← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 9941–9980 · переход к 9946.

стр. 9941

استرقاقه، ولا على ماله خوفًا من استهلاكه نزعه الحاكم من يده» (١). وفي مختصر المزني: «وإن كان ملتقطه غير ثقة نزعه الحاكم منه» (٢). وقال ابن قدامة: «فإن كان الملتقط أمينًا حرًا مسلمًا أقر في يده» (٣). فهل قصدوا باشتراط الأمانة والثقة العدالة، أو أن هناك فرقًا بين اشتراط العدالة واشتراط الأمانة؟ بعض الفقهاء عبارته صريحة بأنه لا فرق بينهما. جاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «لا يترك اللقيط إلا في يد أمين: وهو الحر الرشيد العدل» (٤). وفي الإنصاف: «قال في الفائق: وتشترط العدالة في أصح الروايتين، وجزم باشتراط الأمانة في الملتقط في الهداية والمذهب والمستوعب، والخلاصة وغيرهم، وقطع في الوجيز والمحرر وغيرهما: أنه لا يقر بيد فاسق» (٥). وبعض الفقهاء عبارته صريحة بوجود الفرق بينهما: قال الماوردي: «وليس تراعى فيه العدالة، فيكون جرحه في شيء جرحًا في

стр. 9942

كل شيء، وإنما يراعى فيه الأمانة، وقد يكون أمينًا في شيء، وإن كان غير مؤتمن في غيره» (١). فعلى هذا يكون الملتقط أمينًا على بدن اللقيط، وغير أمين على ماله، وقد يكون العكس، وقد يكون أمينًا فيهما، وليس أمينًا في غيرهما. وهذا هو فعل الحنفية حيث صححوا التقاط الكافر، ويقر اللقيط المسلم في يده، إلى أن يبلغ اللقيط عمرًا يعقل به الدين، فيؤخذ منه خوفًا على دينه. كما صححوا التقاط الفاسق، فإن خيف منه الفجور باللقيط نزع منه قبيل حد الاشتهاء (٢). والصحيح أن الأمانة أخص من العدالة هذا من جهة اللفظ، فكل عدل أمين، وليس كل أمين عدلًا؛ لأن الأمانة تتجزأ، بخلاف العدالة، كما هو قول الماوردي، وأنا أميل إليه، فينظر إلى اشتراط الأمانة فيما يتعلق باللقيط، وأما الأمانة في شيء لا تتعلق في اللقط فلا تشترط، والله أعلم. * * *

стр. 9943

المبحث الأول في التقاط الفاسق [م-٢٠٣٨] اختلف العلماء في صحة التقاط الفاسق، على قولين: القول الأول: يصح التقاط الفاسق، وهذا مذهب الحنفية، فإن خيف منه الفجور باللقيط نزع منه قبيل حد الاشتهاء (١). أي قبيل أن يصبح اللقيط محلًا للشهوة حماية له، وأما قبل ذلك فإنه يقر اللقيط في يد الفاسق كما قالوا في التقاط الكافر، يصح منه، وينزع منه قبل أن يعقل الدين حتى لا يفسد عليه دينه. قال ابن عابدين: «ولا يشترط كونه مسلمًا عدلًا رشيدًا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح، والفاسق أولى» (٢). ° وجه قول الحنفية على صحة التقاط الفاسق: الوجه الأول: القياس على التقاط الكافر، فإذا صح التقاط الكافر صح التقاط الفاسق من باب أولى.

стр. 9944

ويناقش: بأن التقاط الكافر مختلف فيه إلا إذا كان اللقيط محكومًا بكفره، فلا نسلم لكم هذا القياس. الوجه الثاني: أن الشرط في الملتقط أن يكون أهلًا للحفظ، والفاسق في هذا كالمسلم، فإذا سبقت يد الفاسق إلى اللقيط لم يكن لأحد أن ينزعه منه؛ لقوة اليد، والله أعلم. الوجه الثالث: القياس على لقطة المال، فإذا أقرت لقطة المال في يده، وصح التقاطه لها صح التقاط الآدمي. ويناقش: بأن اللقطة اكتساب فجاز أن يستوي فيها الأمين وغيره، والتقاط المنبوذ ولاية، فاختلف فيها الأمين وغيره، ولأن شأن اللقيط أخطر من شأن اللقطة؛ لأن النفس أخطر من المال. القول الثاني: لا يصح التقاط الفاسق، وهذا مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 9945

° دليل الجمهور على اشتراط العدالة في الملتقط: الدليل الأول: (ث-٣١٣) ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (١). [صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة]. وجه الاستدلال: أن عمر أقر أبا جميلة على أخذ اللقطة حين قال له عريفه: إنه رجل صالح. الدليل الثاني: أن الالتقاط أمانة محضة صادرة من ائتمان الشرع، والشرع لا يأتمن الفاسق، فلا يؤمن على ماله خوفًا من استهلاكه، ولا يؤمن على بدنه خوفًا من استرقاقه، وإن كان الأخير ربما كان مخوفًا في العصور السابقة، وأما الآن فلم يعد الاسترقاق موجودًا.

стр. 9946

الدليل الثالث: رأى بعض العلماء أن القيام بأمر اللقيط ولاية، والفاسق ليس من أهل الولاية (١). قال ابن القيم: «لو سأله عن فاسق التقط لقطة أو لقيطًا، هل يقر في يده؟ فجوابه التفصيل: تقر اللقطة دون اللقيط؛ لأنها كسب، فلا يمنع منه الملتقط، وثبوت يده على اللقيط ولاية، وليس من أهلها» (٢). الدليل الرابع: أنه لا حظ للمنبوذ في تركه في يد الفاسق من حيث تربيته، وتعليمه ما ينفعه. ° الراجح: أننا نظر في موجب الفسق، فإن كان يعود إلى الالتقاط، كان مؤثرًا، ولا يصح التقاطه، وإن كان فسقه لا يعود إلى الالتقاط صح ذلك، كما قلنا في اشتراط الأمانة، والله أعلم. * * *

стр. 9947

المبحث الثاني في اشتراط العدالة الباطنة [م-٢٠٣٩] تكلمنا فيما سبق في خلاف العلماء في اشتراط العدالة، فالحنفية لا يشترطون العدالة. وأما الجمهور الذين يشترطون العدالة، فهل تشترط العدالة الباطنة، أو تكفي العدالة الظاهرة، وهو ما يسمى بالمستور؟ فقال أكثرهم: يصح التقاط مستور الحال، وهذا اختيار الشافعية والحنابلة (١). قال ابن قدامة: «وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال، لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة أقر اللقيط في يديه؛ لأن حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه، وفي أكثر الأحكام، ولأن الأصل في المسلم العدالة» (٢). وقال بعض الشافعية: يصح التقاط مستور الحال بشرط أن يشهد (٣). جاء في نهاية المطلب: «القول الثالث: أن الملتقط إن كان ظاهر العدالة، لم نكلفه أن يشهد، وإن كان مستور الحال نكلفه أن يشهد، حتى يصير الإشهاد قرينة تغلب على الظن الثقة كالعدالة إذا ظهرت».

стр. 9948

والإشهاد على الالتقاط سبق بحثه في مسألة مستقلة. ° الراجح: أن مستور الحال يصح التقاطه، وأن المسلم على العدالة حتى يثبت ما ينقله عنها، والله أعلم. * * *

стр. 9949

الشرط الرابع في اشتراط الرشد [م-٢٠٤٠] الرشد في الاصطلاح (١). اختلف العلماء في تعريفه على قولين: فمنهم من عرف الرشد: بالصلاح في المال، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). ومنهم من عرف الرشد: بالصلاح في الدين والمال، وهو مذهب الشافعية (٥).

стр. 9950

والمراد بالصلاح في الدين: أن لا يرتكب محرماً يسقط العدالة، وفي المال ألا يبذر (١). والصحيح أن الرشد يختلف من مقام لآخر. فالرشد في ولي النكاح مثلاً: معرفته بالكفء، ومصالح النكاح، وليس له علاقة بحفظ المال. والرشد في المال: هو حفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطاً في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلماً ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه. [م-٢٠٤١] إذا عرفنا معنى الرشد لدى الفقهاء فقد اختلف العلماء في اشتراط الرشد في الملتقط على قولين: القول الأول: لا يشترط في اللقيط أن يكون رشيدًا، وهذا مذهب الحنفية. قال ابن عابدين: «ولا يشترط كونه مسلمًا عدلًا رشيدًا لما سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح، والفاسق أولى» (٢).

стр. 9951

القول الثاني: أن ذلك شرط، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). قال ابن رشد: «والملتقط: هو كل حر عدل رشيد» (٢). ° وجه القول باشتراط أن يكون الملتقط رشيدًا: اشترطنا في الملتقط أن يكون رشيدًا؛ لأن المحجور عليه لسفه لا ولاية له على نفسه فأولى ألا يكون وليًا على غيره. ° الراجح: أن الرشد يختلف من مقام لآخر، وأن الرشد في باب الالتقاط: أن يكون أهلًا للأمانة والتربية، فإذا توفر في الملتقط هذان الوصفان صار رشيدًا، وصح التقاطه، ولو فرض أن الملتقط ليس رشيدًا في المال، وهو رشيد في الحفظ والتربية صح التقاطه، وكان مال اللقيط في يد غيره، والله أعلم. * * *

стр. 9952

الشرط الخامس في اشتراط الغنى في الملتقط [م-٢٠٤٢] تعرض بعض الفقهاء إلى غنى الملتقط، وهل يشترط أن يكون غنيًا؟ واختلفوا في المسألة على قولين: القول الأول: لا يشترط في الملتقط أن يكون غنيًا، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية (١). جاء في بداية المجتهد: «وليس من شرط الملتقط الغنى، ولا تلزم نفقة الملتقط على من التقطه» (٢). وقال النووي: «لا يشترط في الملتقط الذكورة قطعًا، ولا الغنى» (٣). وفي كفاية الأخيار: «ولا يشترط في الالتقاط الذكورة بلا خلاف، ولا الغني على الصحيح؛ لأنه لا يلزمه نفقته، نعم يجب عليه رعايته بما يحفظه والله أعلم» (٤).

стр. 9953

واحتج أصحاب هذا القول: الحجة الأولى: أن النفقة لا تجب في مال الملتقط حتى يشترط الغنى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، فلم يكن هناك فرق بين الفقير والغني. الحجة الثانية: أن حضانة اللقيط ولاية، والمعسر من أهل الولاية. الحجة الثالثة: أن الرزق قد تكفل الله به للجميع، فهو يجري بضمان الله وكفالته، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فالأسباب الضرورية للحياة التي ينشأ عليها أبناء الفقراء مألوفة عندهم ويشبون عليها وتبنى فيها أجسامهم كأقوى ما تبنى الأجسام، وقد رأينا بالحس والمشاهدة ما يتمتع به أبناء الفقراء من مناعة ضد الأمراض مع الكفاف في العيش، وذلك من رعاية الله تعالى لخلقه (١). الحجة الرابعة: أن صفة الغنى وصفة الفقر صفتان متقلبتان، فقد يمسي الرجل غنيًا، ويصبح فقيرًا، وقد يصبح فقيرًا ويمسي غنيًا. القول الثاني: أن الغنى شرط في الملتقط، فإن التقطه فقير لم يقر في يده، وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح.

стр. 9954

قال الشيرازي: «وإن التقطه فقير ففيه وجهان: أحدهما: لا يقر في يده؛ لأنه لا يقدر على القيام بحضانته، وفي ذلك إضرار باللقيط. والثاني: يقر في يده؛ لأن الله تعالى يقوم بكفاية الجميع» (١). ° وجه القول بأن الغنى شرط: أن الفقر غالبًا ما يشغل الفقير بجمع قوته عن القيام بحق الحضانة، ولهذا تعوذ الرسول ﵇ من الفقر. القول الثالث: يعتبر الغنى صفة تفضيل، كما لو تزاحم فيه اثنان، وليس الغنى شرطًا للالتقاط، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٢). جاء في البحر الرائق: «فإن تنازع فيه ملتقطان .... فإن استويا قدم الغني وظاهر العدالة على فقير ومستور» (٣). وقال ابن قدامة: «الثالث: أن يكون كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد، إلا أن أحدهما أحظ للقيط من الآخر، مثل أن يكون أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، فالموسر أحق» (٤).

стр. 9955

وجاء في الإنصاف: «وإن التقطه اثنان، قدم الموسر منهما على المعسر ... لا أعلم فيه خلافًا» (١). وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول والذي لا يعتبر الغنى شرطًا، حيث جعلوه صفة تفضيل عند التزاحم، ولكن حين لم يتكلم الحنفية عن التقاط الفقير على الانفراد كان مقتضى الدقة في عزو القول أن يجعل هذا قسمًا ثالثًا، والله أعلم. ° الراجح: أن الفقير من أهل الأمانة والتربية، فيصح التقاطه، والله أعلم.

стр. 9956

الشرط السادس في اشتراط الذكورة [م-٢٠٤٣] تكلم بعض الفقهاء عن صحة التقاط المرأة، ولا أعلم فيه خلافًا (١). قال المالكية: وينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن لها زوج وقت إرادتها الأخذ، أو لها وأذن لها فيه، وإلا فلا يجب عليها؛ لأن له منعها، فإن أخذته بغير إذنه كان له رده لمحل مأمون يمكن أخذه منه» (٢). وقال النووي: «لا يشترط في الملتقط الذكورة قطعًا» (٣). وفي كفاية الأخيار: «ولا يشترط في الالتقاط الذكورة بلا خلاف» (٤). ° وجه القول بصحة التقاط المرأة: أن المرأة أهل لحضانة اللقيط، بل هي أولى من الذكر، خاصة إذا كان الطفل لم يبلغ سن التمييز، فهي تختص بمزيد شفقة، ويتأتى منها الاحتضان ما لا يتأتى

стр. 9957

من الأب نفسه، فضلًا عن الملتقط، وقد تقوم بإرضاعه، وأما إذا بلغ اللقيط سن التمييز فإن الرجل أقدر من المرأة على تأديب الطفل وتعليمه، والله أعلم. * * *

стр. 9958

الفصل الثاني في ولاية الملتقط على اللقيط المبحث الأول في الولاية على اللقيط نفسه [م-٢٠٤٤] اختلف العلماء في تصرفات الملتقط على اللقيط، هل تصرفه بحكم الولاية كولاية اليتيم، أو بحكم الأمانة كالوديعة القائمة على الحفظ؟ والفرق بينهما: أن الولاية أقوى من الأمانة، فالأولى متلقاة من الشرع، والثانية من العبد، وإذا قلنا: تصرف الملتقط بموجب الولاية جاز له عقد نكاحه، والاتجار بماله بيعًا وشراء، وتأجيره، وكل تصرف يكون فيه مصلحة للقيط، ولا تصح هذه الأفعال بحكم الأمانة القائمة على الحفظ فقط. إذا علم ذلك نقول: اختلف العلماء في ولاية الملتقط على اللقيط على قولين: القول الأول: لا ولاية للملتقط على اللقيط لا في نفسه ولا في ماله، والولاية عليه للقاضي؛ لأنه ولي من لا ولي له، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية (١).

стр. 9959

قال السرخسي: «ولا ولاية للملتقط على اللقيط، وإنما له حق الحفظ والتربية؛ لكونه منفعة محضة في حقه، وبهذا السبب لا تثبت الولاية» (١). وجاء في تبيين الحقائق: «ولا يصح للملتقط عليه نكاح، وبيع، وإجارة؛ لأن ولاية التزويج على الغير تستحق بقرابة، أو ملك، أو سلطنة ولم يوجد شيء منها، والتصرف في المال لا يجوز إلا بكمال الرأي ووفور الشفقة وذلك يوجد في الأب والجد لا غير، ولهذا لا تملكه الأم مع أنها تملك الإنكاح فذا أولى، وهذا لأن في كل منهما لم يوجد إلا شطر العلة، وهي كمال الشفقة فيها، وكمال الرأي فيه فصار كالعم، والإجارة، لا يملكها من لا يملك إتلاف منافعه بالاستخدام بلا عوض، والملتقط لا يملكه، فلا يملك أن يؤجره كالعم بخلاف الأم فإنها تملكه على ما عرف في موضعه. وذكر القدوري أن له أن يؤجره؛ لأنه يرجع إلى تثقيفه والأول أصح وهو رواية الجامع الصغير» (٢). وقال الماوردي: «لا ولاء على اللقيط لملتقطه، ولا لغيره من المسلمين ما لم يثبت عليه رق» (٣). القول الثاني: أن للملتقط ولاية على اللقيط، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية،

стр. 9960

والمذهب عند الحنابلة (١). جاء في مطالب أولي النهى: «وله أي لواجده ... حفظ ماله أي اللقيط بلا حكم حاكم؛ لأنه وليه؛ لقول عمر: ولك ولاؤه .... ولواجده المتصف بما تقدم الإنفاق عليه أي اللقيط مما وجد معه بلا إذن حاكم، لولايته عليه كما لو وصي» (٢). (ث-٣١٤) واستدل هؤلاء بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (٣). [صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة]. وجه الاستدلال: قال الباجي: «تأول مالك قول عمر لك ولاؤه أي قد جعلت لك أن تتولى تربيته والقيام بأمره وأنت أحق به من غيرك» (٤).

стр. 9961

وقال ابن قدامة: «يحتمل أن عمر ﵁ عنى بقوله: ولك ولاؤه: أي لك ولايته، والقيام به، وحفظه؛ لذلك ذكره عقيب قول عريفه: إنه رجل صالح. وهذا يقتضي تفويض الولاية إليه، لكونه مأمونًا عليه دون الميراث» (١). * * *

стр. 9962

المبحث الثاني في ولاية الملتقط على مال اللقيط [م-٢٠٤٥] الخلاف في ولاية الملتقط على مال اللقيط ترجع إلى المسألة المتقدمة في توصيف تصرف الملتقط، هل هو يتصرف بموجب الولاية، أو بموجب الأمانة؟ فمن قال: إن له ولاية على اللقيط كالحنابلة جعلوه بمنزلة الوصي، وولي اليتيم، وعليه فله أن يتصرف بماله بما يعود عليه بالمصلحة. ومن قال: ليس له ولاية مطلقة كالحنفية والشافعية، جعلوه بمنزلة الأم لها ولاية الحضانة والحفظ فقط، وعليه فيمنع الملتقط من التصرف في ماله بيعًا وشراء، وإجارة، وتزويجًا. وأما ولاية الإنفاق عليه من ماله أو من بيت المال فالفقهاء متفقون على أن الملتقط يملك ولاية الإنفاق عليه؛ لأنه مأمور بالمحافظة عليه، ولا بقاء له بدون الإنفاق عليه، على خلاف بينهم، هل يشترط إذن القاضي في النفقة، أو ينفق عليه ولو لم يستأذن الحاكم على قولين: القول الأول: ينفق عليه بأمر القاضي، فإن لم يكن هناك قاض أشهد على الإنفاق، وهذا هو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمذهب عند الشافعية، وهو رواية في مذهب الحنابلة (١).

стр. 9963

وقال الشافعية: للملتقط أن يستقل بحفظ المال على الأصح، ولا ينفق عليه إلا بإذن الحاكم إذ أمكن مراجعته. جاء في الاختيار لتعليل المختار: «وإذا كان على اللقيط مال مشدود فهو له عملًا بالظاهر، وينفق عليه منه بأمر القاضي، لعموم ولايته ويصدق عليه في نفقة مثله. وقيل: لا يحتاج إلى أمر القاضي؛ لأن المال له فينفق عليه منه، وله ولاية ذلك فيشتري له ما يحتاج إليه من الكسوة والطعام وغيرهما» (١). وفي النتف للسغدي: «وليس للمتلقط أن يشتري له، ولا أن يبيع عليه إلا ما تدفع إليه الضرورة، من طعام، أو كسوة، وله أن يقبل له الصدقة فينفق عليه ذلك، وكذلك لا يجوز له أن يزوجه غلامًا كان أو جارية، فإن أمره القاضي بذلك كله جاز حينئذ» (٢). وقال النووي: «إذا كان للقيط مال، هل يستقل الملتقط بحفظه؟ وجهان، أحدهما: لا، بل يحتاج إلى إذن القاضي، إذ لا ولاية للملتقط. وأرجحهما على ما يقتضيه كلام البغوي: الاستقلال ... ولو ظهر منازع في المال

стр. 9964

المخصوص باللقيط، فليس للملتقط مخاصمته على الأصح، وسواء قلنا: له الاستقلال بالحفظ أم لا، فليس له إنفاقه على اللقيط إلا بإذن القاضي إذا أمكن مراجعته. فإن أنفق، ضمن، ولم يكن له الرجوع على اللقيط كمن في يده مال وديعة ليتيم أنفقها عليه. وحكى ابن كج وجها أنه لا يضمن وهو شاذ» (١). وقال العمراني في البيان: «إن كان في البلد حاكم لم يجز للملتقط أن ينفق على اللقيط من ماله بغير إذن الحاكم؛ لأن الملتقط لا ولاية له على مال اللقيط، وإنما له الولاية على حضانته، فإن خالف وأنفق عليه من ماله بغير إذن الحاكم .. لزمه الضمان؛ لأنه تعدى بذلك» (٢). واحتج أصحاب هذا القول: الحجة الأولى: أن ولاية التصرف في المال لا تثبت إلا للأب أو الجد، أو الوصي، أو الحاكم، والملتقط ليس واحدًا من هؤلاء. الحجة الثانية: أن اللقيط له ولاية الحضانة، وهي لا تعطيه الولاية على ماله كالأم، فاحتاج الأمر إلى مراجعة القاضي؛ لأنه ولي من لا ولي له. الحجة الثالثة: القياس على من أودع مالًا وغاب، وله ولد، فلا ينفق الوديع على ولده من

стр. 9965

الوديعة عليه؛ لأنه لا ولاية له، فكذلك الملتقط لا ولاية له على مال اللقيط، فلا ينفق عليه حتى يأمره الحاكم بالإنفاق عليه. القول الثاني: للملتقط أن ينفق على اللقيط ولو بدون أمر القاضي، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، ووجه مرجوح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). (ث-٣١٥) واستدل الحنابلة بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم، أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب، قال: فجئت به إلى عمر بن الخطاب، فقال: «ما حملك على أخذ هذه النسمة»؟ فقال: وجدتها ضائعة فأخذتها، فقال له عريفه: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال له عمر: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر بن الخطاب: «اذهب فهو حر ولك، ولاؤه وعلينا نفقته (٢). [صحيح، وسنين أبو جميلة معدود في الصحابة]. وجه الاستدلال: قول عمر: (لك ولاؤه)، أي ولايته، فأثبت له الولاية.

стр. 9966

الدليل الثاني: القياس على الوصي بجامع أن كلًا منهما يلي حضانة الصغير لا من أجل القرابة، فكان له النظر في الإنفاق عليه بدون الرجوع إلى الحاكم. الدليل الثالث: إذا كان أمينًا في القيام بمصالح اللقيط من الحضانة والتربية، والتعليم، والحفظ كان أمينًا في الإنفاق عليه من باب أولى؛ لأن حفظ البدن أخطر من حفظ المال، فكيف يكون أمينًا على حفظ بدنه، ولا يكون أمينًا على الإنفاق من ماله. ° الراجح: أرى أن الملتقط له ولاية الإنفاق على اللقيط دون إذن من القاضي، وإن رجع كان أفضل، والله أعلم. * * *

стр. 9967

الفصل الثالث في حق الملتقط بالسفر باللقيط المبحث الأول في سفر الملتقط المستور الحال باللقيط [م-٢٠٤٦] الفقهاء جعلوا حكم السافر باللقيط راجع إلى عدالة الملتقط، والناس في العدالة ثلاثة أقسام: العدل: من اشتهرت عدالته ظاهرًا وباطنًا فهذا له حق السفر باللقيط متى كان السفر جائزًا وهذا بالاتفاق، وسيأتي إن شاء الله بيان السفر الجائز من الممنوع. والمجهول: وهو من جهلت عدالته ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا يجوز له الالتقاط عند الجمهور الذين يشترطون العدالة في الملتقط خلافًا للحنفية، وسبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد. ومستور الحال: من علمت عدالته الظاهرة، وجهلت عدالته الباطنة، وسبق لنا أن الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة على صحة التقاط مستور الحال، إلا أنهم اختلفوا في حكم سفره باللقيط على قولين: القول الأول: لا يجوز السفر باللقيط من مستور الحال، وينزع منه عند إرادته السفر، وهذا

стр. 9968

مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). قال إمام الحرمين: «إذا أراد ملتقط المنبوذ أن يسافر به، قال الشافعي: إن كان أمينًا، وظهرت الثقة به، وعرفت أمانته، مكن منه، وإلا، فلا يمكن؛ مخافة أن يسترقه» (٢). وقال ابن قدامة: «وإذا التقط اللقيط من هو مستور الحال، لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة، أقر اللقيط في يديه .... فإن أراد السفر بلقطته، ففيه وجهان: أحدهما: لا يقر في يديه، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه لم يتحقق أمانته، فلم تؤمن الخيانة منه. والثاني يقر في يديه؛ لأنه يقر في يديه في الحضر من غير مشرف يضم إليه، فأشبه العدل، ولأن الظاهر الستر والصيانة» (٣). وقال الحنابلة: وحيث قلنا بانتزاع اللقيط من الملتقط فإنما ذلك الانتزاع عند وجود الأولى به من الملتقط فأما إذا لم يوجد أولى منه فإقراره في يده أولى كيف كان لرجحانه بالسبق إليه (٤).

стр. 9969

° وجه القول بأنه لا يسافر به: أن مستور الحال لم تتحق أمانته، فلا تؤمن خيانته، لا في بدنه، فقد يسترقه إذا غاب، ولا في ماله فقد يعتدي عليه. القول الثاني: يجوز لمستور الحال أن يسافر باللقيط حيث كان السفر جائزًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). وقيدنا القول بالجواز حيث كان السفر جائزًا؛ لأنه سوف يأتينا أقسام السفر الممنوع والجائز في مباحث تالية إن شاء الله تعالى. واحتج الحنابلة للجواز: الدليل الأول: الأصل في مستور الحال أنه على العدالة والسلامة، حيث لم يثبت ما يجرح عدالته، فتؤمن خيانته. الدليل الثاني: أن مستور الحال أشبه العدل في إقراره بيده في الحضر من غير مشرف يضم إليه، فكذا إذا أراد أن يسافر به.

стр. 9970

° الراجح: جواز السفر للملتقط إذا كان مستور الحال، ولم يثبت ما يجرح عدالته، والله أعلم. * * *

стр. 9971

المبحث الثاني السفر باللقيط إذا نبذ في البادية الفرع الأول الانتقال باللقيط من البادية إلى مثلها [م-٢٠٤٧] إذا عثر على اللقيط في البادية، وأراد ملتقطه أن ينتقل به في البوادي طلبًا للماء والكلأ، كما هو حال البدو الرحل، فهل يحق له التنقل به بالبوادي، أو ينزع منه ويعطى لرجل مقيم يتولى حفظه وتربيته؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ليس له التنقل به في البوادي إذا وجد من يدفع إليه من أهل القرى والمدن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، رجحه المتأخرون منهم، قال في الإنصاف: وهو المذهب (١). جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولا يقر بيد ملتقطه إن كان بدويًا ينتقل في المواضع؛ لأن فيه إتعابًا للقيط، فيؤخذ منه، ويدفع لمن يقر به؛ لأنه أخف عليه» (٢).

стр. 9972

وقال ابن قدامة: «كل موضع قلنا: ينزع من ملتقطه فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه ممن هو أولى به، فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يد ملتقطه» (١). ° وجه هذا القول: الوجه الأول: أن التنقل مضر باللقيط؛ لأن فيه مشقة عليه وإتعابًا له، فإذا وجد من يدفع إليه ممن هو مستقر في حلة دفع إليه. ويناقش: بأن أهل البادية يألفون هذه الحياة، ولا يجدون فيها مشقة، وقد ولد بينهم، فهو منهم. الوجه الثاني: أن في تنقله تعريضًا لنسبه للضياع، لأن بقاءه في المكان الذي نبذ فيه يحتمل ظهور نسبه؛ لأن الغالب أنه ابن بدويين، أما إذا نأت المسافات وتباعدت الديار فالمسافة البعيدة حائلة عن الوصول إلى نسب اللقيط، والله أعلم. ويناقش: هذه المصلحة قد تكون في انتقاله قبل انتشار خبره بين الناس، أما إذا شاع خبره وذاع بين الناس فالسفر به لا يكون سببًا لضياع نسبه، بل ربما يكون أصلح له حيث ينتقل إلى مكان لا يعرف، فلا يعير بهذا، والله أعلم.

стр. 9973

القول الثاني: يقر في يده، ولا ينزع منه، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وصوبه في الإنصاف (١). قال العمراني في البيان: «وإن كان ينتقل في طلب الماء والكلأ .. ففيه وجهان: أحدهما: يقر بيده؛ لأنه هو الواجد له، وهو من أهل الولاية. والثاني: لا يقر في يده؛ لأن على اللقيط مشقة في التنقل» (٢). جاء في نهاية المحتاج: «وقيل إن كانوا ينتقلون للنجعة بضم فسكون: أي لطلب الرعي أو غيره لم يقر بيده؛ لأن فيه تضييعًا لنسبه، والأصح أنه يقر لأن أطراف البادية من البلدة» (٣). ° وجه هذا القول: الوجه الأول: أن التنقل على هذه الصفة هو الغالب على أهل البادية، فلا يكون هذا مانعًا من الالتقاط. الوجه الثاني: أن التنقل به في البادية كالتنقل به في أطراف البلدة الواحدة بالنسبة للبدو.

стр. 9974

الوجه الثالث: أن التنقل به بين أماكن البدو أرجى لكشف نسبه وظهور أهله؛ لأن ظاهر حاله أنه ابن بدويين، وقد عرف أن اعتناء القبائل في الأنساب والبحث فيها أكثر من اعتناء الحاضرة، فلا يشكل التنقل ضررًا على اللقيط من حيث ظهور نسبه، والله أعلم. ° الراجح: أن البادي إذا التقطه، واستقر في يده، وشاع خبره بين الناس فله التنقل فيه بين البادية، أما عند ابتداء الالتقاط فلو تزاحم فيه اثنان أحدهما مستقر في مكانه، لا يتنقل فيه، وآخر يتنقل بين البوادي طلبًا للماء والكلأ قدم المستقر على المتنقل، كصفة تفضيل، والله أعلم. * * *

стр. 9975

الفرع الثاني الانتقال باللقيط من البادية إلى ا لحاضرة أو الحلة [م-٢٠٤٨] إذا كان اللقيط في البدو، وأراد الملتقط أن يخرج به إلى أهل الحضر، أو إلى حلة (١)، نظر: فإن كان في مهلكة وجب نقله، وإن لم يكن في مهلكة جاز نقله، ولا يجوز انتزاعه منه بسبب ذلك، نص على هذا الشافعية والحنابلة (٢). وما يتوقع من انقطاع ظهور نسبه في نقله من البادية حيث نبذ لا يعادل مصلحة نقله إلى المدينة حيث الأمن، ورغد العيش، وتعلم الدين والصنعة، والرعاية الصحية، فلا تترك مصلحة متيقنة لمصلحة متوهمة. جاء في المهذب: «وإن كان الملتقَط في بدو، فإن كان الملتقِط من أهل الحضر، وأراد أن يخرج به إلى الحضر جاز؛ لأن الحضر أرفق به وأنفع له، وإن كان من البادية، فإن كانت حلته في مكان لا ينتقل عنه أقر في يده؛ لأن الحلة كالقرية» (٣).

стр. 9976

وقال ابن قدامة: «وإن التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر؛ لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة، والدين» (١). وأشار النووي إلى احتمال وجود خلاف في المسألة. قال النووي في الروضة: «ومن قال في اللقطة: يعرفها في أقرب البلاد يشبه أن يقول: لا يذهب به إلى مقصده رعاية للنسب» (٢). * * *

стр. 9977

المبحث الثالث السفر باللقيط إذا نبذ في الحاضرة الفرع الأول الانتقال باللقيط من الحاضرة إلى مثلها [م-٢٠٤٩] إذا نبذ اللقيط في الحاضرة، فأراد أن يسافر به الملتقط إلى بلد آخر، وكان البلدان متشابهين في المعيشة، والتعليم، فقد اختلف العلماء في حكم السفر باللقيط على قولين: القول الأول: لا يسافر الملتقط باللقيط من البلد الذي وجد فيه، فإن أراد السفر انتزع منه، وهو قول في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة، واستثنى الحنابلة ما إذا كان السفر لمصلحة اللقيط كما لو كان البلد وبيئًا، فإن له أن يسافر فيه (١). ° وجه القول بالمنع: أن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه، وقياسًا على المتنقل به إلى البادية. القول الثاني: لا يمنع الملتقط أن يسافر به إلى بلد آخر، وهو الأصح في مذهب الشافعية،

стр. 9978

وبه قال جمهورهم، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (١). قال الشافعية: ومحل جواز نقله عند أمن الطرق وتواصل الأخبار، فإن كان مخوفًا، أو انقطعت الأخبار بينهما لم يقر اللقيط في يده قطعًا. جاء في تحفة المحتاج: «والأصح أن له نقله من بلد وجد فيه إلى بلد آخر ولو للنقلة لعدم المحذور السابق لكن يشترط تواصل الأخبار وأمن الطريق، وإلا امتنع ولو لدون مسافة القصر» (٢). ° وجه القول بالجواز: أن ولاية الملتقط على اللقيط ثابتة، والبلد الثاني كالأول في الرفاهية، فيقر في يده، كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى الجانب الآخر، وفارق المنتقل به إلى البادية؛ لأنه يضر به بتفويت الرفاهية عليه. ° الراجح: جواز الانتقال به إلى البلد الآخر بشرط أن يمضي مدة على التقاطه وانتشار خبره بين أهل البلد وأن ييئس من ظهور أحد يمكن أن يدعي نسبه، وأن يعلم أهل بلده بمكان انتقاله حتى إذا وجد من يدعي نسبه يمكن الوصول إلى من التقطه، والله أعلم. * * *

стр. 9979

الفرع الثاني الانتقال باللقيط من الحاضرة إلى البادية [م-٢٠٥٠] إذا أراد الملتقط أن يسافر باللقيط من الحاضرة إلى البادية، فقد نص الشافعية والحنابلة على أنه إلى لا يجوز نقله إليها (١). جاء في أسنى المطالب: «لا يجوز نقله ـ يعني اللقيط من قرية أو بلد إلى بادية، وإن قربت، ولا من بلد إلى قرية كذلك؛ لخشونة عيشهما، وفوات العلم بالدين والصنعة فيهما، نعم لو قربتا بحيث يسهل المراد منهما جاز النقل إليهما لانتفاء العلة صرح به في الأصل» (٢). وفي شرح منتهى الإرادات: «ولا يقر بيد من وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية; لأن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه، وبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله. فإن الظاهر حيث وجده به أنه ولد فيه» (٣).

стр. 9980

الفصل الرابع في الاشتراك في الالتقاط المبحث الأول أن يكون الملتقطان متساويين في الصفات [م-٢٠٥١] إذا رأى اللقيط اثنان فبادر أحدهما إلى وضع يده عليه قبل الآخر كان هو الأحق؛ لأن استحقاق اللقطة إنما هو بالأخذ دون الرؤية أو القيام عليه. قال في الإنصاف: «الشركة في الالتقاط أن يأخذاه جميعًا، ولا اعتبار بالقيام المجرد عنده؛ لأن الالتقاط حقيقة الأخذ، فلا يوجد بدونه ... » (١). [م-٢٠٥٢] فإن تساويا في وضع اليد، قدم الأصلح لحفظه والقيام عليه، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى صفات التفضيل الذي يترجح فيها أحدهما على الآخر في المبحث التالي. فإن استويا في الصفات كالإسلام والحرية، والعدالة، والغنى، والإقامة وغيرها من صفات التفضيل، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، فإن رضي أحدهما بإسقاط حقه، وتسليمه إلى الآخر جاز؛ لأن الحق له، وقد أسقطه. [م-٢٠٥٣] وإن تزاحما في أخذه فقد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: يرجع الأمر فيه إلى نظر القاضي واجتهاده، فيدفعه إلى الأصلح في نظره،
следующие страницы →