إليه (١) فقال: «أغِرْ عَلى أُبْنَى صباحاً وحرِّق» .
وأما دليل من استثنى عقر الحيوان، فلأنّه من باب المُثلة والتعذيب، وقد ثبت النهيُ عن ذلك (٢) ، وأيضاً فالتصرف المباح في الحيوان ليس فيه القتل لغير مأكلة.
خرَّج مسلم (٣) ، عن أنسٍ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُصْبَرَ البهائم.
стр. 247
واحتج الشافعي في ذلك بحديثٍ رواه مسنداً عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقِّها سأله الله عن قتلها» ، قيل: يا رسول الله، وما حَقُّها؟ قال: «أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به» (١) .
стр. 248
فكان الأرجح -إن شاء الله- جواز النكاية في العدوِّ بالتخريب والتحريق والقطع، وما عسى أنْ يكون فيه نيلٌ منهم، إلا قتل الحيوان خاصَّةً لغير مأكلة؛ للأدلة الثابتة التي قد ذكرنا، فأمَّا ما كان من ذلك في حال دفاع العدو، فجائزٌ قتل الخيل، إذا لم يقدرْ على راكبها إلا بذلك؛ للأدلة التي تقدَّم تقريرها في مثل ذلك؛
стр. 249
لضرورة الدفاع، وكذلك قال الشافعيُّ وأهل الظاهر وغيرهم (١) .
قال الشافعي (٢) : «ذلك كالمشرك، له أن يرميه بالنَّبل والنار والمنجنيق، فإذا صار أسيراً في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به، وكان له قتله بالسيف، وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله، فإذا صار في يديه لم يَقْتُلْه إلا بالذكاة التي هي أخفُّ عليه» .
وأمَّا من منعَ التخريبَ والقَطْعَ والتحريق وسائر ما ذُكر في الباب، فيحتمل
أن يكون مستندهم في ذلك -والله أعلم-: عموم النَّهي عن الإفساد في الأرض، وإتلاف المال في غير انتفاعٍ أَذنَ به الشرع، ويحملون ما ثبتَ من التحريق والقطع في بني النضير، ومانزل في ذلك من القرآن على أن ذلك خاصٌّ فيهم، وربما تأول بعض المُتعسِّفين في ذلك: أنَّ قطعَ ما قُطع في بني النَّضير لم يكن على جهة التخريبِ والتنكيل، وإنما اضطروا إليه؛ لأن ذلك كان مجال (٣) المقاتلة، أو نحو هذا، مما صرفوه به إلى الضرورة، وكلُّ ذلك بعيدٌ ضعيفٌ (٤) .
فصلٌ: في الأسرى وأحكامهم، وما يجوز من التصرف فيهم
أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عاماًّ، في الرجال والنساء والذُّريَّة، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجزٌ عن ذلك؛ كالمرضى والزَّمنَى وغيرهم، إلا خلافاً في الرهبان المنقطعين في الصوامع والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذىً بتدبيرٍ ولا غيره؛ فذهب قومٌ إلى أنه لا يعرض لهم بأسر، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم، وهو قول مالك،
ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها (٥) ، ثم اختلفوا بعد فيما يفعل
стр. 250
بالأسرى من الرجال على أقوال:
فذهب قومٌ إلى قتلهم ولا بُدَّ، وقومٌ إلى استحيائهم، والمنعِ من قتلهم، وفرَّق قومٌ بين الأسر بعد الإثخان، وهو استمرار القتل، فأجازوا هناك الأسر لِلْمَنِّ والفداء والاسترقاق، وبين الأسرِ قبل الإثخان؛ فمنعوا هناك الاستحياء، وأوجبوا فيهم القتل، وكذلك فرِّق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين؛ فلم يجيزوا في الوثنيين إلا القتل، وذهب جمهور العلماء إلى أنَّ الإمام مُخيَّرٌ في الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك،
وما الناسخ منها من المنسوخ، أو: هَل ذلك كلُّه مُحكمٌ، والجمع بينه ممكن؟
فأما من ذهب إلى قتل الأسير ولا بدّ، فدليله قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] ، وقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، ورأوا هذا ناسخاً لقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، ولا يجوز عندهم أن يُفَادى إلا بالمرأة؛ لأنها لا تقتل، وإليه ذهب قتادة (١) ومجاهد (٢) والحكم، وروي عن ابن جريج
стр. 251
والسُّدِّيِّ نحوه (١) ، إلا أنهم قالوا: إنَّ آية المَنِّ والفداء إنما كانت في أهل الأوثان من العرب، فنسخ ذلك، فلا يجوز فيهم إلا القتل، وفرَّقوا بينهم وبين أهل الكتاب (٢) .
وأمَّا من ذهب إلى استحياء الأسرى، ومَنَعَ من قتلهم، ورأوا أن حُكْمَهم المنُّ أو الفداء، فدليلهم قوله -تعالى-: ﴿فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ،
стр. 252
ورأوا هذا ناسخاً لعموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وإليه ذهب الضَّحَّاك (١) ، وقال نحوه: عطاء (٢)
والحسن (٣) ، وكذلك روي عن ابن عمر كراهة
قتلهم (١) .
وفي اعتقاد النسخ في مثل هذا عندي نَظَر، قد تقدم التنبيه على مثله، وأيضاً فإن سورة (براءة) من آخر ما أُنزل في ذلك، فكيف نَسَخَهُ ما نزل قبله، لكن قد يحتمل أن يريدوا بالنسخ: التخصيص لعمومها، فإن المُخَصَّص قد يتقدم، وقد يتأخَّر، بخلاف النسخ؛ لا يصحّ تقدم الناسخ بحال، فتُحملُ الآية عندهم على قتل غير الأسرى، وفي تسمية هذا ناسخاً تساهل (٢) .
стр. 255
وأمَّا من ذهب إلى التفريق بين الإسار قبل الإثخان وبعده، فدليلهم: ظاهر الآية في قوله -تعالى-: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] ، فلم يُؤذن في الإسار إلا بعدَ الإثخان والقتل، وإليه ذهب سعيد بن جبير (١) .
وأما الجمهور الذين ذهبوا إلى تخيير الإمام بحسب الاجتهاد في المصالح؛ فإنهم استعملوا جميع الآي الواردة في ذلك، على ما نذكره -إن شاء الله تعالى- لإمكان الجمع بينهما، وإذ لا دليل على أنَّ شيئاً من ذلك منسوخ؛ رُوي هذا القول عن ابن عباس (٢) ، وعليه أهل المدينة، وكذلك يجئ مذهب مالكٍ، والشافعي،
стр. 256
وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيدٍ، وغيرهم (١) ؛ لأنهم كلهم يرون جواز
القتل والمنّ والفداء للإمام بحسب ما يرى في الأسرى من مصلحة المسلمين.
وقال أبو حنيفة (٢) : لا يجوز المنُّ ولا الفداء، كأنه رأى ذلك منسوخاً، ووجه
стр. 257
الجمع في ذلك أن الله -تعالى- يقول: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، فعموم هذا يقتضي القتل في كل مشرك قبل الإسار وبعده، إلاَّ أن يُخَصِّصَه دليلٌ، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] ، وقال -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ، فكان استحياء الأسرى قبل الإثخان محظوراً، كما دلَّ عليه عموم آية السَّيف، وكان في ظاهر الخطاب من هذه الآية ترخيصٌ في اتخاذ الأسرى بعد الإثخان، وقال -تعالى-: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، ففي هذا إباحته بعد الإثخان تصريحاً، فكان بياناً لما تقدم، وتخصيصاً لعموم ذلك، وليس قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] على معنى أنه واجب، حتى لا يتصرف في الأسير إلا بذلك، فيكون القتل ممنوعاً فيه، لكن هو على معنى التخصيص؛ لعموم الأمر بإيجاب القتل حيثما ثُقِفُوا، فهو إباحةٌ للاستحياء في حال الأسر من غير منع القتل.
ويدل على أنه إباحةٌ لا وجوب: قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ﴾ [الأنفال: ٦٧] فجعل ذلك له، ولو كان واجباً لقيل: عَليه، فإن نوزع في شيءٍ من ذلك على مذهب من لا يراه، عُضد هذا التأويل بما ثبت من قتلِ النبي ﷺ عقبة بن أبي مُعيطٍ، والنَّضرِ بن الحارث، من جُملة أسارى بَدرٍ (١) ،
стр. 258
واستحياءِ آخرين (١) ، وقتل بني قريظة (٢) ، ومَنَّ على أهل خيبر، فلم يقتلهم، افتتحها
стр. 259
عنوةً، فَقَسم أرضها، ومَنَّ على رجالهم، فتركهم عُمَّالاً في الأرض والنخلِ على الشَّطْر (١) ، حتى أخرجهم عمر حين استغنى عنهم (٢) . وفدى رسول
الله ﷺ رجلين من المسلمين برجلٍ من المشركين من بني عُقيل (٣) ، فدلَّ ذلك كلُّه على جواز القتل والمنِّ والفداء، وكلُّ ذلك بيانُ ما تَضَمَّنه القرآنُ، فيكون على هذا جميع الآي مُحكماً.
أمَّا آية السيف في (براءة) وكل آيةٍ في مثل معناها، فتحملُ على نسخ الموادعة وإيجاب القتل والقتال حال ممانعة العدو، وأمّا الآيتان؛ ففي أحكام الأسرى بعد الاستيلاء عليهم بالقتال والطَّلب، ولهذا قال -تعالى- في صدر آية الفداء: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] ، يعني: حال
стр. 260
الممانعة، ويتقرر على هذا: أنه لا يسوغ الأسر إلا بعد الإثخان، كما قال سعيد، ثم يكون الاجتهاد فيهم بعدُ بالوجوه المذكورة للإمام؛ قال مجاهد (١) : الإثخان: القتل، وقال محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» (٢) : «حتى يثخن في الأرض: أي: ثخَّن عدوَّه حتى ينفيه من الأرض» . وقال أبو عبيدة (٣) : معناه: حتى يغلب ويبالغ. وهذا الوجه الذي قرَّرنا الاستدلال عليه هو -إن شاء الله- أَرجْحُ الأقوال؛
لأن اعتقاد النَّسخ لا يَحسنُ إلا حيثُ يقوم عليه الدليل بالتوقيفِ ونحوه، أو حيث لا يمكنُ الجمعُ البَتَّة، ويُعلمُ المتأخِّرُ مع ذلك، فيكون هو الناسخ، وإلا فهو ظَنٌّ، والله -تعالى- يقول: ﴿وإَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [النجم: ٢٨] ، فإذا تقرر ذلك فالأسرى يجوز فيهم للإمام القتلُ والمنُّ والفداءُ، وكذلك الاسترقاقُ، هذا ما لم يختلف فيه الصَّائرون إلى هذا المذهب: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وأحمد، وأبو عبيدٍ، وغيرهم، ومنع أبو حنيفة المَنَّ والفداء، وخيَّر بين الاسترقاق والقتل (٤) .
فأمَّا ضرب الجزية؛ ففي شروط ذلك والقول به عامَّاً في الكُفَّار أو خاصّاً خلافٌ، نذكره -إن شاء الله- في (الباب التاسع) ، حيثُ أَفْرَدْناه للجزية وأحكامِها، ونتعرض في هذا الموضع للتنبيه على أحكام سائر الوجوه غيرِ الجزية، وذكر مسائل مما يتعلق بذلك -إن شاء الله تعالى-.
стр. 261
فصلٌ
يكون نظر الإمام في الأسرى بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك (١) من الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلا أن يَعرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهم، مثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ من المسلمين، لا يُستطاع إخراجه إلا بالمفاداة بهذا، وما أشبه ذلك من وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومن لم يكن من الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر -أيضاً- من وجوه النَّظَر، فالأوْلَى المفاداةُ، ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهلِ الكفر أو كسرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعم عليه، فالأَوْلَى المَنُّ، ومن كان صانعاً أو عسيفاً يُنتفع بمثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ من الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية، إن كانوا من أهلها، على حسب ما يظهر من ذلك (٢) .
وبالجملة، فالنَّظر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلا أنه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه إلا لمصلحةٍ في حقّ المسلمين، يغلب على نظره واجتهاده أنها أَوْلى، فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئياً لم يعزم على واحدةٍ
стр. 262
مما سواه؛ ساغَ له القَتْلُ، ولو بَعْدَ مُدَّةٍ؛ قال بعض الفقهاء: لو عرضهم للبيع ليَختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظرهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل أو أسقط عنه القتل، وبقي مرتئياً فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ يتضمَّنَ التأمين (١) ، والله أعلم.
مسائل من مفاداة الأسرى
* مسألة:
اتفق الذين رأوا الإمام مخيراً في الأسرى على جواز مفاداة رجال الكفار ونسائهم بالمسلمين يكونون أسرى في دار الحرب، واختلفوا في جواز بيع الرجال منهم بالمال؛ فمنعه قومٌ وأجازه آخرون، وكلا القولين ممَّا قالت به طائفةٌ من المالكية (٢) ، وقال الشافعي (٣) وأبو ثور (٤) : لا بأس ببيع السَّبي؛ الرجال والنساء
من أهل الحرب منهم، وكره أبو حنيفة أن يُباع الرجال والنساء منهم فيتقوَّوا بهم،
стр. 263
وهذا منه جَرْيٌ على أصله في منع المنِّ والمفاداة كما تقدم من مذهبه (١) ، وأجاز ذلك مالكٌ من أهل الذمَّة في الرجال والنساء، وقال أحمد وإسحاق: لايباعون، صِغاراً كانوا أو كباراً من اليهود والنصارى (٢) . قال الأوزاعي (٣) : وكان المسلمون لا يَرَوْنَ بأساً ببيع السَّبي منهم، وكانوا يكرهون بيع الرجال، إلا أن يفادى بهم أسارى من المسلمين.
فوجه الجواز في الجميع: عموم قوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] ، وذلك يشمل الفداء بالأسرى والمال، وما ثَبتَ أن النبي ﷺ قَبِلَ فدية المال من أُسارى بدر (٤) ، ومما وردَ في المفاداة بالنساء؛ ماخرّجه مسلم (٥) من حديث سلمة بن الأكوع في المرأة من السَّبي، وكان نُفِلَها، فاستوهبها منه رسول الله ﷺ ، فبعث بها إلى أهل مكة ففدى بها ناساً من المسلمين كانوا أُسِروا بمكة.
وممّا وردَ في بيعهنَّ من المشركين بالمال، ماخرَّجه مالك في «موطئه» (٦) عن أبي سعيدٍ الخدري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبْنَا
стр. 264
سبياً من سَبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العُزْبة، وأحببنَا الفداء، فأردنا أن نَعْزِلَ، فقُلنا: نَعْزِلُ، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟، فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما مِنْ نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة» .
ووجه ما ذهب إليه من مَنع في الجميع -كما يقول أبو حنيفة- (١) هو ما زعم
من أنَّ في ردِّهم إليهم تقويةً للعدو، وكأنه يرى الفداء مَنسوخاً، وقد تقدَّم الرد على هذا المذهب (٢) .
ووجهُ من منع فداء الرجال بالمال خاصةً، حملُ مدلول الفداء في الآية على المفاداة بالمسلمين؛ لأن ذلك مما لا يُختلفُ في أنه يتناوله اللفظُ؛ فأمَّا فديةُ المال فلا دليل على أنَّه مرادٌ في اللَّفظ؛ لأن ظاهر الفداءِ والمفاداةِ في اللُّغة للمعنى الأول من حيثُ هو مصدر فَاعَلَ، وهو يكون غالباً فعلَ اثنين يتساويان فيه على حَدٍّ، فظاهر مدلول الفداء يقتضي أن يوجدَ في كل جانبٍ أسيرٌ يُفْدَى ويُفْدَى به، كالقتال والسِّباب ونحو ذلك، وحملوا ما وقع من فِدْيةِ المال في أسارى بدرٍ على وجوه من التعليل، من ذلك قول بعضهم: إنَّ النبي ﷺ كان عَلِمَ بإعلام الله -تعالى- إيَّاه أنه سيظهر عليهم بَعْدُ، فكان في قبولِ الفِدْية مصلحةٌ للمسلمين وتَعجيلُ نَفْعٍ، وتقويةٌ على عدوهم، ثم كأنهم بَعْدُ في حُكْمِ المأسورين بما وَعَدَ من الظهور عليهم، وفي هذا التأويل إبعادٌ، والقولُ بجواز ذلك أرجح، إلا أن يعرض في شخصٍ ما أو حالٍ أو وقتٍ أمرٌ، يكون في فِعْلِ ذلك معه ضَررٌ للمسلمين؛ إمَّا لأن الشخصَ المُفْدَى ذو دهاءٍ ومكرٍ وانتهاضٍ بالحرب، أو لأنَّ في عدد الأسرى المرجوعين إليهم من الكثرة ما يُتَّقى في ذلك الوقت من عائدته على المسلمين، وما أشبه ذلك، فيمنع بحسب العارض، لا أنه محظورٌ في الأصل، والله أعلم.
стр. 265
* مسألةٌ:
واختلفوا في جواز الفداء بأبناء الكفار الذين لم يبلغوا بَعدُ، فقيل: ذلك باطل، ولا يجوز رَدُّهم إليهم بحال، وقيل: إن كان ذلك بأسارى المسلمين جاز، وإلا فلا، وقيل: يجوز ذلك بالأسارى وبالمال، وسبب الخلاف في أصل هذه المسألة هو: هل أبناء الكفار محمولون على الكفر أو على الإيمان؟ وهي مسألة هائلة، عَظُمَ فيها القول، وكثر الخلاف، واتسع النَّظر بين العلماء، وجملة الأمر الذي عليه مدار ذلك: تأويل قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وقوله -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وقول النبي ﷺ : «ما مِنْ مولودٍ إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهميةً جَمْعَاء، هل تُحِسُّونَ فيها من جَدْعاء؟!» . خرجه مسلمٌ (١) عن
أبي هريرة، وفيه (٢) في بعض طرقه: «ما من مولود يولد إلا على هذه الملَّة، حتَّى يُبَيِّن عنه لِسانُهُ» ، وفيه (٣) في بعضِ طرقه: فقال رجلٌ: يا رسول الله! أرأيت لو مات قبلَ ذلك؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ، ونحو هذا قال في أطفال المؤمنين، فظواهر هذا كلِّه، أنه ما لم يَبلُغ؛ فيَدينُ بدين أبويه، أو يكفر ابتداءً من نفسه، إن لم
стр. 266
يكن أبواه كافرين فهو على حكم الإيمان، وهو في الجنة (١) إن مات كأطفال المؤمنين، وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم (٢) ، فهذا وجهٌ، وثَبتَ أن رسول الله ﷺ قال في أبناء المشركين يصابون في البيات والغارة: «هم من آبائهم» (٣) ، فحكم لهم في ذلك بحكم الكفر، فذهب إلى حملهم على أحكام الكفر
جماعةٌ (٤) -أيضاً-، وتأوَّلوا ظواهر ما تقدَّم، وقال أهل المذهب الأول: معنى قوله: «هم من
стр. 267
آبائهم» : إنما يُراد به نفي الحرج والإثم في إصابتهم على وجه الضرورة من غير قَصْد.
ثم اختلف القائلون بأنهم محمولون على الكفر: هل ذلك على الإطلاق في أحكام الدنيا والآخرة حتى يستوجبوا التخليد في النار؟ أو هو خاصٌّ بأحكام الدنيا؟ كرفع المأثم فيهم عن أهل البيات، والدِّية عن قاتلهم خطأ، كجواز استرقاقهم بالأسر من دار الحرب، وترك الصلاة على من مات منهم، وثبوت التوارث بينهم وبين سائر الكفار إذا كانوا أحراراً، وما أشبه ذلك من أحكام الدنيا؟
وأمَّا أحكام الآخرة؛ فإلى الله؛ فهو أعلم بما كانوا عاملين، مصيراً إلى ما وقع من ذلك في الحديث؛ فتلك ثلاثة مذاهب.
وبالجملة؛ الخوض في تفصيلِ النَّظر في المسألة، ومواقع الخلاف، وبسط وجوه الأدلة والاعتراض عليها، والتفريع عنها، فذلك له غرضٌ كبير ليس هذا مَوضعَ اسْتِقْصائه، وكأن الظاهرَ عند ترجيح الأدلَّة، والأوْلى في حَملِ بعضها على بعضٍ بالبناء على قواعد الشرع المعلومة في اختصاص وجوب التكليف بالبالغ، ورفْعِ الإثم، والاتصاف بالمعصية عن غير البالغ، يشهد لمن ذهب إلى أنهم على أحكام المؤمنين (١) ، وأنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ بكلِّ حالٍ -إن شاء الله-.
стр. 268
وأمَّا أحكام الدنيا على هذا المذهب، فما خصَّهم الشَّرعُ به من حُكمٍ فهو كما خصَّ، وما لا، فهم فيه على سائر أحكام المؤمنين، وعند ذلك يَتَّضح لك، ولا يخفى عليكَ، أن جواز فدائهم أو المفاداة بهم لا تصحُّ بحال، وعلى هذا فحكمهم أن يُجبروا على الإسلام، إذا كانوا في أيدي المسلمين، فمن أبَى منهم عُوقِبَ وأُدِّبَ ما دامَ صغيراً، فإذا بلغَ ولم يُجِبْ إلى ذلك، فحكمه حُكمُ المرتدّ، يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وأما من أجازَ فيهم المفاداةَ بالأسرى وبالمال على كلِّ حال، فإنهم غَلَّبوا الظواهرَ الدالَّةَ على إلحاقهم بالكفار، وحملوهم على أحكام الكفر؛ إما مطلقاً
-كما تقدم-، وإمَّا مُقيَّداً بأحكام الدنيا عموماً، إلا ما خصَّ الشَّرعُ من ذلك، وهو النَّهيُ عن قتلهم.
وأمّا من فرَّق فيهم بين الفديةِ والمفاداة، فكأنَّه أَشْكَلَ عليه الأمرُ فيهم؛ لِمَا وقعَ من تعارض الأدلَّة عنده، ولظاهر قوله ﷺ -وقد سُئل عمَّن مات منهم قبل البلوغ- فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) ، فاستخفَّ ذلك في المعاوضة بالمسلم الذي هو على يقينٍ من الحكم بإيمانه، ومنعه في المال، وكأن هذا أخفُّ من إباحة ذلك على الإطلاق، وكلُّ هذا الخلافِ إنما هو ما لم يُسلم أبوا الطِّفْل المسبيِّ، لقوله ﷺ : «فأبواه يهودانه وينصِّرانه ويمجسانه» (٢) ، فأمَّا إنْ أسلما فهو إجماعٌ أن للطِّفل حرمةَ الإسلام، وجميعَ أحكامه، فإن أسلم أحدهما دون الآخر
стр. 269
ففيه خلاف (١) ، وكذلك إن لم يُسلما وسُبِيَ الطِّفلُ مُفرداً عنهما فيه خلاف، وكذلك إن سُبوا جميعاً فَفرَّقتْ بينهم الأملاكُ فيه خلاف، ولا يعدو شيءٌ من ذلك المَردَّ إلى
الأصول التي قدَّمنا؛ فمن أقوال أهل العلم في هذا الباب قولُ الشافعيِّ (٢) في الصِّبيان من السَّبْي إذا كانوا مع آبائهم، فلا بأس ببيعهم من أهل الحرب منهم، ومن كان منهم ليس معه واحدٌ من أبويه فلا يباعون منهم، ولا يُفادى بهم؛ لأنَّ حُكمهم حُكم آبائهم ما كانوا معهم، فإذا تحوَّلوا إلينا ولا والدَ مع أحدٍ منهم؛ فحكمه حكم مالكه، فمذهب الشافعيِّ أنَّ حُكمَ الطفل منهم حُكمُ أبويه إن كانا معه، أو كان معه أحدهما، فإن لم يكن معه واحد منهما (٣) ، وصار في مُلكِ المسلمين؛ فحكمه حكم المسلمين، وهو قول أبي حنيفة (٤) ، وقاله أحمد بن حنبل (٥) ، وكلهم يقول: إنَّ من أسلمَ من أبويهِ؛ فالولد مسلمٌ بإسلامه، أباً كان أو أمًّا، وذكر ابن الماجشون عن أصحابه من أهل المدينة أنهم كانوا يذهبون إلى أن الطِّفلَ من السَّبي إذا كان معه
стр. 270
أبوه حُمِلَ على دين الأب، فيكون مسلماً إن أسلم أبوه، وعلى حُكم الكُفر إن ثبتَ على كفره، ولا يُعتدُّ فيهم بدين الأم على حال؛ لأنهم إلى الأب ينتسبون، وبه يُعرفون (١) . قال ابن الماجشون: هذا ما لم يُفرِّق بينهم السِّباء، فإذا فُرِّق بينهم وبين
آبائهم بالقسم أو البيع (٢) ؛ فأحكامهم حينئذٍ أحكام المسلمين في القصاص والقَوَدِ والصلاة عليهم والموارثة وغير ذلك (٣) . وقال أحمد بن حنبل (٤) في الغلام النصراني إذا أسلم أحد أبويه: هو مع المسلم منهما، سواء كان أمًّا أو أباً، حُكمه حُكْمُ المسلمِ منهما، وقال في الصَّغير إذا لم يكن معه أبواه: لا ينبغي أن يُفادى به، وهو عنده على حكم المسلمين، ولم يرَ بذلك بأساً إذا كانا معه؛ لأنه على دينهما كما تقدّم من قول الشافعي، وقال الأوزاعي (٥) : إذا كان في ملك المسلمين، فحكمه حكم أهل الإسلام؛ لأن المُلك أولى به من النَّسَب، واختاره أبو عبيد (٦) ،
стр. 271
وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلْى. وبه قال أبو محمد بن حزم (١) ، قال: «ولا يَحلُّ أنْ يُرَدَّ صَغيرٌ سُبِيَ من أرض الحرب إليهم، لا بفداءٍ، ولا بغير فداءٍ؛ لأنه قَدْ لَزِمهُ حكم الإسلام بملك المسلمين له، فهو وأولاد المسلمين سواءٌ لا فرق، قال: وهو قول المزني» . وعن مالكٍ وأصحابه في هذا الباب اختلافٌ واضطراب، فالمشهور من مذهب مالكٍ، أنَّ أبناء الكفار على دين آبائهم (٢) ، كانوا معهم أو لم يكونوا، ولا يُصلَّى على من مات منهم حتى يَعْقِلَ الإسلامَ فَيُسْلم، ويُعبِّر عنه لسانه، فإن اختلف
دين أبويه حُمل عنده على دين أبيه دونَ أُمِّه، وعلى هذا ما روى ابن نافعٍ عن مالكٍ (٣) في الصَّبيّ من السَّبْي إذا أسلم، قال: لا يُفدى به المسلم، وعن مالكٍ
-أيضاً- أنه قال: إذا سُبي أطفالهم وليس معهم أبٌ ولا أم، فلهم حكم المسلمين، ويصلَّى عليهم إن ماتوا، وأجاز مع ذلك أن يفادى بهم المسلم، وهذا اضطراب، وكأنَّه لما أشكل الأمرُ عنده حمله على الإسلام، ما لم يعترض حقَّ مسلمٍ مقطوعٍ له بحكم الإسلام، فَغَلَّب هناك حرمته في المعاوضة به، وروُي عن عبد الله بن عبد الحكم، قال: لا يباع الصغيرُ مع أمِّه من نصراني، وهذا منه تغليبٌ لحمله على الإسلام، قال ابن الموَّاز (٤) : أمَّا إذا ملكَه مسلم، فأسْتَحسنُ ذلك من غير أن أُلزمهُ إياه، وأما ما كان بيد الذِّميِّ فلا بأس بذلك، ما لم يكن للصغير أبٌ قد أسلمَ وعُرف ذلك، وهذا يدلُّ من قوله على الشَّك: في ماذا يحمل عليه أمره؟ حيث قال: أَسْتَحْسِنُ ذلك ولا أُلزمه. وعن مُطَرِّفٍ وابن الماجشون وأصبغ (٥) قالوا: لا بأس أن
стр. 272
يُفادَى الضُّعفَاءُ والنِّساءُ والصبيانُ، ما كان الجيش بأرض الحرب، أو بفورِ خروجه إلى بلاد الإسلام، فأمَّا بعد تفرُّقِهم في بلاد الإسلام وقرارهم بها، طال مكثهم أو لم يَطُلْ، فلا يفادون إلا بالأسارى من المسلمين، قالوا: ولا يُفادَى الصِّغار منهم بمالٍ إذا لم يكن معهم آباؤهم، ويفادون بالمسلمين، وفي هذا من الاضطراب نحو ما تقدَّم من قول مالكٍ في مثله.
وأمَّا تفريقهم في الفداء بالمال بين أن يكون ذلك بقربِ الخروج إلى بلاد المسلمين، أو بَعد تفرقهم فيها وقرارهم وإن لم يَطُلْ، فلا وجهَ له. وعن أشهب (١) قال: «لا بأس أن يُفادَى بصغار الرُّوم الذين لم يُثغِروا، كانوا ذوي آباءٍ وأمهاتٍ أَوْ لا، ولا يُجبروا على الإسلام، كان لهم والدان أو لا» . وهذا جَرْيٌ إلى تغليب أحكام الكفر عليهم، وهو وفاق ماقدَّمنا من مشهور مذهب مالك، إلا أن تَقْييد أشهب بالذين لم يثغروا لا أثر له، إلا أَنْ يُريد: أنْ يَعْقِلوا الإسلام فَيَتَلفَّظوا به، فيكون لهم حكمه، والله أعلم.
قال ابن الموَّاز (٢) في قول أشهب في إباحة فداء الصّغار: «إنما يُفادى بهم المسلمون، وأما بغير المسلمين فأكره ذلك» . وهذا مثل ما تقدم له هو قول من أشكل عليه أمرهم، فكره فداءهم بالمال، ورأى ذلك في المعاوضة بالمسلم المقطوع عليه خَفيفاً، وهو نحْوٌ مما ذهب إليه مالكٌ فيما تقدَّم من بعض أقواله،
وأجاز ابن القاسم (٣) أن يُباع مِنَ الرُّوم مَنْ سُبِيَ منهم من النِّساء والأولاد بعد أن صاروا بأيدي المسلمين ببلد العدو، وبعد أن بلغوا المَصِّيصَة (٤) ؛ يعني: بَعْضَ
стр. 273
ثغور المسلمين المجاورة هناك لبلاد العدوّ. قال: وإني لأتَّقيهِ في الصِّغار؛ لأنهم على دين من اشتراهم.
قوله هذا في غايةٍ من الاضطراب؛ أجاز بيعهم من العدو، وفيه تغليب حُكم الكفر عليهم، ثم شَكَّ؛ حيث قال: وإني لأَتَّقيهِ في الصِّغار، ثم قطع على الحكم لهم بالإسلام؛ حيث قال: لأنهم على دين من اشتراهم، فَجَعَلَ حكمهم في الدِّين حكم المسلمين الذين صاروا بأيديهم، فهكذا تَجِدُهم أبداً يضطربون في هذه المسألة؛ لما يظهر من تعارض أصولها التي نبَّهنا عليها، وتجاذُبِها الفروع، إذا لم يعوَّل على أصلٍ بعينه، والنَّظَر -كما قدمناه- يشهد أنَّ لأطفال السَّبْي حُكْمَ الإسلام في كل شيءٍ على الإطلاق، إلا ما خصَّه الشرعُ بيقين؛ وذلك إنما هو إباحة الاسترقاق، لا غير، وبالله التوفيق.
* مسألةٌ:
إن كان بأيدي المسلمين علوجٌ استرقُّوهم، وكان في دار الحرب أسرى من المسلمين، فأبى أهل الحرب أن يُخَلُّوا عنهم إلا بأولئك العلوج؛ قال سحنون (١) : «لا بأس أن يُجْبِرَ الإمام ساداتهم على البيع، ويعطيهم الثمن، ويفدي بهم المسلمين» ، وهذا صحيح، إلا أن ظاهر قوله: لا بأس، يُشعرُ أنَّ له سعةً في أن لا
стр. 274
يفعل، بل ذلك واجبٌ على الإمام إن هو عَجَزَ عن استنقاذهم بالقتال؛ لأنَّ افتداء المسلمين واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ -يعني:
افتداء الأسارى هو مما كتبه الله تعالى- ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني: قتالهم وإخراجهم.
وفي البخاري (١) ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «فُكُّوا العاني
-يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» . والإجماع على وجوب فَكِّ الأسير؛ ذكره أبو محمد بن حزم (٢) . وسئل مالك: أواجبٌ على المسلمين افتداء من أُسِرَ منهم؟ قال: نعم؛ أليس واجباً عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم؟ فقيل: بلى. قال: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم! قيل: أراد مالكٌ قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥] ، نزل في قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين. قال مالك: وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكلِّ ما يملكون، فذلك عليهم (٣) .
ولم يختلف العلماء في وجوب استنقاذهم؛ إما بالقتال، وإمَّا بالفداء، وإنما اختلفوا على من تكون فديتهم؛ قال ابن المنذر: رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: واعلموا أنَّ كلَّ أسيرٍ من أَسارى المسلمين، فإنَّ فِكاكَهُ من بيت مال المسلمين (٤) .
стр. 275
فظاهر قول عمر، أن ذلك لا يلزمُ الأسيرَ، وإن كان له مال، وهو ظاهر
قول مالك: فكيف لا يَفْتَدُونهم بأموالهم؟! يريد: إذا لم يكن في بيت المال شيء، ودليل هذا المذهب: ظاهرُ قول النبي ﷺ : «فُكُّوا العاني» ، فالأمر بذلك لسائر المسلمين غير الأسير، فلم يتوجه عليه من ذلك شيء، كان له مالٌ أو لم يكن.
قيل: فإن ضَيَّع ذلك الإمام والمسلمون، فعلى الأسير إن كان ذا مالٍ أن يفدِيَ نَفْسه؛ لأن إقامته تحت الكُفَّار مع إمكان التخلُّص عليه حرام. وقد قيل: إنه إذا كان له مال، فإنما تجب فديته عليه نفسه، لا يجب ذلك على غيره إلا بعدمه. قال اللَّخمي (١) : أرى أنْ يُبدأ بمال الأسير، فإن لم يكن، فبيت المال، فإنْ لم يكن، أو كان ولا يتوصل إليه، فمن الزَّكَوات، يعني: على أحد القولين عند المالكية: هل يدخلُ افتكاك الأسْرى في الرِّقاب أوْ لا؟ قال: فإن لم يكن، فعلى جميع المسلمين على قَدْرِ الأموال، إذا كان ما يُفدى به لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدوه بجميعها.
فأقول: إذا ثبت وجوبُ القتال على المسلمين لاستنقاذ الأسير، فَلَهم حالتان: حالة عَجْزٍ عن مقاومة العدوِّ في استنقاذه بالقتال، وحالة قدرةٍ على ذلك.
فأمَّا حالة العَجْز فهو مما يحتمل الخلاف المتقدم: أنْ تكون الفدية بكل حالٍ على سائر المسلمين غير الأسير؛ للأدلة التي قدَّمْنا، وأن يكون ذلك مرتباً
стр. 276
على نحو ما ذكر اللَّخمي في الابتداء به إن كان ذا مال؛ لما عَسَى أن يخصص به وجوب الفدية على المسلمين فيمن لا مال له من الأسرى.
وأمَّا حالةُ القُدرةِ على استنقاذه بالقتال، فيتركون ذلك تخيُّراً للفداء، فها هنا كان ينبغي أن لا توضع الفدية في مال الأسير بحال؛ لأنه فرضٌ واجبٌ على غيره من المسلمين، فلم يكن لهم أن يُسقطوه عن أنفسهم ببذل مال الأسير، لكن لهم الخيرة في القتال، أو بذل المال من عند أنفسهم، أو من بيت المال الذي أُعِدَّ لمصالح الإسلام.
قال ابن المنذر (١) : «أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الرجل إذا اشترى أسيراً من أسارى المسلمين من العدوِّ بأَمره بمالٍ معلوم، ودَفَع المال بأمره، أنَّ له أنْ يرجع بذلك عليه» . واختلفوا إن اشتراه بغير أمره؛ فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأحمد وإسحاق وغيرهم: يَأْخُذُ منه ما اشتراه به (٢) ،
وقال الشافعي والثوري: لا شيء على الأسير من ذلك إذا كان بغير أمره (٣) .
стр. 277
قال ابن المنذر (١) : وبه نقول؛ لأنه متطوعٌ بالشراء، وقال: وفيه قولٌ ثالث: أن الأسير إذا كان موسِراً، دَفعَ ذلك إلى المشتري، وإن كان مُعْسِراً ففي بيت مال المسلمين، فإنْ لم يفعل ذلك السلطان، كان ديناً عليه؛ قاله الليث (٢) .
واختلف أهل العلم إذا لم يَقْبَلْ أهلُ الحرب في فِدْية الأسير إلاّ الخيل والسلاح، أو الخمر والخنازير، ونحو ذلك مما هو محظور، فأجازه قوم ومنع (٣) قوم (٤) ، وكان ينبغي أن يقال: إنّ إجازة ذلك أو منعه راجعٌ إلى اختلاف الحال، فإن كان ذلك مع قدرة المسلمين على استنقاذهم بالقتال، فلا ينبغي الإجابةُ إليه؛ لأنه محرَّم لم تَدعُ إليه ضرورة، إنما يُفعلُ للرفاهية عن القتال، وإن كان ليس للمسلمين بهم طاقة، جاز؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
*****
стр. 278
مسائل من الاسترقاقِ والوطء بملك اليمين
* مسألة:
اتفق أهل العلم فيما ملكه المسلمون من سبايا الكفار فأَسلمنَ، أنَّ وطء من أَسْلمَ منهنَّ ولم يكن لها زوج، أو كانَ فقُتِلَ، حلال لسيدها بملك اليمين، من أي أصناف الكُفْر كانت؛ كتابية أو وثنيَّة إذا هي أَسْلَمتْ واستُبرئت، واختلفوا إذا هي بَقِيَتْ على دينها ولم تُسْلِمْ؛ فمنعت طائفة وطأها عموماً، وأباحته طائفة عموماً، وفَرَّقت طائفةٌ -وهم الجمهور- بين أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى وبين الوثنيات، وسبب الخلاف تعارض الأدِلَّة في ظواهر الآي، فعموم قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، يَتضمَّن المنع من الجميع عندَ من جعلَ لفظ «الإشراك» عامًّا في أصناف الكفر، وهو موضع خلافٍ بين أهل العلم، وأما لفظة «النكاح» فعامٌّ في الوطء بأصلِ اللغة، يتناول ملك اليمين والزوجات، أعني: أنه موضوعٌ على الجماع، وإنما يُستعمل في العَقْدِ اتِّساعاً (١) ، فهذا مذهب، وعموم قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥-٦] ، يتضمَّن إباحة كُلَّ مملوكةٍ لمالكها، مسلمةً كانت أو كافرةً، كتابية أو غَير كتابية، فهذا مذهبٌ ثانٍ. وأما الذين فَرَّقوا بين الكتابيَّات وغيرهن، فإنهم حملوا قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] على أنه فيما سوى الكتابيات، بدليل النصِّ على إباحة تزوج الكتابيات في قوله -تعالى-: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وبدليل وجود التفريق من الشرع في هذه الصِّفة، -أعني: الشرك بين أهل الكتاب وغيرهم- في مواضع من القرآن، قال الله -تعالى-: ﴿مَّا
стр. 279
يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، وقال -تعالى-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ... ﴾ [البينة: ١] ، ومثل ذلك في القرآن كثير، فمن خصَّص في الآية المشركات بمن عدا أهل الكتاب؛ أخرجهنَّ بذلك من عموم ما أُبيح بملك اليمين، وبقي سائرهنَّ على الإباحة، وهذا المذهب أظهر، والله أعلم، وبه قال مالكٌ (١) والشافعيُّ (٢) وأبو
حنيفةَ (٣) وجمهور العلماء (٤) ، وبسطُ النَّظَر في ذلك بالاعتراضِ على الأدلَّة، والاحتجاج في ذلك مُفصَّلاً، والفرق بين التزويج والتَّمليك في هذا الباب يطول، وإنما الخاص بذكر ذلك كتاب النكاح، وليس هذا موضعاً له، إنما نبَّهنْا منه على ما يَمسُّ كتاب الجهاد من وجوه التصرَّف في الأسرى، وبالله تعالى التوفيق.
* مسألة:
اختلف أهل العلم في الكتابية إذا سُبيتْ وهي تحت زوجٍ: هل ذلك مما يَفسخُ نكاحها، ويحل لمالكها وطؤها بعد استبرائها، أوْ لا يَنفسخُ بذلك، وتكون عنده على حكم ذات الزوج، فلا يحلُّ له وَطْؤُها؟ فذهب جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن السَّبيَ مؤثر في إزالة عِصمَتِها، وإباحة وطئها لمالكها؛ على ما نُفَصِّله عنهم (٥) ، ودليلهم قول الله -تعالى- في
стр. 280
تعيين ما حُرِّم من النساء ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، قالوا: المحصنات هنا ذوات الأزواج؛ حرَّم الله نكاحهن، إلا ما ملكت أيمانكم، أي: ما سَبيتُموه منهنَّ، فهُنَّ لكم حلالٌ بملك اليمين، وفي تأويل الآية خلافٌ وأقوالٌ غيرُ هذا، ويتأيَّد هذا التأويل بما خرّجه مسلم (١) ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أن رسول الله ﷺ يوم حُنين بعثَ جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوّاً فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنَّ من المشركين، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، أي: فهنَّ لكم حلال إذا انقضت عِدَّتهن،
وتظاهر على هذا القول تفسير كثيرٍ من أهل العلم واختيارهم.
وروى إسماعيل القاضي عن محمد بن علي ابن الحنفيَّة مثله في سَبْي أوطاس، ورُوي القول بذلك عن ابن عباسٍ (٢) ، وابن مسعود (٣) ، وقاله إبراهيم (٤) ، والشعبي (٥) ، والحسن (٦) ، وجماعةٌ غيرهم (٧) .
стр. 281
وذهب قومٌ إلى المنع من ذلك، ولم يَروْا السِّباء مُزيلاً لِعصْمةِ الزَّوجية، وحملوا الآية على تأويلٍ غير هذا، وقال أبو محمد بن حزم (١) ببقاء الزوجية، والمنع من استباحتها، إلا أن تُسلم، فالإسلام يفسخ نكاحها، ليس السِّباء، وخصَّص الآية بهذا المعنى.
والأرجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء من الأثر في سبب نزول الآية، وذلك يرفع الإشكال فيما تحتمله من وجوه التأويل.
ثمَّ اختلف الذين أباحوهنَّ: هل السِّباء مُطلقاً يَفسخُ نكاحها، أو ذلك بشرط أن تُسْبَى المرأة وحدها، ويبقى زوجها في دار الحرب؟ وأما إن سُبيَا معاً، فنكاحهما ثابت، وإصابة السَّيِّد لا تحلُّ؟ فقال بالإباحة مُطلقاً: الشافعي (٢) ، وقال بالشرط: أبو حنيفة (٣) ، ولأصحاب مالكٍ في ذلك اختلاف، والأرجح -إن شاء الله-
ما ذهب إليه الشافعيُّ، وممن (٤) قال بمثله من المالكية، منهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وغيرهم (٥) ؛ لأن التَّفرقة في ذلك بين سبائها مُفردةً، ومع زوجها، لا يوجد عليه دليلٌ مَرْضيٌّ.
*****
стр. 282
الباب السادس
في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح ؟
قال الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] ، وقال -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] ، وقال -تعالى-: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] .
وخرَّج مسلم (١) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدراً من أمير عامّةٍ» .
البخاري (٢) ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قتلَ مُعاهداً لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً» .
أبو داود (٣) ، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل مُعاهداً في
стр. 283
غير كُنهه، حرَّم الله عليه الجنة» .
وفيه (١) عن عَمرو بن عَبَسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان
стр. 284
بينه وبين قوم عهدٌ، فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» . وخرَّجه الترمذي كذلك، وقال فيه: حسنٌ صحيح.
قوله: «ينبذ إليهم على سواء» ؛ أي: يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم، وإن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع، فيكون الفريقان في ذلك على السواء.
وقوله في حديث أبي بكرة: «من قتل معاهداً من غير كُنْهه» ؛ معناه: في غير وجهه ووقته. وفي معنى آخر: كنه الشيء: غايته.
وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم الخيانة فيه، ثم اختلفوا فيما يشترط في صفة من يصح منه عقد الأمان، فنذكر ذلك أولاً، ثم نذكر صفة التأمين، وما به يقع من قولٍ أو عملٍ، ثم ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان، ثم انقسام عقود الأمان في الخصوص والعموم، وما لكل واحدٍ منهما من الأحكام -إن شاء الله تعالى-، وبه التوفيق.
стр. 285
فصلٌ: في صفة من يصح منه عقد الأمان
اتفق أهل العلم على أن الحُرَّ البالغ العاقل إذا أمَّنَ؛ صحَّ تأمينه (١) ، واختلفوا في العبد والمرأة والصبي؛ إذا كان يعقل الأمان.
فأما المرأة؛ فجمهور أهل العلم على أن أمان المرأة الحرة جائزٌ كالرجل، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وابن حنبل، وإسحاق، وداود، وغيرهم (٢) .
وذهبت طائفة إلى أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، رُوي عن خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص ما يدلُّ على ذلك (٣) ، وبه قال من أصحاب مالك: