← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ابتداءً (١) ، فهما في الحكم غير مختلفين، وثبت أن رسول الله ﷺ عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وكتب لهم بذلك كتاباً، كتبه علي بن أبي طالب ﵁، خرَّجه مسلم وغيره (٢) ، فكان ذلك حُجّة لمن أجاز الهدنة للعدو. وقد اختلف في المعنى الذي له صَالحَ رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية. فقالت طائفة: كان ذلك على جهة النظر للمسلمين من وجوهٍ؛ منها: كثرةُ عدد المشركين، وإصفاقُهم على منعهم من الدخول عليهم، ومنها: طلب التفرُّغ لقتال غيرهم، ومنها: الأمن لمن أراد الدخول في الإسلام، وليتقوَّى على حربهم فيما يستقبل، وقالت طائفة: بل صالحهم وهو غير عاجز عنهم، لكن طمعاً في أن يُسلموا، أو يُسلم بعضهم، وممن رُوي عنه القول بالمهادنة للعدو: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم (٣) .

стр. 317

واختلفوا في القدر المبيح لذلك؛ فرُوي عن الأوزاعي (١) : أن المهادنة تجوز إذا كان ذلك نظراً للمسلمين، وإبقاءً عليهم، وقال أصحاب الرأي (٢) : إذا كان ذلك خيراً للمسلمين، وكانوا يخشون إن لم يوادعوهم أن لا يقووا عليهم؛ جاز، فإن وادعوهم على ذلك، ثم رأى المسلمون أن بهم قوةً فعليهم أن ينبذوا إليهم، ثم يقاتلوهم. وقال الشافعي (٣) : إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو طائفةٍ منهم؛ جاز لهم الكَفُّ عنهم ومهادنتهم، وعند الشافعي: لو زال ضعف المسلمين، لم يجز أن ينبذوا إليهم إلى كمال المدة، وكذلك عنده (٤) : إذا خاف منهم خيانة، لم يجز له أن ينبذ إليهم، إلا أن تقوم دلالة على ذلك من خبرٍ أو عيانٍ، وإذا لم يكن إلا مجرد الظنِّ؛ فليتمَّ عهدهم إلى مدتهم (٥) .

стр. 318

واختلفوا -أيضاً- في المهادنة: هل يجوز عقدها لغير مُدّة؟ فقيل: يجوز، وهو ظاهر مذهب مالك (١) ، وقيل: لا تجوز المهادنة إلا إلى مدة (٢) ؛ لأن عقد ذلك إلى غير مدة يوجب الكفَّ عنهم على الدوام، وذلك لا يجوز؛ لأن قتالهم متى قُدر عليه فهو يجب، حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وهو قول الشافعي (٣) . ثم اختلف في المدة، فقيل: ذلك راجع إلى ما تدعو الضرورة إليه في مصالح أهل الإسلام من غير حدٍّ، وقيل: بل لأكثرها حدٌّ لا يتعدى، وذلك أقصى ما رُوي في المدة التي صالح رسول الله ﷺ عليها المشركين من قريشٍ عام الحديبية. واختلف في قدرها، فقيل: أربعة أعوام (٤) ، وقيل: عشرة أعوام، وهو المنقول في السير وأكثر الآثار (٥) .

стр. 319

خرَّج أبو داود (١) في مدة صلح الحديبية، عن المِسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين. وهو قول الشافعي (٢) .

стр. 320

واستدلَّ من رأى أنّ الزيادة على ذلك ممنوعة، بأن الله -تعالى- فرض قتال الكفار، فوجب القيام بذلك، فلمَّا هادن رسول الله ﷺ مشركي أهل مكة، كانت تلك المدة مع العُذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك (١) . وفرَّق الشافعي في السبب الموجب للهدنة، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه تألف المشركين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، ونحو ذلك من أنواع المصلحة التي من غير ضعفٍ بالمسلمين عنهم، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر، لا تزيد عليها، على أصحِّ القولين عندهم (٢) ، وفي القول الثاني: يجوز فيما دون السَّنَة. فدليل الأول: ما جعله الله أَجلاً للمشركين في سورة (براءة) لمثل ذلك، وذلك قوله -سبحانه-: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] ، ووجه الثاني، قالوا: لأن السَّنة مدة الجزية، فلا يُسامح فيها إلا بمال، وأما إن كان سبب المهادنة عنده الضعف بالمسلمين، والعجز عن مقاومة عدوهم، فيجوز ما بينه وبين عشرة أعوام؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة (٣) . فصلٌ الصلح على المهادنة، والموادعة، يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال، فذلك جائز في موضع العُذر وطلب المصالح للمسلمين؛ لأن مهادنة النبي ﷺ مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال. والثاني: أن تكون على مالٍ يؤديه الكفار، وذلك -أيضاً- جائز؛ لأن أخذ المال منهم على ذلك صَغارٌ لهم، وليس هو من سبيل الجزية في شيء؛ لأن حكم الجزية أن يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم، ويستوجبون هم

стр. 321

مع ذلك ذمة المسلمين، حتى يقاتلوا عنهم عدوهم، والجزية مما يجب دعاؤهم إليها إن كانوا من أهلها، وإجابتهم إن كانوا هُم الداعي إليها على كل حال، وليس كذلك في المهادنة؛ لأن المهادنة لا تجوز إلا من ضرورة -كما تقدم-. والوجه الثالث (١) : أن يكون على مالٍ يؤدِّيه المسلمون، ففي جواز ذلك خلاف؛ رُوي عن الأوزاعي (٢) أنه قال: «لا يصلح ذلك إلا عن ضرورةٍ وشغلٍ من المسلمين عن حربهم، من قتال عدوهم، أو فتنةٍ شملت المسلمين، فإذا كان ذلك؛ فلا بأس» . وروي نحو ذلك عن سعيد بن عبد العزيز، وقال: فعله معاوية أيام صفِّين، وعبد الملك بن مروان؛ لشغله بقتال ابن الزبير (٣) . وقال الشافعي (٤) : «لا خير في أن يعطيهم المسلمون شيئاً بحالٍ على أن

стр. 322

يكُفُّوا عنهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، والإسلام أعزُّ من أن يُعطى مشركٌ على أن يكفَّ عنه، قال: إلا أن يخاف المسلمون أن يصطلموا؛ لكثرة العدو، وقِلّتهم، أو خلّة فيهم، فلا بأس أن يُعطوا في تلك الحال شيئاً ليَتَخَلَّصوا منهم؛ لأنه من معاني الضرورات، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، أو يؤسر مسلم، فلا يُخلّى إلا بفدية، فلا بأس؛ لأن رسول الله ﷺ فدى رجلين من المسلمين أسرهما العدو، برجلٍ (١) من المشركين» . والأرجح ما ذكره الشافعي، أن ذلك لا يجوز لكل عذر، من مضرةٍ تُتّقى، أو مصلحةٍ تُرتجى، فإن في إعطاء المال لأهل الكفر على أن يكفوا صغاراً على أهل الإسلام، وذلك لا يجوز أن يستجلب بمثله مصلحة، أو يستدفع به ما لا يستأصل من المضرَّة، فإذا انتهى الأمر إلى خوف الاستئصال والاصطلام، بإحاطة العدو وقوته، وتحقق العجز عن مقاومته، جاز في هذه الحال؛ لأنه أيسر المكروهَيْن، والله أعلم. وقد ظنَّ من ذهب إلى جواز إعطاء المسلمين المال في مصالحة العدو لضرورةٍ تَعْرِضُ في ذلك -وإن لم ينته الضَّعف بالمسلمين غايته- أن له دليلاً على ذلك، في حديث خرَّجه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (٢) . قال: حدثنا عبد الله بن

стр. 323

صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهابٍ، قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أُحدٍ بسنتين، وذلك يوم حفر رسول الله ﷺ الخندق، ورئيس الكفار يومئذٍ: أبو سفيان بن حرب، فحاصروا رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة، فخلص إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله ﷺ -كما أخبرني سعيد بن المسيب-: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد» ، وحتى أرسل رسول الله ﷺ رسولاً إلى عيينة بن حصن -وهو يومئذٍ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع أبي سفيان-، فعرض عليه رسول الله ﷺ ثُلث ثمر نخل المدينة، على أن يُخذِّل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان، فقال عيينة: بل أعطني شطر ثمرها، ثم أَفْعَلُ ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ -وهو سيّد الأوس-، وإلى سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج-، فقال: «إن عيينة سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويُخذِّل بين الأحزاب، وإني أعطيته الثلث، فأبى إلا النّصف، فما تريان (١) ؟!» . فقالا: يا رسول الله، إن كنت أُمرتَ بشيء فافعله، فقال رسول الله ﷺ : «لو أُمرت بشيءٍ لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأْيٌ أعرضه عليكما» ، قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف، فقال رسول الله ﷺ : «فنعم» . فزعموا أن موضع الدليل منه ما كان من صغوِ رسول الله ﷺ إلى مصالحة عيينة على جزء من الثمر، ولا حجة في شيءٍ من ذلك؛ لأن الحديث لو لم يكن في رفعه متكلم؛ لكان مع ذلك لا دليل لهم منه؛ لوجوه:

стр. 324

منها: أنه ﷺ لم يفعل ذلك، ولا قال: إنه أُمِر به، وإنَّما وقع ذلك على سبيل الإرتياء والنظر، الذي استقرَّ آخره على أن لا يفعل، فهو إلى الاستدلال على المنع أقرب؛ ثم إنه لم تكن إرادة البذل في هذا لمجرد الهدنة، بل كان فيه من المحاولة الحربية ما يعود بإضعاف العدوّ وخزيهم، وتشتيت جماعتهم، والتخذيل بينهم، وتلك من مكائد الحرب، فأمرُ البذل فيها يضاهي الجُعل والإجارة على الشيء يُفعل، والله أعلم. *****

стр. 325

مسائل من أحكام المستأمن * مسألة: اختلفوا في المستأمن يريد الإقامة بدار الإسلام: فقال الأوزاعي (١) : لا يُترك، إلا أن يُسْلِم، أو يؤدِّي الجزية، أو بإذن الإمام. وقال أحمد: إذا أمَّنه الإمام؛ فهو على أمانه حتى يرده إلى مأمنه (٢) . وقال الشافعي (٣) : إن كان من أهل الكتاب، قيل له: إن أردت المقام فأدِّ الجزية، وإن لم تُرد فارجع إلى مأمنك، فإن استنظر، فأحبُّ إليَّ ألاَّ يُنظر إلا أربعة أشهر؛ لأن الله -تعالى- جعل للمشركين أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر، وأكثر ذلك أن لا يبلغ به الحول؛ لأن الجزية في حول، فلا يقيم في دار الإسلام مقام من يؤدي الجزية ثم لا يؤديها، وإن كان من أهل الأوثان، فلا تؤخذ منه الجزية، ولا ينظر إلا كإنظار هذا، وهو دون الحول. * مسألة: اختلفوا في الحربي المستأمن، يقدم بأسرى مسلمين أحرار أو عبيد؛ فقيل: يُحال بينه وبينهم، ويخلى سبيل الأحرار، ويردُّ العبيد على ساداتهم، ولا يعطى المستأمن عوضاً عن ذلك شيئاً، وعلى هذا ينبغي أن يكون تأمينهم، والعهد معهم، فإن عقد على غير هذا، فالعقد فاسد، وانتزاعهم على كلِّ حال واجب، ولا

стр. 326

وفاء في معصية؛ وهو قول أهل الظاهر (١) . وقيل: لا يعترض في شيء من ذلك على حال، ويكون له الرجوع بهم إن شاء؛ وهو قول ابن القاسم (٢) . وقيل: يُنتزعون منه، ويُعطى في كلِّ مسلمٍ أوفرَ قيمة، قاله عبد الملك بن الماجشون، ورواه عن مالك، وكذلك قال ابن حبيب (٣) ، قال: ويباع عليه عبيده إذا أسلموا، وكذلك يفعل بالذِّميِّ، ثم لا يكون ذلك نقضاً للعهد. وفرَّق بعضهم فقال: يُجبر على بيع المسلمات، ولا يُجْبَرُ في الذكران، وهي روايةٌ عن ابن القاسم، وقاله ابن القصَّار (٤) . والأرجح -إن شاء الله-: ما ذهب إليه ابن الماجشون، ورواه عن مالك، وقاله ابن حبيب؛ لأن الوفاء لهم بالأمان واجبٌ في النفس والمال، ما لم يعترض

стр. 327

ذلك معصية لله ، فَتَرْكُ المسلم في أيديهم مع التمكن من إرساله معصيةٌ، واغتيالهم فيه (١) من غير عوضٍ خيانة، ولما كان لنا فيما أوجبه الله -تعالى- من فكِّ الأسارى طريقان: واحدة من جهة المحاربة والقهر، وأخرى من جهة بذل المال والفداء، ولم يكن هؤلاء من أهل الحرب: تعيَّن إرساله؛ وبذل قيمته، قياماً بالفرضين: إنقاذ المسلم، والوفاء في العِوَضِ، والله أعلم. *****

стр. 328

الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، وقال -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: ٦٩] ، وقال -تعالى-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] . وخرَّج مسلم (١) ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: كان كل نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصة؛ وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحدٍ قبلي، وجُعلت لي الأرض طيِّبة طهوراً ومسجداً، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة صلَّى حيث كان، ونُصرت بالرُّعب بين يدي مسيرة شهرٍ، وأُعطيت الشفاعة» . البخاري (٢) ، عن عروة البارقي، عن النبي ﷺ قال: «الخيلُ معقودٌ في

стр. 329

نواصيها الخير: الأجر والمغنم، إلى يوم القيامة» . ولا خلاف بين الأمة في استباحة أموال الكفار بالاغتنام، وصحة تملك المسلمين ما حازوه منها على وجه الغزو والجهاد. والأموال التي يحوزها المسلمون على الكفار على ثلاثة أحكام: منها: ما يجب فيه الخُمسُ الذي سمَّى الله -تعالى-، ويكون سائر ذلك لأهل الجيش الذين حازوه، وهذه هي الغنائم باختصاص. ومنها: ما يكون لمن حازه وحده، من غير خُمسٍ في ذلك يلزمه. ومنها: ما لا يتعيَّن فيه حقٌّ لأحدٍ بعينه، وإنما يكون جميعه لمصالح المسلمين عموماً، وهذا هو الفيء الذي قال الله -تعالى- فيه: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] إلى آخر الآيات. والذي يختص به هذا الباب: ذكر الغنائم وقسمها، ونذكر النوعين الآخرين عقب ذلك في (الباب الثامن) بعد هذا، عند ذكر الأنفال والأخماس -إن شاء الله تعالى-؛ فأما: الغنائم وهي التي يُستحق فيها الخُمس، ويكون سائرها للغانمين، فيختلف في حدِّها: فعند المالكية أنه: كلُّ مالٍ حازه المسلمون على المشركين بالقصد إليه، على سبيل المعالجة (١) : بقتالٍ، أو احتيال، فيدخل في ذلك السرقة والتلصصُ (٢) ، ويخرجُ منه ما جلا عنه الكفار، أو قُدِر عليه بغير علاج.

стр. 330

وهي عند الشافعية (١) : كلُّ مالٍ حازته الفئة المجاهدة على سبيل الغَلبة، دون ما يُختلس ويُسرق؛ فإنه خاصٌّ بملك المختلس، وكذلك اللقطة لواجدها، دون ما ينجلي عنه الكفار بغير قتال، فإنه فيءٌ. فالخلاف بينهم فيما أخذ سرقة واختلاساً: هل يكون له حكم الغنمية أو لا؟ واتفقوا فيما حيز على وجه المغالبة أنه غنيمةٌ يُخمَّس ويُقسم، وفيما جلا عنه الكفار بغير قتال أنه فيءٌ. وسنورد في أثناء المسائل من أقوال أهل العلم ما فرَّقوا فيه بين ما يجب فيه الخمس عندهم، وما يكون لمن أخذه، أو يكون فيئاً لجماعة المسلمين، ما يتبيَّن به تفصيل ما ذكرناه في حصْرِ ما ذهبوا إليه -بحول الله تعالى-. والقول الجامع لأحكام الغنائم التي يجب تخميسها، وقسمُ سائرها على الغانمين يرجع إلى أربعة فصول: * بيان ما يُستحق قَسمه من أصناف المال، مما لا يُستحق. * وبيان من يستحق الإسهام من أصناف الناس، ممن لا يَستحق. * وبيان ما يُستحق به الإسهام من الأفعال. * وبيان وجوه القسم على الفرسان والرَّجْلِ. ونحن -إن شاء الله- نذكر ذلك فصلاً فصلاً بمعونة الله وحوله -تعالى-.

стр. 331

فصلٌ: في بيان ما يُستحق قسمه من أصناف المال مما لا يُستحق قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . فكان عموم الآية يقتضي تخميس كل شيءٍ استُولي عليه من الكفار، وقسم سائره في الغانمين؛ إلا أن يخصَّ شيئاً من ذلك دليلٌ فيوقف عنده. والمستولى عليه صنفان: رِقاب الكفار، وأموالهم. فأما صِنف الرقاب فنوعان: أسرى -وهم الرجال-، وسبيٌ -وهم النساء والذرية-. فأما الأسرى؛ فقد تقدم القول فيهم، وتلخيصه: أن لأهل العلم في ذلك ثلاثة مذاهب؛ قول: إنهم يقتلون ولا بُدَّ. وقول: إنهم يُستحيون: للمن أو الفداء. وقول: إنَّ الإمام مخيَّرٌ فيهم على خمسة أحكام: القتل، والمن، والفداء، والاسترقاق، وضرب الجزية. وأما السَّبيُ من النساء والصبيان، فإنهم بنفس الاستيلاء عليهم يُرقون بما أحكمته السُّنَّة من ذلك، فيصير حكمهم إلى حكم سائر أموال الغنائم في وجوب القسم والتخميس، من غير اختيارٍ يكون في ذلك للإمام؛ لأن التخيير الذي ثبت للإمام بالأدلة المنتزعة على ذلك من القرآن والسنة إنما هو خاص بأسرى الرجال، لكن يكون لمن صار إليه شيءٌ من السَّبي إما بالقسم أو بالشراء أو غير ذلك من وجوه التملك، أن يفدي بهم أو يُفادي، ويمنَّ بالعتق، ويتصرف في ذلك بما أباح له الشرع منه، وكذلك لو استطاب الإمام عنهم نفوس الغانمين. وكلُّ من يتوجه له فيهم حقٌّ، كان له أن يفعل فيهم من ذلك ما شاء على وجه النظر والمصلحة، إلا خلافاً في الأطفال: هل يُباح ردُّهم إلى الكفار؟ وقد مضى الكلام

стр. 332

في ذلك مستوفىً في (الباب الخامس) ، في (فصل: أحكام الأسرى) . ومما جاء في المنِّ على السبي -النساء والذرية- ما رواه أبو عبيد في كتاب «الأموال» (١) قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعدٍ، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ ردَّ ستة الآفٍ من سبي هوازن -من النساء والصبيان والرجال- إلى هوازن حين أسلموا ... الحديث؛ وفيه قال: وزعم عروة، أن مروان ابن الحكم، والمسور بن مخرمة أخبراه، أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «معي من ترون، وأحبُّ الحديث إليَّ أصدقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمَّا السبيُ؛ وإما المال، وقد كنت استأنيتُ بهم» . قال: وكان رسول الله ﷺ قد انتظرهم بضع عشرة ليلةً، حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: نختار سَبينا. فإذا تقرر ذلك، فيجيء على مذهب من رأى تخيير الإمام في الأسرى، منهم: مالكٌ، وغيره، وهو الذي تقدم ترجيحه بالأدلة: أنه متى حكم الإمام باسترقاقهم، توجهت عليهم أحكام الغنائم في القسم والتخميس، هذا لا إشكال فيه، ومهما قتل الإمام من رأى قتله من الرجال، خرج من جملة الغنيمة، وكان له حكم الاستثناء والتخصيص في عموم الآية في القسم والتخميس بما تقرَّر وثبت من الأدلة المتقدمة: أن الإمام مخيّرٌ في ذلك.

стр. 333

واختلف في الوجوه الثلاثة: من المنِّ، والمفاداة به، والإقرار على ضرب الجزية؛ إذا رأى الإمام واحداً منها: فقيل: يكون ذلك كالقتل، يُخرجه من جملة الغنيمة. وقيل: بل يصير له بالاستحياء حكم الغنيمة الواجب قسمها، فإذا فعل ذلك الإمام احتسب به من الخمس، بخلاف القتل، وكلا القولين لأصحاب مذهب مالك. وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس الأخذ، أو حتى تُقسم؟ (١) وقد كان يجب أن لا يختلفوا أنَّ ذلك كله واحدٌ في خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فَرْق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك مُخيَّرٌ فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحقٌّ -أيضاً- في أصنافٍ سمَّاهم الله ، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء؟! ومن الدليل على خروج ذلك من جملة الغنمية، ما خرَّجه البخاري (٢) ، عن محمد بن جبير، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المُطعم بن

стр. 334

عديٍّ حيّاً، ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتنى؛ لتركتهم له» . فهذا سبيل المنِّ عليهم من الجملة، وكذلك بوَّب عليه البخاري: (باب المنّ على الأسرى من غير أن يُخمَّسوا) . وأمَّا الصنف الثاني، وهو الأموال المستولى عليها، فنوعان: عقار، وأصناف المال غير العقار. فأمَّا العقار، فاختلف أهل العلم في الأرضين المغنومة عنوة: هل ذلك مما يُخمس ويقسم على الجيش كسائر أصناف المال، أو حكم الأرضين حكم الفيء، لا حقَّ فيها للجيشٍ يخصُّهم، وإنما تكون وقفاً على مصالح المسلمين؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال: قول: إنها تقسم كسائر الأموال، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وغيرهم (١) ، ورُوي ذلك عن الزبير بن العوام (٢) ، ودليلهم عموم قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا

стр. 335

غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فدخل في ذلك الأرض وغيرها، وما ثبت أن النبي ﷺ قسم خيبر على الغانمين (١) ، وهذه أدلةٌ ظاهرةٌ قوية. وقولٌ ثانٍ: إن الأرض لا تقسم، بل تكون وقفاً في مصالح المسلمين، على حكم الفيء، لا يستأثر أحدٌ بملك أعيانها، بل هي لكل من حضر ذلك، ومن لم يحضره، ومن يجيء بَعْدُ من المسلمين إلى يوم القيامة، وهو قول مالكٍ

стр. 336

وأصحابه (١) . واستدلوا في ذلك بفعل عمر في أرض سواد العراق، وذكروا احتجاجه على ذلك بالآية من سورة الحشر، قوله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية كلها، إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٧] ، وإلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآيات، [الحشر: ١٠] ، وقول عمر: ما أحدٌ إلاّ وله في هذا المال! حتَّى الراعي بعدن (٢) .

стр. 337

قالوا: وكان فعل عمر في توقيف الأرض بمحضر الصحابة، من غير نكير (١) ، فدلَّ ذلك على أن معنى قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] : فيما عدا الأرضين، وأن الأرض لا تدخل في عموم ذلك، واستدلوا بأشياء من هذا الباب، ليس فيها بيانٌ جليٌّ. وقول ثالث: إن الإمام مخيَّرٌ بين أن يقسمها في المغانم، كما فعل رسول الله ﷺ بخيبر، أو يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر بأرض السَّواد، وهو قول سفيان الثوري، وأبي عُبيد، وأكثر الكوفيين (٢) ، وكأنهم رأوا الآيتين -آية الغنيمة من سورة الأنفال، وآية الفيء من سورة الحشر- واردتين مورد التخيير في حكم الأرض بخاصّة، قال بعضهم: فقسم رسول الله ﷺ خيبر اتباعاً لآية الغنيمة، ووقف عمر أرض السواد اتباعاً لآية الفيء، وهذا أيضاً مما لا دليل عليه يوضح دعوى التخيير فيه، والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، والله أعلم (٣) .

стр. 338

وقد قيل عن عمر: إنه لم يفعل في أرض السواد ما فعلَ، حتى استطاب على ذلك نفوس أهل الجيش، قاله الشافعي (١) ، قال: وكذلك الآن إذا غنموا أرضاً فَخُمِّسَتْ، ثم استطاب الإمام نفوس أهل الجيش عن أربعة الأخماس، فتركوا ذلك بطيب نفوسهم، فالإمام يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر، فهذا حكمُ الأرض، والاختلاف فيها. فصلٌ وأما أصناف المال غير العقار، وهي: الذهب، والفضة، والعروض: من الأثاث، والحيوان، والأطعمة، وغير ذلك، من سائر الأعيان التي أباح الشرع تملُّكها، فهي على وجهين: أسلابٌ، وغير أسلابٍ، فأما الأسلاب: فمن رآها تختص ملكاً للقاتل، كما ذهب إليه الشافعي وأهل الظاهر وجماعة من أهل العلم

стр. 339

سواهم (١) ، فهي عندهم مخصصة -أيضاً- من الآية، لا تدخل في القسم؛ للأدلة التي نَذكر في ذلك، إذا ذكرنا حكم السلب والخلاف فيه في (الباب الثامن) بعد هذا عند ذكر الأنفال -إن شاء الله تعالى-، ومن لم يرَ ذلك لم يحتج إلى هذا التفصيل، وكان حُكم الجميع عنده واحداً في المقاسم (٢) . وأما غير الأسلاب فضربان: * ما تقدم عليه ملكٌ للكفار، وهو جميع ما حازوه، ووضعوا اليد عليه، من

стр. 340

ضروب الأموال. * والثاني: ما كان على حكم الأصل قبل أن يحوزوه بالتملّك، نحو ما يقذف به في البحر من العنبر وغيره، وما يوجد من الجواهر والأحجار في أرضهم، والخشب والصيد ونحو ذلك. فأما الضرب الأول -وهو ما تقدم عليه ملك الكفار- فنوعان: طعام، وما يكون له حكم الطعام: من العلوفة، والأنعام تذبح، وما أشبه ذلك مما تدعو الجيش حاجةٌ في الغالب إليه. والنوع الثاني: سائر الأموال مما عدا ذلك. وهذا النوع لا يحتاج إلى بيان، فهو مما يستحق قسمه باتفاق، ويحرم أخذ شيءٍ منه قبل القسم، بلا خلاف (١) . وأما نوع الطعام، فالتبسُّط فيه بالأكل، والارتفاق للغني والفقير من الغزاة جائز، وذلك بشرطين: أحدهما: الاقتصار بذلك على دار الحرب. والثاني: أخذ قدر الحاجة هناك دون ما زاد. خرَّج البخاري (٢) ، عن ابن عمر قال: «كنا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه» . مسلم (٣) ، عن عبد الله بن مغفلٍ، قال: أصبت جِراباً من شحمٍ يوم خيبر،

стр. 341

قال: فالتزمته، فقلتُ: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال: فالتفتُّ، فإذا رسول الله ﷺ متبسِّماً. أبو داود (١) ، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قلت: هل كنتم تخمِّسون -يعني: الطعام- في عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء ويأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. قال ابن عبد البر (٢) : «أجمع جمهور علماء المسلمين على إباحة أكل الطعام إذا كان للحربيين، ما دام المسلمون في أرض الحرب، يأخذون منه قدر حاجتهم» . وجملة قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث ابن سعد: أنه لا بأس أن يؤكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام، وكذلك ذبح الأنعام للأكل. وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. وكان ابن شهاب لا يرى ذلك إلا بإذن الإمام (٣) . قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحداً قاله غيره» (٤) .

стр. 342

فأمَّا أن يُخرج أحدٌ من ذلك شيئاً إلى أرض الإسلام، فجمهور العلماء كرهوا ذلك، إذا كان لذلك الطعام قيمة، أو كانت للناس فيه هناك رَغبةٌ، وحكموا له بحكم الغنمية، فمن أخرج شيئاً من ذلك ردَّه إلى المقاسم إن أمكنه، وإلاَّ باعه وتصدَّق بثمنه. وخالف في ذلك الأوزاعي، فجعل ما أخرجه من ذلك إلى دار الإسلام، فهو له -أيضاً- (١) . قلت: وإنما يكون أخذ الناس لما أخذوا من ذلك على الوجه المعروف، فإن كان انتهاباً فهو حرام. وقد كفأ النبي ﷺ قدور ناسٍ كانوا معه في سفرٍ، فأصابوا غنماً، وقد اشتدت حاجتهم وجهدهم، فانتهبوها، ثم جعل يُرمل اللحم بالتراب، ثم قال: «إن النّهبة ليستِ بأحلَّ من الميتةِ، أو: إنَّ الميتةَ ليست بأحلَّ من النهبة» . ذكره أبو داود (٢) .

стр. 343

وخرَّج الترمذي (١) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من انتهب؛ فليس منا» . قال فيه: حسنٌ صحيح. وأما الضرب الثاني، وهو ما أُلْقي في أرض الكفار على حكم الأصل قبل أن يحوزوه، أو يضعوا عليه يد التملك؛ فهذا الضَّرب: من رآه لواجده، وأنه ليس على حكم الغنائم؛ لأنه لم يكن مُلكاً للكفار قبل، فهو ظاهر، ولا يحتاج إلى تفصيل، ونحو ذلك هو المرويُّ عن الشافعي (٢) . وأما بعض المالكية فقسموا ذلك على نوعين:

стр. 344

منه ما يكون له في جنسه بال: كالجوهر، والياقوت، والعنبر. قال أبو الوليد الباجي (١) : «فهذا قياسه على مذهب أصحابنا، أنه فيءٌ كله كالنساء والصبيان» . يعني بالفيء: الغنيمة، وأنه يقسم على حكم الغنائم بعد التخميس، ولا يكون لواجده فيه حقٌّ يختصُّ به، إلا ما أوجبه القسم. والنوع الثاني: ما لا خطر له في جنسه، كطيور الصيد: البازي، والصقر، ونحو ذلك، وكذلك الخشب تُنحت منه السهام، والقتب، والسرج، وكالحجر من الرخامة، والمِسَنِّ (٢) ، وشبه ذلك؛ فالذي عليه أكثر المالكية: أنَّ ما كان له من ذلك قيمةٌ بأرض العدو لخفَّة حمله والاغتباط به، فهو في المغانم، ويُحكى نحو ذلك عن مالك، وما لا كبير قيمة له، فلم ير به بأساً (٣) . رُوي عن مالك في أخذ العصا والدواء من الشجر، قال: لا أرى بأساً، وفي الرُّخام والمِسنِّ؛ شكٌّ، قال: لأنه لم يَنَلْ ذلك الموضع إلا بجماعة الجيش؛ فلا أحبّه؛ وسهّل في السرج يصنعه من ذلك والنشّاب، وقال في صيد الطير من أرض العدو: إذا باعه، أدى ثمنه إلى صاحب المقاسم. وأباح القاسم (٤) وسالم في صيد الطير والحيتان: أن يبيعه ويأكل ثمنه (٥) .

стр. 345

وقاله الأوزاعي (١) في الحطب والحشيش: إن أخذه فباعه فله ثمنه، ولا خُمس فيه. وقال فيما لم يحرزوه في بيوتهم؛ نحو: الشجر، والأقلام، والأحجار، والمِسنّ، والأدوية: إن لم يكن لشيءٍ منها ثمن؛ أخذه من شاء، فإن عالجه فصار له ثمن؛ فهو له ليس عليه فيه شيء، وقاله مكحول (٢) . وقال أحمد بن حنبل (٣) : «ما أصاب ببلاد الروم مما ليس له هناك قيمة، فلا بأس بأخذه» . قال الشافعي (٤) : «ما كان مباحاً ليس ملكه لآدمي، أو صيدٍ من برٍّ أو بحر، فأخذه مباح، يدخل في ذلك القوس يقطعها الرجل من الصحراء، أو الجبل، والقدح ينحته، وما شاء من الخشب، وما شاء من الحجارة، للبِرامِ (٥) وغيرها، فكل ما أصيب من هذا؛ فهو لمن أخذه» . وقال أصحاب الرأي (٦) : «كل شيء أصابه المسلمون في دار الحرب له ثمنٌ مما في عسكر أهل الحرب، أو ممَّا في الصحارى والغيطان والغياض، فهو في الغنيمة، لا يحلُّ لرجلٍ كتمه، من قبل أنه لم يقدر على أخذه إلا بالجند، ولا على

стр. 346

مبلغه حيث بلغ؛ إلا بجماعة أصحابه» . قلت: فقد عاد الخلاف فيما يوجد بأرض العدو مما لايملكه أحدٌ منهم منحصراً في ثلاثة أقوال: إباحة ذلك مطلقاً، على ما ذهب إليه الشافعي، ومنع ذلك مطلقاً، إلا أن يُجعل في الغنائم، على ما ذهب إليه أصحاب الرأي، والتفرقة بين ما لَهُ من ذلك ثمنٌ، وما لا ثمن له، فيباح ما لا خطر له، ويمنع ما له خَطَرٌ، وإليه ذهب: مالكٌ، وأحمدُ بن حنبل، وغيرهم ممن تقدم ذكره. فأمَّا مستند من منع مطلقاً، فقد أفصحوا بذلك، حيث رأوا أن شيئاً من ذلك لم يقدر عليه إلا بالجيش، فهم شركاؤه، وأما مُستند من أباح ذلك مطلقاً، فإنه لما لم يُضَفْ إلى ملك مالكٍ؛ استحقَّه واجده، كما يكون ذلك في أرض الإسلام، وأوضح من هذا أنه مالٌ: لم يَجْرِ (١) عليه مُلك الكفار، فلم يتناوله حكم الاغتنام، وهذا راجح. وأما التفرقة بين ما لَهُ ثمنٌ من ذلك، وما لا ثمن له؛ فاستحسان. * مسألة: اختلف فيما عجز الجيش عن حمله من المغانم؛ فطرحه الإمام، أو أراد إحراقه، فأخذه رجلٌ من الجيش. فرُوي عن مالكٍ في مثل ذلك أنه لمن أخذه دون الجيش، ولا خُمس فيه، ونحوه قال الأوزاعي. وقال أشهب: لا يكون لمن أخذه، وهو فيه كرجلٍ من الجيش (٢) .

стр. 347

قال ابن المنذر (١) : «كان الليث بن سعد يقول: «من ترك دابة قامت عليه بمضيعةٍ؛ لا تأكل ولا تشرب، فهي لمن أخذها، إلا أن يكون تركها وهو يريد أن يرجع إليها، فيرجع مكانه فهي له» . وقال الحسن بن صالح -في الرجل يأكل التمرة ويرمي بالنوى-: «إنَّ النوى لمن أخذه، وكذلك كل شيء سوى النَّوى خلَّى عنه وتركه وأباحه للناس من دابةٍ، أو غير ذلك، فإن أخذه إنسانٌ، فليس لربِّ المال أن يرجع فيه» . وقاله الشعبي -فيمن قامت عليه دابته فتركها-: «هي لمن أحياها» ، قيل: عمَّن هذا يا أبا عمرو؟ فقال: «إن شئت عددتُ لك كذا وكذا من أصحاب رسول الله ﷺ » (٢) .

стр. 348

وقال مالك -في القوم في البحر يلقون بعض متاعهم خشية الغرق فيأخذه غيرهم، أو الدابة تقوم على الرجل فيتركها بالفلاة، فيأخذها بعض من مرَّ بها فيصلحها، ثم يأتي صاحبها فيريد أخذها-: «إنَّ ذلك يردُّ إلى صاحبه، فإن كان أنفق عليه شيئاً أخذ منه» (١) . فَفَرَّق مالكٌ بين هذا وبين ما يلقيه صاحب المقاسم. وفي مذهب الشافعي: يأخذه صاحبه، ولا شيء للذي أنفق عليه؛ لأنه متطوع لم يؤمر بذلك (٢) . وقال الليث: ليس لمن ترك ذلك من أهل المركب، ولا صاحب الدابة شيء؛ لأنهم طرحوه على وجه الإياس منه (٣) . وفرَّق أحمد بن حنبل، فقال في الدابة: هي لمن أحياها، وفي المتاع يلقيه الرجل فيأخذه آخر: يعطى كراءه، ويُردُّ على صاحبه» (٤) . قلت: وجه ما ذهب إليه مالك، في أن جميع ذلك لصاحبه: هو أن ملكه على ذلك ثابت بالشرع، فلا يذهب إلا بمزيل شرعيٍّ، وليس تركه ذلك لغير مالكٍ سوَّغه

стр. 349

إياه بمزيلٍ عنه ملكه بحال، فمن أخذه بَعدُ، فإنما أخذه على ملك الأول، فوجب أن يرد عليه. ووجه تفريق مالك بين ما تركه الرجل من ماله وبين ما طرحه الإمام من المغانم عجزاً عن حمله، حيث رأى ذلك لمن أخذه: أن ملك الجيش لما غنموه لم يتقرَّر تقرر الأملاك المُتعيّنة بأيدي أربابها، فلم يلزم فيها مثل ذلك. ووجه ما ذهب إليه الليث، والشعبي، وحكى مثله عن بعض الصحابة في إباحة ذلك لمن أخذه وأصلحه، أنَّ مالكه حين تركه يائساً منه فقد أباحه لكل من أخذه، فإذا حازه إنسان، فقد خرج عن ملك صاحبه بإباحته إياه، وقبض الثاني له. وأما تَفْرِقةُ من فرَّق بين الدابة والمتاع، فهو غير خارجٍ عن هذا الأصل، إلا أنه غلَّب في تارك الدابة حين يئس منها، أن ذلك لايكون إلا تخلِّياً عنها وإباحةً لمن شاء أخذها؛ لأن بقاءها دون قيٍّم عليها لا يكون معه حياتها، بخلاف المتاع وشبهه، قد يبقى المدة حتى يرجع إليه صاحبه، فلم يكن في تخليته إياه دليل على يَأْسِه منه، وإباحته لمن أخذه. وأما اختلاف مالكٍ والشافعي في النفقة: هل يرجع بها على صاحب الدابة والسلعة، أو لا؟ فكلاهما ينتزع من قوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، فمن رأى أنه لا رجوع له بما أنفق، قال: لأنه أنفق ماله متطوعاً، فلم يكن له الرجوع على غيره، وهو لم يأمره، ولا التزمه له؛ لأنه أكل مالٍ بالباطل، ومن رأى له الرجوع بما أنفق قال: لأن إنفاقه لم يكن تطوعاً محضاً، لكن بشرط أن يتم له الملك، فلما لم يتم له ذلك، وحَصَلَ للآخر انتفاعٌ بما أنفق، كان لازماً له الغرم، وإلا فهو أكل مالٍ بالباطل. * مسألة: إذا غلب الكفار على شيء من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون في جملة أموال الكفار، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم يرجع إلى ثلاثة أقوال: قول: إنه مِلْكٌ لصاحبه كما كان، يأخذه متى وجده، قبل القسم وبعده،

стр. 350

تداولته الأملاك، أو لم تتداوله؛ كالحال في المغصوب بين المسلمين ولا فرق، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأهل الظاهر (١) . ودليلهم: قول الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وغير ذلك من الأدلة التي بها يستحق المغصوبات، ويُسترجع كل مالٍ أُخذ من مالكه على غير وجه الشرع، ولا فرق بين أخذ الكفار له كذلك أو المسلمين، وأخصُّ من هذا بالمسألة ما احتجَّ به الشافعي في قصّة العضباء. خرَّج مسلم (٢) ، عن عمران بن حصين قال: أُسرت امرأة من الأنصار، وأُصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رَغَا

стр. 351

فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرغُ -قال: وهي ناقةٌ مُنوَّقة- (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت، ونَذِرُوا بها فطلبوها، فأعجزتهم، قال: ونذرت لله: إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العَضباء: ناقة رسول الله ﷺ ، فقالت: إنها نذرت إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: «سبحان الله! بئس ما جَزَتْها! نذرت لله إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها؟!، لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك» . قال: فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بالغَلبة، ولا بغيرها، ولو ملكوها لكانت المرأة قد مَلَكتها كسائر أموالهم، وكان يصحُّ نذرها. وفي البخاري (٢) ، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرُدَّ عليه في زمان رسول الله ﷺ ، وأبَق عبدٌ له، فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ . وقول ثانٍ: إن ما حازه العدو من ذلك فقد ملكوه، فإذا استولى عليه

стр. 352

المسلمون؛ كان غنيمة لمن استولى عليه، كسائر أموالهم، ولا حقَّ في ذلك لصاحبه بحال؛ قاله الزهري (١) ، ورُوي مثله عن علي (٢) . وقولٌ ثالث: يُفرَّق فيه بين إدراك صاحبه إيَّاه قبل القسم أو بعده؛ قال مالك، والليث، وأحمد بن حنبل: يُردُّ ذلك إلى صاحبه قبل القسم بغير ثمن، ويُخيَّر بعد القسم فيه بالغنيمة (٣) . وكذلك قال أبو حنيفة (٤) فيما صار إلى الكفار

стр. 353

بغَلَبة، وفرَّق بينه وبين ما صار إليهم بغير غلبة: كالعبد يأبق إليهم، ونحو ذلك، فقال في هذا كقول الشافعي: هو لصاحبه قبل القسم وبعده بغير شيءٍ. والأظهر قول الشافعي فيما حازوه: أن جميعه لمالكه على الإطلاق، يؤيده الكتاب والسنة والنَّظر (١) .

стр. 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →