← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

- ﷺ : «عليكم بكل كُميتٍ أغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أو: أدهَمَ أغرّ مُحَجَّلٍ» . وفيه (١) عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُمْنُ الخَيْلِ في شُقْرِهَا» . الترمذي (٢) ، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: «خيرُ الخيل: الأدهمُ،

стр. 142

الأقرحُ، الأرْثمُ، ثم الأقرحُ، المُحجَّل، طَلْق اليمين، فإنْ لم يكن أدهمَ، فكُميتٌ، على هذه الشِّيةِ» . قال فيه: «حسن غريب صحيح» . مسلم، وأبو داود، كلاهما عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يكره الشِّكال من الخيل» (١) . والشِّكالُ: أن يكون الفرسُ في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو: يده اليمنى وبرجله اليسرى. قال أبو داود: «أي: مخالف» . قال النسائي: الشِّكال: أن تكون ثلاث قوائم منه محجَّلةً، وواحدةٌ مُطلقةً، أو: تكون الثلاث مطلقةً، والرِّجلُ مُحجَّلةً، وليس يكون الشِّكالُ إلا في الرِّجلِ، ولا يكون في اليد (٢) . ما يجبُ من القيام على الدَّوابِّ والبهائم واعتمالها قوله -تعالى-: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ

стр. 143

تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨-١١] . خرَّج أبو داود (١) عن سهل ابن الحنظلية قال: مرَّ رسول الله ﷺ ببعيرٍ قد لَحِق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المُعْجَمةِ، اركبوها صالحةً، وكلوها صالحة» . وفيه (٢) ، عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم، فَأسرَّ إليَّ حديثاً، لا أحدِّث به أحدًا من الناس، وكان أحبُّ ما استَتَرَ به رسول الله ﷺ لحاجته هَدَفاً، أو حائِشَ نَخْلٍ، قال: فَدَخَلَ حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جَمَلٌ، فلما رأى رسولَ الله ﷺ حَنَّ، وذَرَفَتْ عيناه، فأتاه النبي ﷺ فَمسَح ذِفْراهُ، فسَكَتَ، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل» ؟! فجاء فتىً من الأنصار

стр. 144

فقال: لي يا رسول الله، قال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها؟! فإنه شَكا إليَّ أنَّك تُجيِعُه وتُدْئِبُه» . قوله: «حائش نخل» . الحائش: جماعة النخل، و «الذّفرى من البعير» : مؤخّر رسَنِه، ومعنى «تُدْئبه» : تُكِدُّه وتُتْعِبُه. وفيه (١) ، عن أنس بن مالكٍ قال: «كُنّا إذا نزلنا مَنْزِلاً، لا نُسبِّح حتى تُحَلَّ (٢) الرِّحال» . قوله: «لا نُسبِّح» ، يُريد: لا نُصَلِّي سُبحَة الضحى حتى تحطَّ الرِّحالُ، وتُراحَ المطيّ، وكان بعض العلماء يستحبُّ أن لا يتَطَعَّمَ الراكبُ إذا نَزَلَ المنزل، حَتَّى تُعلفَ الدَّابة (٣) . أبو داود (٤) ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إياي أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخَّرها لكم؛ لِتُبلِّغكم إلى منزلٍ لم تكونوا بالغيه إلاَّ بشقِّ الأنْفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم» .

стр. 145

مسلم (١) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخَصْب فأَعطوا الإبل حَظَّها من الأرضِ، وإذا سافرتم في السَّنةِ، فأسرعوا عليها السَّيْر، وإذا عرَّستُم بالليل فاجتنبوا الطَّريق، فإنَّها مأوى الهوامِّ باللَّيْل» . قوله: «سافرتم في السَّنة» : يعني الجَدب، وكذلك وقع عند أبي داود (٢) : و «إذا سافرتم في الجَدْبِ فأسرعوا السَّيْر» . ويقال: أصابت الناسَ سَنَةٌ، أي: قحطٌ وشدَّة. قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . ما يُستحبُّ من الأوقات في السَّفَر والغَزو (٣) خرَّج البخاري (٤) ، عن كعب بن مالك، كان يقول: لقلَّما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفرٍ إلا يوم الخميس.

стр. 146

وفيه (١) : وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. أبو داود (٢) ، عن صخر الغامدي، عن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لأمتي في

стр. 147

بكورها» . وكان إذا بعثَ سريَّةً -أو: جيشاً- بعثهم من أول النهار، وكان صخرٌ

стр. 148

رجُلاً تاجراً، وكان يبعث تجارته من أول النهار؛ فأَثْرَى وكَثُرَ مالُه. الترمذي (١) ، عن النعمان بن مُقَرِّنٍ قال: «شهدتُ مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وَتَهُبَّ الرِّياحُ، ويَنْزلَ النَّصْر» . قال فيه: «حسن صحيح» . وفيه (٢) ، عن النعمان -أيضاً- قال: «غزوت مع النبي ﷺ ، فكان إذا طلَعَ الفجرُ أمسكَ حتى تطلع الشمس، فإذا طَلَعتْ قاتل، فإذا انتصف النهار أمسك

стр. 149

حتى تزولَ الشمسُ، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم يقاتل» . قال: «وكان يقال عند ذلك: تهيجُ رياح النصرِ، ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم» . في آداب نزول العسكر في المنزل وفي حديث أبي هريرة، من طريق أبي داود (١) : «فإذا أردتم التعريس، فتنكَّبوا عن الطريق» . أبو داود (٢) ، عن أبي ثعلبة الخشني قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرَّقوا في الشِّعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ تفرُّقكم في هذه الشعاب والأودية، إنما ذلكم من الشيطان» . فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً، إلا انضمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بُسط عليهم ثوبٌ لعمَّهم» . وفيه (٣) -أيضاً-، عن معاذ الجهني قال: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة كذا وكذا، فَضَيَّق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله ﷺ منادياً ينادي

стр. 150

في الناس: «أنَّ من ضيَّقَ منزلاً، أو قطع طريقاً فلا جهاد له» . فاجتمع معنى الحديثين على أنَّ التضَامَّ في المنزل، بحيث لا يقطع ذلك حقوق المارَّة وغيرهم مُستحبٌ، والتفرُّق مكروه، وكذلك التضييق المخلُّ بالحقوق؛ لا يجوز (١) . في تعبئة الصفوف وآداب القتال قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] . خرَّج البخاري (٢) ، عن حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ يوم بدرٍ حين صففْنَا لقريشٍ وصفّوا لنا: «إذا أَكْثَبُوكمْ فَعَليكُمْ بالنَّبْلِ» . وفي كتاب أبي داود مثله (٣) ، وزاد: «إذا أكثبوكم -يعني: غَشَوْكُم- فارموهم بالنَّبل، واسْتبقُوا نَبْلَكُم» . الكثب: القُرب، يقال: أكْثَب الشيء والصَّيْدُ، وأَكْثَبَكَ: قَرُبَ منكَ.

стр. 151

وخرَّج أبو داود (١) ، عن قيس بن عُبادٍ، قال: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند القتال» . وخرَّج مسلم (٢) ، عن أبي هريرة، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المُجَنِّبَةِ اليمنى، وجعل الزبير على المُجَنِّبَةِ اليسرى،

стр. 152

وجعل أبا عبيدة على البياذِقَةِ. وفي بعض طرقه (١) : على الحُسَّر (٢) ... » الحديث. قال بعض رواته (٣) -في غير كتاب مسلم-: البياذقة (٤) : هم الحُسَّر، وهم الذين ليس عليهم سلاح. البخاري (٥) ، عن البراء بن عازبٍ، قال: «جعل النبي ﷺ على الرَّجَّالة يوم أحدٍ -وكانوا خمسين رجلاً- عبد الله بن جُبير، فقال: «إن رأيتمونا تَخْطَفُنا الطيرُ،

стр. 153

فلا تبرحوا مكانكم هذا، حتَّى أُرسلَ إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأَوْطَأناهُم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم ... » الحديث بطوله. وكان يقال: لا تهمل التَّعبئَةَ (١) عند المناوشة؛ فإنَّ فساد التَّعبئة من أعظم الخلل (٢) ، وقيل: لا تجعل النهر وراءك عند الزَّحف. يعني: لما يتقى من كَرَّة العدو، ومضايقة الزَّحف، فيكون في ذلك الهلاك، وكذلك كل شيء يُتقى منه ما يُتَّقى من كَرَّةٍ عند المضايقة والحاجة إلى التوسع، ومجال التَّحَيُّز، وما يُخشى من النُّكوصِ، وشبه ذلك، فالحزم بالإعداد لذلك كلِّه هو الأوْلى (٣) . في كراهة الاستعانة بالمشركين قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ [النساء: ٨٩] . وخرَّج مسلم (٤) ، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ

стр. 154

قِبَلَ بدر، فلما كان بِحَرَّة الوَبرَة (١) ؛ أدركه رجل قد كان يذكر منه جُرْأةٌ ونَجْدةٌ، فَفَرِح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه، قال لرسول الله ﷺ : جئتُ لأتبعك وأُصيبَ معكَ، قال له رسول الله ﷺ : «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا، قال: «ارجع، فلن أستعين بمشرك» ، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: لا، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك» ، قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : «فانطلق» . وفي الترمذي (٢) ، عن الزهري، أن النبي ﷺ أسهم لقومٍ من اليهود قاتلوا معه. واختلف أهل العلم في ذلك: فالجمهورُ على كراهة الاستعانة بهم في شيء من الغزو، وهو الصحيح (٣) ؛ لما دل عليه القرآن والسنة الثابتة. وأما ما رواه

стр. 155

الزهري في كتاب الترمذي؛ فمقطوع، لا يثبت بمثله دليل. وروي عن مالكٍ أنه أجاز أن يُستعان بهم في خدمةٍ أو صنعةٍ (١) . وعن ابن

стр. 156

حبيب: أن يُستعانَ بهم في هدم الحصون ورَمْي المَنْجَنيق، وأنْ يُستعان بهم في القتال إذا كانوا ناحيةً، قال: ولا بأس أن يقوم بمن سالَمه من الحَرْبيِّينَ على من لم يُسالِمه (١) . وكلُّ هذا لا مُستندَ له، بل يَرُدُّه ظاهرُ القرآن والسنةِ، كما تقدم (٢) . * مسألة: اختلف أهل العلم في الأسارى من المسلمين يقاتلون مع العدو عدوًّا غيرهم، فَرَخَّصَ الأوزاعي في ذلك إذا شَرطوا لهم أنْ يُخلُّوا سَبيلهم إذا فتح لهم، فإن لم يشترطوا لهم ذلك، لم يكن لهم أن يقاتلوا إلا أن يخافوا على دمائهم (٣) ،

стр. 157

وقال أحمد بن حنبل بنحوه (١) ، وكره مالكٌ أن يقاتلوا على مثل هذا، ولا ينبغي لمسلمٍ أن يُهْريق دمه إلا في حق (٢) ، ونحوهُ قال أصحاب الرأي (٣) : لا ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من قَبْل أنَّ حكم أهل الحرب هو الغالب، وكان الشافعي (٤) يقول في الأسارى: يُشترط لهم أن يخلَّوا إذا قاتلوا معهم، قد قيل: يقاتلونهم. ولو قال قائل: يكره قتالهم، كان مذهباً. فأقول: إنَّ الوَجْهَ كراهةُ قتالهم معهم؛ لأن قتال الكفار إنما شُرِعَ لإعلاء كلمة الإسلام والدعاءِ إليه، لا لإعلاءِ كُفرٍ على كُفرٍ، بل لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق، ألاَ ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار، وذلك غير مشروع، إلا أن يكون عن أهلِ ذمَّةٍ من المسلمين، فيدافعُ عدوّهم عنهم، فذلك من إعلاء حُرمة الإسلام، والقيام بحدوده، وأما من أباح ذلك إذا شرطوا لهم أن يُخَلّوا عنهم، فتغليبٌ لأحد المكروهين على الآخر؛ لأن إقامتهم تحت أسر الكفار لا يحل لهم، متى أمكنهم سبيلٌ إلى التخلص، كبذل المال في الفداء ونحوه. في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الحرب قوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] .

стр. 158

وفي «الموطأ» (١) ، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُسَافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو» . قال مالك: وإنما ذلك مخافة أن يناله العدو. هكذا وقع هذا الحرف في «موطأ يحيى» من قول مالك، وهو في غيره مرفوع صحيح (٢) . خَرَّج مسلم (٣) ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو» . واتفق الفقهاء أنه لا يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر

стр. 159

الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز السَّفر به في العسكر الكبير المأمون عليه، فقال مالك (١) : لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يُفَرِّق (٢) . قال ابن المنذر (٣) : «منع من ذلك مالك (٤) ، وأحمد بن حنبل (٥) ، وجاء منع ذلك عن عمر بن الخطاب (٦) ، وعمر بن عبد العزيز (٧) ، وقال أبو حنيفة (٨) : لا بأس بذلك في العسكر العظيم. والصواب في ذلك قول مالك، ومَنْ منع مِن ذلك على كل حال، فإنَّ نَهْيَ رسول الله ﷺ عن ذلك؛ وَقَعَ مطلقاً» . وأما قوله ﷺ : «فإني لا آمن أن يناله العدو» ، فذلك مما يمكن توقعه في

стр. 160

العسكر الكبير والصغير، وإن كان هو في الصغير أَمْكَن، فلا يقطع على السلامة في الكبير، بل قد يمكن سقوطه وإضاعته حتى يناله العدو، وإن كان عسكر المسلمين غالباً، فالعلَّة موجودة على كل حال. في لباس الحرير: هل يباح في الغزو؟ خرَّج الترمذي، وغيره (١) عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «حُرِّمَ لباسُ الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحِل لإناثهم» ، قال فيه: «حسن صحيح» . وخرَّج البخاري (٢) ، عن أنس، أن النبي ﷺ رخَّصَ لعبد الرحمن بن عوف، والزبير، في قميصٍ من حريرٍ؛ من حكَّةٍ كانت بهما. وفي رواية (٣) : فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة. واختلف أهل العلم في لباس الحرير في الحرب، فأجازته طائفة ومنعته طائفة؛ فمِمَّن أجازه: أنس، يُروى عنه أنه لبس الديباج في فزعةٍ فزعها الناس (٤) ،

стр. 161

وقال عطاء: الديباج (١) في الحرب سلاح (٢) ، ورُوي إجازته عن عروة (٣) ، ومحمد ابن علي (٤) ، والحسن البصري (٥) ، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف (٦) ، وقاله ابن الماجشون (٧) ، ورواه -أيضاً- عن مالك. قال ابن الماجشون: وقد أجازه غير واحدٍ من الصحابة والتابعين، قال: وإنما أُجيزَ لما فيه من المباهاة والإرهاب على العدو؛

стр. 162

لما يقي عند القتال من النَّبل وغيره من السلاح (١) . ومِمَّن منع من ذلك: عمر بن الخطاب (٢) ، ورُوي مثله عن ابن محيريز (٣) ، وعكرمة (٤) ، وابن سيرين (٥) ، وهو قول أبي حنيفة (٦) ، والمشهور عن مالك (٧) . وأمّا اتخاذ الراية من الحرير، فلا خلاف في جواز استعمالها؛ لأن ذلك ليس من اللباس في شيء. فأما دليل من منع لباس الرجل الحرير على كلِّ حال: فعموم الحديث في تحريم ذلك على الرجال. وحديثُ الرخصة لأجل الحَكَّة، إمَّا أن يكون مختصاً بمن أباح ذلك له رسول الله ﷺ ، أو يكون ذلك محمولاً على سبب الرخصة لا

стр. 163

يُتَعَدّى به عِلَّة الحَكَّة (١) ، وليس أمر الحرب في شيءٍ من ذلك (٢) ، وهذا هو الأرجح. ومستند من أباحهُ في الحرب: قياسهم موطنَ الحرب للضرورة إلى المباهاة والإرهاب، ولأن فيه قوةً، ودفعاً (٣) للسهام ونحوها، كما قال عطاء في الديباج: «إنه في الحرب سلاح» ، فقاسوا هذا على الرُّخصةِ في حديث أنس، بِعلَّةِ أنه يَدْفَعُ من ضرر الغزو، إما بالإرهاب، وإما بكونه من السِّلاح مما هو أشدُّ من ضرر الحكَّة (٤) . ما جاء في الأمر بالدعوة قبل القتال قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٦] .

стр. 164

خرَّج البخاري (١) ، عن سهلٍ، قال: قال النبي ﷺ يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟» ، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ» . وخرّج مسلم (٢) عن ابن عونٍ قال: كَتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنْعامُهم تُسقى على الماء، فقتلَ مُقَاتَلَتَهُمْ، وسبَى سَبيهم، وأصاب يومئذٍ جُويرية بنت الحارث. حدثني هذا الحديث: عبد الله بن عمر -وكان في ذلك الجيش-. فتضمَّن ظاهرُ القرآن، ونصُّ حديث سهلٍ الأمْرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وجاء في حديث ابن عمر مباغَتَتُهم، والإغارةُ عليهم، وهم غارُّون، فوجب أن يرجع ذلك إلى اختلافِ أحوال الكُفّار، فيمن كان قد علِمَ بأمر النبي ﷺ ، وما يقاتلهم عليه، داعياً إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو كان لم يعلم شيئاً من ذلك، والدليل على ذلك قوله في الحديث: «إنما كان ذلك في أول الإسلام» ، يعني: دعاءهم قبل القتال، حيثُ كانوا جاهلين بأمرِ النبيّ ﷺ ، وأحوالُ الكفار لا

стр. 165

تخلو من هذين الوجهين، فأمَّا مَنْ عُلِمَ، وتُحقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فلا خِلافَ (١) يُعرفُ أنه يجبُ أن يُدعَى قبلُ إلى الإسلام، ويعلم بما يجب في ذلك، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذٍ. وأمّا من عُلِمَ أن الدعوة قد بلغتهم قَبْلُ، وعرفوا مايراد منهم، فهذا موضِعٌ اختلف فيه أهل العلم، فَرُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أمرَ أن يُدعوا قبل أن يقاتلوا (٢) ، وكذلك رَوَى ابن القاسم عن مالكٍ (٣) أن يُدْعوا، ورُوي عنه -أيضاً- خلافُ ذلك (٤) . قال ابن المنذر (٥) : «وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يُدعوا، قالوا: قد

стр. 166

بلغتهم الدعوة، هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النَّخعيِّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والليث بن سعدٍ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، والنعمان؛ وأصحابه (١) » . قال: «واحتجَّ الليثُ بن سعدٍ، والشافعيُّ بقتل كعب بن الأشرف (٢) ، واحتج الشافعيُّ -أيضاً- بقتل ابن أبي الحُقيق (٣) ، واحتجَّ الليثُ بقتل الذي قتله عبد الله

стр. 167

ابن أُنيسٍ (١) » . قال ابن المنذر: هو سفيان بن نُبيح، وقال غيره: خالد بن نُبيح. قال: وكان الشافعي، وأبو ثورٍ، يقولان: فإن كان قومٌ لم تبلغهم الدعوة، ولا عِلْمَ لهم بالإسلام، لم يقاتلوا حتى يُدعوا إلى الإسلام. قال ابن المنذر: «وكذلك نقول» . قلت: وهو الذي يشهد له الجمع بين الأحاديث في ذلك، ويعضده (٢) النظر. قال أبو الحسن اللَّخْمي (٣) في دعاء من قد بلغته الدعوة: ذلك على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة، فأمًّا الجيوش العظام؛ تنزل بمن يرى أنه لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن؛ أنهم مَتَى دُعوا إلى الإسلام، أو إلى الجزية؛ أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنهم لا يقبل ذلك منهم الآن؛ لِمَا تقدَّمهم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة واجبة، وإن كانوا عالمين بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظنّ إجابتهم، كانت الدعوة مستحبة، وإنْ لم تُرجَ إجابتهم؛ كانت مباحة، وإن كان المسلمون قلَّة، ويخشى أن يكون في ذلك إنذار بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعةً، وهذا تقسيمٌ حسنٌ، ووجوهه ظاهرة، وعلى حسب هذا الاعتبار ذكر في جواز التَّبييت. قال: ذلك على ثلاثة أوجه: فمن كان تجب دعوته لا يجوز تَبْييتُهُ، ومن لا تجب وتستحب مع ذلك دعوته؛ كره تبييته، ومن كانت الدعوة مباحةً فيهم؛ كان التبييت جائزاً، إلا أن يُخشى على المسلمين إذا دخلوا ليلاً من جهلٍ بالبلد، وخَوفِ ما عسى أن يؤتى عليهم منه، وكل هذا قول صحيح حسن، وقد أباح رسول الله ﷺ التبييت فيمن بلغتهم الدعوة.

стр. 168

خرَّج مسلم (١) ، عن الصَّعب بن جثَّامة قال: سئل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يُبَيَّتون، فيصيبون من نسائهم وذَراريِّهم، فقال: «هُمْ منهم» . وقد بعث رسول الله ﷺ نفراً من الأنصار إلى ابن أبي الحُقَيْق وإلى كعب ابن الأشرف، فَهجَموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر (٢) ، وكذلك بعث عبد الله ابن أنيس الجُهني من المدينة إلى ابن نُبيح الهذلي، فاغتاله بالقتل، وهو بِعُرنَة من جبال عرفات (٣) . فدلَّ ذلك كلُّه على جوازه فيمن بلغته الدعوة.

стр. 169

وإذا توجه القتال فيمن لا تجب دعوتهم، إما لأنهم عالمون بدعوة الإسلام،

стр. 170

أو لأنهم تُقُدِّم إليهم بالدعوة فلم يجيبوا؛ لم يُؤذنوا بحرب، بل تستعمل معهم المكيدة، والمكر، والخديعة الجائزة في الحرب، ولا يعلمون بوقت الهجوم عليهم؛ لأنه أنكى لهم وأبلغُ في عقوبتهم والنَّيلِ منهم، كما فعل النبي ﷺ ببني المصطلق على ما في حديث ابن عمر (١) . وفي كتاب مسلم (٢) ، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرب خُدعة» . وفي البخاري (٣) ، عن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ قَلَّمَا يريد غزوة يغزوها؛ إلا ورَّى بغيرها. * مسألة: صفة الدعوة: أن يَعرِضَ عليهم الإقرارَ لله -تعالى- بالإلهية والوحدانية، إن

стр. 171

كان كُفْرُهم تعطيلاً أو شركاً، وبإثباتِ النبوة والرسالة لمحمدٍ ﷺ على كل أنواع الكفر، من كان منهم يُقرّ لله، أو يُشركُ، أو يُعطِّل، والإيمانَ بجميع ما جاء به ﷺ ، وإبطالَ كل ما خالفه، فإذا هم أقرُّوا بذلك، صحَّ إيمانهم، ووجب الكَفُّ عنهم، فمن أبى بعد ذلك عن التزامٍ بشيءٍ من فروع الشريعة في حدود الإسلام، فإن كان جَحْداً؛ فهو ارتدادٌ، يُقتل على كل حال، إلا أن يُراجع الإسلام، وإن كان مقرًّا بثبوته ثم لا يفعله؛ فهو فاسق، وأحكام عقوبته تختلف بحسب الفرع الذي يترك. وأما إن أبَوْا من قبول الإسلام على ما وصفناه، فمن كان منهم من أهل الكتاب: اليهود، والنصارى، أو المجوس؛ دُعوا إلى أداء الجزية بلا خلاف، فإن أجابوا إلى ذلك -على الشروط التي نذكرها إن شاء الله في (باب الجزية) -، قُبِل منهم، وحَرُمَ قتالهم، وكذلك لو كانوا هم الذين سألوا قبول ذلك منهم، وَجَبَتْ إجابتهم والكفّ عنهم، فإن لم يجيبوا إلى شيءٍ من ذلك، فقد وجب السَّيف. وأمَّا إن كانوا من غير أهل الكتاب: اليهود، والنصارى، والمجوس، ففي قبول الجزية منهم خلاف؛ فمن رأى أنها تؤخذ منهم عَرَض ذلك -في الدعوة- عليهم، ومن لم يُجز قبول ذلك إلا من أهل الكتاب؛ لم يعرضه عليهم، ولم يجبهم إليه إن سألوه. والدليل على صحة ذلك كلِّه: ما خرَّجه مسلم (١) ، عن بُريدة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفرَ بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدُروا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقْتُلوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو: خلال- فأيَّتهنَّ ما أجابوكَ فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ

стр. 172

عنهم، ثم ادعهم إلى التَّحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوا؛ فاسألهم (١) الجزية، فإن هم أجابوكَ فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هُم أَبَوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرتَ أهل حصنٍ، فأرادوك أن تجعل لهم ذِمَّة الله وذمَّة نبيه، فلا تجعل لهم ذِمَّة الله ولا ذمَّة نبيه، ولكن اجعل لهم ذِمَّتك وذِمَّة أصحابك، فإنكم إن تُخْفِرُوا ذِممكم وذمَّة (٢) أصحابكم، أهون من أن تُخفروا ذمَّة الله وذمَّة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصنٍ، فأرادوك أن تُنْزلهم على حكم الله، فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أو (٣) لا» (٤) . *****

стр. 173

الباب الرابع في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الانهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار ؟ قال الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦] . قد جمعت هاتان الآيتان من الأمر والنهي، في الوجوب والحَظْر، وآداب القيام بالحرب؛ ما هو العُمدة، ونظام الأركان، وسبب النَّصر والفوز بالأجر. أمر -سبحانه- بالثبوت والصبر، وهو مدَدُ الظفر والنَّصر، وبالإكثار من ذكر الله -تعالى- هنالك؛ حتى لا يغفل في عمله وجهاده عن تعاهد إرادة وجه ربِّه -سبحانه-، وفي ذلك دَرْكُ الفوز، وجماع البركة والخير (١) ، قيل: ويكون الذكر هناك بالنيِّة والقول؛ لأن رَفْعَ الصوت في موطن القتال مكروه، قيل: إلا عند الحملة الجامعة، يُراد بها استئصال قوة العدو، وقد يكون في ذلك تَزيُّدُ الإرهاب على العدو، واستجماعٌ لعزائم أهل الحملة. ثم أمرَ تعالى بالتزام طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، وذلك ملاكُ الأمر في العمل، وقوام الحكمة بطاعة الإمام في مواطن الحرب، ونهى -سبحانه- عن التنازع والخلاف، وهما سَبَبُ الفشل واختلال الأمر لا محالة، كما أعلم سبحانه في الآية، وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .

стр. 174

قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: مصابرة العدو، يعني: في الثبوت، إذا صبرَ هؤلاء، وصَبَر هؤلاء، ورابطوا أعداء الله في سبيله (١) . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، أي: لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. وفي «الصحيحين» (٢) ؛ البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» . وفي «كتاب مسلم» وأبي داود، عن عبد الله بن أبي أوفى، أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، قال: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف» (٣) . فالثبوت في اللِّقاء، والصَّبر عند المسايفة فرضٌ مؤكدٌ بالقرآن والسنة والإجماع، إلا شذوذاً من الخلاف، لا وجْهَ له، نذكره بعد هذا -إن شاء الله تعالى-. وفي هذا الحديث: النهي عن تمنِّي لقاء العدو، وذلك مما يشكل في الظاهر؛ أن يقال: كيف يُنهى عن ذلك مع كون الجهاد طاعةً مأموراً بها، والطاعات يُثاب

стр. 175

على إرادتها وتَمنِّيها؟! فقيل: يحتمل أن يكون النهي عن ذلك لما يتقى وقوعه مع حالة التمني من إضاعة الحزم، وترك الإعداد للعدو، إذ يكون مع التمنِّي استسهالٌ للأمر، وتهاونٌ بالعدو، وتركٌ للحذر، وفي ذلك ضررٌ كبير، هذا معنى ما ذكره المازري في «المُعْلِم» (١) ، ولا يبعد عندي أن يقال: إنما نُهي عن ذلك؛ لأن لقاءَ العدو شِدَّة ومكروه ينزل به، وهو محلُّ ابتلاءٍ من الله -تعالى- وامتحانٌ للعبد، قال -تعالى-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] ، وإذا كان كذلك، لم يؤمن أن يكون ثمَّ تَقْصيرٌ أو خذلانٌ ببعض ذنوبه، وعجزٌ عن القيام بواجب حقوقه، فقد يَفِرُّ ولاَ يصبر، وفي ذلك شقاؤه، كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . ثم هذا ليس من تمني الطاعات في شيء، إنما هو تمني المكاره، ليكون منه عليها صَبرٌ بزعمه، وذلك ما لا ينبغي أن يفعله أحد، هذا مع ما في تمنِّي ذلك من الاغترار، ومُشَاكَهةِ (٢) أحوال البغي، وذلك مكروهٌ -أيضاً- (٣) . رُوِي عن علي ﵁ أنه قال لابنه: يا بُنَيَّ، لا تَدعونَّ أحداً إلى المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه؛ لأنه باغٍ، والله -تعالى- قد تضمَّن نصرَ من بُغي عليه (٤) .

стр. 176

فَلِمِثْلِ هذا المعنى يحتمل أن يكون النبي ﷺ نهى عن ذلك، ألا تَرَى إلى قوله: «واسألوا الله العافية» ، أي: لا تتمنوا المكاره، وأنتم لا تعلمون ما يؤول أمركم إليه فيها، ثم أمر ﷺ بالصَّبْر إذا وقع الابتلاء بذلك من الله -تعالى-، فذلك هو المنجاة والفوز في الآخرة والدنيا، فهذا وجهٌ ظاهرٌ حسنٌ، هو عندي أرجحُ وأَولَى وأَبْيَنُ في حملِ الكلام على هذا المعنى، والله أعلم. في دواعي الصبر والتفويض، وما يستحب من الشجاعة ويُذمُّ من الجُبن قال الله -تعالى-: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١-٥٢] ، وقال -تعالى-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ، وقال -تعالى-: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥] . خرَّج مسلم (١) ، عن أنسٍ، قال: كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس، وكان أجودَ الناس، وكان أشجعَ الناس، ولقد فزع أهلُ المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ، في عُنقه السيف، وهو يقول: «لم تُراعوا، لم تُراعوا» . قال: «وجدناه بَحْراً -أو: إنه لَبَحْر-» . قال: وكان فرساً يُبَطَّأ.

стр. 177

البخاري (١) ، عن أنسٍ، [قال] : كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» . أبو داود (٢) ، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شَرُّ ما في رجلٍ: شُحٌّ هالعٌ (٣) ، وجُبْنٌ خالعٌ (٤) » . وفي «كتاب مسلم» (٥) في حديث عباسٍ عن يوم حنين، قال: ... ، فلمَّا التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مُدبرين، فَطَفِق رسول الله ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَه قِبَلَ الكفار ... الحديثُ. وفيه (٦) في بعض طرق الحديث عن يوم حُنين، قال البراء: كُنّا والله إذا احمَّر البأسُ نتَّقي به، وإن الشجاع منَّا الَّذي يُحاذى به -يعني: النبي ﷺ -.

стр. 178

وروى أبو عبيد (١) ، عن علي ﵁ قال: كُنَّا إذا احمرَّ البأسُ اتَّقينا

стр. 179

برسول الله ﷺ ، فلم يكن أحدٌ مِنّا أقربَ إلى العدوِّ منه. وفي البخاري (١) ، عن جابر بن عبد الله، أنه غزا مع النبي ﷺ ، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العِضَاه، فتَفرَّقَ الناس في العِضاه، يَسْتَظلون بالشجر، فنزل رسول الله تحت شجرة، فعلَّق بها سَيْفَه، ثم نام، فاستيقظ، ورَجلٌ عنده، وهو لا يشعر به، فقال النبي ﷺ : «إنَّ هذا اخترَطَ سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فَشَامَ السَّيْفُ، فها هو ذا جالسٌ» . ثم لم يعاقبه. وفي «الموطأ» (٢) عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيد، أنَّ عمر بن الخطاب قال:

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →