← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فَلِمِثْلِ هذا المعنى يحتمل أن يكون النبي ﷺ نهى عن ذلك، ألا تَرَى إلى قوله: «واسألوا الله العافية» ، أي: لا تتمنوا المكاره، وأنتم لا تعلمون ما يؤول أمركم إليه فيها، ثم أمر ﷺ بالصَّبْر إذا وقع الابتلاء بذلك من الله -تعالى-، فذلك هو المنجاة والفوز في الآخرة والدنيا، فهذا وجهٌ ظاهرٌ حسنٌ، هو عندي أرجحُ وأَولَى وأَبْيَنُ في حملِ الكلام على هذا المعنى، والله أعلم. في دواعي الصبر والتفويض، وما يستحب من الشجاعة ويُذمُّ من الجُبن قال الله -تعالى-: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥١-٥٢] ، وقال -تعالى-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ، وقال -تعالى-: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥] . خرَّج مسلم (١) ، عن أنسٍ، قال: كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس، وكان أجودَ الناس، وكان أشجعَ الناس، ولقد فزع أهلُ المدينة ذات ليلة، فانطلق ناسٌ قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ، في عُنقه السيف، وهو يقول: «لم تُراعوا، لم تُراعوا» . قال: «وجدناه بَحْراً -أو: إنه لَبَحْر-» . قال: وكان فرساً يُبَطَّأ.

стр. 177

البخاري (١) ، عن أنسٍ، [قال] : كان النبي ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» . أبو داود (٢) ، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شَرُّ ما في رجلٍ: شُحٌّ هالعٌ (٣) ، وجُبْنٌ خالعٌ (٤) » . وفي «كتاب مسلم» (٥) في حديث عباسٍ عن يوم حنين، قال: ... ، فلمَّا التقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مُدبرين، فَطَفِق رسول الله ﷺ يُرْكِضُ بَغْلَتَه قِبَلَ الكفار ... الحديثُ. وفيه (٦) في بعض طرق الحديث عن يوم حُنين، قال البراء: كُنّا والله إذا احمَّر البأسُ نتَّقي به، وإن الشجاع منَّا الَّذي يُحاذى به -يعني: النبي ﷺ -.

стр. 178

وروى أبو عبيد (١) ، عن علي ﵁ قال: كُنَّا إذا احمرَّ البأسُ اتَّقينا

стр. 179

برسول الله ﷺ ، فلم يكن أحدٌ مِنّا أقربَ إلى العدوِّ منه. وفي البخاري (١) ، عن جابر بن عبد الله، أنه غزا مع النبي ﷺ ، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العِضَاه، فتَفرَّقَ الناس في العِضاه، يَسْتَظلون بالشجر، فنزل رسول الله تحت شجرة، فعلَّق بها سَيْفَه، ثم نام، فاستيقظ، ورَجلٌ عنده، وهو لا يشعر به، فقال النبي ﷺ : «إنَّ هذا اخترَطَ سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فَشَامَ السَّيْفُ، فها هو ذا جالسٌ» . ثم لم يعاقبه. وفي «الموطأ» (٢) عن مالكٍ، عن يحيى بن سعيد، أنَّ عمر بن الخطاب قال:

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 181

«كَرَمُ المؤمن تقواه، ودِينُهُ حسبُهُ، ومروءته خُلُقهُ، والجُرأةُ والجبنُ غرائزُ يضعها الله حيثُ يشاء، فالجبانُ يَفِرُّ عن أبيه وأمِّهِ، والجريءُ يقاتل عمَّن لا يؤوبُ به إلى رَحْلِهِ، والقَتْلُ حتفٌ من الحُتُوفِ، والشَّهيدُ مَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ على الله» . ويُروى أنا أبا بكر ﵁ قال لخالدٍ حين وجهه إلى قتال أهل الردَّة: «احرص على الموت تُوهب لك الحياة» (١) . وأوصى بعض الأمراء (٢) جيوشه فقال لهم: «أشْعِروا قلوبكم الجرأة على العدو؛ فإنها سببُ الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن (٣) ، فإنها تَحُضُّ على الإقدام، والزموا الطاعة؛ فإنها حصنُ المحارب» . وكان يقال: قوة النفس في الحرب؛ أبلغ من قوة البدن.

стр. 182

وما أحسن ما قال قَطَريُّ بن الفُجاءة (١) في استدفاع الجُبْنِ، واستعمال الصَّبْر والتَّأسِّي، يخاطب نفسه: أقول لها وقد طارت شَعاعاً ... مِنَ الأَبْطالِ وَيْحَكِ لا تُراعي فإنكِ لو سألتِ بقاءَ يَوْمٍ ... على الأَجَلِ الذي لك لَمْ تُطاعي ما يجوز للرجل من الحمل وحده على جيش العدو، وتأويل قول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ خرَّج أبو دواد (٢) ، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا المدينة -يريد

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 184

القسطنطينية- وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلصِقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمَلَ رجلٌ على العدو، فقال الناس: مَهْ مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لما نصر الله نبيه ﷺ ، وأظهر الإسلام، قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. وقد اختلف في تأويل الآية؛ ذكر إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله : ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، أهو الرجل يحمل على

стр. 185

الكَتِيبة فيها أَلْفٌ؟ قال: لا، ولكن الرجل يذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١) . وذكر إسماعيل -أيضاً- عن سهل (٢) بن عوفٍ قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك بن عوف سَرى بنفسه يوم نهاوند! قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين: ذلك خالي، وناسٌ يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة! فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (٣) .

стр. 186

وخرَّج أبو داود (١) عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 187

«عجب ربنا من رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، حتى أُهريق دَمُه» . واختلف أهل العلم في حمل الرجل وحده على الجيش والعدد الكثير من العدو؛ فأقول: أحوال الذي يحمل وحده ثلاث:

стр. 188

- حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدو، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه، وأَسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يحمل عليهم باتفاق. - وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين ومنعتهم، فيحمل؛ إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشَّجاعة، فهذا حرام باتفاق. - وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غضباً لله، مُحتسباً نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم من كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واسْتَحْسَنه، إذا كانت به قوة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية (١) العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمينَ؛ حتَى يفعلوا مثل ما فَعَل، أو: إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدِّين (٢) .

стр. 189

وبالجملة، فكل من بَذَلَ نَفْسهُ لإعزازِ الدِّين، وتوهين أهل الكفرِ؛ فهو المقامُ

стр. 190

الشريفُ الذي تتوجه إليه مدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعده في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ [التوبة: ١١١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] . وفي «الموطأ» (١) ذِكرُ الأنصاري: رَمَى مافي يده من تمراتٍ حين رغَّب رسول الله ﷺ في الجهاد، فقال: إني لحريصٌ على الدنيا إن جلسْتُ حتى أفرغ منهن، فحمل بسيفه، فقاتل حتى قُتِلَ. ما جاء في المبارزة، وحكمها، وإذن الإمام رُوي عن علي وأبي ذر، أن قوله -تعالى-: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ، نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة، مع عتبة بن ربيعة؛ وشيبة بن ربيعة؛ والوليد بن عتبة، وكان أبو ذر يقسم على ذلك (٢) . خرّج أبو داود (٣) ، عن عليٍّ، قال: تقدم -يعني: عتبةَ بن ربيعة، وتَبعه ابنه

стр. 191

وأخوه- فنادَى: من يُبارِزْ؟ فانتدب له شبابٌ من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمِّنا، فقال رسول الله ﷺ : «قم يا حمزة، قُمْ يا علي، قم يا عُبيدة بن الحارث» ، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلتُ إلى شيبة، واختلفت بين عُبيدةَ (١) والوليد ضربتان، فأثخن كل واحدٍ منهما صاحبه، ثم مِلْنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. قال أبو بكر بن المنذر (٢) : «أجمع كُل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن للمرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام (٣) ، غير الحسن البصري، فإنه كان يكره المبارزة ولا يعرفها» . قال: «واختلفوا في المبارزة بغير إذن الإمام؛ فكرهته طائفة، منهم: الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق (٤) ، وأباحته طائفةٌ مطلقاً، لم يذكروا إذن الإمام ولا غير

стр. 192

إذنه؛ منهم: مالك، والشافعي (١) ، واختلف في ذلك عن الأوزاعي: فرُوِي عنه الجواز والمنع» (٢) . قلت: وجه ماذهب إليه من كره ذلك إلا بإذن الإمام، هو أن لا يتسارع إلى ذلك الضَّعيف، ومن يغترُّ من نفسه، فربَّما قُتل أو هُزم، فكان في ذلك تجرئةٌ للمشركين، وتوهينٌ على المسلمين، ووجه من أباح ذلك مطلقاً، أنه جهاد في الله، فإذا انبعثت لذلك نيّة المسلم، خالصةً لله ، لم يكن به بأس، قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، ولم يُنقل أن النبي ﷺ نَهَى عن ذلك في موطنٍ من المواطن، بل ظواهِر الأخبار في مواضِعَ من ذلك تدلُّ على أن بعضهم قد كان يبارز ولا يستأذنه، فلا يُنكر ذلك عليه؛ من ذلك: ما رُوي أن أبا قتادة قال: بارزتُ رجلاً يوم حُنين فقتلتُه، فأعطاني النبي ﷺ سلَبَه (٣) ، ذكره ابن المنذر مسنداً (٤) ، وهذا الوجه أظهر، والله أعلم. * مسألة: اختلف العلماء في إعانة المسلمين الرجل منهم إذا بارز مشركاً، فأرخص

стр. 193

في ذلك قوم؛ منهم: أحمد، وإسحاق (١) ، واحتجوا بإعانة حمزةَ وعليٍّ لعبيدةَ في المبارزة يوم بدر (٢) ، وأَبَى ذلك قوم؛ منهم: الأوزاعي (٣) ؛ قيل له في رجلٍ بارز علجاً فخافَ المسلمون على صاحبهم، قال: فلا يعينوه عليه، قيل: وإن لم يكن اشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قال: وإنْ؛ لأن المبارزة لا تكون إلا هكذا، ولكن لو حجزوا بينهما، ثم خلُّوا سبيل العلج، قال: فإن أعان العدوُّ صاحبهم، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم، وفرَّق الشافعي بين أن يكون ثَمَّ اشتراطُ ألاَّ يقاتل غيرُ المبارز، وكذلك إن كان ذلك يعرف من أحوال الدعاء إلى المبارزة، فتكون كالأمنِ بين الفريقين معاً سوى المتبارزين، فلم يرَ في مثل ذلك أن يعينه غيره، وبين ألاَّ يكون ثَمَّ اشتراط، ولا أمر يعرف ذلك منه، فلم ير بالإعانة في هذا الوجه بأساً، واحتجَّ بإعانة حمزة وعلي (٤) . واختلف أصحاب مالكٍ في ذلك؛ قال عبد الملك بن حبيب: ولا بأس أن يُعضد إذا خيف عليه الغلبة مِمَّن بارزه، ولو بِقتلِ العلج، قال: وقد قيل: لا يُعضد؛ لأنه إن عُضدَ لم يُوف للمشرك، قال: وليس يُعجبنا، قال: ومن الدليل على ذلك، أنهم لو رأوه قد أُسِرَ، لحَقَّ عليهم إن قدروا على استنقاذه منهم أن يَسْتَنْقِذُوه، وَذَكرَ معاونة المتبارزين يوم بدرٍ، قال: فصلٌ حكى ابن سحنون: قال أصحابنا جميعاً؛ سحنون وغيره: لو أن عشرةً من المسلمين بارزوا مثلهم من المشركين، فقتل بعض العشرة صاحبه الذي يليه من

стр. 194

المشركين، فلا بأس أن يُعينَ أصحابه، ولا يجوز أن يُعينَ المبارز، ولا يعضُده من المسلمين من لم يخرج معه، ويبرز في المبارزة (١) . قلت: وإنما استندوا في ذلك إلى أن مبارزة الجملة للجملة، لها حكم الواحد للواحد، فمن فرغ من شيء رجع مع أصحابه الباقين، وعلى ذلك يُخَرَّجُ عندهم إعانةُ حمزة وعليٍّ لعُبيدة؛ فأمرهم في ذلك بخلاف من لم يتعيَّن للبراز؛ لأنه تَخلَّى، وأعطى من نفسه الأمان. والأظهر -إن شاء الله تعالى- أن يُعان المسلم إذا خُشي عليه الهلاك على كل حال، يعينه كل من تمكَّن له ذلك ممَّن بارز معه، أو كان في الجيش، وسواء شرط الكافر أن لا يعينه أحدٌ أو لم يشرط، ولا وفاء في معصية، إلا أنه إن قَدَرَ في إعانته على تخليصه من القِرْنِ إذا ظهرَ عليه، من غير التعرض لإصابة الكافر؛ لَمْ يَنْبَغِ التعدي عليه، وإنْ لم يمكن ذلك إلا بالحملِ عليه، فإنه يبلغ من ذلك إلى حيثُ يكون فيه خلاص المسلم، ولو أفضى إلى قتل من بارزه؛ قال الله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . وخرّج مسلم (٢) ، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه» . وفي رواية عن أبي هريرة: «لا يظلمه، ولا يخذله» (٣) .

стр. 195

وفي حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ : «المؤمنون يدٌ على من سواهم» (١) . وفي حديث أبي سعيدٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» (٢) . ولا منكرٌ أعظم وأكبر من قتل المسلم ظلماً. فأمّا ما لم يُخْشَ الهلاكُ على المسلم المبارز، فلا يعرض لهم بحال، كذلك فعلَ المسلمون يوم بدر. فصلٌ: في تحريم الانهزام، وما يجوز من التحيُّز عند القتال قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ. وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ

стр. 196

بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥-١٦] . في هذه الآية لأهل العلم ثلاثة أقوال: قول: إنَّها منسوخة؛ نسخها قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] إلى تمام الآيتين، فنسخ بالتخفيف عنهم، وأطلق لهم أن يُوَلّوا عمَّن هو أكثر من هذا العدد، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح (١) .

стр. 197

وقولٌ ثانٍ: إنها مقصورة على أهل بدرٍ خاصة، وإليه ذهب الحسن، ورُوي مثل ذلك عن أبي سعيدٍ، وأبي نَضْرةَ، ونافعٍ، وعكرمةَ، وغيرهم، وكان الحسن يقول: ليس الفرار من الزحف من الكبائر (١) .

стр. 198

وقولٌ ثالث: إنها محكمة عامَّةٌ في خطاب جميع المسلمين؛ أهل بدرٍ وغيرهم، ثابتة الحكم في ذلك إلى يوم القيامة، والفرارُ من الزحف كبيرةٌ من الكبائر، وإليه ذهب ابن عباسٍ (١) وجماعةٌ من أهل العلم. وهذا القول أولى الأقوال وأرجحها -إن شاء الله تعالى-.

стр. 199

أما دعوى النسخ فلا دليل عليه؛ لأن الجمع بين آية النهي عن التولية، وآية ثبوت المئة للمئتين واضح، بل لا تعارض بينهما البتَّة؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُبَحْ فيها بحالٍ الانهزامُ والتوليةُ أمام الكفار، وهل تَضَمَّنتْ من دليل الخطاب الترخيصَ فيما فوق الضِّعف؟ هذا فيه لأهل العلم خلاف نذكره بعد هذا -إن شاء الله-. فإذاً، حُكمُ الآية في النهي عن التولية باقٍ مُحْكم، وإنما كان يكون النَّسْخُ لو رُفِعَ حُكْمُ النّهي عن الفرار البتة، لكن تكون الآية المأمور فيها بالثبوت للضِّعف مخصصة عند قوم؛ لعموم النهي عن التولية مطلقاً، اللهم إلا أن يقال: إن آية النهي عن التولية كانت عامة في اللفظ والمعنى، فكان الفرض أولاً إيجاب الثبوت مطلقاً، والنهي عن التولية في لقاء الكثرة والقلَّة، ثم نسخ عموم ذلك بآية الثبوت للضِّعف دون ما زاد عليه، فهذا وجه من النَّسْخ صحيحٌ إن سَلِم فيه أمران: أحدهما: إن الفرض كذلك كان على العموم في أول الإسلام. والثاني: إن في آية الثبوت للضِّعف ما يدلُّ على إباحة التولية عمَّا فوق الضِّعف، وعلى هذا يجيء مذهب من قال بالنَّسخ؛ لأنه لا يصح القول به إلا كذلك، وإذا حُمِلَت الآية في النهي عن التولية على ظاهرها من الإطلاق والعموم في اللفظ والمعنى، فَعَنْه ينشأ الخلاف الذي أشرنا إليه، فيكون عند قوم ذلك باقياً مُحكماً على كل حال، ولا نسلِّم ما يُدَّعى في ذلك من نسخ ذلك العمومِ، أو تخصيصه عند قوم بأنه الثبوت للضِّعف؛ لأن آية الثبوت للضِّعف لم يُتعرَّض فيها لشيءٍ من ذلك بنسخٍ ولا تخصيص، فيكون هذا قولاً رابعاً في الآية، وعليه يجيءُ مذهب أهل الظاهر (١) . وأما قول من ذهب إلى أن الآية في أهل بدرٍ خاصَّة، وأن حكم ذلك لا يتناول غيرهم، فدعوى من غير دليل؛ لأنَّ الخطاب بذلك عامٌّ في جميع المؤمنين،

стр. 200

وما رُوِي أن سبب نزولها وقعة بدرٍ ليس هو مما يوجب تخصيصها في الحكم بأهل بدر، وقصر ذلك عليهم؛ لأن أكثر أحكام القرآن والسُّنة إنما جاءت على أسباب، ثُمَّ هي بَعْدُ عامَّة، وقد قال الله -تعالى- في غير أهل بدر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] ، فأخبر الله -تعالى- أن التولي معصية، واستزلالٌ من الشيطان، ثم منَّ عليهم سبحانه بالعفو. قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ، فهذا هو معنى قوله -تعالى- في الموَلّي: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] ، معناه -والله أعلم-: إن لم يُغفر له. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] ، فهذا يبين لك أن تحريم التولي ليس مخصوصاً به أهل بدر، بل هو في الجميع، والتولي كبيرة من الكبائر في جميع المسلمين إلى يوم القيامة. خرَّج مسلم (١) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» ، قيل: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . وإلى أن الآيةَ محكمةٌ، عامَّةُ الحكم في سائر المسلمين: ذهب مالك (٢)

стр. 201

والشافعي (١) ، وأبو حنيفة (٢) ، وأهل الظاهر (٣) ، وعامةُ أهل التحقيق، واختلفوا بعد ذلك في مواضع نذكرها في: (فصل: الثبوت للضِّعف) ، بعد هذا -إن شاء الله تعالى-. فصلٌ ذكر القاضي إسماعيلُ حديثَ عبدِالله بنِ عُمر؛ وخرَّجه أبو داود وغيره (٤) ،

стр. 202

قال: كنتُ في جيشٍ، فلقينا العدو، فحاصَ الناس حَيْصَةً، فكنتُ فيمن انحاز، فقلنا: لا ندخل المدينة، وننظر في وجوه الناس، وقد بؤنا بغضبٍ من الله، فأقمنا بجنبَاتِها، فقلنا: لو دخلناها فَنَتَثَبَّتُ منها -وفي رواية: فامْتَرْنا منها، وفي كتاب أبي داود: فنثبُتُ فيها (١) - نذهب فلا يرانا أحدٌ، فدخلناها ليلاً، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على نبي الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبةٌ تُبنَا، قال: فقعدنا له في الطريق، فخرج لصلاة الغداة، فقلنا: يارسول الله، نحن الفرَّارون، قال: «بل أنتم العَكَّارون» ، قال: قلنا: يا رسول الله، نحن الفرَّارون، قال: «بل أنتم العكَّارون» -ثلاث مرار- فأخبرناه ما أردنا أن نصنع، قال: «فلا تفعلوا، أنا فئتكم» ، وفي كتاب أبي داود: فأقبل إلينا فقال: «لا، بل أنتم العكّارون» ، قال: فَدَنونَا، فَقَبَّلْنا يده، فقال: «أنا فئة المسلمين» . ففي حديث ابن عمر هذا زيادةُ بيانٍ في عموم حكم آية النهي عن التولّي يوم الزحف، إلاّ إلى فئةٍ، وأن ذلك ليس مخصوصاً ببدر، وابن عمر لم يقبله رسول الله ﷺ للحرب، إلا بعد يوم بدر. قوله: «العكَّارون» هم الكرَّارون، الرَّاجعون. يقال: عَكَرَ واعْتكر إذا كرَّ ورجع، فكان رجوعهم إلى النبي ﷺ وإلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم في

стр. 203

الجهاد، وقبول ماجاء به ﷺ هو معنى ذلك، والله أعلم. قاله النَّحاس (١) . وقال الترمذي: العكّار: الذي يفر إلى إمامه لينصره، ليس يريد به الفرار من الزَّحف (٢) . واختلف أهل العلم في معنى التولِّي، وما الفئة التي يُتَحيَّزُ إليها إذا خيف العدو؟ فروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أنا فئة كل مسلم» (٣) . وروي عن الشافعي أنه قال (٤) : التَّحرفُ للقتال: الاستطرادُ، إلى أن يُمكن المُسْتَطردُ الكَرَّةَ في أي حالٍ، ما كان الإمكان، والتَّحيزُ إلى فئة: الانضمامُ

стр. 204

إليها، أين كانت الفئة ببلاد العدو، أو ببلاد الإسلام، بَعُدَ ذلك أو قَرُبَ، إنما يأثم بالتولية مَنْ لم يَنْوِ واحداً من المَعنيَيْن. وقال بعض الشافعية (١) : التحرف للقتال: أن ينتقل من مكانٍ إلى مكان أمكن للقتال، والتحيز إلى فئة: أن يَنضم إلى قومٍ ليعود معهم إلى القتال. وروي عن مالكٍ (٢) أنه كان يقول: ليس العمل عندنا على قول عمر: «أنا فئة من تحيَّز إلي» ، وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى ولاة الجيش، دون والي الصائفة، فَتَتَحيَّزُ السَّريةُ أو الخيل إلى الجيش، دون من هو أبعد منه، ومُتحيَّز الصوائف والجيوش إلى من بعدها، وهو أقرب إليها من أهل الإسلام. وقيل: التحيزُ المأذون فيه: إنما هو الانحيازُ إلى الجماعة الحاضرين قِبَالَ العدو، دون من وراءهم مِمَّن لم يحضر. وقال أبو محمد بن حزم (٣) : «لا يحلُّ للمسلم الفرار أمام المشركين، وإن كثروا، إلا أن ينوي التَّحيُّزَ إلى جماعةٍ من المسلمين، إنْ رجا إدراك تلك الجماعة، قبل أن يلحقه الكفار، أو ينوي بانحرافه الكرَّ لقتالهم، وإلاَّ فهو عاصٍ لله » . واختلفوا فيمن نكَصَ على عقبيه من غير أنْ يُولِّي العدوَّ ظهره، فقيل: إنه لا

стр. 205

يكون له حكم مُولِّي الدُّبر. وقال الشافعي (١) : إذا رجعَ القوم القَهْقَرَى بلا نيةٍ لأحد الأمرين، يعني: التحرف أو التحيز، كانوا كالمُولِّين؛ لأنه إنِّما أُريد بالتحريم: الهزيمةُ عن المشركين. فصلٌ: في الثبوت للضِّعف، وهل يباح الفرار إذا زاد على ذلك؟ قال الله : ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَيَفْقَهُونَ. الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذنْ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرينَ﴾ [الأنفال: ٦٥-٦٦] . فاتفق أهل العلم (٢) ، ومن يُعْتَدُّ برأيهم، على أن الثبوت إذا كان المشركون ضِعْفَ المسلمين فأقلَّ: واجبٌ، والفرارَ عنهم حرامٌ، أو: معصيةٌ، وكبيرةٌ من جملة الكبائر (٣) . واختلفوا بعد ذلك في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا زاد المشركون على الضِّعف، هل يباح الفرار أو لا؟ والثاني: هل يعتبر الضِّعف في العدد أو في القوة والجَلَد؟ والثالث: هل للجَمع الذي يُباح له الفرار عند الزيادة على الضِّعف حَدٌّ، إذا انتهى إليه كان الفِرارُ محرَّماً بَعْدُ على كلِّ حال، وإنْ زاد عدد المشركين أضعافاً، أو لا حَدَّ له؟

стр. 206

فأمَّا الأول؛ وهو إذا كثر عدد المشركين، فكانوا فوق الضِّعف، فذهب قوم إلى أن الفرار محرمٌ -أيضاً- على كل حال، ولا يحلُّ التولي عنهم إلا لمتحرفٍ لقتال، أو متحيزٍ إلى فئةٍ يستنصر بها من المسلمين، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم (١) ، وأظنُّه قول جماعة أهل الظاهر، ودليلهم على ذلك: عمومُ آية النهي عن التولِّي عند الزحف، وإطلاقُ الوعيد كذلك على من ولَّى عموماً، من أي عددٍ كان، ولم يَرَوْا آيتي التحريض في الصبر، ووعدِ الغلب تعرَّضتا لذلك بنسخٍ ولا تخصيص، بل هو عندهم باقٍ على عمومه، كما قد أشرنا إليه في الفصل قبل هذا. وذهب مالكٌ (٢) ، والشافعي (٣) ، وأبو حنيفة (٤) ، وجمهور أهل العلم إلى أنه لا حَرجَ على من ولَّى أمام عَدَدٍ فوق ضِعْفَ المسلمين، إذا خشوا الغَلبة، وهم في سَعَةٍ من الفرار، إذا زاد المشركون على الضِّعف. ومستند هؤلاء ما دلَّ عليه ظاهر قوله -تعالى-: ﴿إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ﴾ إلى قوله -تعالى-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإن يَكُن مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذنْ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٥-٦٦] ، فحملوا هذا على أنه مخصوصٌ؛ لعموم النهي عن التولِّي عند الزحف، وبَيَّنَتْ عندهم هذه الآياتُ أن ذلك ليس على الإطلاق في لقاء كل عدوٍّ من الكفار، بل هو في حال كون العدد على مبلغ ما ذُكِرَ في الآيتين فأقلَّ، فأما ما زاد على ذلك، فظاهر الآية، وما ذُكِرَ من التخفيف يدل

стр. 207

على السَّعة في التولّي عنهم، وهذا مسلكٌ سديدٌ في حمل الآية في تحريم التولِّي على أنها مُحْكَمةٌ غير منسوخة، كما ذهب إليه عطاء، وأنها عامة في خطاب جميع المسلمين، لا مقصورة على أهل بدر، كما ذهب إليه جماعة (١) ، ثم كون الآيةُ بَعْدُ مخصصة الإطلاقِ بالآية الأخرى، في بيان ما أريد بها من مبلغ عدد الكفَّار الذين يحرم التولي عنهم. قال ابن عباس: «إنْ فَرَّ رجلٌ من رَجْلين فقد فَرَّ، وإن فَرَّ من ثلاثة فلم يَفرَّ» (٢) . قال ابن شُبْرمة (٣) : وكذلك النهي عن المنكر، لا يحلُّ له أن يَفِرَّ

стр. 208

من اثنين إذا كانا على منكر، وله أن يَفِرَّ من أكثر منهما. وأما الموضع الثاني الذي اختلفوا فيه من هذا الفصل؛ وهو اعتبار الضِّعف، هل يرجع إلى العَدَد أو إلى القوة؟ فقول أكثر أهل العلم أنه في العدد، واحدٌ لاثْنين، فيلزم المسلمين الثبوتُ لمثلي عددهم من الكفَّار، وإن كانوا أقوى في السلاح والشِّدَّة والجَلَد، وهو المرويُّ عن مالكٍ (١) ، وغيره من أهل العلم (٢) ،

стр. 209

وهذا هو الصحيح؛ لأن نَصَّ القرآن إنما جاء بالعدد. وقيل: إن ذلك راجعٌ إلى الجَلَد والقوة، فإذا كان المشركون أشدَّ سلاحاً، وأظْهَرَ جَلَداً وقوة، والمسلمون في ضَعْفٍ من أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، بالأمر البيِّنِ المجاوزِ لحدِّ المثلين في القوة، فخافوا أن يغلبوهم؛ لم يجب عليهم الثبوت، وكانوا في سعةٍ من التولِّي عنهم، وإن كان المشركون أقل من مثليهم عدداً، وهو قول ابن الماجشون، ورواية عن مالك، وبه قال عبد الملك بن حبيب (١) . وأما الموضع الثالث؛ وهو: هل لجمع المسلمين الذين يباح لهم الفرار عند زيادة المشركين على مثلهم (٢) حَدٌّ (٣) ، إذا انتهى المسلمون إليه، حَرُمَ الفرار أبداً، وإن عظمَ جمعُ الكفار، أو ذلك مطلق لكلِّ جَمعٍ من غير تحديد؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّ ذلك مُطْلق، وأنَّ كُلَّ جَمعٍ من المسلمين بالغاً من العدَّة والكثرة ما بلَغَ، إذا لاقوا أكثر من ضِعْفهم من الكُفَّار، لهم سَعَةٌ في أن يُوَلُّوا إذا خشوا الغلبة، وعليه مذهب الشافعي وأصحابه (٤) ، ودليل هؤلاء، أن الله -تعالى- فَرضَ الصَّبر على المثلين دون ما زاد على ذلك فَرْضاً مُطلقاً، لا يختصُّ به عددٌ دون عدد، وذهب قومٌ إلى أنه لا يُباح الفرار عَمَّا فوق الضِّعف من الكفار، إلا لمن لم يبلغ جمعهم من المسلمين اثني عشر ألفاً، فإذا بلغ جمع المسلمين اثني عشر ألفاً، فقد انْحَتَم العَزْمُ، ولزم الصَّبْر، وحَرُمَ حينئذٍ الفرار، بالغاً

стр. 210

عدد المشركين من الزيادة على الضِّعف ما بَلَغ، وهو قول محمد بن الحسن، وسائر أصحاب أبي حنيفة (١) . ودليل هؤلاء: ما خرَّجه الترمذيُّ، وأبو داود، كلاهما عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ قال: «خير الصحابة أربعة، وخير السَّرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة الآف، ولن يُغلب اثنا عَشَرَ ألفاً من قِلَّة» (٢) . قال فيه الترمذي: «حسن غريب» .

стр. 211

ووجه الدليل من هذا الحديث في قوله ﷺ : «ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً من قِلَّة» ، أنه يدلُّ على أنَّ مراعاة العدد فوق ذلك لا أثر له، إمَّا عادةً وإمَّا شرعاً، وأنه متى غُلِبَ هذا العدد، فلمْ يُؤت عليه من وجه القِلَّة، وإنما يكون ذلك من جهة التقصير، إما بالجُبن، أو التخاذل، وعدم الصدق، وفساد النِّيَّة، وتفرق الكلمة، وكلُّ ذلك ملوم صاحبه، فوجب أن لا يُعْذر، ولا يعتبر عند الانتهاء إلى هذا

стр. 212

العدد (١) من مادة العدو على الضِّعف بحال، والحكمة في هذا ظاهرة في عُرْفِ القتال؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أَثَرٌ في معالجة القتال؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكرِّ والحمل والمجالدة، بل لا يجدون مجالاً في الغالب، قال النابغة -يَصِفُ عظم الجيش، وتضييق بعضهم على بعض في النفوذ والسَّير-: جَمْعاً يظلُّ به الفضاءُ مُعَضِّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كَأنَّهنَّ صَحارِي (٢) فصار الزائدُ في محل اللقاء، كأنه لم يكن، إذْ لا أثر يوجد منه في المحاولة والمغالبة. فإن قيل: إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال، فلهم من الغَناء أنَّ القَتْلَ إذا انْتَقَصَ شيئاً من عدد أصحابهم المقاتلين خَلَفه غيره، فلا يزالون موفورين، وينقُص عدد الآخرين، فلا يوجد من يَسُدُّ مكانه في القتال. قيل: إذا نقصوا عن اثني عشر ألفاً بالقتل ونحوه؛ لم يكن لمن بقي حكم الاثني عشر ألفاً، وعلى ماذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة (٣) هو ظاهر ما يروى عن مالكٍ، حُكي عنه أنَّ سائلاً سأله، فقال: أَيَسْعُنَا التخلُّف عن قتال من خرج عن أحكام الله -تعالى-، وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفاً مِثْلكَ؛ لم يَسعكَ التخلف، وإلا فأنت في سَعَة (٤) .

стр. 213

* مسألة: إذا شَكَّ المسلمون في عدد عدوهم؛ هل زاد على الضِّعف أو لا؟ حَرُمَ التولّي -أيضاً-، حتى يقع اليقين الذي لا شكَّ فيه أنهم أكثر من مثليهم، والدليل على ذلك: أن الله -تعالى- أوجب الثبوت عند اللقاء، وحرَّم التولي، ولم يجعل في ذلك رخصةً إلا بعد الزيادة على الضِّعف، فما لم يُحقَّق ذلك فلم ينتقل عن الأصل، ولا وجد شرط الرخصة؛ فكان التولي ممنوعاً (١) . * مسألة: إذا زاد العدو على الضِّعف في العدد، إلا أنهم مع ذلك ضعفاء في أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، ضَعْفاً بيِّناً، أو كانوا ممن لا يعرف الحرب، ولا كبير غناء عندهم، وما أشبه ذلك، مما يُعلم في العادة أن المسلمين الذين لَقوهم لا يشقُّ عليهم مغالبتهم مع كثرة عددهم، ولا يضعفون عن مقاومتهم، لما هم عليه من القوّة والشوكة والقيام بالحرب، وما أشبه ذلك؛ فالتولي عنهم والفرار أمامهم حرامٌ -أيضاً- (٢) ، والدليل عليه: أن الله -تعالى- أمر بالثبوت عند اللِّقاء، وإنَّما أرخص فيما زاد على الضِّعف تخفيفاً، إذا كان في المسلمين الذين لقوهم ضعْفٌ عن مقاومتهم. قال الله -سبحانه-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦] ، فإذا لم يكن فيهم ضَعْفٌ عن لقاء مثلهم، بل ربّما شهدت الحال باستيلاء المسلمين عليهم إذا صدفوهم، فالتولي حرام؛ لأن علَّة التخفيف هنا لم توجد، مع ما في الفرار عن مثل هؤلاء من التهاونِ بالدِّين، وتجرئةِ الكفار على المسلمين.

стр. 214

ولهذا المعنى نقول: إن الفرار أبداً لا يحل، وإن زاد المشركون على الضِّعف، ما دام المسلمون بهم قوة عليهم، ولهم رجاء في الإحاطة بهم، والامتناع منهم؛ لأن التخفيف إنما جعل لما يكون من الضَّعْفِ عنهم، ورَفْعاً لتكليف ما يشق من الصَّبْر على مقاومتهم، والله أعلم. وروي عن مالكٍ أنه قال: «لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّنٍ وضَعف» (١) . وأما على مذهب من يعتبر في مراعاة المثلين: القوة والجَلَد (٢) ، فلا يخفَى أن الثبوت واجبٌ في مثل هؤلاء، وإن زادوا في العدد على الضِّعف، والفرار عنهم حرام. * مسألة: إذا لَقي المسلمون مِثْلي عددهم من الكفار، دون زائدٍ عليهم، لكن كان لقاؤهم إياهم بأرض العدو، وفي موضع تكاثر جَمْعهم، وإمدادِ بعضهم بعضاً؛ لتعاقب ديارهم، وتضافر أعدادهم، فهم يخافون استجاشتهم عليهم وإجلابهم؛ فقد قيل: إن لهم في التولية سعَة (٣) . وأقول: إنه لا يباح لهم الفرار، ولا سَعَة لهم في التولِّي عنهم، إلا أن يتزايد جمعهم، حتى يزيدوا على الضِّعف، والدليل على ذلك: أن التخفيف والرخصة في التولِّي إنما أبيح فيما زاد على الضِّعف، وما لم ينتهِ العدد إلى ذلك؛ فهم مخاطبون بالثبوت والصبر، والله أعلم. *****

стр. 215

الباب الخامس فيما يجب وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى، والتصرف فيهم قال الله : ﴿وَلاَ يَطَئونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . وقال الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] . وقال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] . وخرج مسلم (١) ، عن عبد الله بن عمر: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارُّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتَلَ مُقاتَلَتَهُم، وسَبَى سَبْيَهم. وعنه -أيضاً- (٢) ، أنَّ رسول الله ﷺ حَرَّق نخل بني النضير، وقَطَعَ، وهي
следующие страницы →