← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.

стр. 9871

الفصل الخامس إذا ادعى اللقطة اثنان [م-٢٠٢٠] إذا ادعى ملكية اللقطة اثنان فأكثر، ووصفوها، فمن قال: إن الدفع يتوقف على إقامة البينة لم ير دفعها إلى أي واحد منهم، وهذا مذهب الحنفية والشافعية (١). جاء في فتح القدير: «لو ادعى اثنان عينا في يد ثالث وذكر أحدهما علامة لا يفيد شيئا، وكذا في دعوى اللقطة لا يجب الدفع بالوصف؛ لأن سبب الاستحقاق هناك ليس مجرد الدعوى بل البينة، فلو قضى له لكان إثبات الاستحقاق ابتداء بالعلامة، وذلك لا يجوز، إنما حال العلامة ترجيح أحد السببين على الآخر» (٢). وفي مغني المحتاج: «أما إذا وصفها جماعة، فقال القاضي أبو الطيب: أجمعنا على أنها لا تسلم إليهم» (٣). ومن قال: إن الدفع يكون لمن وصفها، فإذا وصفاها فقد اختلفوا على قولين: القول الأول: تحالفا وقسمت بينهما، ويقضى للحالف على الناكل، وهذا مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة.

стр. 9872

وقال المالكية: وكذا لو نكلا (١). جاء في شرح الخرشي: «اللقطة إذا وصفها شخص وصفًا يستحقها به، وقبضها، ولم ينفصل بها انفصالًا يمكن معه إشاعة الخبر، ثم جاء شخص آخر فوصفها مثل وصف الأول، فإن كل واحد منهما يحلف أنها له، وتقسم بينهما، وكذا لو نكلا ويقضى للحالف على الناكل» (٢). القول الثاني: يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف، وأخذها، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو المذهب (٣). قال ابن رجب في القواعد: «اللقطة يجب دفعها إلى واصفها نص عليه، وإن وصفها اثنان فهي لهما، وقيل: يقرع بينهما» (٤).

стр. 9873

الفصل السادس في الاتجار في اللقطة [م-٢٠٢١] الاتجار في اللقطة بعد أن يقوم بتعريفها سنة كاملة يرجع الخلاف فيها إلى الخلاف في حكم تملك اللقطة. فالحنفية إن كان الملتقط غنيًا وجب عليه إما حفظها لصاحبها، أو التصدق بها عنه بشرط ضمانها، وإن كان فقيرًا صح له أن ينتفع بها. والجمهور على جواز تملكها. وسبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل. وأما الاتجار بها قبل أن تنتهي السنة الأولى فالفقهاء بالاتفاق يرون أن يد الملتقط على اللقطة يد أمانة وحفظ خلال الحول، وإذا اتجر فيها خلال هذه المدة فهو ضامن لها بالاتفاق؛ لأن في ذلك تعريضا لها للهلاك أو الضياع أو النقص بفعل من الملتقط عن قصد، إذ التجارة تحتمل الربح والخسارة، والملتقط ممنوع من تعريض ما التقطه للهلاك أو الضياع أو النقصان قبل تملكه. واختلفوا في مسألتين منه: المسألة الأولى: هل فعله محرم أو مكروه. والمسألة الثانية: إذا اتجر فيها وربحت خلال الحول وجاء صاحبها وقد ربحت، فهل يملك الربح أو يكون الربح لمالكها؟ والخلاف فيها كالخلاف في الاتجار في الوديعة بدون إذن صاحبها، فإن كلًا من الوديعة وكذا اللقطة في السنة الأولى خلال التعريف أمانة للحفظ دون التصرف.

стр. 9874

جاء في المدونة: «أرأيت رجلا حرًا وجد لقطة ... أيتجر بها في السنة التي يعرفها في قول مالك؟ قال: قال مالك في الوديعة: لا يتجر فيها، فأرى اللقطة بمنزلة الوديعة في السنة التي يعرفها فيها أنه لا يتجر بها، ولا بعد السنة أيضا؛ لأن مالكًا قال: إذا مضت السنة لم آمره بأكلها» (١). وإذا كان الخلاف فيها كالخلاف في الوديعة، فسوف نعرض لحكم الوديعة في المسألتين، وينزل الخلاف في الوديعة على الخلاف في اللقطة: المسألة الأولى: حكم الاتجار في الوديعة: [م-٢٠٢٢] اختلف الفقهاء في حكم الاتجار في الوديعة على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها ليس حراماً إذا تحقق شرطان: أن يكون المال مثلياً، وأن يكون المتصرف مليئاً. فالمالكية يرون أنه يحرم على الوديع أن يستلف من الوديعة إن كان فقيراً، سواء أكانت الوديعة من القيميات أم من المثليات، وذلك لتضرر مالكها بعدم الوفاء نظراً لإعدامه. وأما إن كان موسراً، فإن كانت الوديعة عرضاً قيمياً فيحرم على الوديع اقتراضها؛ لانعدام المثل هنا. وإن كانت الوديعة مثلية، فإن كانت نقوداً، فيكره على الوديع اقتراضها؛ لأن المثل هنا يقوم مقام العين.

стр. 9875

وقيل يجوز بلا كراهة (١). وإن كانت الوديعة المثلية ليست نقوداً، فإن كانت مما يكثر اختلافه، ولا يتحصل أمثاله، فيحرم اقتراضها كالقيميات، وإلا فيجوز تسلفها كالدراهم والدنانير في ظاهر المدونة (٢). القول الثاني: يحرم عليه الاقتراض من الوديعة بدون إذن صاحبها، وبهذا قال الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 9876

وسبق ذكر أدلة المسألة في عقد الوديعة عند الكلام على حكم الاقتراض من الوديعة. وقد ترجح لي في المسألة: أنه لا يجوز الاقتراض من الوديعة مطلقًا، حتى ولو كانت الوديعة مثلية كالدراهم، وسواء كان المقترض معسرًا أو كان موسرًا، لأن يد المودع يد أمانة، وقد وضعت على هذا المال للحفظ، وليس لشيء آخر، واقتراضها بدون إذن صاحبها يحوله إلى رجل غير أمين، فالإيداع عقد على حفظ العين، فهي تتعين بالتعيين، ولو كانت من الدراهم. نعم يجوز إقراض الوديعة إذا كان رفقًا بالمالك، كما لو أقرض الوصي والولي مال الصغير إذا خاف عليه من السرقة فيجوز إقراضه لمن كان موسرًا، وأخذ رهنًا بذلك. وكما يجوز للوديع إذا خاف على الوديعة أن يقرضها للبنوك، باعتبار أن ودائع البنوك قروض على الصحيح وإن سماها الناس ودائع. وإذا كان هذا هو الراجح والله أعلم كان الاتجار في اللقطة لا يجوز في السنة الأولى خلال التعريف؛ لأن حكمها حكم الوديعة. المسألة الثانية: إذا اتجر فيها وربح، فلمن يكون هذا الربح؟ [م-٢٠٢٣] وإذا كانت الاتجار في اللقطة يأخذ حكم الاتجار في الوديعة، فإن في ذلك خلافًا أيضًا كالخلاف الواقع في الوديعة.

стр. 9877

القول الأول: الربح لملتقط اللقطة؛ لأنه ضامن لها. وهذا مذهب المالكية. وقال الباجي في المنتقى شرحًا لقول مالك في الموطأ: «قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: إذا استودع الرجل مالًا فابتاع به لنفسه، وربح فيه، فإن ذلك الربح له؛ لأنه ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه. اهـ قال الباجي: وهذا على حسب ما قال: إن من اتجر بمال استودعه فربح فيه، فإن الربح له .... » (١). القول الثاني: يتصدق به، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (٢). القول الثالث: أن الملتقط إذا اتجر فباع واشترى بها، فهو غاصب، وأما حكم تصرفه: فبيع الأعيان باطل مطلقًا، والبيع منقوض وإن تعددت، وهي مستردة ما دامت الأعيان قائمة، والأعيان المأخوذة في مقابلتها مردودة على ملاكها. وإن اشترى باللقطة، فإن كان الشراء بأعيانها فالشراء باطل كذلك. وإن كان يشتري بذمته، ثم يؤدي الثمن من اللقطة، فالشراء ثابت له، فإذا ملك السلع، ثم ربح فيها، فله الربح، وما كان من خسارة فعليه، وعليه مثل الدراهم والدنانير التي غصبها، وهذا آخر قولي الشافعي، وعليه أكثر أصحابه (٣).

стр. 9878

وهي رواية في مذهب الحنابلة في التعامل مع الغاصب (١). قال ابن المنذر: «وإذا تعدى المودع فِي الوديعة واشترى بها شيئا نظر، فإن اشترى السلعة بعين المال فالشراء فاسد، ولم يملك السلعة، فإن اشترى السلعة بغير عينها فالشراء صحيح، ويضمن مثل المال الذي أتلف والربح له» (٢). القول الرابع: أن الربح للمالك، وهذا مذهب الحنابلة. قال في الإنصاف: «لو اتجر الوديعة، فالربح للمالك على الصحيح من المذهب، ونص عليه في رواية الجماعة، ونقل حنبل ليس لواحد منهما، ويتصدق به، قال الحارثي: وهذا من الإمام أحمد مقتض لبطلان العقد، وذلك وفق المذهب المختار في تصرف الغاصب، وهو أقوى. انتهى .. » (٣). وقد سبق أن تكلمنا على أدلة هذه الأقوال في عقد الوديعة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. * * *

стр. 9879

الفصل السابع في النفقة على اللقطة [م-٢٠٢٤] اختلف العلماء في الرجل ينفق على اللقطة، فيأتي صاحبها، هل يرجع بما أنفقه عليها؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم: القول الأول: إذا أنفق الملتقط بغير إذن الحاكم فهو متبرع، وإن قال له القاضي: أنفق لترجع رجع على المالك بما أنفق، وإن أمره القاضي بالإنفاق ولم يذكر الرجوع لم يكن دينًا في الأصح. وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه: فإن كان للبهيمة منفعة آجرها وأنفق عليها من أجرتها؛ وإن لم تكن لها منفعة باعها إن كان أصلح، وإن كان الأصلح الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا على مالكها وللقاضي أن يأمره بالنفقة اليومين والثلاثة رجاء أن يظهر مالكها فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لئلا تستأصلها النفقة، فلا نظر في الإنفاق مدة مديدة. فإن جاء صاحبها فله حبسها حتى يعطيه النفقة (١). هذا ملخص مذهب الحنفية في النفقة والرجوع. جاء في حاشية ابن عابدين: «وهو في الإنفاق على اللقيط واللقطة متبرع؛

стр. 9880

لقصور ولايته، إلا إذا قال له قاض: أنفق لترجع، فلو لم يذكر الرجوع لم يكن دينًا في الأصح» (١)؛ لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينًا بالشك (٢). وجاء في الهداية: وإن أنفق بأمره ـ أي بأمر القاضي ـ كان ذلك دينا على صاحبها؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب» (٣). ° وجه هذا القول: أن الملتقط إذا أنفق بلا إذن من الحاكم كان متبرعًا لقصور ولايته فصار كما لو قضى دين غيره بغير أمره. وإذا أنفق بإذن القاضي كان ذلك دينًا على مالكها؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب نظرًا له، وقد يكون النظر للمالك يقتضي الإنفاق. وصورة إذن القاضي: أن يقول له: أنفق على أن ترجع، فلو أمره بالنفقة، ولم يذكر الرجوع لم يكن دينًا في الأصح؛ لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع فلا يكون دينًا بالشك. وإذا كان للحيوان منفعة آجرها بإذن الحاكم؛ لأن في ذلك إبقاء للعين على مالكها من غير إلزام الدين عليه. وإن لم يكن لها منفعة وكان الأصلح في بيعها أمره القاضي ببيعها؛ لأنه إذا

стр. 9881

تعذر إبقاء عين المال لم يتعذر حفظ قيمته، وحفظ قيمته إبقاء للمال معنى عند تعذر إبقائه صورة. القول الثاني: ما أنفقه الملتقط على اللقطة فالمالك مخير بين أن يفتك اللقطة فيدفع ما أنفقه عليها وبين أن يترك اللقطة لمن التقطها في نفقته التي أنفق عليها، سواء أنفق بأمر السلطان أو بدونه، وسواء تجاوزت قيمته النفقة أم لا. وله أن يكري الدابة ونحوها كراء مأمونًا (١)، لا يخشى عليه منه؛ لأجل علفها والنفقة عليها. هذا ملخص مذهب المالكية (٢). جاء في المدونة: «قال مالك في المتاع يلتقطه الرجل فيحمله إلى موضع من المواضع ليعرفه فيعرفه ربه، قال مالك: هو لصاحبه، ويدفع إليه هذا الكراء الذي حمله، فكذلك الغنم والبقر إذا التقطها رجل فأنفق عليها، ثم أتى ربها فإنه يغرم ما أنفق عليها الملتقط إلا أن يشاء ربها أن يسلمها. قلت: أرأيت ما أنفق هذا الملتقط على هذه الأشياء التي التقطها بغير أمر السلطان، أيكون ذلك على رب هذه الأشياء إن أراد أخذها في قول مالك؟

стр. 9882

قال: نعم، إن أراد ربها أخذها لم يكن له أن يأخذها حتى يغرم لهذا ما أنفق عليها، بأمر السلطان أو بغير أمر السلطان» (١). ° وجه هذا القول: النفقة تتعلق في ذات اللقطة لا في ذمة مالكها كالجناية في رقبة العبد إن أسلمه المالك لا شيء عليه، وإن أراد أخذه غرم أرش الجناية. وجاز له الكراء مع أن ربها لم يوكله فيه؛ لأن الدواب ونحوها لا بد لها من النفقة عليها، فكان ذلك أصلح لربها، وما زاد من كرائها على علفها فهو لربها. القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن من أنفق على اللقطة فهو متطوع بالنفقة لا يرجع على صاحبها بشيء، وإذا أراد الرجوع فلينفق بإذن الحاكم، فإن لم يجده أشهد (٢). قال النووي في الروضة: «إذا أمسكها وتبرع بالإنفاق فذاك. وإن أراد الرجوع، فلينفق بإذن الحاكم، فإن لم يجد حاكمًا، أشهد» (٣). ° وجه القول: أن الحاكم يقوم مقام الغائب في النظر في ماله، فإذا أنفق ولم يرجع إلى الحاكم مع إمكان الرجوع إليه فهو متبرع بالنفقة، وقد تكون المصلحة في غير

стр. 9883

الإنفاق كما لو كانت المصلحة في البيع، وحفظ الثمن، فإذا لم يكن هناك قاض، أشهد على النفقة، ورجع بها. القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن الملتقط يرجع بما أنفق على الحيوان إن كانت النفقة بإذن حاكم، وإن لم تكن بإذنه ففيه روايتان، الصحيح من المذهب أن له الرجوع بما أنفقه إن نوى الرجوع، ما لم يتعد بأن التقطه لا ليعرفه، أو بنية تملكه في الحال (١). ° وجه هذا القول: أن الإنفاق على مال الغير إنقاذ له من التلف، فكان جائزًا، كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته، ولا يضمن ما نقص بذبحه. وقال ابن القيم: و «لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة، حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه؛ فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع، وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك، ولضاعت مصالح

стр. 9884

الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضًا، وتعطلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء» (١). وهذا هو الراجح بشرط أن يكون ما يدعيه من النفقة قريبًا من نفقة مثله؛ لأنه أمين، والقول قوله في مقدار النفقة، والله أعلم. * * *

стр. 9885

الفصل الثامن في الجعل على رد اللقطة [م-٢٠٢٥] إذا التقط الرجل اللقطة، أو وجد ضالة في غير العبد الآبق فإن كان مالكها لم يجعل جعلا لمن وجدها لم يستحق شيئًا (١). قال ابن قدامة: «ومن رد لقطة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا غير رد الآبق بغير جعل لم يستحق عوضًا، لا نعلم في هذا خلافًا؛ لأنه عمل يستحق به العوض مع المعاوضة فلا يستحق مع عدمها كالعمل في الإجارة» (٢). وأما في رد العبد الآبق، فهل يستحق الجعل بدون شرط، فيه ثلاثة أقوال: فقيل: لا يستحق العامل شيئاً مطلقاً، لا في الضال ولا في الآبق، وهذا مذهب الشافعية. وقيل: لا يستحق شيئاً في الضال، ويستحق في رد الآبق مطلقاً، سواء أكان معروفاً برد الإباق أم لا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. وقيل بالتفصيل: إن كان منتصباً للعمل استحق جعل مثله، في الضال والإباق، وإن لم يكن منتصباً للعمل استحق النفقة فقط، وهذا مذهب المالكية، وهذا كله سبق بحثه في عقد الجعالة فأغنى ذلك عن إعادته. وإن كان المالك قد جعل جعلًا فإن كان قد التقطها قبل أن يبلغه الجعل لم يستحق شيئًا كذلك.

стр. 9886

وإن كان قد التقطها من أجل الجعل، فإن كان ذلك في رد الآبق فقد اتفق الأئمة الأربعة على جواز الجعالة على رده، قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه مخالفاً» (١). ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم. ° وجه المنع عند ابن حزم: يرى ابن حزم أن الجعالة ليست عقداً، وإنما هي مجرد وعد، ويستحب له الوفاء. قال ابن حزم: «لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، فمن قال لآخر: إن جئتني بعبدي الآبق فلك دينار، أو قال: إن فعلت كذا وكذا علي درهم، أو ما أشبه هذا، فجاءه بذلك لم يقض عليه بشيء، ويستحب لو وفى بوعده .... إلا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة، أو ليأتيه به من مكان معروف، فيجب له ما استأجره به» (٢). وإن كان ذلك في غير رد الآبق كما في اللقطة والضالة من الدواب ونحوهما فقد اختلف الفقهاء في صحة الجعالة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى منع الجعالة في غير الآبق، وأجازوها في الآبق استحساناً، صيانة للمال من الضياع (٣).

стр. 9887

جاء في حاشية ابن عابدين: «رجل ضل له شيء، فقال: من دلني على كذا فله كذا، فهو على وجهين: إن قال ذلك على سبيل العموم، بأن قال: من دلني، فالإجارة باطلة؛ لأن الدلالة والإشارة ليست بعمل يستحق به الأجر. وإن قال على سبيل الخصوص، بأن قال لرجل بعينه: إن دللتني على كذا فلك كذا، إن مشى له فدله فله أجر المثل للمشي لأجله؛ لأن ذلك عمل يستحق بعقد الإجارة، إلا أنه غير مقدر بقدر، فيجب أجر المثل، وإن دله بغير مشي، فهو والأول سواء» (١). أي لا يستحق شيئاً. القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى جواز الجعل مطلقاً في الآبق وغيره (٢). وسبق ذكر أدلة المسألة في عقد الجعالة في المجلد العاشر، ورجحت جواز عقد الجعالة في الآبق وغيره، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد. * * *

стр. 9888

الفصل التاسع في زكاة المال الملتقط المبحث الأول زكاة المال الملتقط قبل التعريف [م-٢٠٢٦] المال الملتقط قبل التعريف لا زكاة فيه على الملتقط؛ لأنه لم يدخل ملكه، والمال أمانة عنده إلا أن يلتقطها لنفسه، لا ليعرفها (١). وفي وجوبها على المالك إذا وجدها الخلاف في المال المغصوب والضال، وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: لا زكاة فيها لما مضى، بل يستأنف فيه حولًا جديدًا، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، والقول القديم للإمام الشافعي، ورواية في مذهب الحنابلة، رجحها ابن تيمية (٢).

стр. 9889

القول الثاني: يزكيها لحول واحد، وهو المشهور من مذهب المالكية (١). جاء في البيان والتحصيل: «وإذا وجد لقطة له سقطت منه، فوجدها بعد سنين، فليس عليه إلا زكاة واحدة ... » (٢). القول الثالث: يزكيها لما مضى، اختاره سحنون من المالكية، وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). واستثنى سحنون ما إذا ضمنها الملتقط فإنه لا يزكيها مالكها إلا سنة واحدة، كما لو تسلفها؛ لأنها تكون في حكم الدين (٤). قال الرزكشي في شرحه على مختصر الخرقي: «لو لم يملكها الملتقط بعد الحول زكاها مالكها لجميع الأحوال على المذهب» (٥). وذكر صاحب الإنصاف أن الزكاة في المال الضائع كالدين على المليء،

стр. 9890

فتجب الزكاة فيه إذا قبضه لما مضى، وهو الصحيح من المذهب، وقال في الفروع: اختاره الأكثر (١). جاء في فتح العزيز: «اللقطة في السنة الأولى باقية على ملك المالك فلا زكاة فيها على الملتقط، وفي وجوبها علي المالك الخلاف المذكور في المغصوب والضال» (٢). وجاء في المهذب: «وأما المال المغصوب والضال فلا تلزمه زكاته قبل أن يرجع إليه، فإن رجع إليه من غير نماء ففيه قولان: قال في القديم: لا تجب؛ لأنه خرج عن يده وتصرفه، فلم تجب عليه زكاته كالمال الذي في يد مكاتبه. وقال في الجديد: تجب عليه؛ لأنه مال له يملك المطالبة به، ويجبر على التسليم إليه فوجبت فيه الزكاة كالمال الذي في وكيله» (٣). وقال ابن قدامة: «وفي المغصوب والضالّ والدين على من لا يمكن استيفاؤه منه لإعسار أو جحد أو مطل روايتان: إحداهما: لا زكاة فيه؛ لأنه خارج عن يده وتصرفه، أشبه دين الكتابة، ولأنه غير تام أشبه الحلي. والثانية: فيه الزكاة؛ لأن الملك فيه مستقر، ويملك المطالبة به فوجبت الزكاة فيه كالدين على مليء» (٤).

стр. 9891

° الراجح: أرى أن القول بأنه يزكيه لسنة واحدة أعدل الأقوال، فهو كالثمرة تحصل في يده، والقول بوجوب زكاتها لما مضى مع عدم تمكنه من هذا المال فيه إجحاف له، والقول بأنه يستأنف حولًا جديدًا في إجحاف في حق الفقير، فالتوسط عدل، والله أعلم. * * *

стр. 9892

المبحث الثاني زكاة المال الملتقط بعد التعريف [م-٢٠٢٧] إذا قام واجد اللقطة بالتعريف سنة، فمن قال: إن اللقطة لا تملك كالحنفية فإنه لا زكاة على الواجد مطلقًا؛ لأنه لا سبيل له إلى تملك اللقطة، فهو إن كان غنيًا وجب عليه أحد أمرين: حفظها لصاحبها، أو التصدق بها، وإن كان فقيرًا جاز له أكلها؛ لأنه من أهل الصدقة. وأما من قال بجواز تملكها، وهم الجمهور، سواء قلنا: تدخل في ملكه تلقائيًا إذا عرفها سنة، أو قلنا: لا يملكها إلا إذا نوى تملكها، أو قلنا: يملكها إذا تلفظ بذلك، أو قلنا: يملكها إذا تصرف فيها، وكلها أقوال في المسألة، وسبق بحث هذه المسألة مع ذكر أدلة كل قول. فإذا تملك الواجد اللقطة، فهل تجب عليه زكاته، في المسألة قولان: القول الأول: تجب عليه الزكاة إذا حال عليها الحول من تملكه لها، وهذا هو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). قال الدردير: «وضائعة سقطت من ربها ثم وجدها بعد أعوام فتزكى لعام واحد ولو التقطت، ما لم ينو الملتقط تملكها ثم يمر عليها عام من يوم نوى

стр. 9893

التملك فإنها تجب على الملتقط وتسقط عن ربها» (١). قال الدسوقي تعليقًا: «إن كان عنده ما يجعل في مقابلتها، وإلا لم تجب عليه» (٢). وجاء في المجموع: «إذا تملكها الملتقط فلا تجب زكاتها على المالك لخروجها عن ملكه .... ثم الملتقط مديون بالقيمة فإن لم يملك غيرها ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى أن الدين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ وإن ملك غيرها شيئًا يفي بالزكاة، فوجهان مشهوران: الصحيح باتفاق الأصحاب وجوب الزكاة إذا مضى عليه حول من حين ملك اللقطة؛ لأنه ملك مضى عليه حول في يد مالكه. والثاني: لا تجب لضعفه لتوقع مجئ المالك. قال أصحابنا: هما مبنيان على أن المالك إذا ظفر باللقطة بعد أن تملكها الملتقط، هل له الرجوع في عينها، أم ليس له إلا القيمة؟ فيه وجهان مشهوران، فإن قلنا: يرجع في عينها فملك الملتقط ضعيف؛ لعدم استقراره فلا زكاة، وإلا وجبت. أما إذا قلنا لا يملك الملتقط إلا بالتصرف فلم يتصرف كما إذا لم يتملك وقلنا لا يملك إلا به، والله أعلم» (٣).

стр. 9894

وقال في الإنصاف: «إذا ملك الملتقط اللقطة بعد الحول استقبل بها حولًا، وزكاها على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب ... » (١). وقال ابن قدامة: «وإذا حصل الضال في يد الملتقط فهو في حول التعريف على ما ذكرناه، وفيما بعده يملكه الملتقط فزكاته عليه دون ربه. ويحتمل أن لا تلزمه زكاته، ذكره ابن عقيل؛ لأن ملكه غير مستقر؛ إذ لمالكه انتزاعه منه عند مجيئه، والأول أصح؛ لأن الزكاة تجب في الصداق قبل الدخول، وفي المال الموهوب للابن مع جواز الاسترجاع» (٢). القول الثاني: لا يلزمه زكاتها، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). جاء في المحيط البرهاني نقلًا عن محمد: «رجل له ألف درهم التقط لقطة ألف درهم، وعرفها سنة، ثم تصدق بها، ففي القياس لا زكاة عليه في ألف؛ لأن صاحب اللقطة إن شاء ضمنها إياه، ولكن يستحسن بأن يزكها قال: وبه نأخذ» (٤).

стр. 9895

° وجه القول بعدم زكاتها: اختلفوا في توجيه القول بعدم زكاتها على قولين: أحدها: أنه إذا تصرف فيها كانت مضمونة عليه بمثلها، أو بقيمتها، فتكون دينًا عليه في الحقيقة. حكاه القاضي أبو يعلى من الحنابلة، وهو مذهب الشافعي. ويناقش: بأنه على القول بأن الدين يمنع الزكاة، وفيه خلاف مشهور، فإن الدين إنما يمنع إذا نقص به النصاب. التوجيه الثاني: اختار ابن عقيل أن عدم الزكاة فيها؛ لأن ملكه لها غير مستقر لاحتمال ظهور صاحبها (١). ° الراجح: وجوب الزكاة على الملتقط إذا مضى عليها حول كامل من تملكها له، وأما قبل تملكه لها فلا تجب عليه زكاتها، والله أعلم. * * *

стр. 9896

الباب الرابع في استرداد اللقطة الفصل الأول في اشتراط البينة لاسترداد اللقطة [م-٢٠٢٨] إذا جاء طالب اللقطة، فأعطى علامة العفاص والوكاء فهل تدفع إليه بذلك، أو لابد من البينة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يستحق اللقطة بوصفها وليس عليه أن يقيم البينة، ويجبر الملتقط على دفعها إليه، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة (١). واختلف المالكية هل تدفع إليه باليمين؟ فقال ابن القاسم: لا يحلف، وقال أشهب: وسحنون: يحلف.

стр. 9897

قال القرافي: «إذا وصف عفاصها ووكاءها وعدتها أخذها وجوبا السلطان على ذلك» (١). وقال ابن جزي: «وإن عرف عفاصها ووكاءها وعددها دفعت إليه وليس عليه أن يقيم البينة عليها» (٢). قال ابن رشد: «هذا قول مالك ﵀، وجميع أصحابنا، لا اختلاف بينهم فيه» (٣). وقال ابن قدامة: «فإن جاء ربها فوصفها له، دفعت إليه بلا بينة، يعني إذا وصفها بصفاتها المذكورة، دفعها إليه، سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب، وبهذا قال مالك ... وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجبر على ذلك إلا ببينة» (٤). وجاء في الإنصاف: «فمتى جاء طالبها، فوصفها، لزمه دفعها إليه، يعني: من غير بينة ولا يمين بلا نزاع، وسواء غلب على ظنه صدقه، أو لا على الصحيح من المذهب نص عليه» (٥). القول الثاني: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفعها إليه بالصفة، ولا يجبر على ذلك قضاء

стр. 9898

إلا ببينة، وهذا مذهب الحنفية والشافعية (١). قال الحنفية: إذا دفعها بالعلامة أخذ منه كفيلًا استيثاقًا (٢). جاء في الهداية: «وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم تدفع إليه حتى يقيم البينة، فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء .... ويأخذ منه كفيلًا إذا كان يدفعها إليه استيثاقًا، وهذا بلا خلاف» (٣). وفي الاختيار لتعليل المختار: «ومن ادعى اللقطة يحتاج إلى البينة; لأنها دعوى، فإن أعطى علامتها جاز له أن يدفعها إليه، ولا يجبر؛ لجواز أنه عرفها من صاحبها أو رآها عنده» (٤). وفي الدر المختار: «وله أخذ كفيل إلا مع البينة في الأصح» (٥). وقال الإمام الشافعي في الأم: «إذا عرف رجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه لم يدع باطلا أن يعطيه، ولا أجبره في الحكم إلا ببينة تقوم عليها كما تقوم على الحقوق» (٦).

стр. 9899

القول الثالث: ذهب بعض متأخري الشافعية إلى قول ثالث، حيث قالوا: يجب الدفع لمن أصاب الوصف إذا كان ذلك قبل التملك؛ لأنه حينئذ مال ضائع لم يتعلق به حق ثان، بخلاف ما بعد التملك فإنه حينئذ يحتاج المدعي إلى البينة لعموم قوله ﵇ البينة على المدعي (١). وكأن هذا القول حاول أن يجمع بين حديث اللقطة، وحديث البينة على المدعي. ° دليل من قال: إذا وصفها دفعت إليه: الدليل الأول: من القرآن الكريم، قال ابن رشد: «ومما يعتبر به في دفع اللقطة إلى صاحبها بالصفة قول الله : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). [يوسف: ٢٦، ٢٧]. وجه الاستدلال: حيث جعل صفة الخرق في القميص دليلًا على الإدانة والبراءة، ولم يتوقف ذلك على البينة، فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم.

стр. 9900

الدليل الثاني: (ح-١٢٣٩) ما رواه البخاري في قصة المتلاعنين، وفيه: قال رسول الله ﵇: انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﵇ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه (١). (ح-١٢٤٠) وفي البخاري أيضًا في قصة تلاعن هلال بن أمية في قذفه لامرأته، قال النبي ﵇: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﵇: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن (٢). فهذا دليل على العمل بالأمارات، ومنها الأخذ بالعلامة والوصف. الدليل الثالث: (ح-١٢٤١) ما رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة الرأي، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: وفيه: فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها ووكاءها، فأعطها إياه وإلا فهي لك (٣).

стр. 9901

وأجيب عن الحديث بجوابين: الجواب الأول: قال النووي في شرح مسلم: «المراد أنه إذا صدقه جاز له الدفع إليه ولا يجب، فالأمر بدفعها بمجرد تصديقه ليس للوجوب والله أعلم» (١). ويجاب: بأن الحديث فيه الأمر بدفعها إليه بمجرد وصفها، والأصل في الأمر الوجوب. الجواب الثاني: أن حماد بن سلمة قد تفرد بزيادة: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك). وهذا ما ذهب إليه أبو داود في سننه، قال: «وهذه الزيادة التي زادها حماد بن سلمة ...... (إن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه) ليست بمحفوظة فعرف عفاصها ووكاءها ... » (٢). قلت: قد تابعه سفيان الثوري عن ربيعة، إلا أن سفيان قد اختلف عليه فيه (٣).

стр. 9902

وقد رواه جمع عن ربيعة الرأي: منه مالك، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعمرو بن الحارث، وأيوب بن موسى ولم يقل أحد منهم ما ذكره حماد: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فأعطها إياه) (١)، إلا ما قاله سفيان على اختلاف عليه في لفظه، فأعتقد أن من قال: فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها إنما رواه بالمعنى؛ إذ يبعد أن يكون الجميع لفظًا

стр. 9903

محفوظًا في الحديث، والقصة واحدة ثم يتفق هذا العدد الكثير على عدم ذكر ما ذكره حماد إلا ما اختلف فيه على سفيان، والله أعلم. هذا بالنسبة للاختلاف على رواية ربيعة عن يزيد مولى المنبعث، أما رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يزيد مولى المنبعث. فرواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد كما سبق بذكر (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها). وخالفه سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، رواه البخاري ومسلم (١)، بلفظ: (فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه) هذا لفظ مسلم. وكما أن حماد بن سلمة، وكذا رواية سفيان الثوري من رواية محمد بن يوسف عنه جاء فيه من حديث زيد بن خالد الجهني: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءه) جاء ذلك أيضًا من رواية حماد بن سلمة والثوري وزيد بن أبي أنيسة من مسند أبي بن كعب، فإن كان محفوظًا فذاك، وإلا حمل على أحد أمرين: أحدهما: أن يكون هذا من رواية الحديث بالمعنى. الثاني: أن يكون دخل لفظ حديث زيد بن خالد على لفظ حديث أبي بن كعب، وإن كان هذا الاحتمال لا يقال إلا بقرينة، وقرينة ذلك أن يقال: إن من تفرد بذكر ذلك من حديث زيد بن خالد هو من تفرد بذكر هذا من حديث أبي بن كعب إلا ما كان من زيد بن أبي أنيسة فهو لم يرو حديث زيد بن خالد (٢).

стр. 9904

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9906

ومن أجل هذا الاختلاف في لفظ الحديث اختلف الفقهاء في الغاية من الأمر النبوي الكريم من قوله ﵇: (اعرف عفاصها ووكاءها): فقيل: فائدة ذكر عفاصها ووكائها حتى إذا جاء من يذكر صفتها دفعت إليه بلا بينة، وهذا مذهب المالكية والحنابلة. وأما من قال: إن اللقطة لا يجب دفعها إلا بالبينة، فقال: إن الفائدة من حفظ عفاصها ووكائها أمور منها: الأول: من أجل أن تتميز عن ماله فلا تختلط به. الثاني: أن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا استنفقها، فأمره بمعرفتها وحفظها حتى إذا ما جاء صاحبها بعد استنفاقها أمكنه أن يدفع إليه بدلها. الثالث: أمره بحفظ وعائها ووكائها حتى تكون الدعوى فيها معلومة؛ لأن الدعوى المبهمة لا تقبل. الدليل الثاني: لا يقدر كل أحد أن يقيم بينة على كل ما يملك من مال، فلو كانت اللقطة لا ترد إلا على من يملك بينة على ملكه لها فإن هذا يعني أن يذهب أكثر الأموال الضائعة على أصحابها، فلا تكاد تجد أحدًا يستطيع أن يقدم ببينة على ملكه لآحاد ماله، فإذا وصف ماله وصفًا مطابقًا، ولم يوجد ما يعارض ذلك كان ذلك قرينة على صدقه، فجاز دفعه إليه. قال ابن بطال: «لو لم يجب عليه دفعها إلى من يأتي بصفتها لم يكن لمعرفة

стр. 9907

صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه، لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من أجل ذلك» (١). ° دليل من قال: لا يجبر على دفع اللقطة إلا ببينة: (ح-١٢٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل. عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (٢). (ح-١٢٤٣) ولما روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٣). فهذا الرجل يدعي ملك اللقطة، فهو مدع، والدعوى لا تثبت إلا ببينة. ويجاب عن هذين الحديثين بأجوبة، منها: الجواب الأول: أن يقال: إن حديث البينة على المدعي هذا حديث عام في اللقطة وغيرها، وحديث: إذا جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فأعطها إياه) حديث خاص، والحديث الخاص مقدم على الحديث العام، فيكون حديث البينة على المدعي خص منه مدعي اللقطة، والله أعلم.

стр. 9908

الجواب الثاني: أن البينة تطلب في مسألة يكون فيها مدع ومنكر، واللقطة فيها مدع، وليس فيها منكر، ولهذا لو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا: لا يجوز دفعها بالصفة مطلقًا حتى ولو غلب على ظنه صدقه، وقد أجاز الحنفية والشافعية جواز الدفع إليه بالوصف إلا أنهم لم يوجبوه، فلما جوزوا الدفع بلا بينة فقد خالفوا حديث البينة على المدعي. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنها تدفع إليه بغير بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه، ولا يجب، كقول الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من يقول: يجب دفعها بذكر الوصف المطابق، كقول مالك وأحمد» (١). الجواب الثالث: أن البينة في الشرع: هو ما أبان الحق وأظهره، ووصفها هو بينتها، وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال التي يدعيها أحد، ولا يكون له فيها منازع، فيكتفى بوصفه إياها، كالأموال المنهوبة والمغصوبة، والمسروقة إذا وجدت مع اللصوص وقطاع الطريق ونحوهم، فيكتفى فيها بالصفة (٢). ° الراجح: أن اللقطة تدفع لمن وصفها وصفًا مطابقًا إذا ذكر أكثر صفاتها، ولا ضمان على دافعها ولو ظهر لها مالك آخر بعد دفعه لها، والله أعلم. * * *

стр. 9909

الفصل الثاني في استرداد اللقطة بمعرفة بعض صفاتها [م-٢٠٢٩] إذا ادعى اللقطة فعرف بعض صفاتها كعفاصها وجنسها وجهل عددها ووزنها، فهل تدفع إليه؟ أما من قال: لا يجب دفع اللقطة بذكر العلامات وحدها إذا لم يكن هناك بينة كمذهب الحنفية والشافعية فهذا المسألة لا تتنزل على مذهبهم (١). وأما من قال: تدفع اللقطة بذكر علاماتها، فقد اختلفوا على قولين: القول الأول: لا بد من ذكر الوكاء والعفاص والعدد إن كانت دراهم أو دنانير، وهو قول ابن القاسم وأشهب (٢). قال الباجي في المنتقى: «والمراعى فيما يصف من ذلك صفة العفاص والوكاء والعدد إن كانت دراهم أو دنانير، قاله ابن القاسم وأشهب، وعند أصبغ: العفاص والوكاء» (٣). قال ابن حجر في الفتح: «وقول بن القاسم أقوى؛ لثبوت ذكر العدد في

стр. 9910

الرواية الأخرى وزيادة الحافظ حجة» (١). وفي مواهب الجليل: «اعتبار عدد الدنانير والدراهم قولان، قال في التوضيح القول الأول باعتباره لابن القاسم والأخير لأصبغ والأول أظهر ... » (٢). القول الثاني: لا يشترط معرفة العدد إذا عرف العفاص والوكاء، وهو قول أصبغ وابن رشد من المالكية، وابن عبد البر، وهو المشهور (٣). جاء في التاج والإكليل: قال «ابن رشد: أما جهله بالعدد فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء» (٤). قال ابن عبد البر: «وتدفع اللقطة إلى متعرفها إن عرف عفاصها ووكاءها، وإن لم يعرف عدد دنانيرها ودراهمها، ولا صفة سكتها» (٥). ويرجع الخلاف في اشتراط ذكر العدد، أنه قد اختلف في ذكره في رواية زيد بن خالد، وجاء ذكر العدد في رواية أبي بن كعب، فمن رأى أن ذكر العدد في رواية زيد بن خالد زيادة من حافظ، وقد تأكد ذلك في رواية أبي بن كعب ذهب إلى اعتبار اشتراط ذكر العدد في ذكر صفات اللقطة.
следующие страницы →