← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رجل مؤمن جَيِّد الإيمان، لقي العدوَّ، فَصَدق الله حتى قُتِلَ، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا» ، ورفع رأسه حتى وقعت قُلُنْسُوَتُه، -قال: فما أدري! أقلنسوة عمر، قال، أم قلنسوةُ النبي ﷺ -؟ قال: «ورجل مؤمن جَيِّد الإيمان لقي العدوَّ، فكأنما ضُرِبَ جِلدُه بشوكِ طَلْحٍ من الجُبنِ، أتاه سهمٌ غَرْبٌ فَقَتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجلٌ مؤمن؛ خَلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لقي العدوَّ، فصدق الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مؤمنٌ أسْرَفَ على نفسه، لقي العدوَّ، فَصَدقَ الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الرابعة» . قال فيه: «حسن غريب» . قوله: «سَهْمٌ غربٌ» ؛ أي: لا يُعرفُ راميه. قال أبو عبيد (١) : قال الكسائي والأصمعيّ: إنما هو سَهمُ غَرَبٍ، بفتح الراء، قال: والمحدثون يُحدِّثونه بتسكين الراء، والفتحُ أجود، وأكثرُ في كلام العرب. وقال ابن هشام في «المغازي» (٢) لابن إسحاق: سهمُ غَرْبٍ، وسهمٌ غَرْبٌ، بإضافةٍ وغير إضافة: لا يُعرف من أين جاء، ولا منْ رمى به. البخاري ومسلم (٣) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الشهداء خمسةٌ: المَطعون، والمَبْطونُ، والغَرِقُ، وصاحبُ الهَدْمِ، والشهيدُ في سبيل الله» . «الموطأ» (٤) ، عن جابر بن عتيك، قال رسول الله ﷺ : «الشهداء سبعة،

стр. 107

سِوى القتلِ في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذاتِ الجَنْب شهيدٌ، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيدٌ، والذي يموت تحت الهدْمِ شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد» . قوله: «المطعون» : هو الذي يموت في الطاعون. وفي حديثٍ عن عائشة، قال رسول الله ﷺ : «إن فناء أمَّتي بالطعن والطاعون» ، قالت: الطَّعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غُدَّةٌ كغدة البعير، تخرج في المراقِّ والآباط، من مات منه مات شهيداً» (١) .

стр. 108

وقوله: «صاحب ذات الجنب» ، قيل: هو الذي تصيبه الشُّوصة. وجاء في بعض الآثار (١) : «المجنوب شهيد» ، يريد: صاحب ذات الجنب. و «المبطون» ؛ قيل: هو المَحْبون. والحبن: داءٌ يعظُم له البطن، وقيل: المبطون: الذي غَلبَ عليه الإسهالُ حتى قتله، فهو شهيد. وقوله في المرأة: «تموت بجُمْعٍ» ، قال أهل اللُّغة: هو إذا ماتت وفي بطنها ولد، يقال: هي بجُمْع؛ إذا كانت مُثقلةَ الحَمْل، وقال بعض أهل العلم: وإذا ماتت من النَّفاس فهي كذلك شهيد، سواء بقي في بطنها، أو وضعته ثم ماتت عقب ذلك. وفيه لأهل اللغة معنى آخر: وهو أنه كذلك -أيضاً- يقال للبِكْر التي لم تُفْتَضَّ: هي بجُمعٍ، وقاله بعض أهل العلم في معنى الحديث، والمعنى الأول أقرب؛ توجهاً إلى رتبة الشهادة، وزيادة الأجر على ما فهم من الشرع، والله أعلم. وأما الحَرقُ بالنار، والغرق في الماء، والذي يموت تحت الهدم، فكل ذلك ظاهر، وأرى -والله أعلم- أنَّ هؤلاء لشدة أسباب موتهم؛ كتبهم الله في الشهداء برحمته.

стр. 109

* مسألة في غَسل الشهداءِ، والصلاة عليهم: اختلف أهل العلم في غسل من قُتِل شهيداً في جهاد الكفار، والصلاة عليهم: فأما الغسلُ: فذهب جمهور أهل العلم إلى أنهم لا يُغسَّلون إذا ماتوا في المعركة، وممَّن قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وغيرهم (١) ، وخالفهم سعيد بن المسيّب، والحسنُ

стр. 110

البصريُّ (١) ، وغيرهما (٢) ، فقالوا: يغسل الشهداء وغيرهم.

стр. 111

ودليل ما ذهب إليه الجمهور: ما خرَّجه أبو داود (١) ، عن ابن عباسٍ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلى أُحدٍ؛ أَنْ يُنزع عنهم الحديد، والجُلود، وأن يُدفنوا بدمائهم، وثيابهم. وفيه -أيضاً- (٢) عن جابر قال: رُمي رجلٌ بسهم في صدره -أو: في حَلْقِهِ-

стр. 112

فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله ﷺ . وفي البخاري (١) ، في قتلى أحد: ولم يغسلوا؛ نذكره فيما بعد. ومستند من رأى الغَسْل: أن ذلك هو الأصل في موتى المسلمين، وحَمَلوا ما وقع في شهداء أحدٍ على الخصوصية بهم، واستدلوا على صحَّة هذا التأويل بما روي أن رسول الله ﷺ قال لشهداء أحد: «هؤلاء أشهد عليهم» ، ذكره مالك في «موطئه» (٢) مقطوعاً، وأسنده البخاري (٣) وغيره (٤) ، فوصله بمعناه، قالوا: هذا يدل على أنهم ليسوا كغيرهم. وأما الصلاة على الشهداء: فاختلفوا -أيضاً- في ذلك بنحو هذا المعنى؛ ولاختلاف الروايات -أيضاً- فيه؛ فذهب مالك، والشافعي، والليث، وأحمد (٥) إلى أنه لا يصلَّى عليهم، ودليلهم: ما خرَّج البخاري (٦) ، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يجمعُ بين

стр. 113

الرجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما، قَدَّمه في اللَّحد، وقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة» ، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلُوا، ولم يُصلِّ عليهم. وخرَّج أبو داود (١) ، عن أنس، أن شهداء أحد لم يُغسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يُصلَّ عليهم. وذهبَ أبو حنيفة وأصحابه (٢) ؛ إلى أنه يُصلَّى على الشهيد، ولا تتركُ الصلاة على مسلم، كان شهيداً أو غير شهيد، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن ابن صالح، والأوزاعي، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بما وجب في الأصل من الصلاة على من مات من المسلمين، وعارضوا الروايات الواردة في شهداءِ أحدٍ؛ أنهم لم يُصلَّ عليهم برواياتٍ أُخر فيها: أن رسول الله ﷺ صلَّى على شهداء أحد (٣) ، وفي بعضها أنه صلَّى على حمزة سبعين صلاة (٤) .

стр. 114

والآثار في ذلك مختلفة جدًّا، وقع من ذلك في كتاب «السنن» للدارقطني رواياتٌ اختلفت على أربع صفات: إحداها: أنه لم يصلِّ على شهداء أحد (١) . والثانية: أنه صلَّى على حمزة، ولم يُصلِّ على غيره (٢) .

стр. 115

والثالثة: أنه صلَّى عليهم وعلى حمزة؛ يجاء بهم واحداً واحداً، فيصلِّي عليه وعلى حمزة، حتَّى أكمل على حمزة سبعين صلاة (١) ، وكان القتلى يوم أحدٍ سبعين. الرابعة: أنه كان يجاء بهم تسعة وحمزة عاشرهم، فإذا صلَّى عليهم دُفنَ التسْعة، وتُركَ حمزة، ويجاء بتسعةٍ أخرى، وحمزة عاشرهم كذلك -أيضاً- (٢) .

стр. 116

قال ابن عبد البرّ: أكثر الروايات بالصلاة على قُتلى أحد مراسيل (١) . وخرَّج مسلم (٢) ، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ ، خرج يوماً، فصلَّى على أهل أحدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر ... الحديث. قال في «كتاب الدارقطني» (٣) عن عقبة بن عامر: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين. وفي الصلاة على الشهيد قولٌ ثالث؛ قال أبو محمد بن حزم (٤) في الشهيد

стр. 117

المقتول في المعركة بأيدي المشركين: «إنْ صُلِّي عليه؛ فحسنٌ، وإن لم يُصَلَّ عليه؛ فحسن» . وأرى مستند قوله هذا، ما ثبت أن النبي ﷺ أمرَ بالشهداء من أُحد، أن يدفنوا من غير صلاةٍ عليهم (١) ، فدلَّ على أنه ليس بفرض، ثم صلَّى عليهم بعد مدّةٍ صَلاتَهُ على الميت، وكذلك صلاته على حمزة دون غيره، فدلَّ على أنه ليس بمحظور، فثبت أن الصلاة والتَّرْكَ كلُّ ذلك جائزٌ حَسَن، وهذا القول يترجح؛ لأن فيه استعمال ماثبتَ من هذه الأحاديث، من غير أن يَكِرَّ أحدُهُما على الآخر. وأيضاً؛ لمَّا كانت الصلاة على موتى المسلمين مشروعةً بيقين، ولم يكن في ترك النبي ﷺ الصلاةَ على قتلى أحدٍ ما يدل على أن الفعل محظور، كان كلُّ ذلك سائغاً، والله أعلم (٢) . واتفق العلماء على أن الشهيد إذا لم يمت في المعترك، وحُمل حيًّا، وعاش حتى أكل وشرب، ثم مات، فإنه يغسَّل، ويصلَّى عليه، كسائر المسلمين، وكذلك فُعِل بعمر (٣) وعلي (٤) ﵄.

стр. 118

واختلفوا فيمن قُتِلَ مظلوماً، كقتيل الفئة الباغية، وقطَّاع السُّبل، وما أشبه ذلك (١) ؛ فقال مالك (٢) ، والشافعي (٣) : هم كسائر الموتى من المسلمين، يُغسَّلون، ويُصلَّى عليهم، وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: من قُتِل مظلوماً لا يُغسَّل، ولكن يُصلَّى عليه، وعلى كل شهيد (٤) ، وهذا كما تقدم من مذهبهم في الشهيد في

стр. 119

معركة الكفار، أنه لا يغسل، ولكن يصلَّى عليه. والدليل على ما ذهبَ إليه مالك، والشافعيُّ، أن السنة المُجتَمَع عليها في موتى المسلمين، أنهم يغسلون ويصلَّى عليهم، إلا ما خرج من ذلك بدليل، والذي خرج من ذلك بالآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ أمْرُ قتيل الكفار في المعترك، فبقي ما عداه على الأصل، وهذا ظاهر، وليس لأبي حنيفة ومن قال بقوله مستندٌ في إلحاق قتيل أهل البغي، والظلم، بالشهداء؛ إلا القياس عليهم، وآثار وردت عن بعض من قتل في حرب الخوارج، ونحوه، أوصى بعضهم أن يدفن بدمائه في ثيابه التي قتل فيها، ولا يغسَّل (١) .

стр. 120

مسائل من أحكام النفقة في سبيل الله * مسألة: من أخرج شيئاً في سبيل الله، فإمَّا أن يُعيِّن فيقول: يوضع في كذا، يذكر وجهاً من وجوه البرِّ: صدقةً أو عتقاً أو جهاداً أو حَجَّاً، وما أشبه ذلك. وإمّا أن يُطلق؛ فيقول: هذا في سبيل الله، ولا يزيد على ذلك، فإن كان عَيَّن، فهو على ما سمَّى، لا يحتمل ذلك خلافاً، ولا يسوغ فيه، وإن أطلق ولم تكن له نيَّة، أو كانت فلم تُعْلم؛ لأنه مات، أو غاب، وما أشبه ذلك، فقيل: إنَّ إطلاق هذا القولِ وعُرْفَه يقتضي الجهاد، فهو يُحملُ عليه، فيكون مَصْرَفُه إلى الغُزاةِ وأهلِ القتال، وفي وجوه الحرب، لا يتعدَّى به ذلك؛ روُي هذا عن مالكٍ (١) ، والشافعيّ (٢) ، وغيرهما (٣) . وقد يحتمل أن يقال: إنه سائغٌ أن يوضع في الأهمّ فالأهمّ من وجوه البرّ، جهاداً كان أو غيره؛ لأن ذلك كله في سبيل الله، ويدلُّ على هذا قوله ﷺ : «من أنفق زوجين في سبيل الله ... » ثم ذكر الصلاة، والجهاد، والصدقة، والصيام، وقد تقدم هذا الحديث (٤) . قال جماعة من أهل العلم في ذلك: إنه يتناول من جاهد مرتين، أو: صام يومين، أو: صلَّى نفلين، وما أشبه ذلك، فإطلاق اللفظ «في سبيل الله» لا يختص بواحدٍ من سُبل الخير، والله أعلم (٥) .

стр. 121

ومثل ذلك رُوي عن ابن عمر، وقاله مجاهد (١) .

стр. 122

* مسألة: من حَمَلَ على فرسٍ في الغزو، فقال: خُذ هذا في سبيل الله، فإما أن يقول: هوَ لكَ، أو: شأنك به، وما أشبه ذلك، ممَّا ظاهره التمليك، أو يقول: هو حَبْسٌ، أو: وَقْفٌ في سبيل الله، أو: لا يزيد على ذكر السّبيل شيئاً. فأمَّا الأول حيث يُمَلِّكه إياه في سبيل الله، فله بَيْعُه عند مالكٍ، وأكثر أهل العلم (١) ، والانتفاعُ بثمنه إن شاء، يعني: بعد أن يغزو به، أو يستعمله في نوع من الجهاد ولو مَرَّةً، والله أعلم. أو: يكون بيعه لاستغناءٍ به عن ركوبه، فهو يتجهز بثمنه في أسباب الغزو، وقد قيل: ليس له بيعه، وهو في سبيل الله (٢) . وأما الوجه الثاني حيث يقول: هو حبسٌ في سبيل الله، فهو وقفٌ على ذلك، لا يحل بيعه، ولا تَمَلُّكُهُ، ولا تصريفه في غير ما حُبِسَ عليه، مادام فيه منفعةٌ في ذلك، لا خلاف يعلم في هذا الوجه (٣) .

стр. 123

وأما الوجه الثالث حيثُ يُطْلِقُ، فلا يزيد على ذكر السَّبيل؛ فعن مالكٍ: أنه لا ينتفع بشيءٍ من ثمنه في غير سبيل الله، وإذا ركبه في ذلك ردَّه بَعدُ (١) ، وقال الأوزاعيُّ: إن لم يقل المُعْطي: هو حبسٌ، أو: موقوف، كان للمعطَى كسائر ماله (٢) . وقال الليث مثله: يصنع به ما شاء، بعد أن يبلغ به مغزاه (٣) ، وكذلك ذهب الشافعي (٤) ، وأبو حنيفة (٥) إلى أنه مِلْكٌ للمحمول عليه. وفي كتاب البخاري (٦) : وقال طاوس، ومجاهد: إذا دُفِعَ إليكَ شيءٌ تخرج به في سبيل الله، فاصنع به ما شئت؛ وَضَعْه عند أهلك. فدليل من منع أن يتملَّكَهُ، ورأى أن لا يُصرف إلا في سبيل الله، أنه الوجه الذي فيه سَوَّغه مالكه، فوجب أن لا يُتمَلَّك في غيره، ودليل من رآه ملكاً بذلك للمحمول عليه حديث عمر بن الخطاب قال: حَمَلْتُ على فرسٍ عتيقٍ في سبيل الله، وكان الرجلُ الذي هو عنده قد أضاعَهُ، فأردت أن أشتريه منه، وظننْتُ أنه بائعهُ برخصٍ، فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «لا تشتره، وإن أعطاكه

стр. 124

بدرهم واحد؛ فإنَّ العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» (١) . خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) . فموضع الدليل منه إقراره ﷺ حين لم يُنكر عليه بيعه، وإنما أنكر شراء المتصدق لصدقته. * مسألة الجعائل في الغزو: خرَّج أبو داود (٣) ، عن أبي أيوب الأنصاري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «سَتُفتحُ عليكم الأمصار، وستكون جنودٌ مجنَّدةٌ، يُقطع عليكم فيها بُعوثٌ، فيكره

стр. 125

الرجل منكم البَعْثَ فيها، فيتخلَّص من قومه، ثم يتصَفَّحُ القبائل يَعرض نفسه عليهم، يقول: من أكفيه بعثَ كذا؟ من أكفيه بعث كذا؟ ألا وذلك الأجيرُ إلى آخر قطرةٍ من دمه» . وخرَّج -أيضاً- (١) في باب: الرخصة في الجعل في الغزو، عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي» . فأقول: الوجه الذي أُرْخِصَ فيه غير الوجه الذي كُرِه، فإذا كان الانبعاث لله؛ لم يكن بالمعاونةِ على ذلك والجُعْل فيه بأسٌ، بل كلاهما مأجور، كما في الحديث، وإذا كان انبعاثه إنما هو لما يعطاه، لا غَرَض له غير ذلك؛ فهو أجير يَسفِك دمه على غير وجه الشرع، كما جاء في الحديث الأول. وفي البخاري (٢) : «وقال مجاهد: قلت لابن عمر: أُريد الغزو. قال: إنِّي أُحِبُّ أنْ أُعينكَ بِطائفةٍ من مالي، قلتُ: قد أَوْسَعَ (٣) الله عليَّ، قال: إنَّ غناك لك، وإني أحبُّ أن يكون من مالي في هذا الوجه» . وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم؛ فرُوي عن مالكٍ أنه قال: لا بأس بالجعائل، ولم يزل الناس يتجاعلون بالمدينة عندنا، وذلك لأهل العطاء، ومن له

стр. 126

ديوان، وكره مالك أن يؤاجر دابَّته أو فرسه في سبيل الله ، وكره أن يعطيه الوالي الجُعل على أن يتقدم إلى الحِصن فيقاتل (١) . قال: ولا يكره لأهل العطاء الجعائل؛ لأن العطاء نفسه مأخوذٌ على هذا الوجه. وقال الشافعي (٢) : لا يجوز أن يغزو بجُعلٍ من رجلٍ يجعله له، وإن غزا به فعليه أن يردَّه، ولا بأس أن يأخذ الجعائل من السلطان دون غيره؛ لأنه يغزو بشيءٍ من حقه. وقال أبو حنيفة (٣) : تُكره الجعائل ما كان بالمسلمين قوّة، وكان في بيت المال ما يَفي بذلك، فأمَّا إذا لم تكن بهم قوةٌ ولا مال؛ فلا بأس أن يجهّز بعضهم بعضاً، يجعل القاعد للناهض. وكره الثوريُّ والليثُ الجُعلَ، وقال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على

стр. 127

الغزو فلا بأس أن يُعان، وقال الكوفيون: لا بأس لِمَنْ أحَسَّ من نفسه جُبناً أن يُجهِّز الغازي، ويَجْعَلَ له جُعْلاً لغزوته في سبيل الله (١) . قال ابن عبد البر (٢) : «لمّا كان الغازي يستحقّ سهماً من الغنمية من أجل حضوره (٣) القتال، استحال أن يجب له جعلٌ فيما فعله لنفسه، وأدَّى به ما عليه من فرض الجهاد» . وفيما قاله نظر؛ لأن غزو الغازي إن كان لإصابة الغنيمة فهو باطل، جُعِلَ له، أو لم يُجعلْ؛ لما يأتي بَعْدُ من الأدلة على ذلك، وإن كان على سُنَّة الغزو في سبيل الله، فالغنيمة إن كانت هنالك فبالعرضِ لا تَبطُل البَتَّة، ولا يستحيل بسببها التعاونُ على الغزو؛ لأن العمل لله لا للغنيمة. وأما قوله: «وأدَّى به ما عليه من فرض الجهاد» ؛ فالمجعول لهم، ضَرْبان: فقيرٌ -فهذا لا فرض جهاد عليه؛ لأنه غير مستطيع- وغنيٌّ؛ فهو إن كان لم يخرج إلا للجعل، عاد القول في فساده إلى المعنى الأول، من حيثُ إنه لم يُرِدْ وجه الله، لا من حيث الإعانة على ذلك، وإن كان خارجاً على كل حال، فليس ما أُعطي يكون جُعلاً على أداء فرضه. وبالجملة، فالأظهر، والذي عليه الجماعة من أهل العلم، أن ما أُعْطِيه الفقير عوناً على الغزو، وتقرباً به من غير مسألة،

стр. 128

وكان ذلك سبب انبعاثه لا لنفس العطاء، لكن لإمكان القدرة، إذ كان بالعدم عاجزاً؛ فهو جائز، لا أعلم فيه خلافاً، وكلاهما مأجور -إن شاء الله-، كما قد وقع في الحديث المتقدم: «للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي» (١) ، وأما إن كان غنياً فأعطي كذلك من غير مسألة، فمن العلماء من كره له ذلك، وإليه ذهب مالكٌ (٢) ، وهو الأوْلَى؛ لأنه قادرٌ على الغزو بماله، فلم يكن له اضطرارٌ في إقامة تلك العبادة إلى ما أعطي مثل ما كان للفقير، ومنهم من قال: لا بأس أن يَقْبل -وهم الأكثر- (٣) ، قالوا: فإن احتاج إليه أنْفَقَه، وإن استغنَى عنه فرَّقه في سبيل الله، ولم يختلفوا أنَّ المسألة في ذلك للغنيِّ والفقير مكروهة (٤) ؛ قالوا: من كان غنيًّا فَلْيَغْزُ بماله، ومن كان فقيراً فليجلس في بيته، وبالله تعالى التوفيق. *****

стр. 129

الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال فصلٌ: في صحة الجهاد، وما لا يتم العمل إلا به قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّين. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢-٣] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البيّنة: ٥] . وقال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرئٍ (١) ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . خرجه مسلم (٢) ، وغيره. قال الترمذي (٣) : قال عبد الرحمن بن مهدي: «ينبغي أن نضع هذا الحديث في كلِّ بابٍ» . وإنما يعني بذلك: أنه أصلٌ في صحة كلِّ عبادة، وما يتقرب به إلى الله -تعالى- من قولٍ وعمل، فَمِن شرط الجهاد وفرضه وصحة كونه عملاً لله، وجهاداً في سبيل الله، أن يُقصد به وجه الله -تعالى-، وإعلاء كلمته، يجاهد

стр. 130

الرجل غضباً في الله، وانتصاراً لدينه -تعالى-: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] . خرَّج البخاري (١) عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذِّكْر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . النسائي (٢) ، عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذِّكر، ما لَهُ؟ فقال له رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ، فأعادها ثلاث مرّات، يقول له رسول الله ﷺ : «لا شيء له» ، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل؛ إلا ما كان خالصاً له، وابتغي به وجهه» . مسلم (٣) ، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أوَّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه: رجلٌ استُشهد، فأُتي به، فَعرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشْهِدْتُ، قال: كَذبْتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهه، فألقي في النار ... » الحديث. أبو داود (٤) ، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «الغزو غزوان،

стр. 131

فأمَّا من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفقَ الكريمة، وياسَرَ الشَّريك، واجْتَنبَ الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ؛ أجرٌ كلُّه، وأما من غزا فخراً، ورياءً، وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» . فصلٌ: في طاعة الإمام، والغزو مع كلِّ أمير، برًّا أو فاجرًا قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، قيل: هم أمراء السَّرايا، وقيل: أهل الفقه والدِّين (١) .

стр. 132

وفي «الموطأ» (١) عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر؛ واليسر، والمَنْشَطِ؛ والمَكْرَهِ، وألاَّ ننازعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقول -أو: نقوم- بالحَقِّ حيثُ ما كُنَّا، لا نخاف في الله لومةَ لائمٍ» . البخاري (٢) ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «السمع والطاعة حقٌّ ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة» . وفيه (٣) ، عن أبي هريرة قال: عن رسول الله ﷺ : «من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني؛ فقد عصى الله، ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن يَعصِ الأمير؛ فقد عصاني، وإنما الإمام جُنَّة، يُقاتَل من ورائه، ويُتَّقى به، فإن أمرَ بتقوى الله وعَدل؛ فإنَّ له بذلك أجراً، وإن قال بغيره، فإنَّ عليه مِنْهُ» . مسلم (٤) ، عن أم الحُصين [قالت] : حَجَجْتُ مع رسول الله ﷺ حجَّة

стр. 133

الوداع، وسمعته يقول: «إن أُمِّرَ عليكم عبدٌ مُجَدَّعٌ، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا» . أبو داود (١) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجب عليكم، مع كلِّ أمير، برّاً كان أو فاجراً» . في المياسرة والمرافقة في الغزو قوله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، [وقوله -تعالى-] : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وفي حديث معاذ، عن رسول الله ﷺ : «.. فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد؛ فإن نومه ونُبْهَهُ؛ أجرٌ كُلُّه» (٢) . قيل في قوله: «وأنفق الكريمة» ، يعني: النفيس من المال، الذي له قَدْرٌ يكرم على أهله. وقيل: يعني الحلال الطَّيِّب. مسلم (٣) ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الأشعريِّين إذا أرْمَلُوا

стр. 134

في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسَّويِّة، فهُم مِنِّي وأنا منهم» . قوله: «أرملوا» . قال في «مختصر العين» (١) : أَرْملَ القوم: فَنِي زادهم. وخرَّج أبو داود (٢) ، عن جابر بن عبد الله، حدَّث عن رسول الله ﷺ أنه أراد أن يغزو، قال: «يا معشرَ المهاجرين والأنصار، إن من إخوانكم قوماً ليس لهم مال، ولا عشيرة، فليَضُمَّ أحدكم إليه الرَّجلين -أو: الثلاثة-» . فما لأحدنا من ظهرٍ يَحْمِلُهُ، إلا عقبةٌ كعُقبة -يعني: أحدهم-، قال: فضممتُ إليَّ اثنين -أو: ثلاثةً- وما لي إلا عُقبة، كعقبةِ أحدهم من جملي. آداب السفر والجهاد * ما يحق على الإمام في مراعاة أحوال من معه، ومعاونتهم، والرفق بهم. قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . مسلم (٣) ، عن عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من

стр. 135

وَلِيَ مِن أمْرِ أمتي شيئاً؛ فشَقَّ عليهم؛ فاشقُق عليه، ومَنْ ولي من أمرِ أمَّتي شيئاً؛ فرفِقَ بهم؛ فارفق به» . وفيه -أيضاً- (١) ، عن أنس، أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان ... الحديث. وقال في الترمذي (٢) ، عن أبي هريرة: مارأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه

стр. 136

من رسول الله ﷺ . أبو داود (١) ، عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يتخلَّف في المسير، فيُزجِي الضعيفَ ويُردفُ، ويدعو لهم» . قوله: «يُزجي» أي: يسوق برفق، والإزجاء: دفعُ الشيء وسَوْقُه. قال الله -تعالى-: ﴿يُزْجِي سَحَاباً﴾ (٢) [النور: ٤٣] . قال مالك (٣) : «ينبغي لإمام الجيش ألاَّ يعجل على أصحابه، وأن يكون في وسطهم، ويبعث سراياه؛ لئلاَّ يقطع بالناس، وهو يستحب أن يكون في آخرهم، ويقدِّم الناس، وقد كان عمر بن الخطاب إذا كان في السَّفر، كان في آخر الناس، حتى يقدِّم المعتلّ بعيره والضعيف» .

стр. 137

* ما يحق على أمير الجيش من طاعة الله -تعالى- والتحفظ بمن معه، والحزم. مسلم (١) ، عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سَرِيَّة، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً. وبعث رسول الله ﷺ عام الحديبية بين يديه عيناً له من خزاعة، يخبره عن فَرَس (٢) . وقال يوم الأحزاب: «من يأتيني بخبر القوم؟» قال الزبير: أنا (٣) . وأوصى بعض السَّلَف (٤) أمير جيشه، فقال له: «كنْ كالتاجر الكيِّس، الذي

стр. 138

لا يطلب رِبْحاً؛ إلا بعد إحراز رأس ماله» . وكتب أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- إلى عمرو بن العاص: «أما بعد، فقد جاءني كتابك، يذكر ما جَمَعت الروم من الجموع، وإنَّ الله لم ينصرنا مع نبينا ﷺ بكثرة عددٍ، ولا بكثرة خيلٍ، ولا سلاح، ولقد كُنّا ببدر، وما معنَا إلا فرسَان، وإنْ نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا يوم أحدٍ، وما معنا إلا فرسٌ واحد، وكان رسول الله ﷺ يركبه، ولقد كان الله يُظْهِرُنا، ويُعِينُنَا على من خالَفَنا، فاعلم يا عمرو، أنَّ أطوعَ الناسِ لله أشدُّهم بغضاً للمعصية، ومن خاف الله ورَّعه خوفه عن كل ما فيه معصية، فأطِع الله -تعالى-، وأْمُرْ أصحابك بطاعته؛ فإن المغبون من حُرِمَ طاعة الله -تعالى-، واحذر على أصحابك البياتَ، وإذا نزلت منزلاً فاستعمل على أصحابك أهل الجَلَدِ والقوة؛ ليكونوا هم الذين يحرسونهم ويحفظونهم، وقدِّم أمامك الطلائع، حتى يأتوا بالخبر، وشاور أهل الرأي والتجربة، ولا تستبدَّ برأيك دونهم، فإن في ذلك احتقاراً للناس، ومَغْضَبَةً لهم، فقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يشاور أصحابه في الحرب، وإيّاك والاستهانة بأهل الفضل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد عرفتَ وصية رسول الله ﷺ بالأنصار عند موته حين قال: «أحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (١) ، فقرِّبهم منك وأَدْنِهِمْ، واستشرهم، وأَشْرِكْهم في أمرك،

стр. 139

ولا يَغِبْ عنِّي خبرك كل يوم بما فيه إن قدرتَ على ذلك، وأشبع الناس في بيوتهم، ولا تشبعهم عندك، وتعاهد أهل الدعارة والأحداث بالعقوبة، من غير تعدٍّ عليهم، وليكن تقدّمك إليهم فيما تنهى عنه قبل العقوبة، وتبرأ إلى أهل الذمة من معرتهم، واعلم أنك مسؤول عمّا أنت فيه، فالله الله يا عمرو فيما أوصيك به، جعلنا الله وإياك من رفقاء محمد ﷺ في دار المقامة، وقد كتبتُ إلى خالد بن الوليد يُمِدّك بنفسه ومن معهُ، فله يُمْنٌ في الحروب، وهو ممن يعرفُ اللهَ -تعالى-، فلا تخالفه، وشاوره، والسلام عليك» (١) . ما يحق من التحفظ بالخيل وتعاهدها، وما يستحب أو يُكره منها في «الموطأ» (٢) ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله ﷺ رُئي يمسحُ وجه فرسه بردائه، فسُئل عن ذلك؟ فقال: «إنّي عُوتبتُ الَّليلة في الخيل» . النسائي (٣) ، عن أنس قال: لم يكن شيء أحبَّ إلى رسول الله ﷺ بعد النساءِ من الخيل. وفيه (٤) -أيضاً- عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله: «ما مِنْ فرسٍ عربيٍّ إلاَّ

стр. 140

يؤذنُ له عند كلِّ فجرٍ بدعوتين: اللهم خوَّلتني من خوَّلتني من بني آدم، وجَعلتني له، فاجعلني أحبَّ أهله وماله إليه- أو: مِنْ أحبِّ أهله وماله إليه-» . أبو داود (١) ، عن أبي وهبٍ الجُشمي -وكانت له صُحبةٌ- قال: قال رسول الله

стр. 141

- ﷺ : «عليكم بكل كُميتٍ أغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أدهَمَ أغرّ مُحَجَّلٍ» . وفيه (١) عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُمْنُ الخَيْلِ في شُقْرِهَا» . الترمذي (٢) ، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: «خيرُ الخيل: الأدهمُ،

стр. 142

الأقرحُ، الأرْثمُ، ثم الأقرحُ، المُحجَّل، طَلْق اليمين، فإنْ لم يكن أدهمَ، فكُميتٌ، على هذه الشِّيةِ» . قال فيه: «حسن غريب صحيح» . مسلم، وأبو داود، كلاهما عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يكره الشِّكال من الخيل» (١) . والشِّكالُ: أن يكون الفرسُ في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو: يده اليمنى وبرجله اليسرى. قال أبو داود: «أي: مخالف» . قال النسائي: الشِّكال: أن تكون ثلاث قوائم منه محجَّلةً، وواحدةٌ مُطلقةً، أو: تكون الثلاث مطلقةً، والرِّجلُ مُحجَّلةً، وليس يكون الشِّكالُ إلا في الرِّجلِ، ولا يكون في اليد (٢) . ما يجبُ من القيام على الدَّوابِّ والبهائم واعتمالها قوله -تعالى-: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ

стр. 143

تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨-١١] . خرَّج أبو داود (١) عن سهل ابن الحنظلية قال: مرَّ رسول الله ﷺ ببعيرٍ قد لَحِق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المُعْجَمةِ، اركبوها صالحةً، وكلوها صالحة» . وفيه (٢) ، عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم، فَأسرَّ إليَّ حديثاً، لا أحدِّث به أحدًا من الناس، وكان أحبُّ ما استَتَرَ به رسول الله ﷺ لحاجته هَدَفاً، أو حائِشَ نَخْلٍ، قال: فَدَخَلَ حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جَمَلٌ، فلما رأى رسولَ الله ﷺ حَنَّ، وذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبي ﷺ فَمسَح ذِفْراهُ، فسَكَتَ، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل» ؟! فجاء فتىً من الأنصار

стр. 144

فقال: لي يا رسول الله، قال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها؟! فإنه شَكا إليَّ أنَّك تُجيِعُه وتُدْئِبُه» . قوله: «حائش نخل» . الحائش: جماعة النخل، و «الذّفرى من البعير» : مؤخّر رسَنِه، ومعنى «تُدْئبه» : تُكِدُّه وتُتْعِبُه. وفيه (١) ، عن أنس بن مالكٍ قال: «كُنّا إذا نزلنا مَنْزِلاً، لا نُسبِّح حتى تُحَلَّ (٢) الرِّحال» . قوله: «لا نُسبِّح» ، يُريد: لا نُصَلِّي سُبحَة الضحى حتى تحطَّ الرِّحالُ، وتُراحَ المطيّ، وكان بعض العلماء يستحبُّ أن لا يتَطَعَّمَ الراكبُ إذا نَزَلَ المنزل، حَتَّى تُعلفَ الدَّابة (٣) . أبو داود (٤) ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إياي أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخَّرها لكم؛ لِتُبلِّغكم إلى منزلٍ لم تكونوا بالغيه إلاَّ بشقِّ الأنْفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم» .

стр. 145

مسلم (١) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخَصْب فأَعطوا الإبل حَظَّها من الأرضِ، وإذا سافرتم في السَّنةِ، فأسرعوا عليها السَّيْر، وإذا عرَّستُم بالليل فاجتنبوا الطَّريق، فإنَّها مأوى الهوامِّ باللَّيْل» . قوله: «سافرتم في السَّنة» : يعني الجَدب، وكذلك وقع عند أبي داود (٢) : و «إذا سافرتم في الجَدْبِ فأسرعوا السَّيْر» . ويقال: أصابت الناسَ سَنَةٌ، أي: قحطٌ وشدَّة. قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . ما يُستحبُّ من الأوقات في السَّفَر والغَزو (٣) خرَّج البخاري (٤) ، عن كعب بن مالك، كان يقول: لقلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفرٍ إلا يوم الخميس.
следующие страницы →