← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9906–9945 · переход к 9911.

стр. 9906

ومن أجل هذا الاختلاف في لفظ الحديث اختلف الفقهاء في الغاية من الأمر النبوي الكريم من قوله ﵇: (اعرف عفاصها ووكاءها): فقيل: فائدة ذكر عفاصها ووكائها حتى إذا جاء من يذكر صفتها دفعت إليه بلا بينة، وهذا مذهب المالكية والحنابلة. وأما من قال: إن اللقطة لا يجب دفعها إلا بالبينة، فقال: إن الفائدة من حفظ عفاصها ووكائها أمور منها: الأول: من أجل أن تتميز عن ماله فلا تختلط به. الثاني: أن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا استنفقها، فأمره بمعرفتها وحفظها حتى إذا ما جاء صاحبها بعد استنفاقها أمكنه أن يدفع إليه بدلها. الثالث: أمره بحفظ وعائها ووكائها حتى تكون الدعوى فيها معلومة؛ لأن الدعوى المبهمة لا تقبل. الدليل الثاني: لا يقدر كل أحد أن يقيم بينة على كل ما يملك من مال، فلو كانت اللقطة لا ترد إلا على من يملك بينة على ملكه لها فإن هذا يعني أن يذهب أكثر الأموال الضائعة على أصحابها، فلا تكاد تجد أحدًا يستطيع أن يقدم ببينة على ملكه لآحاد ماله، فإذا وصف ماله وصفًا مطابقًا، ولم يوجد ما يعارض ذلك كان ذلك قرينة على صدقه، فجاز دفعه إليه. قال ابن بطال: «لو لم يجب عليه دفعها إلى من يأتي بصفتها لم يكن لمعرفة

стр. 9907

صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه، لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من أجل ذلك» (١). ° دليل من قال: لا يجبر على دفع اللقطة إلا ببينة: (ح-١٢٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن علقمة بن وائل. عن أبيه، في قصة الحضرمي والكندي اللذين اختلفا في الأرض، وفيه: فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة، قال: لا. قال: فلك يمينه ... الحديث (٢). (ح-١٢٤٣) ولما روى البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٣). فهذا الرجل يدعي ملك اللقطة، فهو مدع، والدعوى لا تثبت إلا ببينة. ويجاب عن هذين الحديثين بأجوبة، منها: الجواب الأول: أن يقال: إن حديث البينة على المدعي هذا حديث عام في اللقطة وغيرها، وحديث: إذا جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فأعطها إياه) حديث خاص، والحديث الخاص مقدم على الحديث العام، فيكون حديث البينة على المدعي خص منه مدعي اللقطة، والله أعلم.

стр. 9908

الجواب الثاني: أن البينة تطلب في مسألة يكون فيها مدع ومنكر، واللقطة فيها مدع، وليس فيها منكر، ولهذا لو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا: لا يجوز دفعها بالصفة مطلقًا حتى ولو غلب على ظنه صدقه، وقد أجاز الحنفية والشافعية جواز الدفع إليه بالوصف إلا أنهم لم يوجبوه، فلما جوزوا الدفع بلا بينة فقد خالفوا حديث البينة على المدعي. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «اللقطة إذا جاء من وصفها، فإنها تدفع إليه بغير بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول: يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه، ولا يجب، كقول الشافعي وأبي حنيفة، ومنهم من يقول: يجب دفعها بذكر الوصف المطابق، كقول مالك وأحمد» (١). الجواب الثالث: أن البينة في الشرع: هو ما أبان الحق وأظهره، ووصفها هو بينتها، وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال التي يدعيها أحد، ولا يكون له فيها منازع، فيكتفى بوصفه إياها، كالأموال المنهوبة والمغصوبة، والمسروقة إذا وجدت مع اللصوص وقطاع الطريق ونحوهم، فيكتفى فيها بالصفة (٢). ° الراجح: أن اللقطة تدفع لمن وصفها وصفًا مطابقًا إذا ذكر أكثر صفاتها، ولا ضمان على دافعها ولو ظهر لها مالك آخر بعد دفعه لها، والله أعلم. * * *

стр. 9909

الفصل الثاني في استرداد اللقطة بمعرفة بعض صفاتها [م-٢٠٢٩] إذا ادعى اللقطة فعرف بعض صفاتها كعفاصها وجنسها وجهل عددها ووزنها، فهل تدفع إليه؟ أما من قال: لا يجب دفع اللقطة بذكر العلامات وحدها إذا لم يكن هناك بينة كمذهب الحنفية والشافعية فهذا المسألة لا تتنزل على مذهبهم (١). وأما من قال: تدفع اللقطة بذكر علاماتها، فقد اختلفوا على قولين: القول الأول: لا بد من ذكر الوكاء والعفاص والعدد إن كانت دراهم أو دنانير، وهو قول ابن القاسم وأشهب (٢). قال الباجي في المنتقى: «والمراعى فيما يصف من ذلك صفة العفاص والوكاء والعدد إن كانت دراهم أو دنانير، قاله ابن القاسم وأشهب، وعند أصبغ: العفاص والوكاء» (٣). قال ابن حجر في الفتح: «وقول بن القاسم أقوى؛ لثبوت ذكر العدد في

стр. 9910

الرواية الأخرى وزيادة الحافظ حجة» (١). وفي مواهب الجليل: «اعتبار عدد الدنانير والدراهم قولان، قال في التوضيح القول الأول باعتباره لابن القاسم والأخير لأصبغ والأول أظهر ... » (٢). القول الثاني: لا يشترط معرفة العدد إذا عرف العفاص والوكاء، وهو قول أصبغ وابن رشد من المالكية، وابن عبد البر، وهو المشهور (٣). جاء في التاج والإكليل: قال «ابن رشد: أما جهله بالعدد فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء» (٤). قال ابن عبد البر: «وتدفع اللقطة إلى متعرفها إن عرف عفاصها ووكاءها، وإن لم يعرف عدد دنانيرها ودراهمها، ولا صفة سكتها» (٥). ويرجع الخلاف في اشتراط ذكر العدد، أنه قد اختلف في ذكره في رواية زيد بن خالد، وجاء ذكر العدد في رواية أبي بن كعب، فمن رأى أن ذكر العدد في رواية زيد بن خالد زيادة من حافظ، وقد تأكد ذلك في رواية أبي بن كعب ذهب إلى اعتبار اشتراط ذكر العدد في ذكر صفات اللقطة.

стр. 9911

ومن رأى أن أكثر الرواة في حديث زيد بن خالد قد اكتفوا بذكر العفاص والوكاء، وأن العدد تارة يذكر في صفاتها، وتارة لا يذكر أخذ من ذلك أنه لا يشترط استقصاء جميع الصفات، فإذا جاء ببعض صفاتها دفعت إليه. إذا علم ذلك نأتي لتخريج رواية ذكر العدد في الحديثين ليعلم ما هو المحفوظ من الشاذ. جاء ذكر العدد في حديث زيد بن خالد: (ح-١٢٤٤) رواه مسلم وغيره من طريق أبي بكر الحنفي، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النظر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله ﵇ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة فإن اعترفت فأدها، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه (١). اختلف فيه على الضحاك بن عثمان: فرواه مسلم وغيره من طريق عبد الله بن وهب، حدثني الضحاك بن عثمان به، ولم يذكر العدد. وتابعه ابن أبي فديك عند أحمد (٢)، وأبي داود (٣)، فرواه عن الضحاك به، ولم يذكر العدد. وخالفهما في ذلك أبو بكر الحنفي، عند مسلم (٤)، فرواه عن الضحاك بن عثمان بذكر العدد.

стр. 9912

وعبد الله بن وهب أرجح من أبي بكر الحنفي، وقد توبع عبد الله بن وهب في هذا الإسناد. كما جاء ذكر العدد من طريق حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة الرأي، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، رواه مسلم بلفظ: (فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها ووكاءها، فأعطها إياه وإلا فهي لك). وقد خالف حمادًا جمع من الرواة ممن رووه عن ربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري فلم يذكروا العدد، منهم: الأول: مالك كما في صحيح البخاري ومسلم وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما (١). الثاني: إسماعيل بن جعفر، كما في صحيح البخاري ومسلم (٢) وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما. الثالث: سفيان الثوري، كما في صحيح البخاري (٣). الرابع: سليمان بن بلال كما في صحيح البخاري، وأكتفي بالبخاري عن غيره (٤). الخامس: عمرو بن الحارث، كما في صحيح ابن حبان (٥).

стр. 9913

السادس: أيوب بن موسى، كما في معجم الطبراني في الأوسط وفي الكبير (١)، كلهم رووه عن ربيعة، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، بدون ذكر العدد. ومالك وحده أو الثوري وحده مقدم على حماد بن سلمة، فكيف بهؤلاء الجماعة. أما من رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مخالفًا لحماد: فقد رواه البخاري ومسلم (٢)، من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري به بدون ذكر العدد موافقًا لرواية الجماعة عن ربيعة الرأي. لهذا أستطيع أن أقول إن المحفوظ من حديث زيد بن خالد الجهني ذكر العفاص والوكاء بدون ذكر العدد، والذي ذكرها كالضحاك بن عثمان قد اختلف عليه فيه، ومن رواها عنه بدون ذكر العدد أكثر وأتقن حفظًا ممن ذكرها، وأما رواية حماد بن سلمة فإنها لا تقوى على مخالفة الأئمة من مثل مالك والثوري ومن تابعهما، والله أعلم. ويبقى ذكر العدد قد جاء من رواية أبي بن كعب: (ح-١٢٤٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق غندر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت سويد بن غفلة، عن أبي بن كعب، قال: إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﵇، فأتيت بها رسول الله ﵇، فقال: عرفها حولًا، قال: فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: عرفها

стр. 9914

حولًا، فعرفتها، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته، فقال: عرفها حولًا، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها، ووعاءها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا، فاستمتع بها، فاستمتعت بها، فلقيته بعد ذلك بمكة، فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد. واللفظ لمسلم، وفيه قصة لسلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان مع سويد بن غفلة. ورواه مسلم من طريق بهز عن شعبة، به، وفيها: قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عامًا واحدًا (١). وجاء ذكر العدد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إلا أنه قد اختلف فيه على عمرو في ذكر العدد. فأخرجه الطوسي في مستخرجه على جامع الترمذي (٢) من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمرو، عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: (اعرف عددها ووعاءها وعفاصها، ثم عرفها عامًا، فإن جاء صاحبها فعرف عددها ووعاءها وعفاصها فادفعها إليه، وإلا فهي لك). وعلقه أبو داود في سننه (٣). وانفرد حماد بن سلمة بذكر العدد، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد، وأبو داود من طريق محمد بن إسحاق (٤).

стр. 9915

ورواه أحمد من طريق عبد الرحمن بن الحارث (١). ورواه ابن أبي شيبة أيضًا من طريق هشام بن سعد (٢). ورواه النسائي من طريق عبيد الله بن الأخنس (٣). ورواه أبو داود النسائي والبيهقي من طريق ابن عجلان (٤). ورواه ابن الجارود في المنتقى والنسائي في الكبرى، والطحاوي وابن خزيمة من طريق عمرو بن الحارث وهشام بن سعد (٥). ورواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني في السنن من طريق أيوب السختياني (٦). ورواه الشافعي في مسنده، والحميدي في مسنده، والطبراني في الأوسط، والدارقطني في السنن، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الكبرى من طريق يعقوب بن عطاء (٧). ورواه الشافعي في مسنده، والحميدي في مسنده، والحاكم في المستدرك،

стр. 9916

والبيهقي في السنن الكبرى من طريق داود بن شابور (١). ورواه البيهقي من طريق الوليد بن كثير (٢). ورواه الطبراني في الأوسط من طريق سفيان بن حسين الواسطي (٣). كلهم رووه عن عمرو بن شعيب بدون ذكر العدد مخالفين لرواية حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب، وأعتقد أنه دخل على حماد بن سلمة حديث زيد بن خالد بحديث عبد الله بن عمرو، وهو قد روى الحديثين كما أسلفنا في التخريج، والله أعلم. فذكر العدد محفوظ من حديث أبي بن كعب ﵁، فالفقه أن يقال: إن عدم ذكره في رواية زيد بن خالد الجهني دليل على أن الرجل إذا ذكر بعض صفاتها جاز الدفع إليه، ولو لم يأت على جميع صفاتها، والله أعلم. وبهذا أكون قد انتهيت من بحث المسائل المختارة من عقد اللقطة، فلله الحمد والمنة. * * *

стр. 9917

عقد اللقيط

стр. 9918

التمهيد المبحث الأول في تعريف اللقيط تعريف اللقيط اصطلاحاً (١): تعريف الحنفية: قال السرخسي: «اسم لحي مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من تهمة الريبة» (٢). قوله: (اسم لحي) أخرج الميت، قال ابن عابدين: «وهو غير ظاهر؛ لأن

стр. 9919

الميت كذلك فيما يظهر حتى يحكم بإسلامه تبعا للدار، فيغسل، ويصلى عليه، ولو وجد قتيلا في محلة تجب فيه الدية والقسامة» (١). وقوله: (طرحه أهله) احترازًا من الضائع، فلا يسمى لقيطًا عندهم. وقوله: (خوفًا من العيلة) بيان للباعث على الطرح، وقد قسمه إلى قسمين: الخوف من الفقر. والثاني ما ذكره بقوله: (أو فرارًا من تهمة الريبة) والمقصود الزنا. تعريف المالكية: عرفه ابن عرفة بأنه: «صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه» (٢). فقوله: (صغير) يشمل الذكر والأنثى، والمميز وغيره، وخرج به البالغ؛ لأنه قادر على القيام بمصالح نفسه من نفقة ونحوها. وقوله: (آدمي) خرج به غير الآدمي، فإن كان حيوانًا فهو ضالة، وإن كان جمادًا فهو لقطة. قوله: (لم يعلم أبوه) لأن من علم أبوه فلا يسمى لقيطًا، للوقوف على نسبه، وكذا خرج ولد الزنا؛ لأنه قد علم أحد أبويه، وهو الأم، وهي بمنزلة الأب، فعليها القيام به. وقوله: (ولا رقه) لأنه إن علم رقه فإن كان صغيرًا فهو لقطة، وليس لقيطًا، وإن كان كبيرًا فهو آبق.

стр. 9920

تعريف آخر: عرفه بعض المالكية بأنه صغير آدمي لم يعرف أبواه، وجد في غير حرز، يخاف عليه من الهلاك. تعريف الشافعية: عرفه الشافعية بقوله: صغير ضائع لا يعلم له كافل (١). فقوله: (صغير) أي ولو مميزًا في أحد القولين عند الشافعية، لحاجته إلى التعهد، ويقاس عليه البالغ المجنون لحاجته إلى التعهد، وإنما ذكروا الصغير؛ لأنه الغالب، قاله السبكي وغيره. وخرج به البالغ لاستغنائه عن الحفظ. وقوله: (ضائع) الضائع هو الطفل إذا ضل عن أهله، فهل يعتبر لقيطًا إذا كان لا كافل له، وإن لم يطرح قصدًا. قال ابن شاس في تعريف اللقيط: كل صبي ضائع لا كافل له (٢). وقال النووي: يقال للصبي الملقى الضائع لقيط (٣). فهذا الطفل الضائع هل يؤخذ على أنه لقيط لا يعرف نسبه، أو نقول: يجب أن يبحث عن أهل هذا الطفل، فإن أهله لم ينبذوه، فيشبه اللقطة الواجب تعريفها حتى يوجد أهلها؟ هذا هو الظاهر، ورجحه شيخنا ابن عثيمين ﵀.

стр. 9921

تعريف الحنابلة: جاء في الإقناع: «طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل إلى سن التمييز، وقيل: والمميز إلى سن البلوغ وعليه الأكثر» (١). ومحترزات التعريف قد سبق التطرق لها في التعريفات السابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها، والله أعلم. * * *

стр. 9922

المبحث الثاني في أركان الالتقاط [م-٢٠٣٠] عند الكلام على الأركان نقف على اجتهادين: الاجتهاد الأول: مدرسة الحنفية التي ترى أن ركن الشيء: هو ما يتوقف عليه وجوده، وكان جزءاً داخلاً في حقيقته، ففي البيع والإجارة والنكاح ونحوها: هو الإيجاب والقبول فقط، وأما العاقد والمعقود عليه فليست أركانًا. وكذا في عقد الوقف الركن هو الصيغة فقط، وأما الواقف والموقوف عليه، والعين الموقوفة فليست أركانًا (١). وعلى هذا الركن في اللقيط هو اللقط فقط، وأما اللقيط، والملتقط فهي من لوازم الشيء، وليست جزءاً من حقيقته، وإن كان يتوقف عليها وجوده. والثاني: مدرسة الجمهور التي ترى أن الركن: هو ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلاً، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن، فأركان العقد عندهم تشمل الصيغة والعاقد والمعقود عليه، وإذا كان كذلك فإن أركان اللقيط عندهم ثلاثة: اللقيط، واللقط، واللاقط (٢).

стр. 9923

ومذهب الحنفية أجود، وأدق في الجملة، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركناً في مثل عقد الوصية وعقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركناً في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. هذا بيان لسبب الخلاف بين الحنفية والجمهور في ركن الشيء. * * *

стр. 9924

الباب الأول في حكم نبذ الطفل والتقاطه الفصل الأول في حكم نبذ الطفل [م-٢٠٣١] نص الحنابلة على أن نبذ الطفل لا يجوز؛ لأنه تعريض له للتلف. جاء في كشاف القناع: «ويحرم النبذ؛ لأنه تعريض للمنبوذ للتلف» (١). ولأن في طرح الطفل تركًا لحقه في حضانة أمه، والقيام برعايته، والنفقة عليه، وثبوت نسبه، وتعريضًا له لليتم، بل إنه أشد يتمًا ممن يعرف نسبه، ذلك أن اليتيم في الشرع هو من فقد والده، وقد يكون في حضانة أمه، وقد يجد قريبًا يلجأ إليه عند الضرورة، ولا يلحقه آذى معنوي من اليتم، بل هو سبب جالب للعطف بخلاف المنبوذ فإنه فاقد لأمه وأبيه، لا يعرف نسبه، مع ما يجد من نظرة المجتمع إليه في ذنب ليس مسئولًا عنه. وقد تعرض يوسف ﵇ لما تعرض له من الاسترقاق والسجن والتعرض لفتنة النساء إلى غير ذلك من الابتلاء حين ألقاه إخوته في غيابة الجب، فالتقطه بعض السيارة، وقد استغفر يوسف لإخوته عن فعلتهم به. والقول بالتحريم لا ينبغي الخلاف فيه مهما كان سبب النبذ إلا أن يكون من

стр. 9925

فعل هذا فعله من أجل مصلحة الطفل، كأن يخاف على الطفل من قتل محقق فإن نبذه جائز ارتكابًا لأدنى المفسدتين، حيث يجوز دفع الضرر المتحقق بالضرر المشكوك فيه، كما فعلت أم موسى حين خافت على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]. وكما خرج موسى إلى مدين عندما خاف القتل مع عدم علمه بالطريق ولم يكن له دليل يهديه. قال السعدي ﵀: «عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، فتبعها موسى» (١). قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. (ث-٣١٢) روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس أنه قال: خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه (٢). [صحيح]. * * *

стр. 9926

الفصل الثاني في حكم التقاط الصبي [م-٢٠٣٢] إذا خيف على اللقيط الهلاك كما لو وجده في صحراء لا أحد فيها، أو كان بين يدي سبع كان التقاطه فرض عين إذا لم يعلم به غيره؛ وعلى الكفاية إن علم به أكثر من واحد؛ لأن في تركه تعريضًا له للتلف، وفي إنقاذه إنقاذًا لنفس معصومة، وكما يجب إنقاذ الغريق وبذل الطعام للجائع، وتنبيه الأعمى إذا أوشك على الوقوع في البئر. ولأننا إذا كنا مأمورين بحفظ الأموال فحفظ النفوس أولى؛ لأنها أعظم حرمة عند الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على وجوب التقاطه. جاء في فتح القدير: «هذا الحكم وهو إلزام التقاطه إذا خيف هلاكه مجمع عليه» (١). وقال العيني: «إذا خاف هلاكه، فحينئذ فرض عين؛ لإجماع الأمة، كمن رأى أعمى يقع في البئر يفرض عليه حفظه عن الوقوع» (٢). وفي الدر المختار: «التقاطه فرض كفاية إن غلب على ظنه هلاكه لو لم يرفعه، ولو لم يعلم به غيره ففرض عين» (٣).

стр. 9927

وقال ابن رشد: «يلزم أن يؤخذ اللقيط، ولا يترك؛ لأنه إن ترك ضاع وهلك، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وإنما اختلفوا في لقطة المال» (١). وقال الدسوقي في حاشيته: «محل الكفاية إن لم يخف عليه، وإلا وجب عينًا» (٢). وفي حاشية الجمل: «ومحل كونه فرض كفاية إذا علم به أكثر من واحد، وإلا كان فرض عين، ولا يخفى أن هذا شأن كل فرض كفاية» (٣). قلت: أقل الواجب أن يأخذه لا لنية تربيته، وإنما ليرفعه إلى الحاكم. [م-٢٠٣٣] وإن وجده في مكان لا يخاف عليه فيه من الهلاك لكثرة الناس فيه، ويوقن أن الناس سوف يسارعون إلى أخذه وإنقاذه، فاختلف العلماء في حكم التقاطه على ثلاثة أ قوال: القول الأول: أن التقاطه مندوب، وهذا مذهب الحنفية (٤). جاء في الهداية شرح البداية: «والالتقاط مندوب إليه لما فيه من إحيائه، وإن غلب على ظنه ضياعه فواجب» (٥).

стр. 9928

° دليل من قال: إنه مندوب إليه: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ولا شك أن أخذ هذا الصغير وكفالته وتربيته والإحسان عليه من التعاون على البر والتقوى، وفعل ذلك بمنزلة كفالة اليتيم أو هو أفضل، وإذا كان كذلك فهو داخل في مطلق الآيتين، وأقل الأمر في هذا العمل الصالح أن يكون أخذ اللقيط مندوبًا إلى فعله. الدليل الثاني: لا يوجد دليل يدل على وجوب أخذ الطفل قبل الخوف عليه من الهلاك، وأما إذا خيف عليه من الهلاك فإن الإجماع على وجوب أخذه. قال ابن الهمام: «قول الشافعي وباقي الأئمة الثلاثة فرض كفاية، إلا إذا خاف هلاكه ففرض عين يحتاج إلى دليل الوجوب قبل الخوف، نعم إذا غلب على الظن ضياعه أو هلاكه فكما قالوا» (١). الدليل الثالث: (ح-١٢٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي نجيح، عن عبيد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو، يبلغ به النبي ﵇، قال: من لم يرحم

стр. 9929

صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا (١). [صحيح] (٢). القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الالتقاط فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعًا (٣). قال الخرشي: «من وجد طفلًا منبوذًا ذكرًا أو أنثى فإنه يجب عليه لقطه، وهو فرض كفاية» (٤). وقال العمراني في البيان: «التقاطه فرض على الكفاية إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين، وإن تركوه أثم جميع من علم به» (٥).

стр. 9930

° الدليل على أنه من فروض الكفايات: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وجه الاستدلال: أخذ اللقيط وإحرازه إحياء لنفسه، وذلك بدفع سبب الهلاك عنه، وتركه سبب لهلاكه، وهذا واجب على جميع من علم به، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. الدليل الثاني: أن التقاطه داخل في الأحكام القطعية الدالة على وجوب حفظ النفس المجمع عليها في سائر الملل، وهي من الضرورات الخمس، وقياسًا على إنقاذ الغريق، وإطعام المضطر، وهذا مطلوب من الجميع إلا أنه يتحقق القصد الشرعي بفعل البعض، فلو كان واجبًا عينيًا لما سقط بفعل البعض، ولأن الشرع لم يقصد بالالتقاط ذات الفاعل، وإنما قصد تحقيق الفعل، وهو أخذ اللقيط من غير نظر إلى الفاعل، وهذا شأن فروض الكفايات. القول الثالث: أن أخذه فرض عين، وهذا اختيار ابن حزم (١).

стр. 9931

° دليل ابن حزم على أن أخذ اللقيط فرض عين: قال في المحلى: «إن وجد صغير منبوذ ففرض على من بحضرته أن يقوم به ولا بد، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة مولودة على الإسلام، صغيرة لا ذنب لها حتى تموت جوعًا وبردًا، أو تأكله الكلاب، هو قاتل نفس عمدًا بلا شك، وقد صح عن رسول الله ﵇: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (١). وجه الاستدلال بالآيتين: أن الله أمر بالتعاون على البر والتقوى، والأصل في الأمر الوجوب، كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والأصل في النهي التحريم. وأما الآية الثانية فقد ذكر أن قتل النفس بمنزلة قتل الناس جميعًا، وأن إحياءها بمنزلة إحياء الناس جميعًا، فكان الأخذ واجبًا عينيًا لأن في الأخذ حياة لها، وفي تركها قتلًا لها، والأول واجب، والثاني محرم. ويناقش: الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. بأن الأمر بالتعاون على البر والتقوى أمر مشترك يشمل الواجب بنوعيه العين

стр. 9932

والكفاية، كما يشمل المندوب، فما كان البر فيه مستحبًا كان الأمر بالتعاون عليه مستحبًا، وما كان البر فيه واجبًا كان الأمر بالتعاون عليه واجبًا، سواء كان الوجوب عينيًا أو على الكفاية، ويطلب الدلالة على الوجوب من دليل آخر، كما في قوله ﵇ صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله ﵇: خذوا عني مناسككم فإن الأمر في هذين الحديثين لا يمكن حمله على الوجوب في جميع أفعال الصلاة وجميع أفعال المناسك، بل يطلب حكم أفعالهما من دليل آخر، فقد يكون ركنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، وإذا تبين هذا فإن حمل الآية على الواجب العيني لا يظهر من الآية. وهذا فيما يخص الجواب عن الآية الأولى. وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]. فيقال: أولًا: هذه الآية تدل على فضل وأجر من أحيى النفس البشرية، وهو ليس محل خلاف، وعظم الفضل لا يدل على الوجوب فضلًا أن يدل على الوجوب العيني. ثانيًا: سلمنا أن الآية تدل على الوجوب فهي تتكلم عن الأخذ الذي يكون سببًا في إنقاذ النفس من الهلكة، وفي تركها قتل لها، فهو يدخل في اللقطة التي تكون في مفازة، ويكون تركها سببًا في هلاكها، وهذا قد ذكرنا الإجماع على وجوب أخذ اللقطة في هذه الحال، والله أعلم. ° الراجح: أرى أن القول بأنه فرض كفاية هو الأقوى، والله أعلم. * * *

стр. 9933

الباب الثاني في أحكام الملتقط الفصل الأول في شروط الملتقط الشرط الأول في اشتراط إسلام الملتقط [م-٢٠٣٤] إذا حكم بكفر اللقيط كما لو وجد في بلاد الكفار، أو وجد منبوذًا في كنائسهم ودور العبادة الخاصة بهم، وعليه زي الكفار، لم يشترط إسلام الملتقط، وهذا بالاتفاق (١). لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. قال الدردير: «وإن وجد في قرية من قرى الشرك التي ليس فيها بيت من بيوت المسلمين فهو مشرك، وإن التقطه مسلم تغليبًا للدار» (٢).

стр. 9934

ويشترط أن يكون الكافر عدلًا في دينه (١)، لأنه إذا منع المسلم الفاسق من الالتقاط عند الجمهور فالكافر أولى أن تشترط فيه العدالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث اشتراط العدالة في الملتقط. [م-٢٠٣٥] أما إذا وجد في بلاد المسلمين، أو في المواضع الخاصة بهم كالمساجد، ففي هذه الحالة يحكم بإسلام اللقيط، وإذا حكم بإسلامه، فهل يشترط في ملتقطه أن يكون مسلمًا، اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا حكم بإسلام اللقيط اشترط في ملتقطه أن يكون مسلمًا، فإن أخذه غير مسلم نزع من يده، ولا يجوز إقراره بيده، وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). قال الخرشي: «اللقيط المحكوم بإسلامه بأن وجد في بلاد الإسلام على ما

стр. 9935

مر ينزع من ملتقطه الغير المسلم ويقر تحت يد المسلمين» (١). وقال الشيرازي: «إن التقطه كافر، نظرت: فإن كان اللقيط محكوماً بإسلامه لم يقر في يده» (٢). وقال ابن قدامة: «وليس لكافر التقاط مسلم؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم» (٣). ° الدليل على تحريم التقاط الكافر لمن حكم بإسلامه: الدليل الأول: أن القيام بأمر اللقيط ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. الدليل الثاني: أن الكافر غير مؤمن على المسلم فقد يفتنه في دينه، وقد يسترق بدنه، وقد يتلف ماله؛ لأن عداوة الدين تبعث على ذلك كله. القول الثاني: لم يختلف الحنفية في صحة التقاط الكافر، وإنما اختلفوا في حكم إسلام الطفل إذا التقطه كافر من مكان مختص للمسلمين، فمنهم من جعل الحكم للمكان، فيحكم بإسلام الطفل، وهو ظاهر الرواية، فيترك الطفل في يد الكافر

стр. 9936

ما لم يعقل الأديان فينزع من يده دفعًا للضرر عن اللقيط، كما قالوا في الحضانة إذا كانت أمه المطلقة كافرة، فهي أحق به للشفقة عليه ما لم يعقل الأديان فينزع من يدها دفعًا للضرر (١). ومنهم من جعل الحكم للواجد؛ لقوة اليد، فحكموا بكفر اللقيط. قال ابن عابدين: «ولا يشترط كونه مسلمًا عدلًا رشيدًا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح، والفاسق أولى» (٢). وجاء في المبسوط: «الثالث: أن يجده كافر في مكان المسلمين. والرابع: أن يجده مسلم في مكان الكفار، ففي هذين الفصلين اختلفت الرواية ففي كتاب اللقيط يقول: العبرة للمكان في الفصلين جميعًا، وفي رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى، قال: العبرة للواجد في الفصلين جميعًا» (٣). وفي مجمع الأنهر ذكر مثله، وزاد: «وفي رواية: أيهما كان موجبًا لإسلامه فهو المعتبر؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وهو أنفع له كما في أكثر المعتبرات» (٤).

стр. 9937

° دليل الحنفية على صحة التقاط الكافر: أن الشرط في الملتقط أن يكون أهلًا للحفظ، والكافر في هذا كالمسلم، فإذا سبقت يد الكافر إلى اللقيط لم يكن لأحد أن ينزعه منه؛ لقوة اليد، نعم إذا حكمنا بإسلام اللقيط نزع من الكافر إذا بلغ اللقيط عمرًا يعقل فيه الدين حتى لا يفسد عليه دينه، والله أعلم. ° الراجح: أن حضانة الكافر للقيط ولاية يخشى على اللقيط فيها من تعيين الدين، فلا يقر بيده، بل يجب أخذه منه، ودفعه لأمين مسلم، والله أعلم.

стр. 9938

الشرط الثاني في اشتراط التكليف في الملتقط [م-٢٠٣٦] يشترط في الملتقط أن يكون مكلفًا، والمكلف: هو ا لبالغ العاقل، فلا يصح التقاط الصبي والمجنون (١). جاء في البحر الرائق: «يشترط في الملتقط كونه مكلفًا، فلا يصح التقاط الصبي والمجنون» (٢). وقال النووي: «الركن الثالث: الملتقط، ويشترط فيه أمور، أحدها: التكليف، فلا يصح التقاط الصبي والمجنون» (٣). وفي الإنصاف: «يشترط في الملتقط أيضا: أن يكون مكلفا. فلا يقر بيد صبي، ولا مجنون» (٤). وأما المالكية فالنصوص عنهم عزيزة في اشتراط التكليف، إلا أن ابن رشد في بداية المجتهد قد عرف الملتقط في باب اللقيط بقوله: «والملتقط: هو كل حر عدل رشيد» (٥).

стр. 9939

فقوله: (رشيد) فالرشد: هو في مقابل السفه، والصبي والمجنون لا شك أنهما من جملة السفهاء، وإن كان الرجل قد يبلغ ولا يؤنس منه الرشد، قال تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء:٦] فدلت الآية على أن الرشد قد يتخلف عن البلوغ. وعرف ابن شد الملتقط في باب اللقطة، فقال: «فأما الملتقط فهو كل حر مسلم بالغ؛ لأنها ولاية» (١). فصرح في باب التقاط المال إلى اشتراط البلوغ، وفي باب التقاط الآدمي استبدل بالبلوغ الرشد، والله أعلم. ° تعليل الفقهاء لاشتراط التكليف: أن غير المكلف من الصبي والمجنون لا يلي أمر نفسه فلا يلي أمر غيره، ولأن حضانة اللقيط تتطلب المحافظة عليه، والقيام بمصالحه البدنية والمالية، ودفع كل ما يؤذيه، ويلحق الضرر به، والصبي والمجنون يحتاج إلى من يحافظ عليه، ويقوم بمصالحه؛ لأنه إما عادم للأهلية كالمجنون، وإما أهليته قاصرة كالصبي.

стр. 9940

الشرط الثالث في اشتراط العدالة في الملتقط [م-٢٠٣٧] بعض الفقهاء نص على اشترط العدالة، وهم الأكثر (١). قال ابن رشد: «والملتقط: هو كل حر عدل رشيد» (٢). وقال الغزالي: «وأهلية الالتقاط ثابتة لكل حر، مكلف، مسلم، عدل، رشيد» (٣). وقال النووي: «الركن الثالث: الملتقط، ويشترط فيه أمور .... الرابع: العدالة، فليس للفاسق الالتقاط» (٤). وجاء في الإنصاف: «يشترط في الملتقط أن يكون عدلًا» (٥). وبعض فقهاء الشافعية وأكثر الحنابلة يشترطون في الملتقط أن يكون أمينًا، وعبارة بعضهم أن يكون ثقة. كالماوردي، قال في الحاوي: «إذا كان ملتقط المنبوذ غير مأمون خوفًا من

стр. 9941

استرقاقه، ولا على ماله خوفًا من استهلاكه نزعه الحاكم من يده» (١). وفي مختصر المزني: «وإن كان ملتقطه غير ثقة نزعه الحاكم منه» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن كان الملتقط أمينًا حرًا مسلمًا أقر في يده» (٣). فهل قصدوا باشتراط الأمانة والثقة العدالة، أو أن هناك فرقًا بين اشتراط العدالة واشتراط الأمانة؟ بعض الفقهاء عبارته صريحة بأنه لا فرق بينهما. جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «لا يترك اللقيط إلا في يد أمين: وهو الحر الرشيد العدل» (٤). وفي الإنصاف: «قال في الفائق: وتشترط العدالة في أصح الروايتين، وجزم باشتراط الأمانة في الملتقط في الهداية والمذهب والمستوعب، والخلاصة وغيرهم، وقطع في الوجيز والمحرر وغيرهما: أنه لا يقر بيد فاسق» (٥). وبعض الفقهاء عبارته صريحة بوجود الفرق بينهما: قال الماوردي: «وليس تراعى فيه العدالة، فيكون جرحه في شيء جرحًا في

стр. 9942

كل شيء، وإنما يراعى فيه الأمانة، وقد يكون أمينًا في شيء، وإن كان غير مؤتمن في غيره» (١). فعلى هذا يكون الملتقط أمينًا على بدن اللقيط، وغير أمين على ماله، وقد يكون العكس، وقد يكون أمينًا فيهما، وليس أمينًا في غيرهما. وهذا هو فعل الحنفية حيث صححوا التقاط الكافر، ويقر اللقيط المسلم في يده، إلى أن يبلغ اللقيط عمرًا يعقل به الدين، فيؤخذ منه خوفًا على دينه. كما صححوا التقاط الفاسق، فإن خيف منه الفجور باللقيط نزع منه قبيل حد الاشتهاء (٢). والصحيح أن الأمانة أخص من العدالة هذا من جهة اللفظ، فكل عدل أمين، وليس كل أمين عدلًا؛ لأن الأمانة تتجزأ، بخلاف العدالة، كما هو قول الماوردي، وأنا أميل إليه، فينظر إلى اشتراط الأمانة فيما يتعلق باللقيط، وأما الأمانة في شيء لا تتعلق في اللقط فلا تشترط، والله أعلم. * * *

стр. 9943

المبحث الأول في التقاط الفاسق [م-٢٠٣٨] اختلف العلماء في صحة التقاط الفاسق، على قولين: القول الأول: يصح التقاط الفاسق، وهذا مذهب الحنفية، فإن خيف منه الفجور باللقيط نزع منه قبيل حد الاشتهاء (١). أي قبيل أن يصبح اللقيط محلًا للشهوة حماية له، وأما قبل ذلك فإنه يقر اللقيط في يد الفاسق كما قالوا في التقاط الكافر، يصح منه، وينزع منه قبل أن يعقل الدين حتى لا يفسد عليه دينه. قال ابن عابدين: «ولا يشترط كونه مسلمًا عدلًا رشيدًا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح، والفاسق أولى» (٢). ° وجه قول الحنفية على صحة التقاط الفاسق: الوجه الأول: القياس على التقاط الكافر، فإذا صح التقاط الكافر صح التقاط الفاسق من باب أولى.

стр. 9944

ويناقش: بأن التقاط الكافر مختلف فيه إلا إذا كان اللقيط محكومًا بكفره، فلا نسلم لكم هذا القياس. الوجه الثاني: أن الشرط في الملتقط أن يكون أهلًا للحفظ، والفاسق في هذا كالمسلم، فإذا سبقت يد الفاسق إلى اللقيط لم يكن لأحد أن ينزعه منه؛ لقوة اليد، والله أعلم. الوجه الثالث: القياس على لقطة المال، فإذا أقرت لقطة المال في يده، وصح التقاطه لها صح التقاط الآدمي. ويناقش: بأن اللقطة اكتساب فجاز أن يستوي فيها الأمين وغيره، والتقاط المنبوذ ولاية، فاختلف فيها الأمين وغيره، ولأن شأن اللقيط أخطر من شأن اللقطة؛ لأن النفس أخطر من المال. القول الثاني: لا يصح التقاط الفاسق، وهذا مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 9945

° دليل الجمهور على اشتراط العدالة في الملتقط: الدليل الأول: (ث-٣١٣) ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (١). [صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة]. وجه الاستدلال: أن عمر أقر أبا جميلة على أخذ اللقطة حين قال له عريفه: إنه رجل صالح. الدليل الثاني: أن الالتقاط أمانة محضة صادرة من ائتمان الشرع، والشرع لا يأتمن الفاسق، فلا يؤمن على ماله خوفًا من استهلاكه، ولا يؤمن على بدنه خوفًا من استرقاقه، وإن كان الأخير ربما كان مخوفًا في العصور السابقة، وأما الآن فلم يعد الاسترقاق موجودًا.
следующие страницы →