ولا فعلًا، فلا يضمن كما لو لم ينو.

стр. 9845

جاء في حاشية الدسوقي: «لا ضمان عليه عند ابن عبد السلام نظرًا إلى أن نية الاغتيال مجردة عن مصاحبة فعل؛ إذ غاية الأمر أن النية تبدلت مع بقاء اليد» (١). القول الثاني: يضمن بذلك، وبه قال ابن عرفة من المالكية، ورجحه الحطاب منهم، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٢). قال في الإنصاف نقلًا عن التلخيص: وهو الأشبه بقول أصحابنا في التضمين بمجرد اعتقاد الكتمان (٣). ° وجه القول بوجوب الضمان: أن نية الخيانة موجبة للضمان كما لو أخذها بنية الخيانة ابتداء، ويخالف المودع فإنه مسلط من جهة المالك. «ونظرا إلى أن نية الاغتيال قد صاحبها فعل وهو الكف عن التعريف» (٤). ° الراجح من الخلاف: أن الملتقط إذا طرأ على نيته الخيانة، وترك تعريفها الواجب عليه فإنه

стр. 9846

يضمنها، لأن ترك التعريف وحده موجب للضمان، إذا رجحنا وجوب التعريف على أخذها، وهو قول الجمهور، فكيف إذا انضم إلى ذلك القصد المحرم، وهو تملكها قبل تمام تعريفها، والله أعلم. * * *

стр. 9847

المبحث الثاني في ضمان اللقطة بعد تعريفها وتملكها تملك اللقطة بعد تعريفها بمنزلة اقتراضها والقرض مضمون. [م-٢٠١٢] هذه المسألة لا تتنزل على مذهب الحنفية الذين يقولون: إن اللقطة لا يمكن تملكها، وإنما يمكن بحثها على مذهب الجمهور القائلين بأن اللقطة يمكن تملكها بعد القيام بتعريفها، فإذا تملكها، ثم تلفت بغير تعد ولا تفريط، فهل يكون ضامنًا لصاحبها إذا ظهر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين، وهما يرجعان إلى مسألة قد تقدم بحثها، وهي: هل يجب رد اللقطة إلى صاحبها بعد أن قام بتعريفها سنة كاملة، فالذين يقولون: إذا جاء صاحبها بعد التعريف لا يجب ردها إليه، لا يقولون بوجوب ضمانها؛ لأن ما لا يجب رده لم يجب ضمانه، وهذا ظاهر، وبه قال الكرابيسي من الشافعية (١)، وكذا داود الظاهري الذي يقول: لا يجب رد اللقطة بعد تعريفها إذا لم تكن عينها قائمة، وهو رواية عن أحمد (٢).

стр. 9848

وقد ذكرنا أدلتهم ومناقشتها في مسألة سابقة. أما الذين يقولون: إن اللقطة تملك بالتعريف، فقد اتفقوا على عدم ضمانها أثناء التعريف، واتفقوا على ضمانها إذا تملكها، سواء قلنا: إن التملك يحصل بمجرد مضي السنة كمذهب الحنابلة، أو قلنا: إن التملك يحصل بنية التملك كمذهب المالكية وأحد الأقوال في مذهب الشافعية، أو قلنا: إن التملك لا يحصل إلا باللفظ كالقول الأصح في مذهب الشافعية، أو قلنا: إن التملك لا يتم إلا بالتصرف فيها، وهو قول في مذهب الشافعية، وسبق بحث هذه المسألة. فإذا تملكها فإن الملتقط يكون ضامنًا لها إذا تلفت أو حصل فيها أي نقص حتى ولو كان ذلك بلا تعد ولا تفريط (١). ° وجه القول بالضمان مطلقًا: الوجه الأول: أن تملك اللقطة ينقل اللقطة من الأمانة إلى الاقتراض، ذلك أن عقد الأمانة عقد يقصد به حفظ العين، وليس تملك العين، فإذا تملكها كان ذلك بمنزلة الاقتراض لها، والقرض مضمون مطلقًا، فإذا تلفت بعد تملكها ضمنها إن ظهر مالكها.

стр. 9849

جاء في الحاوي: «أن يتملكها إما باختيار تملكها أو بنقل عينها، فقد انتقل حق مالكها من عينها إلى بدلها» (١). الوجه الثاني: أن اللقطة إذا تلفت بعد تملكها فقد تلفت من مال الملتقط، ولم تتلف من مال المالك، وإذا كان استهلاكها أو التصدق بها يوجب الضمان، فكذلك تملكها يوجب الضمان إذا ظهر صاحبها، نعم لو أبقاها في يده بعد التعريف حفظًا لصاحبها، ولم يتملكها كانت أمانة لم تضن بالتلف إلا بالتعدي أو بالتفريط. قال ابن جزي: «ذا عرف بها سنة فلم يأت صاحبها فهو مخير بين ثلاثة أشياء أن يمسكها في يده أمانة أو يتصدق بها ويضمنها أو يتملكها وينتفع بها ويضمنها على كراهة لذلك» (٢). فصرح ابن جزي أن تملكها والانتفاع بها أن ذلك يجعله ضامنًا لها، وقوله: (على كراهة لذلك) يعني أن مالكًا يكره تملك اللقطة، ويفضل عليه حفظها لصاحبها أو التصدق بها وذلك خوفًا من أن يعوزه ضمانها إذا ظهر صاحبها. قال في التاج والإكليل: «إنما كره له أكلها بعد التعريف مخافة أن يأتي صاحبها فيجده عديمًا لا شيء له، ولو علم أنه لا يجد صاحبها أبدا لما كره له أكلها» (٣). وفي أسنى المطالب: «إذا تملكها فليست أمانة بل يضمنها كالقرض» (٤).

стр. 9850

وقال الغزالي: «إن التقط على قصد أن يحفظه لمالكه أبدًا فهو أمانة في يده أبدًا، وإن قصد أن يختزل في الحال فهو مضمون عليه أبدًا. وإن قصد أن يتملكها بعد السنة فهو في السنة أمانة لو تلف لا ضمان، فإذا مضت السنة فهو مضمون عليه، وإن لم يتملك لأنه صار ممسكًا لنفسه بالقصد السابق فهو كالمأخوذ على جهة السوم» (١). وقال الماوردي في الإقناع: «وإن لم يأت صاحبها حتى استكمل حولًا في تعريفها كان مخيرًا بين تركها في يده أمانة؛ لئلا يضمنها بالعدوان وبين أن يمتلكها بأن يختار تملكها، فتصير مضمونة عليه لمالكها إن أتى» (٢). فجعل تملكها يجعلها مضمونة عليه مطلقًا حتى ولو لم يتعد أو يفرط. وقال في الإنصاف: «وإن تلفت، أو نقصت قبل الحول: لم يضمنها مراده: إذا لم يفرط فيها؛ لأنها أمانة في يده. وإن كان بعده ضمنها ولو لم يفرط، هذا المذهب، وعليه الأصحاب، ونصروه. وعنه: لا يضمنها إذا تلفت حكى ابن أبي موسى عن الإمام أحمد ﵀: أنه لوح في موضع: إذا أنفقها بعد الحول والتعريف لم يضمنها» (٣). وهذا كقول داود الظاهري أنه لا يجب ردها إلا إذا كانت عينها قائمة، وقد ذكرت ذلك فيما سبق.

стр. 9851

وقال ابن قدامة: «أن اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط، إن تلفت بغير تفريطه أو نقصت، فلا ضمان عليه، كالوديعة .... وإن تلفت بعد الحول، ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل حال؛ لأنها دخلت في ملكه، وتلفت من ماله، وسواء فرط في حفظها أو لم يفرط. وإن وجد العين ناقصة، وكان نقصها بعد الحول، أخذ العين وأرش نقصها؛ لأن جميعها مضمون إذا تلفت، فكذلك إذا نقصت. وهذا قول أكثر الفقهاء الذين حكموا بملكه لها بمضي حول التعريف، وأما من قال: لا يملكها حتى يتملكها لم يضمنه إياها حتى يتملكها، وحكمها قبل تملكه إياها حكمها قبل مضي حول التعريف. ومن قال: لا تملك اللقطة بحال لم يضمنه إياها. وبهذا قال الحسن، والنخعي، وأبو مجلز والحارث العكلي، ومالك، وأبو يوسف، قالوا: لا يضمن، وإن ضاعت بعد الحول» (١). ° الراجح: أن اللقطة أثناء التعريف ضمانها كضمان الأمانات، لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، وبعد امتلاكها هي مضمونة مطلقًا، والله أعلم. * * *

стр. 9852

المبحث الثالث في ضمان اللقطة إذا ردها إلى موضعها [م-٢٠١٣] إذا أخذ الرجل اللقطة بنية التقاطها، ثم بدا له أن يردها فإن ردها إلى غير الموضع الذي أخذها منه ضمن بالاتفاق، وإن ردها إلى الموضع الذي أخذها منه، فهل يضمنها بذلك، أو يصح ردها؟ في ذلك خلاف بين العلماء على قولين: القول الأول: إن أخذ اللقطة ليعرفها ثم ردها إلى موضعها فلا ضمان عليه، وإن أخذها ليأكلها، ثم ردها إلى موضعها ضمنها، وهو ظاهر الرواية في مذهب الحنفية، ونص عليه محمد بن الحسن، واختاره أشهب من المالكية (١). وحمل بعض الحنفية ظاهر الرواية على أن المقصود إن ردها قبل أن يبرح من مكانه، أما إذا ذهب بها، ثم رجع إليه فردها فإنه يضمن (٢). قال في بدائع الصنائع: «ولو أخذ اللقطة، ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر الرواية، وكذا نص عليه محمد في الموطأ، وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك

стр. 9853

المكان حتى وضعها في موضعها، فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان، ثم ردها إلى مكانها يضمن، وجواب ظاهر الرواية مطلق عن هذا التفصيل مستغن عن هذا التأويل» (١). وفي مجمع الضمانات: «رجل التقط لقطة ليعرفها، ثم أعادها، إلى المكان الذي وجدها فيه ذكر في الكتاب أنه يبرأ عن الضمان، ولم يفصل بين ما إذا تحول عن ذلك المكان ثم أعادها إليه وبين ما إذا أعادها قبل أن يتحول، قال الفقيه أبو جعفر: إنما يبرأ إذا أعادها قبل التحويل فإذا أعادها بعدما تحول يكون ضامنا وإليه أشار الحاكم الشهيد في المختصر ..... هذا إذا أخذ اللقطة ليعرفها فإن كان أخذها ليأكلها لم يبرأ عن الضمان ما لم يدفعها إلى صاحبها؛ لأنه إذا أخذها ليأكلها يصير غاصبا والغاصب لا يبرأ إلا بالرد على المالك من كل وجه» (٢). ° وجه القول بعدم الضمان: أنه إذا أخذها ليعرفها أو ليحفظها لصاحبها فإنه محتسب متبرع، فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل، فصار كأنه لم يأخذها أصلًا، وإن أخذها ليأكلها ثم ردها إلى موضعها لم يبرأ عن الضمان ما لم يدفعها إلى صاحبها؛ لأنه صار غاصبًا، والغاصب لا يبرأ إلا بالرد. القول الثاني: إنْ رد اللقطة بعد أن أخذها بنية التقاطها أو حفظها فإن ذلك موجب

стр. 9854

لضمانها، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستثنى المالكية ما لو أخذ المال وهو يظنه قد سقط من قوم بين يديه فدفعه إليهم فلم يعرفوه، فإذا رد المال إلى موضعه فورًا لم يضمنه؛ لأنه لم يأخذ المال بنية الالتقاط فيجب عليه حفظه وتعريفه، ولا بنية الخيانة، فيضمنه مطلقًا. قال الشافعي في الأم: «ومن التقط لقطة فاللقطة مباحة فإن هلكت منه بلا تعد فليس بضامن لها، والقول قوله مع يمينه، وإذا التقطها ثم ردها في موضعها فضاعت فهو ضامن لها، وإن رآها فلم يأخذها فليس بضامن لها» (٢). ° وجه القول بالضمان: أن الملتقط لما أخذها فقد التزم حفظها، فإذا تركها في الموضع الذي وجدها فيه بعد التزام حفظها فقد ضيعها، وتضييع الأمانة موجب لضمانها. ويناقش: بأن القول بأنه قد التزم بالحفظ غير صحيح، وإنما تبرع به، وفي ردها إلى مكانها فسخ لهذا التبرع، فكأنه لم يكن. * * *

стр. 9855

الباب الثالث في أحكام الملتقط الفصل الأول في اشتراط العدالة في الملتقط ما كان أهلًا للاكتساب كان أهلًا للالتقاط. [م-٢٠١٤] اختلف الفقهاء في اشتراط العدالة في الملتقط على قولين: القول الأول: لا تشترط العدالة في الملتقط، والفاسق أهل للالتقاط، وهذا مذهب الجمهور، إلا أن الحنابلة في أصح الوجهين، والشافعية في أحد القولين قالوا: يضم إليه أمين (١). جاء في البحر الرائق: «وأما إسلام الملتقط فليس بشرط ... » (٢). وقال ابن عابدين: «ولا يشترط كونه مسلما عدلا رشيدا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح، والفاسق أولى» (٣).

стр. 9856

وفي الإنصاف: «ولا فرق بين كون الملتقط غنيًا أو فقيرًا، مسلمًا كان أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا يأمن نفسه عليها. وهذا المذهب ... » (١). ° دليل من قال بالصحة: الدليل الأول: عموم أحاديث اللقطة، فإنها مطلقة لم تشترط العدالة، من ذلك: (ح-١٢٣٨) ما رواه البخاري من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: أن رجلا سأل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه .... (٢). فالرسول ﵇ أمره بتعريفها، ولم يشترط أن يكون الآخذ عدلًا، فصح التقاط الفاسق، ومن اشترط عدالة الملتقط فعليه الدليل. الدليل الثاني: أن التقاط المال طريق لكسب المال؛ لذلك صح من الفاسق كالاصطياد والاحتشاش. الدليل الثالث: القياس على الوديعة، فإذا صح إيداع الفاسق، صح التقاطه، وقد سبق بحث الإيداع لدى الفاسق، والله أعلم.

стр. 9857

القول الثاني: ذهب الشافعية في الأصح إلى أن التقاط الفاسق صحيح إلا أنها لا تقر في يده، بل ينتزعها القاضي، ويسلمها إلى أمين (١). ° وجه القول بذلك: أن اللقطة في الحول الأول أمانة في يد الملتقط، والفاسق ليس من أهل الأمانة. قال الشيرازي: «وإن وجد الفاسق لقطة لم يأخذها؛ لأنه لا يؤمن ألا يؤدي الأمانة فيها، فإن التقطها ففيه قولان: أحدهما لا تقر في يده، وهو الصحيح؛ لأن الملتقط قبل الحول كالولي في حق الصغير، والفاسق ليس من أهل الولاية في المال. والثاني: تقر في يده؛ لأنه كسب بفعل، فأقر في يده كالصيد فعلى هذا يضم إليه من يشرف عليه» (٢). وقال النووي: «الفاسق أهل للالتقاط على المذهب، وبه قطع الجمهور، وهو ظاهر النص. وعن القفال، تخريجه على الأصل المذكور، إن غلبنا الاكتساب، فنعم، أو الأمانة، فلا، وما يأخذه مغصوب، فعلى المذهب، هل يقر المال في يده؟

стр. 9858

قولان. أظهرهما: لا، بل ينتزع منه ويوضع عند عدل. والثاني: نعم، ويضم إليه عدل يشرف عليه. وعن ابن القطان وجه: أنه لا يضم إليه أحد» (١). ° الراجح: بعد استعراض الخلاف أجد أن القول بأن التقاط الفاسق صحيح، هو الأقوى، وإذا خيف أن يقصر في تعريفها فللقاضي أن يضم إليه أمينًا يشرف على ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 9859

الفصل الثاني في التقاط الكافر ما كان أهلًا للاكتساب كان أهلًا للالتقاط. [م-٢٠١٥] اختلف العلماء في صحة التقاط الكافر على قولين: القول الأول: يصح التقاط الكافر، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). جاء في البحر الرائق: «وأما إسلام الملتقط فليس بشرط بدليل ما في الكافي للحاكم لو أقام مدعيها شهودا كفارا على ملتقط كافر قبلت اهـ. فدل على صحة التقاط الكافر وعلى هذا تثبت الأحكام من التعريف والتصديق بعده أو الانتفاع ولم أره صريحًا .... والظاهر أن مشايخنا إنما لم يقيدوا الملتقط بشيء لإطلاقه عندنا» (٢). قال النووي: «يُمكَّن الذمي من الالتقاط في دار الإسلام على الأصح. وقيل: قطعًا، كالاصطياد، والاحتطاب» (٣).

стр. 9860

القول الثاني: لا يصح التقاط الذمي، وهو قول ابن رشد من المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية. جاء في بداية المجتهد: «فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ لأنها ولاية» (١). وقال العمراني في البيان: «واختلف أصحابنا في الذمي إذا التقط لقطة في دار الإسلام: فمنهم من قال: لا يصح التقاطه؛ لأن الالتقاط أمانة بولاية، والذمي ليس من أهلها، ولأنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، فلا يملك بالالتقاط فيه. ومنهم من قال: يصح التقاطه؛ لأن له ذمة صحيحة ويملك بالقرض، فصح التقاطه. فإذا قلنا: يصح التقاطه .. فهل تقر في يده، ويصح تعريفه بنفسه، أو ينزعها الحاكم منه، ويضم من يعرفها معه؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفاسق. ومنهم من قال: تقر في يده، وينفرد بالتعريف قولا واحدا؛ لأنه وإن كان كافرًا، فهو مقر على دينه، كما أنا نقول: لا يصح إنكاح الفاسق، ويصح إنكاح الذمي» (٢). ° الراجح: صحة التقاطه، وأنه يتملك اللقطة إذا قام بحقها من التعريف ونحوه، والله أعلم. * * *

стр. 9861

الفصل الثالث في التقاط غير المكلف المبحث الأول في التقاط المجنون والصبي غير المميز ما كان أهلًا للاكتساب كان أهلًا للالتقاط. [م-٢٠١٦] إذا اجتمع في شخص أربع صفات: الإسلام، والحرية، والأمانة، والتكليف، فله أن يلتقط ويعرف ويتملك بلا خلاف، لأنه أهل للأمانة والولاية والاكتساب. ومن فقد شيئًا من هذه الصفات ففي صحة التقاطه خلاف بين أهل العلم، إذا علم ذلك من حيث الجملة نقول: [م-٢٠١٧] إذا أخذ اللقطة مجنون أو صبي غير مميز، فهل يصح التقاطه؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين. ° وسبب الخلاف: أن اللقطة فيها معنى الأمانة والولاية وفيها معنى الاكتساب، فالأمانة والولاية أولًا، والاكتساب يأتي آخرًا بعد القيام بتعريفها. وهل المغلب الأمانة والولاية، أو الاكتساب؟ فيه خلاف: فمن غلب الأمانة والولاية؛ فلأن ذلك ناجز متحقق، والاكتساب منتظر، وقد يكون، وقد لا يكون، وهذا يعني منع لقطة الصبي والفاسق والكافر.

стр. 9862

ومن غلب في اللقطة معنى الاكتساب؛ فلأنه هو المقصود من اللقطة، ومآل الأمر وعاقبته، والنظر في الأشياء إلى عواقبها، ولأن الملتقط ينفرد في الالتقاط، وهذا شأن الاكتساب بخلاف الأمانات فإنها تقوم على أمين يأتمنه غيره، وهذا هو الأصل. إذا علم ذلك نأتي إلى ذكر الأقوال: القول الأول: أن التقاطه غير صحيح، وهذا مذهب الحنفية، ونص عليه ابن رشد من المالكية، وقول في مذهب الشافعية (١). جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «إذا كان الملتقط غير عاقل فالتقاطه غير صحيح، بناء عليه التقاط المجنون والسكران والمعتوه والمنهوش غير صحيح» (٢). والصبي غير المميز ملحق بالمجنون حيث عبارته ملغاة، ولا قصد له صحيح. وفي البحر الرائق: «وأما الملتقط فلم أر من بين شرائطه، ولا يشترط بلوغه بدليل ما في المجتبى التعريف إلى ولي الصبي والوارث اهـ فدل على صحة التقاطه» (٣).

стр. 9863

وجاء في الدر المختار: «وصح التقاط صبي وعبد، لا مجنون» (١). قال ابن عابدين تعليقًا في حاشيته: «(قوله: لا مجنون إلخ) مأخوذ من قوله في النهر ينبغي أن لا يتردد في اشتراط كونه عاقلًا صاحيًا فلا يصح التقاط المجنون إلخ، لكن الشارح زاد عليه المعتوه، وقدمنا أول باب المرتد أن حكمه حكم الصبي العاقل» (٢). فلما اشترط العقل في الصبي علمنا أنه أراد الصبي المميز؛ لأن العقل هو مصدر التمييز وصحة القصد، والله أعلم. وجاء في حاشية الشرواني: «وشرط الإمام في صحة التقاط الصبي التمييز قال الأذرعي ومثله المجنون» (٣). ومعناه: إذا لم يكن لهما نوع تمييز لم يصح التقاطهما. القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يصح التقاط الصبي غير المميز والمجنون، ويقوم وليهما بتعريفها، فإذا عرفها فهي لواجدها، وقال الشافعية: يعرفها إن رأى المصلحة في تملكه للصبي والمجنون، فإن تركها الولي بيد المجنون والصبي بعد علمه حتى أتلفها ضمنها الولي (٤).

стр. 9864

جاء في البيان للعمراني: «إذا وجد الصبي أو المجنون أو المحجور عليه للسفه لقطة فالتقطها صح التقاطه؛ لعموم الأخبار؛ ولأن هذا كسب، فصح منهم، كالاصطياد والاحتشاش» (١). وفي الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «وتصح من صبي ومجنون وينزع اللقطة منهما وليهما ويعرفها ويتملكها لهما إن رآه حيث يجوز الاقتراض لهما لأن التمليك في معنى الاقتراض فإن لم يره حفظها وسلمها للقاضي» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه، صح التقاطه؛ لأنه كسب بفعل، فصح منه كالصيد، فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها؛ لأنه أخذ ماله، وإن تلفت بتفريط ضمنها» (٣). ° الراجح: صحة التقاط الصبي والمجنون بشرطين: الأول: أن يتبرع الولي بحفظها والقيام بتعريفها، ثم تمليك الصبي إذا قام بحق التعريف. الثاني: أن يكون ذلك في مصلحة الصبي والمجنون، والله أعلم. * * *

стр. 9865

المبحث الثاني في صحة التقاط الصبي المميز ما كان أهلًا للاكتساب كان أهلًا للالتقاط. [م-٢٠١٨] اختلف الفقهاء في صحة التقاط الصبي المميز على قولين: القول الأول: يصح التقاطه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والأصح عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «أخذ الصبي المميز اللقطة جائز» (٢). القول الثاني: لا يصح التقاطه، قاله ابن رشد من المالكية، وقول في مذهب الشافعية. جاء في بداية المجتهد: «فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ لأنها ولاية» (٣).

стр. 9866

وقال إمام الحرمين: «فأما الصبي المميز إذا التقط، فهو مخرج على القولين. فإن قلنا: الغالب على اللقطة معنى الأمانة، فليس الصبي من أهلها؛ فإنه ليس ممن يؤتمن، وكيف يؤتمن من يتردد بين غباوة يمتنع معها الاستقلال بالأمر، وبين فطنة تطلعه على أنه غير معاقب أو متبع. وإن قلنا: الغالب على الالتقاط معنى الاكتساب، فهو من أهله؛ إذ يتصور منه الاكتساب الذي يتعلق بالأفعال كالاحتشاش والاحتطاب، وما في معناهما» (١). وقد سبق أدلة المسألة في المسألة السابقة في صحة التقاط الصبي غير المميز، فارجع إليها إن شئت. والراجح صحة التقاطه، وتكون بيد وليه، ويقوم وليه عنها بتعريفها، وإن قام بتعريفها وأحسن ذلك صح منه كصحة بيعه وسائر تصرفاته إذا أذن له وليه، والله أعلم.

стр. 9867

الفصل الرابع في تعدد الملتقط [م-٢٠١٩] نص الشافعية والحنابلة على أن اللقطة إذا وجدها اثنان وأخذاها معًا كانت بينهما، كما لو أخذا صيدًا كان بينهما. فإن أقاما معرفًا واحدًا عرفها سنة لهما، وإن عرفاها بنفسيهما، فهل يعرفها كل منهما سنة، أو يعرفها نصف سنة، قولان في المسألة. وإن رآها اثنان فهي لمن رفعها، لا لمن رآها. وإن قال أحدهما لصاحبه: ناولني فأخذها الآخر، فإن أخذها لنفسه فهو أحق بها، وإن نوى المناولة: فقيل: تصح بناء على جواز التوكيل في الاصطياد ونحوه، وهذا لا يخالف ما ذكره الشافعية في الوكالة من عدم صحتها في الالتقاط؛ لأن ذلك في عموم الالتقاط، وهذا في خصوص لقطة وجدت، فالأمر بأخذها استعانة مجردة على تناول شيء معين. ويحتمل ألا تصح باعتبار أن الوكالة إنابة فيما يملكه، وهو لا يملك اللقطة حتى يملك التفويض في رفعها. وإن أخذها اثنان فترك أحدهما حقه منها للآخر لم يسقط؛ لأنه ليس له نقل حقه إلى الآخر (١).

стр. 9868

قال في المهذب: «وإن أخذها اثنان كانت بينهما، كما لو أخذا صيداً كان بينهما، فإن أخذها واحد وضاعت منه، ووجدها غيره وجب عليه ردها إلى الأول؛ لأنه سبق إليها فقدم كما لو سبق إلى موات فتحجره» (١). وقال العمراني في البيان: «وإذا وجد رجلان لقطة، فأخذاها معًا كانت بينهما بعد التعريف، كما إذا أثبتا صيدًا. وإن رأياها معا فبادر أحدهما وأخذها كانت لمن أخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ دون الرؤية، كما قلنا في الاصطياد. فإن رآها أحدهما، فقال لصاحبه: أعطنيها، فأخذها الآخر؛ فإن أخذها لنفسه كان أحق بها؛ لأن استحقاقها بالأخذ دون الرؤية، وإن أخذها لصاحبه الذي أمره بأخذها، فهل تكون للآمر؟ فيه وجهان، بناء على القولين في التوكيل في الاصطياد والاحتشاش. وإن أخذ رجل اللقطة فضاعت منه، ووجدها آخر فإن الثاني يعرفها، فإن جاء مالكها، وأقام البينة عليها وجب عليه ردها إليه؛ لأنه هو المالك لها. وإن لم يجد مالكها ولكن جاء الملتقط الأول، وأقام البينة على التقاطه لها وجب على الثاني ردها إليه؛ لأن الأول قد ثبت له عليها حق بالالتقاط، فوجب ردها إليه كما لو تحجر مواتًا» (٢). وقال ابن قدامة: «إن وجد اللقطة اثنان، فهي بينهما؛ لأنهما اشتركا في السبب، فاشتركا في الحكم، وإن ضاعت من واجدها، فوجدها آخر ردها على

стр. 9869

الأول؛ لأنه قد ثبت له الحق فيها، فوجب ردها إليه كالملك، وإن رآها اثنان، فرفعها أحدهما فهي له؛ لقول النبي ﵇: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو له) (١). وإن رآها أحدهما فقال للآخر: ارفعها ففعل، فهي لرافعها؛ لأنه مما لا يصح التوكيل فيه» (٢). قال في الإنصاف: «لو رأى اللقطة اثنان. فقال أحدهما للآخر: هاتها، فأخذها لنفسه. فهي للآخذ، وإن أخذها للآمر، فهي له أعني للآمر كما في التوكيل في الاصطياد. ذكر ذلك المصنف وغيره» (٣). وفي شرح منتهى الإرادات: «فإن قال أحدهما لصاحبه: ناولني فأخذه الآخر، فإن نوى أخذه لنفسه فهو أحق به، كما لو لم يأمره الآخر، وإن نوى المناولة فهو للآمر لفعله ذلك بنية النيابة عنه إن صحت الوكالة في الالتقاط» (٤).

стр. 9870

وفي أسنى المطالب: «لو التقط اثنان لقطة عرف كل منهما سنة قال ابن الرفعة وهو الأشبه؛ لأنه في النصف كملتقط واحد. وقال السبكي: بل الأشبه أن كلا منهما يعرفها نصف سنة؛ لأنهما لقطة واحدة، والتعريف من كل منهما لكلها لا لنصفها، وإنما تقسم بينهما عند التملك. قال الأذرعي: وهذا ظاهر، وقد قالوا: يبني الوارث على تعريف مورثه، نعم لو أقاما معرفا واحدا، أو أذن أحدهما للآخر فلا تردد فيما رآه» (١).

стр. 9871

الفصل الخامس إذا ادعى اللقطة اثنان [م-٢٠٢٠] إذا ادعى ملكية اللقطة اثنان فأكثر، ووصفوها، فمن قال: إن الدفع يتوقف على إقامة البينة لم ير دفعها إلى أي واحد منهم، وهذا مذهب الحنفية والشافعية (١). جاء في فتح القدير: «لو ادعى اثنان عينا في يد ثالث وذكر أحدهما علامة لا يفيد شيئا، وكذا في دعوى اللقطة لا يجب الدفع بالوصف؛ لأن سبب الاستحقاق هناك ليس مجرد الدعوى بل البينة، فلو قضى له لكان إثبات الاستحقاق ابتداء بالعلامة، وذلك لا يجوز، إنما حال العلامة ترجيح أحد السببين على الآخر» (٢). وفي مغني المحتاج: «أما إذا وصفها جماعة، فقال القاضي أبو الطيب: أجمعنا على أنها لا تسلم إليهم» (٣). ومن قال: إن الدفع يكون لمن وصفها، فإذا وصفاها فقد اختلفوا على قولين: القول الأول: تحالفا وقسمت بينهما، ويقضى للحالف على الناكل، وهذا مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة.

стр. 9872

وقال المالكية: وكذا لو نكلا (١). جاء في شرح الخرشي: «اللقطة إذا وصفها شخص وصفًا يستحقها به، وقبضها، ولم ينفصل بها انفصالًا يمكن معه إشاعة الخبر، ثم جاء شخص آخر فوصفها مثل وصف الأول، فإن كل واحد منهما يحلف أنها له، وتقسم بينهما، وكذا لو نكلا ويقضى للحالف على الناكل» (٢). القول الثاني: يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف، وأخذها، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو المذهب (٣). قال ابن رجب في القواعد: «اللقطة يجب دفعها إلى واصفها نص عليه، وإن وصفها اثنان فهي لهما، وقيل: يقرع بينهما» (٤).

стр. 9873

الفصل السادس في الاتجار في اللقطة [م-٢٠٢١] الاتجار في اللقطة بعد أن يقوم بتعريفها سنة كاملة يرجع الخلاف فيها إلى الخلاف في حكم تملك اللقطة. فالحنفية إن كان الملتقط غنيًا وجب عليه إما حفظها لصاحبها، أو التصدق بها عنه بشرط ضمانها، وإن كان فقيرًا صح له أن ينتفع بها. والجمهور على جواز تملكها. وسبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل. وأما الاتجار بها قبل أن تنتهي السنة الأولى فالفقهاء بالاتفاق يرون أن يد الملتقط على اللقطة يد أمانة وحفظ خلال الحول، وإذا اتجر فيها خلال هذه المدة فهو ضامن لها بالاتفاق؛ لأن في ذلك تعريضا لها للهلاك أو الضياع أو النقص بفعل من الملتقط عن قصد، إذ التجارة تحتمل الربح والخسارة، والملتقط ممنوع من تعريض ما التقطه للهلاك أو الضياع أو النقصان قبل تملكه. واختلفوا في مسألتين منه: المسألة الأولى: هل فعله محرم أو مكروه. والمسألة الثانية: إذا اتجر فيها وربحت خلال الحول وجاء صاحبها وقد ربحت، فهل يملك الربح أو يكون الربح لمالكها؟ والخلاف فيها كالخلاف في الاتجار في الوديعة بدون إذن صاحبها، فإن كلًا من الوديعة وكذا اللقطة في السنة الأولى خلال التعريف أمانة للحفظ دون التصرف.

стр. 9874

جاء في المدونة: «أرأيت رجلا حرًا وجد لقطة ... أيتجر بها في السنة التي يعرفها في قول مالك؟ قال: قال مالك في الوديعة: لا يتجر فيها، فأرى اللقطة بمنزلة الوديعة في السنة التي يعرفها فيها أنه لا يتجر بها، ولا بعد السنة أيضا؛ لأن مالكًا قال: إذا مضت السنة لم آمره بأكلها» (١). وإذا كان الخلاف فيها كالخلاف في الوديعة، فسوف نعرض لحكم الوديعة في المسألتين، وينزل الخلاف في الوديعة على الخلاف في اللقطة: المسألة الأولى: حكم الاتجار في الوديعة: [م-٢٠٢٢] اختلف الفقهاء في حكم الاتجار في الوديعة على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها ليس حراماً إذا تحقق شرطان: أن يكون المال مثلياً، وأن يكون المتصرف مليئاً. فالمالكية يرون أنه يحرم على الوديع أن يستلف من الوديعة إن كان فقيراً، سواء أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظراً لإعدامه. وأما إن كان موسراً، فإن كانت الوديعة عرضاً قيمياً فيحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا. وإن كانت الوديعة مثلية، فإن كانت نقوداً، فيكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.

стр. 9875

وقيل يجوز بلا كراهة (١). وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقوداً، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا يتحصل أمثاله، فيحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فيجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة (٢). القول الثاني: يحرم عليه الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها، وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣).
следующие страницы →