← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ووجه الدليل من هذا الحديث في قوله ﷺ : «ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً من قِلَّة» ، أنه يدلُّ على أنَّ مراعاة العدد فوق ذلك لا أثر له، إمَّا عادةً وإمَّا شرعاً، وأنه متى غُلِبَ هذا العدد، فلمْ يُؤت عليه من وجه القِلَّة، وإنما يكون ذلك من جهة التقصير، إما بالجُبن، أو التخاذل، وعدم الصدق، وفساد النِّيَّة، وتفرق الكلمة، وكلُّ ذلك ملوم صاحبه، فوجب أن لا يُعْذر، ولا يعتبر عند الانتهاء إلى هذا

стр. 212

العدد (١) من مادة العدو على الضِّعف بحال، والحكمة في هذا ظاهرة في عُرْفِ القتال؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أَثَرٌ في معالجة القتال؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكرِّ والحمل والمجالدة، بل لا يجدون مجالاً في الغالب، قال النابغة -يَصِفُ عظم الجيش، وتضييق بعضهم على بعض في النفوذ والسَّير-: جَمْعاً يظلُّ به الفضاءُ مُعَضِّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كَأنَّهنَّ صَحارِي (٢) فصار الزائدُ في محل اللقاء، كأنه لم يكن، إذْ لا أثر يوجد منه في المحاولة والمغالبة. فإن قيل: إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال، فلهم من الغَناء أنَّ القَتْلَ إذا انْتَقَصَ شيئاً من عدد أصحابهم المقاتلين خَلَفه غيره، فلا يزالون موفورين، وينقُص عدد الآخرين، فلا يوجد من يَسُدُّ مكانه في القتال. قيل: إذا نقصوا عن اثني عشر ألفاً بالقتل ونحوه؛ لم يكن لمن بقي حكم الاثني عشر ألفاً، وعلى ماذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة (٣) هو ظاهر ما يروى عن مالكٍ، حُكي عنه أنَّ سائلاً سأله، فقال: أَيَسْعُنَا التخلُّف عن قتال من خرج عن أحكام الله -تعالى-، وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفاً مِثْلكَ؛ لم يَسعكَ التخلف، وإلا فأنت في سَعَة (٤) .

стр. 213

* مسألة: إذا شَكَّ المسلمون في عدد عدوهم؛ هل زاد على الضِّعف أو لا؟ حَرُمَ التولّي -أيضاً-، حتى يقع اليقين الذي لا شكَّ فيه أنهم أكثر من مثليهم، والدليل على ذلك: أن الله -تعالى- أوجب الثبوت عند اللقاء، وحرَّم التولي، ولم يجعل في ذلك رخصةً إلا بعد الزيادة على الضِّعف، فما لم يُحقَّق ذلك فلم ينتقل عن الأصل، ولا وجد شرط الرخصة؛ فكان التولي ممنوعاً (١) . * مسألة: إذا زاد العدو على الضِّعف في العدد، إلا أنهم مع ذلك ضعفاء في أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، ضَعْفاً بيِّناً، أو كانوا ممن لا يعرف الحرب، ولا كبير غناء عندهم، وما أشبه ذلك، مما يُعلم في العادة أن المسلمين الذين لَقوهم لا يشقُّ عليهم مغالبتهم مع كثرة عددهم، ولا يضعفون عن مقاومتهم، لما هم عليه من القوّة والشوكة والقيام بالحرب، وما أشبه ذلك؛ فالتولي عنهم والفرار أمامهم حرامٌ -أيضاً- (٢) ، والدليل عليه: أن الله -تعالى- أمر بالثبوت عند اللِّقاء، وإنَّما أرخص فيما زاد على الضِّعف تخفيفاً، إذا كان في المسلمين الذين لقوهم ضعْفٌ عن مقاومتهم. قال الله -سبحانه-: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكمُ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦] ، فإذا لم يكن فيهم ضَعْفٌ عن لقاء مثلهم، بل ربّما شهدت الحال باستيلاء المسلمين عليهم إذا صدفوهم، فالتولي حرام؛ لأن علَّة التخفيف هنا لم توجد، مع ما في الفرار عن مثل هؤلاء من التهاونِ بالدِّين، وتجرئةِ الكفار على المسلمين.

стр. 214

ولهذا المعنى نقول: إن الفرار أبداً لا يحل، وإن زاد المشركون على الضِّعف، ما دام المسلمون بهم قوة عليهم، ولهم رجاء في الإحاطة بهم، والامتناع منهم؛ لأن التخفيف إنما جعل لما يكون من الضَّعْفِ عنهم، ورَفْعاً لتكليف ما يشق من الصَّبْر على مقاومتهم، والله أعلم. وروي عن مالكٍ أنه قال: «لا يجوز الانحياز إلا عن خوفٍ بَيِّنٍ وضَعف» (١) . وأما على مذهب من يعتبر في مراعاة المثلين: القوة والجَلَد (٢) ، فلا يخفَى أن الثبوت واجبٌ في مثل هؤلاء، وإن زادوا في العدد على الضِّعف، والفرار عنهم حرام. * مسألة: إذا لَقي المسلمون مِثْلي عددهم من الكفار، دون زائدٍ عليهم، لكن كان لقاؤهم إياهم بأرض العدو، وفي موضع تكاثر جَمْعهم، وإمدادِ بعضهم بعضاً؛ لتعاقب ديارهم، وتضافر أعدادهم، فهم يخافون استجاشتهم عليهم وإجلابهم؛ فقد قيل: إن لهم في التولية سعَة (٣) . وأقول: إنه لا يباح لهم الفرار، ولا سَعَة لهم في التولِّي عنهم، إلا أن يتزايد جمعهم، حتى يزيدوا على الضِّعف، والدليل على ذلك: أن التخفيف والرخصة في التولِّي إنما أبيح فيما زاد على الضِّعف، وما لم ينتهِ العدد إلى ذلك؛ فهم مخاطبون بالثبوت والصبر، والله أعلم. *****

стр. 215

الباب الخامس فيما يجب وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى، والتصرف فيهم قال الله : ﴿وَلاَ يَطَئونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] . وقال الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] . وقال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] . وخرج مسلم (١) ، عن عبد الله بن عمر: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارُّون وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتَلَ مُقاتَلَتَهُم، وسَبَى سَبْيَهم. وعنه -أيضاً- (٢) ، أنَّ رسول الله ﷺ حَرَّق نخل بني النضير، وقَطَعَ، وهي

стр. 216

البُوَيْرة. قيل: البويرة: اسم المكان الذي قطع وحرق، وفي ذلك يقول حسَّان: وهان على سراةِ بني لُؤَيٍّ ... حريقٌ بالبُويرةِ مُسْتَطيرُ فنقول: النكاية في العدو، والنيل منهم على ثلاثة أقسام؛ منها جائزٌ باتفاق، ومنها محظور باتفاق، ومنها مختلفٌ فيه. فأما الجائز باتفاق (١) ، فقتل مُقَاتَلَتِهِم في الزحف، وسَلْبُ أموالهم، ووطء بلادهم، وسَبْيُ أبنائهم وذراريهم، والإسار بعد الإثخان، على خلافٍ في استحياء الأسرى بعدُ أو قَتلهم، والدليل على هذا: ما تقدم من الكتاب والسُّنة، ولا خلاف فيه. وأما المحظور باتفاق (٢) : فقتلُ النساء والصبيان، حيث لا يضطرُّ إلى ذلك، إمَّا في البيات أو المدافعة حال القتال، والدليل على هذا: قوله -تعالى-:

стр. 217

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وهؤلاء ليسوا ممن يقاتل، فوجب الكفُّ عنهم، وكان القتل اعتداءً فيهم. وما خرَّجه البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النِّساء والصبيان (١) . ولا خلاف -أيضاً- فيه. وأما المختلف فيه فأشياء؛ منها: قتلُ الرهبان والعُسَفاء ونحوهم، ممن ليسوا بصدد القتال، ومنها: قتل المرأة والصبي إذا قاتلا، ومنها: رمي الحصون بالمجانيق والنار، وفيهم النِّساءُ والصبيانُ وأسرى المسلمين، ومنها: القتل بغير السلاح، كالتحريق بالنار وشَبهه من ضروب القتل المعذّبة، ومنها: تحريقُ الديار وتخريبها، وتحريق الزرع والأشجار وقطعها، وقتلُ البهائم والحيوان. ونحن -إن شاء الله- نفصِّل الكلام في ذلك مسألةً مسألةً، ونشير إلى أدلة المذاهب وسبب الخلاف، والتنبيه على ما يظهر لنا أنه الأرجح، على حسب ما شرطناه، بحول الله -تعالى-. فصلٌ اختلفوا في قتل الرهبان والعُسَفاء ونحوهم، ممن لايتعرّض مثلهم للقتال، فذهب الشافعيُّ (٢) -في أصح قوليه- إلى جواز قتل الجميع، وعليه يجيء مذهب

стр. 218

الظاهر، وقاله أبو محمد بن حزم (١) ، ودليلهم: عموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله» . خرَّجه مسلم وغيره (٢) . وفي حديث بريدة عن رسول الله ﷺ ، ... ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ... » . الحديث، وقد تقدم بطوله من رواية مسلم (٣) . فلما كانوا سواءً في الكفر الذي به حلَّت دماؤهم، وتناولهم عموم القرآن والسنة بذلك من غيرتفريقٍ؛ وجب استواؤهم في القتل المشروع في أهل الكفر، وهذا ظاهر راجح، ويزيد ذلك وضوحاً حديثُ أبي داود، عن سمرة بن جندب، قال رسول الله ﷺ : «اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم» ، وخرجه الترمذي عنه، وقال: «واستحيوا شرخهم» (٤) . والشرخ: الغلمان الذين لم يُنْبِتوا.

стр. 219

قال فيه: حسن صحيح غريب. فالشيوخ: البالغون (١) . وقد أمر بقتلهم عموماً، ولم يَستثنِ أحداً منهم، ولو كان يجب استبقاء صِنْفٍ منهم؛ لاستثناه حين علَّمهم حدود ما يجب في ذلك عليهم، كما فعل ﷺ في استثناء الشرخ: وهم الصغار دون البلوغ، وكذلك وقع مفسراً في رواية الترمذي. وشرخ الشباب: أَوَّله. وذهب مالك (٢) إلى أنه لا يُقْتَلُ الهَرِمُ، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا المُقعد،

стр. 220

ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون الناس، يعني: أنه لا أذىً عندهم بقتال ولا مشاركة رأيٍ؛ لانفرادهم، ونحو ذلك، وروي (١) عن أبي حنيفة وأصحابه (٢) . وقال الأوزاعي (٣) : لا يقتل الحراث، ولا الراهب، ولا الشيخ الكبير، ولا المجنون. قلت: أمَّا المجنون، فلا ينبغي أن يكون فيه خلافٌ أنه لا يقتل، لاسيّما إن كان كذلك بَلَغ، فهو غير مكلفٍ باتفاق، ولا يَنْطَلِقُ عليه وصف الكفر، ودليل هؤلاء في تخصيص من خصَّصوه من هذه الأصناف: ما يُنتزع من قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] ، فمن غلب على نظره في صنف من هؤلاء العاجزين عن القتال غالباً كالزَّمْنَى والهَرْمَى والمنقطعين من الرهبان، وأهل الخدمة والامتهان، أنهم لا يُعتدُّون فيمن يقاتل؛ جعلهم مخصوصين من القتل، ورأى ذلك ممنوعاً بقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] ، أي: لا تقتلوا من ليس من أهل القتال، وقياساً على النساء؛ بعلَّة العجز عن القتال. وأيضاً، فقد رووا في بعض ذلك آثاراً تعترض من جهة الإسناد، وأرجح ما في ذلك: ما خرَّجه أبو داود (٤) ، عن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة،

стр. 221

فرأى الناسَ مُجْتَمعينَ على شيءٍ، فبعث رجلاً فقال له: «انظر، علامَ اجتمع هؤلاء؟» ، فجاء فقال: امرأةٌ قتيل، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!» ، قال: وعلى المقدمة: خالد بن الوليد، فبعثَ رجلاً فقال: «قُلْ لخالد: لا تَقتُلنَّ امرأةً ولا عسيفاً» . فهذا الخبر عند من صححه حجةٌ في استثناء العسيف، وأصلٌ لمن سواه من ذوي الأعذار، والعجزِ عن القتال، إذا كان ممن يقول بالقياس. والعَسيفُ: الأجير. والجَمع: العُسفاء، كالأجَراء. وذكر مالك في «موطئه» (١)

стр. 222

عن أبي بكرٍ ﵁ أنه قال في وصيته لبعض أمراء جيوشه (١) : «إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحَصوا عن أوساط رؤوسهم من الشَّعَر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسَّيف، وإني موصيك بعشرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هَرماً ... » إلى آخر القصة (٢) ، فمن رأى أن مثل هذا لا يكون من أبي بكر إلا عن

стр. 223

توقيفٍ جعله دليلاً (١) . فصلٌ اختلفوا في قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا؛ فجمهور العلماء على أنهم إذا قاتلوا قتلوا، منهم: مالك (٢) ، والشافعي (٣) ،.......................................

стр. 224

وأبو حنيفة (١) ، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد (٢) ، وإسحاق وأبو ثور (٣) . وقاله أبو محمد بن حزم (٤) ، والحجة في ذلك عموم قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وهؤلاء قد قاتلوا، وتخصيص نهي النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان، بأنَّ ذلك ما داموا على الحال التي هي غالب جنسيتهم من العجز وعدم أهلية القتال، بدليل ما وقع في حديث رباح بن ربيع، أنه ﷺ قال -وقد وجدت امرأةٌ مقتولةٌ في بعض المغازي-: «ماكانت هذه لتقاتل» (٥) . وقد روي في ذلك ما هو أوضح. أسند ابن المنذر (٦) إلى ابن عباس، أن النبي ﷺ مرَّ بامرأةٍ مقتولة يوم الخندق، فقال: «من قتل هذه؟» قال رجل: أنا يا رسول الله، قال: «ولِمَ؟» ، قال:

стр. 225

نازعتني قائم سيفي، قال: فَسَكَتَ (١) . وأيضاً فقد قتل النبي ﷺ امرأةً من بني قريظة لحدثٍ أحدثته، في جملة من قَتَل من رجالهم. خرَّجه أبو داود وغيره (٢) .

стр. 226

وقال ابن هشام (١) في كتاب «المغازي» لابن إسحاق: هي التي طرحت الرَّحى على خلاد بن سويد فقتلته. قال ابن إسحاق (٢) : استشهد يوم بني قريظة من المسلمين، ثم من بني الحارث بن الخزرج: خَلاَّد بن سويد، طرحَتْ عليه رحىً فشدخته شدخاً شديداً، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن له أجر شهيد» (٣) . ومن طريق النَّظَر: إن من تعرَّض للقتال، لو تُرك ولم يُدفع ويقاتَل؛ لأَفضىَ إلى الاستكثار من أذى المسلمين وقتلهم، وذلك باطل، لايَحِلُّ إقراره باتفاق، ولكان يكون في ذلك لو ترك تسليطٌ على المؤمنين، والله -تعالى- يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . وهذا من النظر الصحيح الذي يُقِرُّ بِهِ ويستعمله أهل الظاهر وغيرهم؛ لأنه ردٌّ إلى كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ ، وليس هو من القياس في شيء. وذكر ابن المنذر (٤) قال: حكى أشهب، عن مالكٍ، أنه سئل عن نساء العدو

стр. 227

وصبيانهم يكونون على الحصون، يرمونهم بالحجارة، ويعينون على المسلمين، أيقتلون؟ فقال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. ونحو ما رَوَى ابنُ المنذر من قول مالكٍ يقول جماعة من أصحابه (١) . وقال ابن حبيب في النساء والصبيان: إن كان قتالهم بالسيف والرمح ونحوه قتلوا في حال المدافعة، وإن كان بالحجارة ونحوها من فوق الحصن لم يقتلوا (٢) . وقاله غيره من أصحاب مالك. فأقول: إنه ليس لأحدٍ يذهب إلى أنهم لا يقتلون في حال الدفاع إذا ما قاتلوا حجَّة، وإن تعلَّقَ متعلِّق بظاهر العموم في النهي عن قتل النساء والصبيان؛ لم يصح له ذلك بعد قيام الدليل على تخصيصه. ثم اختلف الذين رأوا قتل من قاتل من النساء والصبيان: هل يكون الحكم كذلك فيهم إذا قاتلوا ثم قُضي القتال وقد أُسِروا؟ فقيل: إنه يجوز قتلهم، كالحال في أسرى الرجال، ومستند من ذهب إلى ذلك أنهم قد استوجبوا القتل لقتالهم، وخرجوا من أن يكونوا فيمن وقع النهي عن قتله، فحكمهم بَعْدُ في القتل أو التَّرك كحكم سائر الأسرى، حسبما نذكره بَعدُ بحول الله -تعالى- (٣) . وقيل: إنهم لا يقتلون إلا في المدافعة وحال القتال فقط، ودليل من ذهب إلى ذلك: عموم النهي عن قتلهم، وأن التخصيص إنما يُتناول بيقينٍ حال المدافعة، فبقي ماوراء ذلك على عمومه، وهذا أرجح. والله أعلم. وكلا القولين مرويٌّ عن أصحاب مذهب مالك (٤) .

стр. 228

فصلٌ اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوه من المُهْلِكات، وفيهم النساء والذُّرِّيَّة (١) وأُسارى المسلمين؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة على ما نفصّله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك. ذَكرَ فَضْلٌ أن ابن القاسم من أصحاب مالكٍ رَوَى عنه المنعَ من رميهم بالمجانيق، أو إرسال الماء عليهم ليغرقوا إذا كان معهم النساء والأطفال (٢) . فأما أبو حنيفة، فذهب إلى جواز رميها وتحريقها عليهم بالنار، وإن كان

стр. 229

فيها الأسارى والأطفال، وكذلك عنده: لو تَتَرَّسوا بالمسلمين، رُموا -أيضاً-. قال: ويُقصد بذلك من فيها من الكفار، فإن أصابوا في ذلك مسلماً فلا دية ولا كفارة (١) . وقال الشافعي: لا بأس برمي الحصن بالمنجنيق والنار، وكل ما فيه نكاية، وفيه النساء والأطفال، ولم يَرَ رميهم إذا تترسوا بالمسلمين إلا في حال الاضطرار حيث يخافهم المسلمون على أنفسهم إن كَفُّوا عنهم، فحينئذٍ يقاتلون، ولا يُتَعَمَّدُ قَتْلُ مسلم. وقد قيل: يكف عنهم على كل حال إذا لم يكن بُدٌّ من إصابة المسلم، وأي مسلم أصيب ممن لم يقصد الرامي قصده بالرمية ولم يره، فعليه تحرير رقبة، ولا دية له، وإن كان رآه، وعَرَف مكانه ورمى، وهو مضطرٌ إلى الرَّمي، فعليه دية وكفارة، وإن تعمده ولم يكن مضطراً فالقصاص (٢) . وقال الأوزاعي (٣) : يرمى الحصن بالمنجنيق والنار، وإن كان فيه أسرى

стр. 230

المسلمين، فإن أصيب أحدٌ من المسلمين؛ فهو خطأ تكون فيه الكفارة والدِّيَة، ورأى أن يُكف عنهم، إذا تترسوا بالمسلمين. وعن مالك إجازة الرمي بالمنجنيق، ومنع التحريق بالنار، إلا أن يكون الحصن ليس فيه إلا المقاتلة فقط، فعنه في ذلك روايتان: الإجازة والمنع، ولا أعلم له في التترس قولاً، وظاهر مذهبه المنع (١) . فأما دليل جواز رمي الحصون في الجملة، وفيها الذراري: فما خرَّجه مسلم والبخاري عن الصعب بن جثّامة قال: سئل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يُبيَّتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هُم منهم» . زاد البخاريُّ، قال: وسمعته يقول: «لاحِمىً إلا لله ولرسوله» (٢) . وقوله ﷺ

стр. 231

-وقد قيل له: لو أن خيلاً أغارت من اللَّيل، فأصابت من أبناء المشركين- قال: «هم من آبائهم» . خرَّجه مسلم (١) . فهذا في نساء المسلمين وأبنائهم ظاهر، فأما الأسرى من المسلمين يكونون معهم في الحصون، فدليل من أجاز ذلك هو من طريق المعنى، وذلك أن قوله في أبناء المشركين: «هم من آبائهم» ليس على معنى أنهم كفار؛ لأنهم لم يبلغوا، فلم يخاطبوا بَعْدُ بالإيمان، ولم يَجْرِ عليهم التكليف، فلا يصح إطلاق وصف الكفر عليهم، لكن معنى: «هم منهم» : رفع الحرج عن المسلمين في إصابتهم بحكم الاضطرار، ومعرَّة الاقتحام، أي: لا مأثم يلحق في إصابتهم، فكذلك يجري المعنى في حكم الأسرى من المسلمين إن أصيب منهم أحدٌ في أثناء الاقتحام، ووجه المنع في الجملة على نحو ما رُوِي عن ابن القاسم -أن لا يُرموا بالمجانيق إذا كان معهم النساء والأطفال- عُموم النهي عن قتلهم؛ ولأن الحديث في إرخاص ذلك إنما جاء في البيات والغارات، حيث تدعو الضرورة إلى المباغتة، ولا يوقن بالذراري أن يصابوا. وأما رمي الحصون، وقد علم مافيها من الذرية، والأمر فيهم على الرَّوية وعدم الاضطرار، فليس مما أبيح من ذلك، وهذا ونحوه هو الذي يتوجه لهذا القول. والأَوْلَى -إن شاء الله- والذي نختاره التفصيل في ذلك، فنقول: أمَّا إن لم يُعلم في الحِصنِ أحدٌ من أُسارى المسلمين، فالأظهر جواز رميهم، مع كون النساء والذرية في جملتهم، بدليل الحديث في قوله: «هم منهم» ، إذا لم يُقصدوا، وكان إصابتهم لضرورة الاقتحام؛ ولقوله ﷺ فيهم: «لا حِمىً إلا لله ولرسوله» ، وأما إن كان في الحصن أحدٌ من أسارى المسلمين، يُعلم ذلك،

стр. 232

فالأظهر توقي استعمال ما لا يؤمن فيه إصابتهم، فإن علم أن ذلك لا يصيب الأسرى، فلا بأس، وذلك لأن حديث الصَّعب بن جثَّامة لم يجرِ فيه ذكر مُسلمٍ، إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين، وأظهرُ من هذا والأتمُّ حُجَّةً قول الله -تعالى- في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥] . فهذا نصٌّ في وجوب التَّوقِّي، فإن قيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بأهل مكة، فهودعوى؛ لأن الله -تعالى- إنما جعل الحرمة في ذلك للإيمان لا للبلد، وهذا التفصيل والفرق الذي اخترناه إنما نَعْني به الحُكمَ في قتال الحصون، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين لكسر العدو ومدافعتهم (١) ، وأما عند لقاء جيوش المشركين، وفيهم أُسارى من المسلمين، فأرجو -إن شاء الله- أن يكون كل شيءٍ مما يُنْكَى به العدو سائغاً، سواء أُمن أن يصيب الأسرى من ذلك شيءٌ أوْ لا، إلا أنهم لا يُتَعَمَّدون، ويُتحفَّظ عنهم بقدر الوسع، وذلك أنَّ في الكفِّ عن القتال، وترك الدفاع في مثل هؤلاء الذين بَرزوا للمسلمين هلاكاً للناس، وتمكيناً لأهل الكفر من الإسلام ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، وهذا كلّه ما لم يتترس الكفار بالمسلمين، فإن تترسوا بهم، بحيث لا يمكن قتالهم إلا من وراء قتل مسلم، فالأرجح الذي نختاره الكفُّ جُملةً، والقتال لا نراه على حال من غير تفصيلٍ في قتال الحصون أو الجيوش؛ لأن ذلك إن لم تكن ضرورة، فلا خفاء به، وإن كانت ضرورة بحيث يُبْقي المسلمون على أنفسهم في الكفِّ عن القتال، فذلك -أيضاً- موجودٌ إذا قاتلوا بقتلهم المسلمين الذين تترس بهم العدو، من غير حقٍّ وجب عليهم مُبيحٍ لدمائهم، وليس لأحدٍ أن يقتل

стр. 233

مسلماً بريئاً لينجو بذلك من القتل (١) . وأما ما وقع الاختلاف فيه مِن رَمْي الحصون بالنار، فنذكر وجهه، والأرجح منه -إن شاء الله- في الفصل بعد هذا. وأما اختلافهم في إيجاب دية من أصيب في ذلك من أسرى المسلمين فسببه: هل يحمل ذلك على الخطأ المحض، فتجب فيه الدية؟ أو لمَّا كان القتال مباحاً مأذوناً فيه على الأدلة المتقدمة، كانت الإصابة فيمن أصيب مستندةً إلى الإذنِ الشرعي، فلم يكن له حكم الخطأ؟ وهذا ضعيف؛ لأن إصابة المسلم لم يكن فيها إذن بحال، والقول بإثبات الدية أَوْلَى، ويُبيِّن ذلك حديث جرير بن عبد الله، خرَّجه أبو داود -وقد تقدم- قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى خثعم، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأمر لهم بنصف العَقْلِ، وقال: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» (٢) ، فيحتمل -والله أعلم- أن يكون أهدرَ النصف الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم

стр. 234

بالإقامة مع المشركين، ألا ترى إلى قوله في الحديث: «أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» . فأما الأسرى فلا إعانة منهم على أنفسهم، ففيهم الدية كاملة إن أصيبوا (١) ، وبالله التوفيق.

стр. 235

فصلٌ اختلفوا في قتل العدو بغير السلاح، كالتحريق بالنار والتغريق، وما أشبه ذلك من ضروب القتل التي فيها تعذيبٌ أو تمثيل، فأما المقدور عليه منهم فلا أعلم في ذلك خلافاً (١) ، وأنه لا يجوز تحريق أعيان العدو إذا أمكن قتلهم بغير ذلك، ولم يكونوا هم حرقوا أحداً من المسلمين، والأصل في ذلك حديث البخاري (٢) ، عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعثٍ فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً (٣) فأحرقوهما بالنار» ، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النَّار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما؛ فاقتلوهما» . وخرَّج مسلم (٤) ، عن شداد بن أوسٍ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلةَ، وإذا

стр. 236

ذبحتم فأحسنوا الذَّبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرح ذبيحته» . وفي كتاب أبي داود، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أَعَفُّ الناسِ قِتلةً: أهلُ الإيمان» (١) .

стр. 237

وفيه عن سمرة بن جندب، وعن عمران بن حصينٍ -أيضاً-، كلاهما قال: كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المُثلة (١) .

стр. 238

وفي حديث بريدة، من طريق مسلم (١) ، عن النبي ﷺ في وصيته لأمراء

стр. 239

جيوشه: «لا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا» . وأما ما كان في شأن العرنيين (١) ، فقصاص أو منسوخ، على خلافٍ في ذلك. قال البخاري في كتابه (٢) -بعد ذكر قصتهم-: قال أبو قلابة: قتلوا، وسرقوا، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فساداً. وفي كتاب مسلم (٣) ، عن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعينَ أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرِّعاءِ. فأمَّا إذا لم يمكن الوصولُ إلى نَيل العدوِّ والاستيلاءُ عليهم إلا بالتحريق بالنار، كما لو اعتصموا بالحصون والغيرانِ، ومثل أصحاب السفن في البحر، فهذا شيءٌ كرهه جماعة من أهل العلم، وأباحه غيرهم؛ فممَّن رُوي عنه جواز ذلك: الشافعي وأبو حنيفة والثوري، وقاله الأوزاعي، وممن رُوي عنه المنع جُملةً: مالكٌ ﵀ في إحدى الروايتين عنه، وأباح ذلك في رواية، بشرط أن لا يكون في الحصن إلا المقاتلة، دون النساء والصبيان (٤) ، واستخفَّ في قتال السفن في البحر الرَّميَ بالنار، وإن كان فيهم النساء والصبيان، ولم يختلف في جواز ذلك في السفن

стр. 240

أحدٌ من أصحاب مذهب مالك، وإنما اختلفوا إذا كان في سفينة المشركين أحدٌ من أسارى المسلمين؛ فقال أشهب: يجوز، وقال ابن القاسم: لا يجوز، وهو المرويُّ عن مالك (١) . وروي عن عمر ﵁ كراهة رمي المشركين بالنار (٢) . فوجه جواز القتال (٣) بالنار قوله -تعالى-: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] ، ولم يخصَ قتلاً من قَتْلٍ، مع قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، ووجه المنعِ: تخصيصُ السنة ذلك في غير المُثلة. وللآخرين أن يقولوا: يختصُّ النهيُ عن المثلة بالمقدور عليه؛ ألا ترى أن قَطْعَ الأيدي والأرجلِ وغيرَ ذلك من المُثلة، وهو جائزٌ باتفاقٍ في حال المقاتلة، إذا لم يتمكن منه إلا بذلك، وهذا أظهر، والله أعلم. ووجه تفريق مالكٍ بين قتال السفن وقتال الحصون؛ إنما هو بحسب الحال والاضطرار، لأن أهل السفن إن لم يُعاجَلوا بذلك وغيرِه، فعلوا هم بسفينة المسلمين مثل ذلك، فكان فيه الهلاك، واستيلاء أهل الكفر على المسلمين، بخلاف أهل الحصون؛ لأنهم لايتمكَّنون إذا انحصروا من المسلمين، فأمرهم في ذلك مختلف (٤) . فصلٌ واختلفوا في تحريق الديار والشجر المثمر والزرع، وقتل الحيوان، فذهب

стр. 241

مالكٌ (١) ، وأبو حنيفة (٢) وأصحابه، والثوري (٣) إلى جواز ذلك كلِّه: تخريب الديار، وقطع الأشجار، وإحراقها، وذبح الماشية والدواب، إذا لم يقدروا على إخراجها، إلا أن بعض أصحاب مالكٍ (٤) رأى أن تُعقر بالإجهاز عليها، ولا تذبح، قيل: لئلا تُتشبَّه بالذَّكية، يعني: إنَّ ذبحها للإتلاف يُنافي النية للتذكية، وهي شرط في صحتها، فتكون ميتةً في الحكم، فربَّما مرَّ بها أحدٌ من المسلمين وهي مذبوحة، فاستباح أكلها بذلك، وإذا عقرت بغير الذبح كان الأمر بيِّناً أنها مَيْتةٌ. وقال ابن حبيب (٥) :

стр. 242

لأن الذبح مُثلة، وأظنه يعني فيما لم تجرِ العادة بذبحه؛ إمَّا لأنَّ استعماله في الأكل قليلٌ كالخيل، أو محرمٌ كالحمير والبغال. وقال الشافعي (١) : يحرق الشجر المثمر والبيوت، إذا كانت لهم معاقل، وكره إحراق الزرع والكلأ، وقتل الحيوان، وكذلك قال في الدابة تقوم على الرجل: يتركه ولا يَعْقِرهُ؛ لأنه روحٌ يألم بالعذاب، ولا ذنب له. وأجاز مالكٌ عقر الفرس يقف على صاحبه في دار الحرب، قال: ولا يتركه يتقوى به العدو (٢) . وقال أبو محمد بن حزم (٣) : يجوز تحريق أشجار المشركين وزروعهم

стр. 243

وأطعمتهم التي لا يقدر المسلمون على حملها، وحرق دورهم وهدمها، ولا يحل عقرُ شيءٍ من حيوانهم البتة إلا الخنازير. وذهب قومٌ إلى منع ذلك كله، روي عن الأوزاعي والليث (١) كراهية إحراق النخل والشجر المثمر، وتخريب شيءٍ من العامر، وأن تُعاقب (٢) البهائم، وهو ظاهر ما ذهب إليه الصدِّيق -رضي الله تعالى عنه-، الذي رواه عنه مالكٌ في «موطئه» حين أوصى بعض أمراء جيوشه (٣) ، فقال: « ... وإني موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبياً ولا كبيراً هَرماً، ولا تقطعنَّ شجراً مُثْمراً، ولا تخرِبنَّ عامراً، ولا تعقرنَّ شاةً ولا بعيراً، إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقنَّ نَحْلاً ولا تغرقنَّه، ولا تغْلُلْ ولا تَجْبُنْ» (٤) .

стр. 244

فذهب بعض من تأوَّل ذلك (١) من قوله، إلى أنَّه إنما نهى عن تخريب الشام؛ لأنه علم ضعف العدوِّ، ورجا مصير ذلك عن قُربٍ للمسلمين موفوراً (٢) ، ونحو ذلك روي عن مالك أنَّه تأوَّله (٣) . فأمّا حجة من أجاز ذلك في الجملة: فعموم قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، وحديث عبد الله بن عمر،

стр. 245

أن رسول الله ﷺ حرَّق نخل بني النَّضير، وقطع، وهي البويرة؛ فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] ، خرجه مسلم وغيره (١) . وخرَّج أبو داود (٢) ، أن رسول الله ﷺ كان عَهِدَ

стр. 246

إليه (١) فقال: «أغِرْ عَلى أُبْنَى صباحاً وحرِّق» . وأما دليل من استثنى عقر الحيوان، فلأنّه من باب المُثلة والتعذيب، وقد ثبت النهيُ عن ذلك (٢) ، وأيضاً فالتصرف المباح في الحيوان ليس فيه القتل لغير مأكلة. خرَّج مسلم (٣) ، عن أنسٍ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُصْبَرَ البهائم.

стр. 247

واحتج الشافعي في ذلك بحديثٍ رواه مسنداً عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقِّها سأله الله عن قتلها» ، قيل: يا رسول الله، وما حَقُّها؟ قال: «أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به» (١) .

стр. 248

فكان الأرجح -إن شاء الله- جواز النكاية في العدوِّ بالتخريب والتحريق والقطع، وما عسى أنْ يكون فيه نيلٌ منهم، إلا قتل الحيوان خاصَّةً لغير مأكلة؛ للأدلة الثابتة التي قد ذكرنا، فأمَّا ما كان من ذلك في حال دفاع العدو، فجائزٌ قتل الخيل، إذا لم يقدرْ على راكبها إلا بذلك؛ للأدلة التي تقدَّم تقريرها في مثل ذلك؛

стр. 249

لضرورة الدفاع، وكذلك قال الشافعيُّ وأهل الظاهر وغيرهم (١) . قال الشافعي (٢) : «ذلك كالمشرك، له أن يرميه بالنَّبل والنار والمنجنيق، فإذا صار أسيراً في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به، وكان له قتله بالسيف، وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله، فإذا صار في يديه لم يَقْتُلْه إلا بالذكاة التي هي أخفُّ عليه» . وأمَّا من منعَ التخريبَ والقَطْعَ والتحريق وسائر ما ذُكر في الباب، فيحتمل أن يكون مستندهم في ذلك -والله أعلم-: عموم النَّهي عن الإفساد في الأرض، وإتلاف المال في غير انتفاعٍ أَذنَ به الشرع، ويحملون ما ثبتَ من التحريق والقطع في بني النضير، ومانزل في ذلك من القرآن على أن ذلك خاصٌّ فيهم، وربما تأول بعض المُتعسِّفين في ذلك: أنَّ قطعَ ما قُطع في بني النَّضير لم يكن على جهة التخريبِ والتنكيل، وإنما اضطروا إليه؛ لأن ذلك كان مجال (٣) المقاتلة، أو نحو هذا، مما صرفوه به إلى الضرورة، وكلُّ ذلك بعيدٌ ضعيفٌ (٤) . فصلٌ: في الأسرى وأحكامهم، وما يجوز من التصرف فيهم أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عاماًّ، في الرجال والنساء والذُّريَّة، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجزٌ عن ذلك؛ كالمرضى والزَّمنَى وغيرهم، إلا خلافاً في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذىً بتدبيرٍ ولا غيره؛ فذهب قومٌ إلى أنه لا يعرض لهم بأسر، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم، وهو قول مالك، ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها (٥) ، ثم اختلفوا بعد فيما يفعل

стр. 250

بالأسرى من الرجال على أقوال: فذهب قومٌ إلى قتلهم ولا بُدَّ، وقومٌ إلى استحيائهم، والمنعِ من قتلهم، وفرَّق قومٌ بين الأسر بعد الإثخان، وهو استمرار القتل، فأجازوا هناك الأسر لِلْمَنِّ والفداء والاسترقاق، وبين الأسرِ قبل الإثخان؛ فمنعوا هناك الاستحياء، وأوجبوا فيهم القتل، وكذلك فرِّق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين؛ فلم يجيزوا في الوثنيين إلا القتل، وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإمام مُخيَّرٌ في الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك، وما الناسخ منها من المنسوخ، أو: هَل ذلك كلُّه مُحكمٌ، والجمع بينه ممكن؟ فأما من ذهب إلى قتل الأسير ولا بدّ، فدليله قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] ، وقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، ورأوا هذا ناسخاً لقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، ولا يجوز عندهم أن يُفَادى إلا بالمرأة؛ لأنها لا تقتل، وإليه ذهب قتادة (١) ومجاهد (٢) والحكم، وروي عن ابن جريج
следующие страницы →