← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وذهب قومٌ إلى المنع من ذلك، ولم يَروْا السِّباء مُزيلاً لِعصْمةِ الزَّوجية، وحملوا الآية على تأويلٍ غير هذا، وقال أبو محمد بن حزم (١) ببقاء الزوجية، والمنع من استباحتها، إلا أن تُسلم، فالإسلام يفسخ نكاحها، ليس السِّباء، وخصَّص الآية بهذا المعنى. والأرجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء من الأثر في سبب نزول الآية، وذلك يرفع الإشكال فيما تحتمله من وجوه التأويل. ثمَّ اختلف الذين أباحوهنَّ: هل السِّباء مُطلقاً يَفسخُ نكاحها، أو ذلك بشرط أن تُسْبَى المرأة وحدها، ويبقى زوجها في دار الحرب؟ وأما إن سُبيَا معاً، فنكاحهما ثابت، وإصابة السَّيِّد لا تحلُّ؟ فقال بالإباحة مُطلقاً: الشافعي (٢) ، وقال بالشرط: أبو حنيفة (٣) ، ولأصحاب مالكٍ في ذلك اختلاف، والأرجح -إن شاء الله- ما ذهب إليه الشافعيُّ، وممن (٤) قال بمثله من المالكية، منهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن حبيب، وغيرهم (٥) ؛ لأن التَّفرقة في ذلك بين سبائها مُفردةً، ومع زوجها، لا يوجد عليه دليلٌ مَرْضيٌّ. *****

стр. 282

الباب السادس في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح ؟ قال الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] ، وقال -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] ، وقال -تعالى-: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] . وخرَّج مسلم (١) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدراً من أمير عامّةٍ» . البخاري (٢) ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قتلَ مُعاهداً لم يرحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً» . أبو داود (٣) ، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل مُعاهداً في

стр. 283

غير كُنهه، حرَّم الله عليه الجنة» . وفيه (١) عن عَمرو بن عَبَسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان

стр. 284

بينه وبين قوم عهدٌ، فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يحُلَّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» . وخرَّجه الترمذي كذلك، وقال فيه: حسنٌ صحيح. قوله: «ينبذ إليهم على سواء» ؛ أي: يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم، وإن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع، فيكون الفريقان في ذلك على السواء. وقوله في حديث أبي بكرة: «من قتل معاهداً من غير كُنْهه» ؛ معناه: في غير وجهه ووقته. وفي معنى آخر: كنه الشيء: غايته. وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم الخيانة فيه، ثم اختلفوا فيما يشترط في صفة من يصح منه عقد الأمان، فنذكر ذلك أولاً، ثم نذكر صفة التأمين، وما به يقع من قولٍ أو عملٍ، ثم ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان، ثم انقسام عقود الأمان في الخصوص والعموم، وما لكل واحدٍ منهما من الأحكام -إن شاء الله تعالى-، وبه التوفيق.

стр. 285

فصلٌ: في صفة من يصح منه عقد الأمان اتفق أهل العلم على أن الحُرَّ البالغ العاقل إذا أمَّنَ؛ صحَّ تأمينه (١) ، واختلفوا في العبد والمرأة والصبي؛ إذا كان يعقل الأمان. فأما المرأة؛ فجمهور أهل العلم على أن أمان المرأة الحرة جائزٌ كالرجل، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وابن حنبل، وإسحاق، وداود، وغيرهم (٢) . وذهبت طائفة إلى أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، رُوي عن خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص ما يدلُّ على ذلك (٣) ، وبه قال من أصحاب مالك:

стр. 286

عبد الملك بن الماجشون، وسحنون (١) . فالحجة للجمهور: عموم ما تقدم من آي القرآن في الأمر بالوفاء والنهي

стр. 287

عن الخيانة مطلقاً، وما خرَّجه البخاري (١) عن عليٍّ قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن، وما في هذه الصَّحيفة، قال النبي ﷺ : «المدينة حرامٌ، ما بين عائِرٍ إلى ثور (٢) ، فمن أحدثَ حَدثاً، أو آوى مُحدثاً؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لايُقبلُ منه عدلٌ ولا صَرف، وذمَّة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، فمن أخْفرَ مُسلماً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صَرفٌ ولا عَدْلٌ» . فالمرأة داخلة في قوله ﷺ : «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» . وحديث أم هانىء؛ خرّجه مالكٌ في «موطئه» ، والبخاري، وغيرهما (٣) ، وخرّجه أبو داود (٤) مختصراً، عن ابن عباسٍ قال: حدثتني أم هانىء بنت أبي طالب، أنها أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، قال: «قد أجرْنَا من أجَرْتِ، وأمَّنَّا من أمَّنتِ» . وخرَّج -أيضاً- (٥) عن عائشة قالت: «إن كانت المرأة لَتُجير على المؤمنين

стр. 288

فيجوزُ» . وهذا نصٌّ في ذلك. وخرَّج الترمذي (١) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم» ، يعني: تجير على المسلمين. قال فيه: حسن غريب. ومستند من منع تأمين المرأة يحتمل أن يكون لأنها ليست من أهل القتال، فلم يكن لها تصرف في الأمان، وتأويلهم في حديث أم هانىء، قالوا: لو كان تأمينها جائزاً على كل حالٍ دون إذن الإمام؛ ما أراد عليٌّ قتل من أمَّنتْهُ، وهو قد حرُم بتأمينها دمُه. قالوا: ولو كان كذلك؛ لقال رسول الله ﷺ في الجواب عن ذلك قولاً مُسْتقلاًّ يعمُّ أمانَ النساء، وإنما جاوبها على الخصوص في ذلك، إنما قال: «قد أجَرنا من أجرتِ، وأمَّنَّا من أمنتِ» ، فهو دليل على أن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام أو ردِّه، وذلك من تأويلهم واستدلالهم ضعيف، لا يُقْدَمُ بمثله على ردِّ الأخبارِ الثابتة. وأيضاً، فيقال في الردِّ على ما أوَّلوه من حديث أم هانىء: أمَّا عليٌّ ﵁، فيحمل على أنه لم يكن بَعْدُ عَلِمَ الحكم في ذلك حتى علَّمه رسول الله ﷺ ، الذي بعثه الله مبيِّناً ومعلِّماً للناس أجمعين. وأما قوله ﷺ : «قد أجرنا من أجرتِ، وأمَّنا من أمنتِ» ، ولم يقل قولاً يعمُّ أمان جميع النساء، فهذا لا يلزم؛ لأن في غير هذا الحديث ما يدلُّ عليه، وأما هنا

стр. 289

فيحتمل أن يكون النبي ﷺ قصد تأنيسها بما لها في تخصيص الخِطاب بذلك من اللُّطف بعد الطَّاريء عليها من الاستحقار لتأمينها، وكان ﷺ بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، والقاطع في هذا قوله ﷺ : «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» (١) ، وغير ذلك من الآثار الثابتة في الباب. فصلٌ وأما العبد، فذهب مالكٌ، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود؛ إلى جواز تأمينه كالحرِّ (٢) ، وقال أبو

стр. 290

حنيفة: أمانُه غير جائز، إلا أن يكون العبد فيمن يقاتل، وهو قول أبي يوسف، وخالفهما محمد بن الحسن، فقال بقول الجماعة (١) ، ويُحْكَى مثل قول أبي حنيفة

стр. 291

عن سحنون من أصحاب مالك (١) . فالحجة فيما ذهب إليه الجمهور من جواز تأمين العبد: عموم آي القرآن في إيجاب الوفاء، وتحريم الخيانة، وقوله ﷺ : «ذِمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً؛ فعليه لعنة الله» ، فالعبد المسلم داخل في ذلك من غير إشكال، ووجه المنع عند من لم يُجِزْهُ؛ قال الباجي (٢) : إنه محجورٌ عليه، فلم يَجُزْ تأمينه، كالطِّفل، والذي لا يَعقل، وتمامه أن يُقال: فإذا أذن له فقاتل ارتفع المانع؛ فجاز، وهذا كله ضعيف جدّاً. فصلٌ وأما الصبي، فلا وجه للقول بجواز تأمينه، وإن عقل الأمان؛ لأنه غير مخاطب بأفعاله، وأقوالُه غير معتبرة (٣) .

стр. 292

وقد رُوي عن ابن القاسم جواز تأمينه إذا عقل الأمان، وعن سحنون قال: إن أجازه الإمام في المقاتلة جاز تأمينه (١) ، وكل ذلك بعيدٌ لا أصل له، ولو جاز مثل

стр. 293

هذا لجاز أمان المجنون، لكن الأوْلى في تأمين الصبي إن نزلَ عليه الحربيُّ يَظُنُّه عاملاً عند المسلمين أن ينظر فيه الإمام، فإن رأى إجازته وإلاَّ ردَّه إلى مأمنه، وكذلك كل تأمينٍ وقعَ فيه غَلَطٌ على المسلمين، أو فسادٌ في العقد، أو كان ممن لا يجوز تأمينه، فإذا فسخ ذلك، رُدَّ الحربي إلى مأمنه، ولا يُغتال؛ للعلة التي نذكُرها بَعْدُ -إن شاء الله-، في صفة التأمين، ووجوب الوفاء به. فصلٌ الذِّميُّ يكون مع المسلمين، فيجير مشركاً؛ فذلك باطلٌ لا حكم له، لأن التأمين الذي يلزم المسلمين الوفاء به؛ هو: ما عقدوه، أو عقده واحدٌ منهم؛ يدل على ذلك ظواهر الكتاب والسنَّة، ومن جهة النظر أنه كافر، غير مأمونٍ في الدِّين، ولا ناصحٍ لجماعة المسلمين، فلم يلزمهم تأمينه، كالحربي. وأما قوله ﷺ : «ذمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً؛ فعليه لعنة الله» ، فهو كالنصّ أن ذلك لا مدخل فيه لكافر، وأيضاً فهو مما لا خلاف فيه، إلا شيء وقع لقومٍ لما خشوا بعض الأمر، فتحرَّجوا منه. حكى ابن المنذر: قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي، والمعاهد، فإن أجاروا فالإمام مخيَّرٌ، فإن أحبَّ أمضى جوارهم، وإنْ أحبَّ ردَّه، فإن أمضاه فهو ماضٍ، وإن لم يمضه، يعني: ردَّه إلى مأمنه. قال ابن المنذر: وقد رُوينا عن الأوزاعي أنه قال: إن كان غزا مع المسلمين، فإن شاء الإمام أجاره، وإن شاء ردَّه إلى مأمنه (١) . وفي كتب المالكية (٢) ، عن ابن

стр. 294

القاسم، في الحربيِّ ينزل على أمان الذِّمِّي، يقول: ظننتُ أنه مسلمٌ، فقال مَرَّةً: لا سبيل إليه، وأمره إلى الإمام، إن أحبَّ أتم له عهده، وإلا ردَّه إلى مأمنه، وقال مَرَّة: لا أمان له، وهو فَيءٌ للمسلمين، علم أنه ذمي أو لم يعلم، ولم يعذره هو ولا غيره من أصحاب مالك إذا علم أنه ذمي، وقال: ظننتُ أن له جواراً لموضع ذمتكم، قالوا: لا أمان له، وقد صار فيئاً (١) ، ورأى اللَّخمي ذلك مشكلاً، فقال: يُردُّ إلى مأمنه -أيضاً-. * مسألة: اختلفوا فيما به يثبت تأمين من زعم من المسلمين أنه أمَّن مشركاً؛ فقال الأوزاعي (٢) : إذا قال رجلٌ من المسلمين: إني قد أمنتهم؛ جاز أمانه عليهم، فإن رسول الله ﷺ قال: «ويعقد عليهم أدناهم» ، ولم يقل: إن جاء على ذلك ببيِّنة؛ وإلا؛ فلا أمان له؛ لأنه أخبر عن نفسه. وإليه ذهب من أصحاب مالك: ابن القاسم وغيره (٣) . وقال أبو حنيفة (٤) : إذا صاروا في الغنمية وقال رجل: قد كنت أمَّنتهم قبل أن يؤخذوا، لم يصدق على ذلك، كأنه يريد: من حيث تعلق حقِّ أهل الغنيمة بهم، فلم يكن اعترافه عاملاً عليهم، ومُتْلِفاً ما وجب لهم، وإليه ذهب سحنون، وقال الشافعي (٥) : يقبل قوله فيهم قبل أن يصيروا في أيدي المسلمين، فإن صاروا في

стр. 295

أيدي المسلمين؛ لم تقبل شهادة الرجل على فعل نفسه، ولكن إن قام شاهدان على أن أحداً من المسلمين أمَّنهم قبل أن يصيروا أسرى؛ فهم آمنون أحرارٌ، قال: وإذا أبطلنا شهادة الذي أمَّنَهُم، فحقه منهم باطل، لا يكون له أن يملكه، وقد زعم أن لا ملك له عليه (١) . فصلٌ: في صفة التأمين وما به يقع من قولٍ أو عمل قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] ، وقال -سبحانه-: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ١٩-٢٠] . وعن أبي وائلٍ قال: كتب إليَّ عمر بن الخطاب فقال: «وإذا لقي الرجلُ الرجلَ فقال: مَتَّرْسْ؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تخف؛ فقد أمَّنه، وإذا قال: لا تدْهل، فقد أمَّنه، إن الله يعلم الألسنة» (٢) .

стр. 296

قيل: معنى مَتَّرْس -بالفارسية-: لا تخف، وكذلك: لا تدْهل -بالقبطية- بمعنى: لا تخف. وروى ابن المنذر (١) مسنداً إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه على ذلك، فقتله؛ لقتلته به» . وروى عبد الملك بن حبيب: حدثني الأوسي وعليُّ بن مَعبد، عن إسماعيل ابن عيَّاش، عن الأحوص بن حكيم، أن عمر بن الخطاب كتب: «أما بعد؛ فإن أشار رجلٌ إلى عدوه بيده إلى السماء، فقال: والله لئن نزلتَ لأقتلنك، فنزل على ذلك فلا يقتله، فإنَّما نزل حين أشار بيده إلى السماء، وذلك عهده» (٢) .

стр. 297

وقال مالك والشافعي وغيرهما: الإشارة بالأمان أمان. قال ابن المنذر (١) في الإشارة التي تُفْهِمُ الأمانَ: إنما تقوم مقام الكلام، استدلالاً بأن النبي ﷺ قد أشار إلى الذين كانوا خلفه في الصلاة بالقعود فقعدوا. وقال عن الشافعي (٢) (٣) في الذي يشير: «إذا قال: لم أؤمنهم بها، فالقول قوله، وإن مات قبل أن يقول شيئاً، فليسوا بآمنين إلا أن يُحْدِث (٤) لهم الوالي أماناً، وعلى الوالي إذا مات قبل أن يُبيِّن، أو قال -وهو حي-: لم أُؤَمِّنهم، أن يردهم إلى مأمنهم وينبذ إليهم» . وقال الأوزاعي: إذا قال له: قف، أو قُم، أو ألقِ سلاحك، ونحو هذا بلسانه، أو بالعربية، فلا قتل عليه، ويُباع، إلا أن يدعي أماناً، ويقول: إنما رجعتُ أو وقفتُ لندائك، فهو آمن، وقال في رجلٍ قال لعلجٍ، وهو في حصنه: اخرج، فخرج، قال: لا يعرض له، وقال: أَجْرِ كلَّ شيءٍ يرى العلج أنه أمان فهو أمان، ونحوه يقول إسحاق. وأصحاب الرأي يقولون: من قال لحربي: أنت آمن، أو: لا بأس عليك، أو قال له -بالفارسية-: مَتَّرْس، أو: قد أمِنْتَ، فهو آمن في ذلك كله (٥) .

стр. 298

فإذا تقرر من مستند الشرع وأقوالِ العلماء في ملاحظة ثبوت الأمان: مراعاة ما دلَّ عليه من قولٍ أو إشارة أو استشعار؛ فأقول: كلُّ لفظٍ على أي لغةٍ كان، واصطلاحٍ حدث، أو كتابة بأي خطٍّ في مثل ذلك، مما اصطُلح عليه، أو إشارةٍ ورمزٍ ونحو ذلك مما يُتفاهم بمثله، يُشْعِرُ به المسلمُ الحربيَّ أماناً، أو يستشعر منه الحربي الأمان، سواء أراده المسلم أو لا، فهو أمانٌ في الحال، مما وافق ما قصده المسلم من ذلك، ولم يكن فيه وجه من وجوه الفساد، ويجب إمضاؤه والوفاء به إلى غايته، وما لم يكن مراده منه التأمين، إلا أن الحربي نزل على ذلك مُستشعراً فيه أماناً، وجب فيه ردُّ الحربي إلى مأمنه، ثم يعود الأمر معه على أوَّله، ولا يحل اغتياله على هذا الوجه بحال، والدليل على صحة هذا الحدِّ: أن ما كان من الأقوال المتعارفة في ذلك، فلزومه مما لا إشكال فيه، وكذلك على كلِّ لغة؛ لأن ذلك لا يلزم في اللسان العربي لخاصية أنه عربي، لكن من حيث هو وُضِعَ في التخاطب لإفهام الأمان، فكذلك سائر الألسنة (١) . وأما الكتابة، وما يَجْرِي مجراها من الإشارة ونحوها، فكلُّ ذلك من باب الإصطلاح والإفهام، لا فرق بينه وبين الكلام، والحكم في ذلك للمعنى والإفهام، لا لمجرد اللفظ، وفيما ثبت من كتب رسول الله ﷺ إلى ملوك الكفر يدعوهم إلى الإسلام، وإشارته -كما تقدم- لأصحابه في غير ما موضع، وإشارةِ التي رضخها اليهودي بالحجارة، فأشارت إليه ﷺ برأسها، وقد سألها عن قاتلها: أن لا، حتى سألها الثالثة، فقالت: نعم؛ وأشارت برأسها؛ فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين.

стр. 299

خرَّجه مسلم (١) . كل ذلك دليل واضح وحجة بيِّنةٌ في إمضاء الشرع العمل على مفهوم ذلك كلِّه، وأما لزوم ذلك، وإن لم يُرِدْ المسلم به الأمان إذا ظَنَّه الحربي أماناً؛ فلأنه فعل ما يوهم الأمان، فكان سبباً لاطمئنان الحربي إليه، فَثَبَت له بذلك حُرمة الأمان، فأمَّا أن يُمْضِيَ له ما ظنّ من ذلك، أو يُردَّ إلى مأمنه، ولا يهجم -بعد ظنه الأمان واطمئنانه إلى ذلك- على قتله أو أسرِه، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] ، فأمر الله -تعالى- أن يُعْلَموا برفض ما كانوا يعتقدونه من صِحَّة عهدهم وثبوت أمانهم، ولم يُبح اغتيالهم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وأخذ حذرهم، فكان ذلك أصلاً في كل مستشعرٍ من أهل الكفر أماناً من المسلمين؛ اطمأنَّ إليه، أو نزل عليه. وأيضاً؛ فالذي يشير بما يشعر الأمان، أو يفعل ما يُستقرأ منه الأمان، وهو لا يريده، فله حالتان: * إما أن يكون لاهياً غير قاصدٍ لإشعار التأمين، فهو وإن لم يلزم به التأمين مُطلقاً، فلم يخلُ عن شبهةٍ، فهو سبب انبعاث الاطمئنان إليه، فعهدة ذلك على المسلم حيث سَبَّبه، لا على الحربي، فوجب أن يُزال ذلك بالردِّ إلى مأمنه. * وإمَّا أن يكون فعل ذلك ذاكراً وهو لا يريد تأمينه حقيقة، وإنما يُريد أن يوهمه حتى يتمكن منه، فهذا هو عين الخيانة والغدر المحرم باتفاق، ولذلك توعد في مثله عمر بن الخطاب ﵁ بما توعَّد (٢) ، ولا خلاف يعلم بين المسلمين في تحريم ذلك، ونحن نبيِّن -إن شاء الله- وجه الفرق بين

стр. 300

الخديعة الجائزة في الحرب، وما يُشكل من الأمان الذي لا تجوز الخديعة بمثله، ثم نُعقب ذلك بذكر مسائل عن الفقهاء في عوارض الأمان، يرجع عقدها وملاكُها إلى الحدِّ الذي ذكرناه بحول الله -تعالى-. فصلٌ: في بيان ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان خرَّج مسلم (١) ، عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرب خُدعة» . أبو داود (٢) ، عن كعب بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد غزوةً ورَّى غيرها، وكان يقول: «الحرب خدعة» . البخاري (٣) ، عن كعب بن مالكٍ قال: كان رسول الله ﷺ قلَّما يريد غزوةً يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تبوك، فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومَفَازاً، واستقبل غزو عددٍ كثير؛ فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد. فالخديعة والمكر في الحرب بطريق الإدارة والتدبير، من العمل المشهور، والسُّنَّة الثابتة، لكن ربما التبس على بعض من رأينا أحوال يظنها من باب الخديعة الجائزة في الحرب، وهي قد تكون مما يَتَضَمَّنُ الأمان الذي لا يسوغ أن يُخفر،

стр. 301

فرأينا أن نُنَبِّهَ على فَرْقٍ بينهما. فنقول: إنه لما ثبت وجوب الوفاء، وحظر الغدر، وتقرَّر في حد الأمان الأوصاف المقيدة في (فصل التأمين) قبل هذا، وثبت مع ذلك من قول النبي ﷺ في إباحة الخديعة في الحرب، وفعله في ذلك ما ذكرناه؛ انقدح وتبين أن الخديعة المباحة: هي كل ما يرجع إلى إجادة النظر في تدبير غوامض الحرب، وإدارة الرأي فيه بما يوهم العدو الإعراض عنه، أو الغفلة دونه، وما أشبه ذلك من التقدم بكل ما يقع به توهينُ العدو، أو تلتمس فيه غِرَّتُه، وإصابة الفرصة منه على وجهٍ لا يوهمُ الأمان، ولا يتضمن الإشعار بالأُنس إليه على حال، فيدخل في ذلك التورية والتبييت وتشتيتٌ بينهم، ونصبُ الكمين، والاستطراد حال القتال؛ لانتهاز فرصة الكرِّ، وما أشبه ذلك، مما يرجع الأمر فيه إلى ما حَرَّرْناه، وليس من ذلك أن يظهر لهم أنه منهم، أو على دينهم، أو جاء لنصيحتهم، فإذا وجد غفلةً نال منهم، هذا داخلٌ في باب الأمان؛ لأنَّ العدو يَستشعر منه الموادعة والموالفة، فيسكن إليه، فالإيهام عليه بمثل ذلك لا يجوز، وهو خيانةٌ -كما تقدم-. ونُكتة الفرق أن اطمئنانه في هذا وأمثاله -مما قلنا: إنه يكون من باب الأمان-؛ إنما سبيله استشعار المسالمة والموالفة، فهو يستنيم إلى ما يعتقده فيه من الوفاء في ذلك؛ ثقةً به، وبما أظهر إليه مما يدلُّ عليه، فلم يؤت هذا من تَقَلُّبِهِ، بل من خَتَرِ الآخر فيما أظهر من الموالفة (١) ، وارتكب من الخيانة، وفي أبواب المكر والخديعة إنما كان اطمئنانه لغفلةٍ من نفسه، أو جهلٍ في استشعار الغفلة، والتقصير من الآخر، وما أشبه ذلك، مما ترجع العهدة فيه على سوء نظره، من غير خيانة تلحق الآخر في أمره، وهذا بيِّن، والحمد لله. ولِتَمَثُّلِ مسألةٍ تكون بظاهرها من باب الأمان تارةً، ومن المكيدة الجائز فعلها تارةً، ولا فارق إلا اختلاف عوارض اطمئنان العدوِّ على القانون الذي

стр. 302

رسمناه؛ وذلك: لو أن رجلاً من المسلمين أبصر حربياً في جهةٍ ما من بلاد العدو أو غيرها، فتظاهر المسلم بإلقاء السلاح، وأقبل على جهة الحرب، مُظهراً له أنه رآه، فقصده مستسلماً أو مُسْتَنيماً إليه، ونحو هذا، فاطمأن الآخر إلى ذلك، حتى أصاب المسلمُ غرَّته، فهذا لا تجوز به الخديعة، وهو أمانٌ، ولو أنه عندما رآه فعل -أيضاً- من إظهار الاستنامة، ووضع السلاح، والإقبال إلى جهة ذلك الحربي، مِثل ما فعل في الأولى، إلا أنه فقط يُظهر أنه غافلٌ عن الحربي، ومُعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه فقصده مسالماً، لكن يوهم أنه ما شَعَرَ بمكانه، وإن فِعْلَه ذلك فِعْلُ المستريح من حالة حمل السلاح، إذا أمن في موضع، ونحو ذلك، حتى اطمأنَّ الحربي لما توهم من غفلةٍ عنه، لا لموادعة اسْتَشْعَرَ (١) منه لكان هذا جائزاً، وهو تورية ومكيدةٌ لا تتعلق بها خيانة، ولا للأمان حُرمة، والله أعلم. فصلٌ فإن اعترض معترضٌ على هذا الأصل بقتل كعب بن الأشرف، وظاهره جواز قتل من اطمأن إليه، بعد إظهار المسالمة والموالفة؛ كما خرَّج مسلم (٢) ، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» . قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتله؟ قال: «نعم» . قال: ائذن لي فلأقُل، قال: «قُلْ» ، فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهم، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقةً، ولقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضاً والله لَتَمُلُّنَّه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أيِّ شيءٍ يصير أمره ... الحديث. إلى قوله: فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه. فلأهل العلم في ذلك أقوال؛ منها:

стр. 303

أن قتل كعب بن الأشرف قد كان وجب -لما آذى الله ورسوله- وجوب الحدود التي لا تندفع بالتأمين، بل يجب إقامتها بكلِّ سبيلٍ، ولهذا نبَّه عليه بقوله ﷺ : «فإنه قد آذى الله ورسوله» ، ويقال: كان كعب -لعنه الله- ممن لهج بسب رسول الله ﷺ وهجائه، وفاعل ذلك يُقتل على كل حال، سواءٌ كان يُظهر الإسلام ويدَّعيه، أو كان كافراً مستأمناً، لا يعصمه شيء من ذلك عن القتل، إلا أن يُبادر فيُسلم إن كان كافراً (١) ، ويُروى نحو هذا أو بعضه عن الطبري، وقيل: إنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبَّه، وكان عاهد أن لا يُعين عليه أحداً، فجاءه مع أهل الحرب معيناً عليه، فوجب أن يُغْتالَ كالحكم فيمن نقض وقاتل، وإليه ذهب المازري (٢) ،

стр. 304

وقال: وقد أشكل قَتْلُه على هذه الصِّفة على بعضهم، ولم يعرف هذا الوجه. ويحتمل عندي أن يُقال: إنه مع ذلك أمرٌ خاص، وحُكمٌ من الله -تعالى- عدلٌ، أذن فيه -تعالى- لرسوله ﷺ ، فهو خاصٌّ لا يتعدى إلى غيره، ومما يدل على هذا المذهب، ما وقع في الحديث من قوله: ائذن لي فلأَقُل، قال: «قُل» ، فأتاه، فقال: إنَّ هذا الرجل قد أراد صدقةً، وقد عنَّانا، ... إلى آخر قوله. وهذا قولٌ له ظاهر الكفر (١) ، ولا يحل لمسلمٍ التلفظ به، ولا الخديعة في الحرب مثله، إلا أن يأذن الله لأحدٍ بعينه، في شيءٍ بعينه، كما أذن لهذا على لسان رسوله ﷺ ، فيكون خاصًّا، ليس مما يتعدى بحال. وروى ابن إسحاق في كتاب «المغازي» (٢) من قول علي بن أبي طالب ﵁ في قصيدةٍ يذكر فيها إجلاء بني النضير، وقتل كعب بن الأشرف؛ ما يدل على أن قتله كان بوحيٍ مخصوص، وذلك قوله: ألستم تخافون أدنى العذابِ ... وما آمن الله كالأخوفِ وإن تُصرعوا تحت أسيافِهِ ... كمصرع كعب بن الأشرفِ غداة رأى الله طُغيانهُ ... وأعرض كالجملِ الأجنفِ فَأَنزلَ جبريلَ في قتله ... بوحي إلى عبده ملطَّفِ فدسَّ الرسول رسولاً له (٣) ... بأبيضَ ذي هُبَّةٍ مُرهفِ وقد زعم ابن المنذر (٤) أن الذي يجوز أن يُقتل غِرَّةً، هو: من لا أمان بينه

стр. 305

وبين صاحبه القاتل ولا عهد، وهذا صحيح. ورأى أن قتل كعب بن الأشرف من ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم. وها نحن الآن ذاكرون من المسائل المنقولة عن مالكٍ وغيره في (باب: متشابه الأمان، ومراعاة ما يُتَوَقَّى منه عند الإشكال) ما يتبيَّن بها وبأضرابها معتمدهم في البناء على ما أصَّلناه. * مسائل من مُشكلات الأمان: اختلف أصحاب مذهب مالك في الأسير من المسلمين في دار الحرب يكون مُخلًّى: هل يجوز له أن يَعْدُوَ على ما يستطيع فيهم، من مالٍ ونفسٍ، ويهرب؟ قال ابن القاسم (١) : الذي كنا نحفظه من قول من نرضى -وأنا أشك أن يكون مالكاً-، أنه إن كان أُرسل على أمانٍ، لم يحلَّ له أن يهرب، ولا أن يأخذ من أموالهم شيئاً، وإن أرسلوه على غير أمان، بمنزلة ما يملكون من الرقيق قوة عليه لا يخافونه؛ فليقتل وليأخذ ما شاء. فهذا التفريق من مالكٍ ﵀ لا يعدو القانون المتقدم، وهو مراعاة اطمئنانهم: هل هو تعويلٌ على ائتمانه والثقة به، فلا يجوز له مع ذلك فعل شيء مما ينافي ذلك؛ لأنه يكون خيانة، أو إنما وَثِقُوا بِقُوَّتهم عليه وضبطهم، فيكون حينئذٍ: لا حرج عليه فيما فعل من ذلك كلِّه؟ وعنه في المسألة قولٌ ثانٍ؛ روى مطرفٌ وابن الماجشون (٢) عن مالكٍ: أن له أن يهرب بنفسه، وإن أطلقوه على وجه الائتمان له والطمأنينة إليه، ما لم يأخذوا على ذلك عهده. وجه هذه الرواية: أنه رأى اطمئنانهم إليه، وائتمانهم عاملاً في أن لا يخونهم في شيءٍ من دَمٍ أو مالٍ، ولم يرَ ذلك عاملاً في الفرار بنفسه؛ لأنه واجب عليه، لا

стр. 306

يحل له الإقامة مع الكفَّار، مع إمكان الفرار، وفيها قولٌ ثانٍ للمخزومي (١) وابن الماجشون: أنَّ له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه، ويقتل إن قدر، وإن ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه، فهو في فسحةٍ من ذلك كله، ولا حنث عليه في يمينه؛ لأن أصل أمره الإكراه، فهذا القول منصوصٌ فيه على توجيهه: وهو مراعاة الإكراه؛ لأن الأسير مغلوبٌ، لا يملك من أمره شيئاً، فهو مكره لم يُعط ذلك عن اختياره، والمُكْره في سَعَةٍ مما أُكره عليه، فذلك هو العلة عندهم في استباحة ما رأوه مباحاً له. فأما قولهم في إباحة الهروب له فظاهر؛ لأنه واجبٌ عليه أن لا يقيم معهم، ولا وفاء بمعصية، وأما إباحة ما وراء ذلك من أموالهم، ودمائهم، بعد أن أخذوا عهده، واستحلفوه: فباطل، والوفاء عليه: واجب؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، ولا حجَّة في أنه كالمكره على إعطاء العهد (٢) . خرَّج مسلم (٣) عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلاّ أني خرجت أنا وأبي حُسيل (٤) ، قال: فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا مِنَّا عهد الله وميثاقه: لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نُقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بِعهْدِهم، ونستعين بالله عليهم» . فهذا نصٌّ في لزوم الوفاء بالعهد في مثل ذلك، وإن لم يكن مختاراً. قال الشافعي (٥) : «إذا أمَّنوه؛ فأمانهم إياه: أمانٌ لهم منه، وليس له أن يغتالهم،

стр. 307

ولا يخونهم، فأما الهرب بنفسه: فله الهرب، وإن أُدْرِكَ ليؤخذ، فله أن يدفع عن نفسه، وإن قتل الذي أدركه؛ لأنَّ طَلَبَهُ ليُؤْخذ إحداثٌ من الطالب غير الأمان، فيقتله إن شاء، ويأخذ ماله، ما لم يرجع عن طلبه» . وهذا أرجح الأقوال في ذلك، للأدلة التي قدمنا، والله أعلم. وقول أحمد بن حنبل في لزوم حكم الأمان في ذلك ووجوب الوفاء به كقول الشافعي (١) . وقال أبو حنيفة (٢) : «إن قتل منهم، أو أخذ مالاً أو رقيقاً فخرج بهم إلى دار الإسلام، ثم إن أهل الحرب استأمنوا، أو صاروا ذمّة» ، قال: «ما كُنت أردُّ عليهم» . وكذلك قال في الرجل يدخل دار الحرب بأمان، فيغدر بهم ويقتل، ويأخذ من أموالهم. وسُئل في رجلٍ مسلمٍ اشترى منه شيئاً مما أتى به من ذلك، فقال: ذلك جائز. وعند الشافعي، وابن حنبل: يردُّ ذلك كله عليهم، وقاله الأوزاعي، وهو الصحيح كما تقدم في مثله. * مسألة: اختلف أصحاب مذهب مالك في الحربي يأتي بغير أمانٍ، فيُعثر عليه في

стр. 308

أرض الإسلام أو قبل أن يصل إليها، فيقول: جنحتُ إلى الإسلام، أو جئتُ أطلب الفداء أو التجارة، فقيل: لا يقبل قولهم بعد أن يُؤخذوا؛ إذ لم يُظهروه قبل ذلك، ويكونون فيئاً للمسلمين، وهو قول أشهب، وقيل: يُقبل قولهم، أو يُردُّون إلى مأمنهم، إلا أن يتبيَّن كذبهم، وهو قول ابن القاسم، وقيل بالفرق بين أن يكونوا من أهل بلدٍ عُوِّدوا الاختلاف، لما ادعوه من الفداء أو التجارة أو الاستئمان، فهؤلاء يقبل قولهم، أو يردون إلى مأمنهم، وإلا يكن ذلك: فهم فيءٌ للمسلمين؛ قاله ابن حبيب، وعزاه إلى مالك (١) ، ولم يختلفوا أنهم إن كانوا أظهروا ما ادعوا من ذلك قبل أن يُؤخذوا، وقبل أن يصلوا إلى بلاد الإسلام؛ أنهم لا سبيل إليهم، ويقبل منهم ما ادعوا، ويردّون إلى مأمنهم، ففي كل هذه الأقوال مراعاة إعمال حكم الأمان فيما قصد إليه الحربي من الاطمئنان إلى المسلمين في عادتهم بالتأمين في مثل ذلك، وإن لم يكونوا تقدموا إليه في خاصته بأمانٍ معين؛ لأنهم كلهم رأوا ذلك لو عُلِمَ صدقه فيما ادَّعاه نافعاً له، وإنما سبب اختلافهم في هذه الأحوال كلها هو: هل يحملون على التصديق في دعواهم، -وقد عثر عليهم- أم لا؟ أما من تبيَّن صدقه: فإنه يحمل على حكم الأمان، ومن تبيّن كذبه: كان على حكم الأسرى، ومن أشكل أمره: كان فيه الخلاف، وطلبت له شواهد الحال. ولذلك قال مالك في «موطئه» (٢) : «فيمن وُجِد من العدو على ساحل البحر بأرض المسلمين، فزعموا أنهم تجارٌ، وأن البحر لَفظَهم، ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك، إلا أن مراكبهم تكسرت، أو عطشوا، فنزلوا بغير إذن المسلمين: أرى ذلك إلى الإمام (٣) ، يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خُمساً» .

стр. 309

فجعل مالك النظر في ذلك والاجتهاد بحسب ما يظهر في أمرهم وحالهم إلى الإمام، فإن ظهر له ما يدلُّ على صدقهم: قَبِلَ منهم، وردَّهم إلى مأمنهم، وكل ذلك مراعاة لما نزلوا عليه، باعتقاد الاطمئنان إلى المسلمين فيما جرت عليه عادتهم في الوفاء بمثله، وإن لم يكن من المسلمين في ذلك إلى هؤلاء قول ولا فعل، وكلُّ ذلك بيِّن، وبالله التوفيق (١) . فصلٌ: في تقسيم عقود الأمان، والفرق في الأحكام بين الخاص منه والعام عقود الأمان ثلاثة: عقد ذمة؛ وهو ما ضُربت فيه الجزية، وهذا النوع قد أفردنا له ولأحكامه وشروطه: (الباب التاسع) من هذا الكتاب، فهناك بسط القول فيه -إن شاء الله-. والثاني: عقد مهادنة؛ وهو ما عُوهد فيه على المسالمة وترك الحرب، وعقد عقداً عاماً في جماعة بلدٍ أو إقليم أو مملكةٍ، لا يقصد آحادهم بالتعيين، بل هو كل عقد يتضمن الموادعة العامّة على البلاد، والنفوس، والأموال، وكافة الأحوال، وفي هذا النوع خلافٌ بين أهل العلم: هل يجوز مُطلقاً، أو لضرورة؟ وما الضرورة التي تجوز المهادنة معها؟ وله موضع مفردٌ نذكره -إن شاء الله- في الفصل بعد هذا. وإنما نتعرض هنا للفرق بين أحكامه، وأحكام العقد الثالث، وهو: ما عُقد للواحد أو لعددٍ خاصٍّ على أنفسهم، إذا قدموا علينا، أو احتيج إلى نزولهم للتكلم معهم، وما أشبه ذلك، وهذا النوع الثالث هو الذي يتناوله بخاصة عُرف الأمان إذا أُطلق، وعليه بُني الباب، وفيه جميع ما تقدَّم من الأحكام. فأمَّا المهادنة العامة، فحكمُ الأمان فيها مستمرٌ في الجميع إلى مدته المضروبة له، ولا يَتَبَعَّضُ ذلك، فيكون لمن رضي من آحاد تلك المملكة أن يُنَحّوا

стр. 310

أنفسهم، ويردوا ما ثبت من ذلك الأمان لهم، أو يتراضوا على أن يبيع بعضهم بعضاً، أو يرهنه، كلّ ذلك وما أشبهه ممّا ينافي عقد ذلك الأمان، لا يباح ولا يعمل به فيمن رضي ذلك منهم لنفسه، أو لم يرض، إلا أن يتمالأ جميعُهم ومَلِكُهُم على ردِّ العهد، فهذا له وجهه، وإنما وجب ذلك لعموم قوله -تعالى-: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، و ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١] . ولما كان عقد المهادنة معهم على العموم في مصلحتهم، وإقرار مملكتهم وبلادهم، وانتظام حالهم، وكان أمر ذلك يختل إذا أجيب الآحاد إلى رفع ذلك فيما رضوا به لأنفسهم؛ لم يجز في حكم الوفاء أن يُنْقَضَ ذلك عليهم، ولم يكن رِضى الآحاد عاملاً في ذلك على جماعتهم. وأما الأمان الخاص، وهو الذي يرجع الأمر فيه إلى تأمين أشخاص على أعيانهم، لا يتعلق في ذلك حقٌّ لغيرهم، ولا لبعضهم من بعض، ففي هذا النوع عن مالك وأصحابه: أن من تراضوا منهم على بيع نسائهم، وأبنائهم؛ فلا بأس به (١) ، وعلى ذلك يكون من رضي منهم أن يردَّ ما جُعِلَ له من الأمان، ويبيح نفسه للرق؛ فهو مما لا بأس به -إن شاء الله-. وقال ابن حبيب في العِلج يكون في مَنَعةٍ، ومن أمره في فَسحة فَيُسْتَأْسَرُ: فذلك له أمان، لا يُقتل ولا يُسترق، وإذا اسْتأْسر وقَدْ رَهَقْتَهُ: فلا أمان له (٢) . قال فضلٌ في قوله: «فذلك له أمان، لا يقتل ولا يسترق» ، قال: إلا إن اشترط عليه -عندما أمِنَ- الاسترقاق، ورضي به فيسترق، قال: وهو قول سحنون (٣) . قلت: وإنما جاز ذلك في هذا النوع الخاص؛ لأن الأمان الذي اعتصم به هو بيده، فله أن يحله وينبذه، فإذا نبذ العهد، ولم يكن يتعلق به حقٌّ لغيره كما

стр. 311

كان ذلك في عقد المهادنة والأمان العام: زال حكم الأمان عنه، فكان رضاه بَعْدُ بإرقاق نفسه لا مانع منه. نعم؛ لو لم يرض بإسلام نفسه بَعْدَ نَبْذِ الأمان، أمكن أن يقال: يجب ردُّه إلى مأمنه؛ تتميماً في الوفاء بعهده، وكذلك لو أراد بعضهم بيع بعض أو ارتهانه، ورضي بذلك المبيع والمرتهن لجاز ذلك فيمن هو مالكٌ أمره، فإن لم يرض بذلك لم يجز، ولا يجوز شيءٌ من ذلك بحالٍ في المهادنة والأمان العام، فإن كان المبيع والمرتهن غير بالغٍ ممَّن لا يملك أمره، وهو ممن دخل تحت ذلك الأمان: فلا يجوز لأحدٍ ممن معه فيه إسلامُه في بيعٍ أو ارتهانٍ، وما أشبه ذلك، مما ينافي عقد الأمان، إلا أن يكون الذي فعل ذلك به أبوه، فقد قال مالك: إنَّ ذلك جائز، ونحو ذلك يُروى عن الثوري، ومنع من ذلك بعض أهل العلم، والأولى في النظر منعه، لأن الصغير بعد أن ثبت له التأمين لا يرتفع حُكمه إلا بإذن شرعي، وذلك إما بردِّه إلى مأمنه، وإما بإسقاطه هو ونبذه، أنْ لو كان ممن يملك أمر نفسه، فأمَّا أن يكون ذلك بيد غيره يسقطه عنه، فلا دليل عليه، وإنما أراهم أجازوا عليه ذلك من الأب؛ لأنهم حملوا الأمر فيه -والله أعلم- على حكم الصغير في حجر أبيه، حيث يكون نظره له نافذاً عليه، وهذا هنا لا يستقيم؛ لأن نظر الأب المأذون فيه لا يتعدَّى مصلحة المال، أو ما هو شبيه المال من مصالح الأعيان، كعقد النكاح، ونحو ذلك عند من يراه، بل لو قَضَى في المال بغير السداد، وما لا مصلحة فيه البتة: فُسِخ، ولم يمض ذلك على الصغير. وأما قضاؤه على ذاته، وعينه، وإتلافهُ عليه أحكام الحرية بالإرقاق؛ فذلك لا يوجد له أصلٌ بحالٍ، وقد رُوي عن ابن القاسم قولٌ يدل على أن قضاء الأب على ابنه الصغير بمثل ذلك لا يمضي. ولنورد الآن من المسائل المنقولة عن المالكية، ومن أمكن من غيرهم، في افتراق حُكمي الأمان: خاصاً وعاماً، على حسب ما ذكرناه، ما يكون فيه تَبَيُّنٌ بالوقوف عليه -إن شاء الله تعالى-.

стр. 312

مسائل منقولة في افتراق أحكام الأمان سُئل أَشهب عن علجٍ دخل بأمانٍ ليفدي امرأته، ففداها بفداءٍ رهن فيه ابناً له كان معه حتى يأتي بالفداء، فذهب فلم يأت، ما سبيل ذلك الابن؟ فقال: يُستأنى به، فإن جاء وإلا بيع عليه رقيقاً، واستوفى ماله، فإن فضلَ فضلٌ: حبسه لصاحبه حتى يأتي (١) . قلت: هذا من الأمان الخاص، فلذلك أجاز فيه رهن من رضي بذلك، وبيعه في ذلك الحق، هذا إن كان الابن المرهون كبيراً رضي بذلك، وإن كان صغيراً فعلى ما ذكرناه من أنهم يرون قضاء أبيه عليه في مثل ذلك ماضياً. ورُوي عن ابن القاسم أنه قال: «لو أن رومياً أهدى إليَّ ابنته لم يكن به بأس أن أطأها، أو غير ابنته، ولو سبى روميٌّ جاريةً ممن بيننا وبينه هدنة، مثلُ النُّوبة وما أشبههم، لم ينبغ أن أشتريها ولا أطأها» (٢) . فهذا منه تشديدٌ وتفرقةٌ ظاهرةٌ بين أحكام أهل الهدنة في ذلك وغيرهم، ممن له أمان خاصٌّ، ألا تراه لم يستبح شيئاً منهم، وإن كان الذي سباهم غير الذي بَيْنه وبينهم الهدنة؟!. وروي عن مالك أنه سئل، فقيل: إن قوماً من أهل الحرب يقدمون علينا بأبنائهم ونسائهم، أفنبتاعهُم منهم؟ فقال مالك: أَبَيْنَكُم وبينهم هُدنة؟، قالوا: لا، قال: فلا بأس بذلك. قال مالك: ولو كانت بينكم وبينهم هُدنة لم يجز لكم شراؤهم؛ لأن لصغارهم من العهد مثل ما لكبارهم. قال مالك: وسواء كانت الهدنة بينكم وبينهم السنَة والسنتين أو إلى غير مُدة، إلا أن يكون يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك، فيجوز ذلك (٣) . ففرق مالك ﵀ بين الهدنة -وهو الأمان العام- وبين من جاء مستأمناً من أهل الحرب في بيع ما يبيعون منهم، فأجازه في

стр. 313

الخاص، ومنعه في العام، وقال فيه: «إلا أن يكونوا يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك» ، فأجازه إذا وقع العقد عليه؛ لأنَّ العهد لم يتناولهم إلا على ذلك، فلم يكن فيه إخلال بشيءٍ ثبت لهم في عقد الأمان. وقد رَوَى ابن القاسم عن مالك في «المدونة» (١) ما يخالف بعض ما في هذه الرواية، فقال: إذا كان الأصل في الهُدنة مثل السنة والسنتين فجائز أن يشتروا منهم أولادهم ونساءهم. فأقول: قد لا يخالف شيء من ذلك القانون الذي أشرنا إليه، أما الرواية الأولى، فراعَى في ذلك ما ينافي معنى العقد في الهدنة الواقعة مطلقاً، من غير التفاتٍ إلى تأثير طول مدة الهدنة أو قصرها. أما الرواية الأخرى، فكأنه رأى فيها قصر المدة في الهدنة دليلاً على رفض الاستنامة إليها، وترك الاعتداد بالموادعة العارضة فيها، فلم يتضمن مراعاة حفظ المصالح على الإطلاق في الحال والمآل، وتوقّي ما يقدح في عواقب الأحوال، فكان للمدة القريبة في ذلك حكم الخصوص. هذا وجه هذه الرواية عندي، والرواية الأولى في التسوية؛ فتسوية المدة البعيدة والقريبة في ذلك أرجح، والله أعلم. وقال الأوزاعي (٢) في مصالحة الإمام أهل الحرب: «لا بأس أن يصالحهم على عدد سَبْيٍ يؤدونهم إلى المسلمين، قيل له: فإن كانت تلك الرؤوس والسبي من أبنائهم وأحرارهم يبعث بهم ملكهم إليهم؟، قال: لا بأس به، ولا يضره، من أحرارهم كان ذلك أو من غيرهم، إذا كان ذلك الصلح ليس بصلح ذمة وخراج، يقاتل من ورائهم، وتجري عليهم أحكام المسلمين، فلا بأس بذلك» . وقال أحمد في أهل الذمة يصالحون أهل الإسلام على ألف رأسٍ كل سنة،

стр. 314

فكان يسبي بعضهم بعضاً ويؤدونه، قال: لا بأس به، يجيء به من حيث شاء، وكذلك قال إسحاق (١) . وقال أبو حنيفة (٢) : «لا خير في الصلح على أن يؤدوا ذلك من أبنائهم، ولا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا من ذراريهم أحداً؛ لأن الصلح وقع عليهم وعلى ذراريهم» . قال ابن حبيب: إن كان شرط أهل الحرب في عقد الصلح على الجزية أن يبيعوا في جزيتهم ما شاؤوا من أبنائهم، أو مَنْ قهروه مِنْ كبارهم: فذلك جائزٌ إذا عقده عليهم رؤساؤهم وبطارقتهم في أصل الصلح، وإن لم يكن ذلك شرطاً في أصل الصلح: لم يجز، وكان العهد لجميعهم واحداً، قال: وهكذا سمعت مُطرِّفاً وابن الماجشون يقولان، وقاله غيرهما من أصحاب مالك (٣) . فصلٌ: في المهادنة والصلح، وهل يجوز ذلك أو يمنع؟ قال الله -تعالى-: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] ، وقال -تعالى-: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] . فاختلف أهل العلم في حكم الآيتين: هل نسخت إحداهما الأخرى؟ وما الناسخ منهما والمنسوخ إن كان كذلك؟ أو: هل هما محكمتان؟ وعلى أي وجه مع ذلك تُحملان؟ وعن هذا نشأ الخلاف في جواز المهادنة ومنعها، على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى-. فروي عن ابن عباس، أن آية الجنوح للسلم منسوخة بقوله -تعالى-: ﴿فَلاَ

стр. 315

تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] ، وكذلك قال عكرمة، وقتادة، وغيرهما أنها منسوخة، لكن زعموا أن الناسخ لها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، فعلى هذا لا تجوز المهادنة بحال، وقيل: بل المنسوخ الأخرى، والناسخ قوله -تعالى-: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١) [الأنفال: ٦١] ، وعلى هذا تجوز المهادنة بكل حال، وقيل: إن آية الجنوح للسلم نزلت في قومٍ بأعيانهم خاصة (٢) ، وآية المنع هي عامة، وقيل: إن الآيتين نزلتا في وقتين مختلفي الحال، معناه: إنهما محكمتان في حالين مختلفين؛ فإذا كان للمسلمين الظهور والاعتلاء، حرم السَّلم والإجابة إليه، وإن كانوا على حال توقٍّ وتخوفٍ ساغ لهم ذلك (٣) . وقيل: إن معنى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] ، أي: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت للأخرى، وهي روايةٌ عن قتادة -أيضاً- (٤) ، وعلى هذا القول ينتظم معنى الآيتين على حكم واحد؛ لأنه أبيح في الأولى الجنوح للسلم إن جنحوا، وابتدؤوا بطلب ذلك، وإنما مُنع في الثانية أن يدعوهم إليه المسلمون

стр. 316

ابتداءً (١) ، فهما في الحكم غير مختلفين، وثبت أن رسول الله ﷺ عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وكتب لهم بذلك كتاباً، كتبه علي بن أبي طالب ﵁، خرَّجه مسلم وغيره (٢) ، فكان ذلك حُجّة لمن أجاز الهدنة للعدو. وقد اختلف في المعنى الذي له صَالحَ رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية. فقالت طائفة: كان ذلك على جهة النظر للمسلمين من وجوهٍ؛ منها: كثرةُ عدد المشركين، وإصفاقُهم على منعهم من الدخول عليهم، ومنها: طلب التفرُّغ لقتال غيرهم، ومنها: الأمن لمن أراد الدخول في الإسلام، وليتقوَّى على حربهم فيما يستقبل، وقالت طائفة: بل صالحهم وهو غير عاجز عنهم، لكن طمعاً في أن يُسلموا، أو يُسلم بعضهم، وممن رُوي عنه القول بالمهادنة للعدو: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم (٣) .

стр. 317

واختلفوا في القدر المبيح لذلك؛ فرُوي عن الأوزاعي (١) : أن المهادنة تجوز إذا كان ذلك نظراً للمسلمين، وإبقاءً عليهم، وقال أصحاب الرأي (٢) : إذا كان ذلك خيراً للمسلمين، وكانوا يخشون إن لم يوادعوهم أن لا يقووا عليهم؛ جاز، فإن وادعوهم على ذلك، ثم رأى المسلمون أن بهم قوةً فعليهم أن ينبذوا إليهم، ثم يقاتلوهم. وقال الشافعي (٣) : إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفةٍ منهم؛ جاز لهم الكَفُّ عنهم ومهادنتهم، وعند الشافعي: لو زال ضعف المسلمين، لم يجز أن ينبذوا إليهم إلى كمال المدة، وكذلك عنده (٤) : إذا خاف منهم خيانة، لم يجز له أن ينبذ إليهم، إلا أن تقوم دلالة على ذلك من خبرٍ أو عيانٍ، وإذا لم يكن إلا مجرد الظنِّ؛ فليتمَّ عهدهم إلى مدتهم (٥) .

стр. 318

واختلفوا -أيضاً- في المهادنة: هل يجوز عقدها لغير مُدّة؟ فقيل: يجوز، وهو ظاهر مذهب مالك (١) ، وقيل: لا تجوز المهادنة إلا إلى مدة (٢) ؛ لأن عقد ذلك إلى غير مدة يوجب الكفَّ عنهم على الدوام، وذلك لا يجوز؛ لأن قتالهم متى قُدر عليه فهو يجب، حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وهو قول الشافعي (٣) . ثم اختلف في المدة، فقيل: ذلك راجع إلى ما تدعو الضرورة إليه في مصالح أهل الإسلام من غير حدٍّ، وقيل: بل لأكثرها حدٌّ لا يتعدى، وذلك أقصى ما رُوي في المدة التي صالح رسول الله ﷺ عليها المشركين من قريشٍ عام الحديبية. واختلف في قدرها، فقيل: أربعة أعوام (٤) ، وقيل: عشرة أعوام، وهو المنقول في السير وأكثر الآثار (٥) .

стр. 319

خرَّج أبو داود (١) في مدة صلح الحديبية، عن المِسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين. وهو قول الشافعي (٢) .

стр. 320

واستدلَّ من رأى أنّ الزيادة على ذلك ممنوعة، بأن الله -تعالى- فرض قتال الكفار، فوجب القيام بذلك، فلمَّا هادن رسول الله ﷺ مشركي أهل مكة، كانت تلك المدة مع العُذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك (١) . وفرَّق الشافعي في السبب الموجب للهدنة، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه تألف المشركين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، ونحو ذلك من أنواع المصلحة التي من غير ضعفٍ بالمسلمين عنهم، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر، لا تزيد عليها، على أصحِّ القولين عندهم (٢) ، وفي القول الثاني: يجوز فيما دون السَّنَة. فدليل الأول: ما جعله الله أَجلاً للمشركين في سورة (براءة) لمثل ذلك، وذلك قوله -سبحانه-: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] ، ووجه الثاني، قالوا: لأن السَّنة مدة الجزية، فلا يُسامح فيها إلا بمال، وأما إن كان سبب المهادنة عنده الضعف بالمسلمين، والعجز عن مقاومة عدوهم، فيجوز ما بينه وبين عشرة أعوام؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة (٣) . فصلٌ الصلح على المهادنة، والموادعة، يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال، فذلك جائز في موضع العُذر وطلب المصالح للمسلمين؛ لأن مهادنة النبي ﷺ مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال. والثاني: أن تكون على مالٍ يؤديه الكفار، وذلك -أيضاً- جائز؛ لأن أخذ المال منهم على ذلك صَغارٌ لهم، وليس هو من سبيل الجزية في شيء؛ لأن حكم الجزية أن يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم، ويستوجبون هم
следующие страницы →