فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرغُ -قال: وهي ناقةٌ مُنوَّقة- (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت، ونَذِرُوا بها فطلبوها، فأعجزتهم، قال: ونذرت لله: إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العَضباء: ناقة رسول الله ﷺ ، فقالت: إنها نذرت إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: «سبحان الله! بئس ما جَزَتْها! نذرت لله إن نجَّاها الله عليها لتنحرنَّها؟!، لا وفاء لنذرٍ في معصية، ولا فيما لا يملك» .
قال: فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بالغَلبة، ولا بغيرها، ولو ملكوها لكانت المرأة قد مَلَكتها كسائر أموالهم، وكان يصحُّ نذرها.
وفي البخاري (٢) ، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرُدَّ عليه في زمان رسول الله ﷺ ، وأبَق عبدٌ له، فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ .
وقول ثانٍ: إن ما حازه العدو من ذلك فقد ملكوه، فإذا استولى عليه
стр. 352
المسلمون؛ كان غنيمة لمن استولى عليه، كسائر أموالهم، ولا حقَّ في ذلك لصاحبه بحال؛ قاله الزهري (١) ، ورُوي مثله عن علي (٢) .
وقولٌ ثالث: يُفرَّق فيه بين إدراك صاحبه إيَّاه قبل القسم أو بعده؛ قال مالك، والليث، وأحمد بن حنبل: يُردُّ ذلك إلى صاحبه قبل
القسم بغير ثمن، ويُخيَّر بعد القسم فيه بالغنيمة (٣) . وكذلك قال
أبو حنيفة (٤) فيما صار إلى الكفار
стр. 353
بغَلَبة، وفرَّق بينه وبين ما صار إليهم بغير غلبة: كالعبد يأبق إليهم، ونحو ذلك، فقال في هذا كقول الشافعي: هو لصاحبه قبل القسم وبعده بغير شيءٍ.
والأظهر قول الشافعي فيما حازوه: أن جميعه لمالكه على الإطلاق، يؤيده الكتاب والسنة والنَّظر (١) .
* مسألة:
إذا غلب الكفار على الحرَّة المسلمة؛ فولدت لهم الأولاد، ثم ظهر عليهم المسلمون، ففي ولدها الذين أُخذوا معها خلاف:
قيل: هم على حكمها: أحرارٌ مسلمون، كِباراً كانوا أو صغاراً، ويُجبرون على الإسلام، ومن أبى منهم الإسلام كان كالمُرتدّ، يُقْتَل إن كان كبيراً، ويُنتظر به البلوغ إن كان صغيراً، يُروى ذلك عن مالك (١) ، وهو مذهب الظاهري، وعليه يجيء مذهب الشافعي (٢) .
ورُوي عن أشهب: أن جميع أولادها من كبير وصغير فيءٌ، وكذلك حملها منهم، فأجراهم على حُكم الأب (٣) .
وقولٌ ثالث: إن الصغير بمنزلتها، والكبير فيءٌ، يُروى ذلك عن ابن القاسم (٤) .
والأرجح ما ذهب إليه مالك، ومن قال بمثله؛ لأن الأصل الفطرةُ على الإسلام، وإنما ينتقل حكم الولد عن ذلك حتى يجوز سِباؤه واسترقاقه إذا كان بين كافِرَيْن؛ بما أحكمته السنة من ذلك، فأما أن يكون أحدهما مسلماً فلا يكون له في ذلك إلا حكم الإسلام؛ ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] ، ﴿وَلَن
стр. 357
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . وهذا الاستدلال على طريقة أهل الظاهر، وهو صحيح.
فإذا كانت المرأة التي غلب عليها الكفار ذِمِّية رُدت إلى ذمتها، وكان ولدها فيئاً؛ لأنه بين كافِرَيْن، هذا هو الأظهر، وهو قول مالك (١) ، وفيه -أيضاً- اختلاف.
فإن كانت أَمَة، فهي وبنوها لسيدها، لأنه استحقاق، هذا هو الأرجح، وقاله ابن القاسم (٢) ، وفيه -أيضاً- خلاف (٣) .
فصل: في صفة من يستحق الإسهام من الغانمين
قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . فلما أضاف -تعالى- الأموال المقدور عليها في الجهاد إلى الغانمين، ثم عيَّن من ذلك الخمس خاصة في مصرفه، وأقرَّ سائره على إضافته، كان كالنصِّ في أنَّ ما بقي بعد ذلك لهم، وإن لم يعيَّن بالقول؛ لأن ذلك هو نمط الكلام، كقوله
-تعالى-: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء: ١١] ، فأضاف الوراثة إلى الأبوين، ثم عيَّن من ذلك حظَّ الأم، فكان ذلك نصَّاً في أن الباقي للأب، وإن لم يعرض له بالتعيين.
وأجمع أهل العلم على أنَّ من كان: حرّاً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، مسلماً، صحيحاً؛ فإنه يستحق أن يسهم له في المغنم إذا شهد مع الناس، ولم يكن تاجراً، ولا أجيراً (٤) .
стр. 358
واختلفوا في: العبد، والمرأة، والصبي، والذِّمي، والمجنون، والمريض، والتاجر، والأجير، على ما نذكره.
فأما العبد ففيه ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا حظّ له في الغنمية من سهم ولا غيره، رُوي ذلك
عن مالك، قال: «لا أعلم العبد يُعطى من الغنيمة شيئاً» (١) ، وكذلك يُروى عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، أنهما قالا: «لا يسهم للعبد، وليس له في الغنمية نصيب» (٢) .
وقول ثانٍ: إنه يُسهم له كالحُرِّ؛ رُوي عن الحكم بن عُتيبة، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن شعيب: أن العبد إذا حضر القتال أُسهم له، وإليه ذهب أهل الظاهر (٣) .
стр. 359
وقول ثالث: إنه لا يُسهم للعبد ولكن يُرضخ (١) له، وإليه ذهب الجمهور؛ رُوي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما،
والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٢) .
فمستند من لم ير له حقّاً في الغنيمة من سهمٍ، ولا من غيره: حَملُ الخطاب بالجهاد وما يتعلق بذلك من الغنائم وسائر الأحكام: على أنَّ ذلك مختصٌّ بالأحرار، لا مدخل في شيءٍ منه للعبيد، فلم يستحقوا معهم في ذلك شيئاً.
ودليل من أسهم لهم كالأحرار: حمل الخطاب في ذلك كلِّه عامّاً في
стр. 360
الأحرار والعبيد؛ لأن خطاب الشرع بالأمر والنهي والإثبات والنفي وسائر أسباب التكليف لا يخُصُّ حرّاً من عبدٍ، ولا ذكراً من أنثى، إلا ما خرج من ذلك بدليل؛ فالمرأة ممن خرج -بدليل السنة الصحيحة والإجماع- من الخطاب بالجهاد، وبقي العبد؛ فكلُّ ما أضيف من الأحكام للمجاهدين، وأثبت لهم من الغنائم، دخل فيها العبد إذا حضر الجهاد.
وحُجَّة من لم يُسْهِم للعبد، ورأى أن يُرضخ له: ما خرَّجه مسلم (١) فيما كتب به ابن عباس إلى نجدة بن عامر الخارجي، فقال: «وسألتَ عن المرأة والعبد، هل كان لهما سهمٌ معلومٌ إذا حضروا البأس؟! وإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم، إلا أن يُحذيا من غنائم القوم» .
وفي الترمذي (٢) ، عن عُمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي،
стр. 361
فكلَّموا فيَّ رسول الله ﷺ ، وكلَّموه أني مملوك، فأمر بي فقُلِّدت السَّيف، فإذا أنا أجرُّه، فأمر لي بشيء من خُرْثيِّ المتاع، وعرضت عليه رقية كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها. قال فيه: حسن صحيح.
قوله: الخُرْثيُّ: هو أردأ المتاع وأهونه.
فصلٌ
وأما المرأة ففي حكمها -أيضاً- ثلاثة أقوال:
قول: إنه لا شيء لها من الغنيمة بإسهام ولا رضخٍ. قال ابن وهب: سألت مالكاً عن النساء: هل يُحذين من الغنائم في الغزو؟ قال: ما علمت ذلك (١) .
ومستند هذا القول مثل ما ذكرنا في منع العبد من الغنمية: أنه صنف لا مدخل له في الخطاب بالغزو، فلم يكن له في الغنيمة حظٌّ.
وقول ثانٍ: أن يُسهم للنساء، قاله الأوزاعي، وزعم أن رسول الله ﷺ أسهم للنساء بخيبر، قال الأوزاعي: «وأخذ بذلك المسلمون عندنا» (٢) . وبذلك قال ابن
حبيب من أصحاب مالك؛ إلا أنه شَرطَ أن تقاتل
كقتال الرجال (١) .
وقول ثالث: إنه لا يُسهم للمرأة، ويُرضخ لها، وإليه ذهب الجمهور، رُوي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والليث، وقاله أهل الظاهر (٢) .
والدليل على ما ذهبوا إليه: ما خرَّجه مسلم (٣) ، عن ابن عباس،
أن رسول الله ﷺ كان يغزو بهنَّ، فيداوين الجرحى، ويُحْذَيْنَ من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهنَّ.
فصلٌ
وأمَّا الصَّبيُّ؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يُسهم إلا لبالغ، روي ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل (٤) ، وهو مذهب أهل الظاهر، ويُرضخ له
стр. 364
عندهم إذا قاتل، قاله أبو محمد بن حزم (١) . ودليل ذلك: أنه غير مخاطبٍ باتفاق، فلم يكن من أهل الجهاد الذين وجبت لهم الغنائم.
وحديث ابن عمر، خرَّجه مسلم (٢) عنه، قال: عَرَضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً، فأجازني.
وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن هذا حدٌّ ما بين الصغير
والكبير، رُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (٣) ، وكتب به إلى عُمَّاله، وهو قول الشافعي وغيره (٤) . وقال مالكٌ في المراهق: «إذا أطاق القتال؛ يُسهم له» (٥) . وكذلك قال الأوزاعي:
стр. 365
يُسهم لغير البالغ؛ إذا حضر
القتال (١) .
فصلٌ
وأما الذِّمي، فلا يصح أن يُسهم له؛ لأن الإسلام شرط في استحقاق الغنيمة عند الجميع إلا من شذَّ.
ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم رأى أن يُسهم للذمي إذا شهد القتال مع المسلمين، وروى حديثاً عن الزهري: أن النبي ﷺ أسهم لقومٍ من اليهود قاتلوا معه (٢) .
стр. 366
وذكر أبو بكر بن المنذر، أنه قول الزهري، والأوزاعي، وقاله إسحاق بن راهويه، وكره أن يُستعان بهم أولاً، فإن وقع ذلك أُسهم لهم (١) .
وكذلك وقع في مسائل لبعض المالكية: أنه يُسهم للذمي إذا أذن
له الإمام في الغزو معه (٢) . وكل ذلك لا يستقيم، ولا يثبت له دليل.
стр. 367
أما حديث الترمذي فمنقطع لا يثبت بمثله العمل، بل لو صح لما أمكن أن تُترك له ظواهرُ القرآن، وصحيحُ السنة، وسديدُ النظر المبنيُّ على القواعد المحكمة في الشرع، وكان يكون ذلك محمولاً على الخصوص في نازلة؛ لأنه حكاية فعلٍ لا يتعدى. والدليل على صحة ذلك: أن الله -تعالى- يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] ، وهذا إضافةٌ للغنيمة إلى المؤمنين بيقين، فلم يكن لغيرهم فيها حقٌّ. وقال -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: ٦٩] ، ولا مدخل هنا للكافر بحال، وقال النبي ﷺ : «أُحِلَّت لي الغنائم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلي» (١) . فهذا نصٌّ في خصوصية ذلك
بهذه الأمة، والحمد لله.
ولما جعل الله ذلك مما فضَّل به نبيه ﷺ وخصَّه به وأمَّته، استحال أن
стр. 368
يشاركهم فيه غيرهم ممَّن لا يلفظ بالإسلام.
فصلٌ
وأمَّا المجنون، فإن كان مُطبقاً، لم يسهم له، وهو كالصبي في عدم التكليف، بل هو في هذا الباب أسوأ حالاً منه؛ لأنه لا يَتَأتَّى منه فعل الجهاد، كما قد يتأتى بعض ذلك من الصَّبيِّ إذا اشتدَّ، وكان مراهقاً، والإسهام إنما يستحقه المسهم له بفعل الجهاد: من قتالٍ، أو لزوم ساقة، أو انتصابٍ في كمين، أو حراسة أحوال المقاتلين، وما أشبه ذلك، فإذا لم تكن فيه أهلية ذلك فِعلاً ولا قصداً، فأنَّى يَستحقُّ حظّاً، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال، فقيل: إنه يسهم له، وذلك ظاهرٌ إن كان عقله مما يُنَزَّلُ عليه التكليف، مثل أن يكون أخرق، أو أهوجَ -وهما أول مراتبِ ضعفِ العقل وعدم التثبت والرفق-، ونحو ذلك مما لا يُسقط عنه الأحكام، وأما إن كان بحيث لا يُكلَّف مثله، وهو مع ذلك يمكن أن يُفاد لبعض كفاية المقاتلين، فيغنى فيه؛ فالإسهام له
إنما يكون نحواً من الإسهام للمراهق إذا أطاق القتال فقاتل مع الجيش، فمن رأى الإسهام لذلك، أمكن أن يراه لهذا، والظاهر أن لا سهم لهما، لما تقدَّم، والله أعلم (١) .
فصلٌ
وأمَّا المريض، فإن كان زمِناً لا يستطيع شيئاً في الحال، ولا يُرجى في المآل، ولا ينتفع منه في عمل الجهاد بأمر، فالمروي عن أصحاب مالك: أنه لا يُسهم له، وذلك كالمفلوج اليائس (٢) .
стр. 369
واختلفوا في: الأعمى، والمقعد، وأقطع اليدين؛ لاختلافهما: هل يتمكن لهم نوعٌ من أنواع القتال: كإدارة الرأي إن كانوا من أهل المعرفة والدَّهاء في الحرب، وقتال المقعد راكباً، والأعمى يُناول النبلَ، ونحو ذلك، ويُكثِّرون السواد؟ فمن رأى لمثل ذلك أثراً في استحقاق الغنيمة أسهم له، ومن لم يَرَه؛ منعَ (١) .
وأمَّا من كان به مرض يُرجى زواله، فله ثلاثة أحوال: إما أن يخرج مريضاً، وإما أن يمرض بعد الإدراب، وقبل حضور القتال، وإما أن يمرض بعد القتال.
فأمَّا الذي يخرج مريضاً، فعند المالكية فيه خلاف: هل يُسهم له، أو لا يُسهم له؟ قال اللخْمي: أرى أن لا شيء له، إلا أن يُقْتدى برأيه، فرُبَّ رأيٍ أنفعُ من قتالٍ (٢) .
وكذلك اختلف فيه إذا مرض بعد الإدراب: وهو أن يُفارق أرض الإسلام، ويدخل في بلاد الكفر وحوزتهم، والقول في هذا، أنه يُسهم له: أكثر عندهم وأقرب.
ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يُسهم له، وإن كان مرضه قبل حوز الغنيمة، وهذا صحيح؛ لما نذكره بعدُ في (فصل: الأفعال التي يُستحق بها
стр. 370
الإسهام) ، ذِكراً يأتي على توجيه ما مضى في هذا الضرب من الأقوال، وما يتبيَّن به في ذلك وجه الصواب إن شاء الله تعالى- (١) .
فصلٌ
وأما التاجر والأجير يكونان في الجيش، فاختلف أهل العلم فيهما على ثلاثة أقوال:
قيل: يُسهم لهما إذا شهدا مع الناس القتال، قاتَلا، أو لم يُقاتِلا (٢) .
وقيل: لا (٣) يُسهم لهما، قاتَلا، أو لم يُقاتِلا (٤) .
وقيل: إن قاتَلا، أسهمَ لهما، وإلا؛ فلا (٥) .
стр. 371
وقد روي عن مالكٍ في الأجير هذه الأقوال الثلاثة (١) . ولم يُختلف عنه أنه إن لم يقاتل ولم يشهد، فلا شيء له، وقول مالك في إحدى الروايات عنه: لا يُسهم للأجير والتاجر إلا أن يُقاتِلا (٢) ، هو قول أبي حنيفة وأصحابه (٣) .
ومن قول مالك: إنه يُسهم لكلِّ من قاتل إذا كان حُرّاً (٤) ، وهو قول أحمد بن حنبل (٥) ،
стр. 372
وقال الحسن بن حيّ: يسهم للأجير (١) .
وروي مثل ذلك عن الحسن، وابن سيرين؛ في التاجر والأجير: أن يُسهم لهما إذا حضرا القتال، قاتلا، أو لم يُقاتِلا (٢) .
وقال الشافعي: «لو كان لرجلٍ أجيرٌ يريد الجهاد معه، فقد قيل: يُسهم له، وقيل: لا يُسهم له، إلا أن يكون قتالٌ فيقاتل، وكذلك التجَّار إن قاتلوا، قيل: يُسهم لهم، وقيل: لا يُسهم لهم» (٣) .
قال ابن عبد البر (٤) : «جمهور العلماء يرون: أن يُسهم للتجار إذا حضروا القتال. وقال الأوزاعي، وإسحاق: لا يُسهم للعبد ولا للأجير المستأجَر على خدمة القوم» .
قال ابن عبد البر (٥) : «من جعل الأجير كالعبد لم يُسهِمْ له، حضر القتال أو لم يحضر، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعاً له من الإسهام» .
قال: ومن حجته ما رواه عبد الرزاق (٦) ، من حديث عبد الرحمن بن عوف،
стр. 373
أنه قال لرجلٍ من فقراء المهاجرين: اخرج معي إلى الغزو، فوعده بذلك، ثم إنَّ هذا امتنع عن الخروج حتى أرضاه بثلاثة دنانير، فلما هزموا العدو، وأصابوا المغنم، ذكر أمره لرسول الله ﷺ ، فقال: «هذه الثلاثة الدنانير حظُّه ونصيبه من غزوته؛ في أمر دنياه وآخرته» . والحديث اختصرته هنا.
قال القاضي عبد الوهاب (١) : «لا يُسهم للأجراء والصُّنَّاع المتشاغلين بأكسابهم (٢) ؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ
стр. 374
اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، ففرق بين حكميهما (١) . قال: فأما إن قاتلوا فلهم سهمهم؛ لأنهم ممن خوطب بالجهاد، فإذا قاتلوا أسهم لهم كغيرهم» .
هذا قول صحيح، واستدلالٌ ظاهر، وهو الأرجح، والله أعلم.
* مسألة:
إذا حاز أحد الأصناف الذين لا يُسهم لهم: كالعبيد، وأهل الذمة غنيمةً، فإما أن يكونوا تولوا ذلك بانفرادهم، لم يخالطهم غيرهم من أحرار المسلمين الذين يُسهم لهم، وإما أن يكون معهم من يُسهم لهم؛ فإن كانوا بانفرادهم، دفع ذلك إليهم، ولا خُمس فيما صار من ذلك لأهل الذمة (٢) .
وقال سفيان الثوريُّ في المشركين يخرجون بغير إذن الإمام؛ فيصيبون غنيمة: حالهم في ذلك كحال المسلمين، يعني: إن ذلك يخمس، ويكون الباقي لهم (٣) .
стр. 375
واختلف أصحاب مالك في العبيد: هل يخمس ما يصير إليهم، أو لا؟ فقال ابن القاسم: يخمس، وقال سحنون: لا يخمس (١) ، قال: إنما ورد الخطاب بالخمس فيمن خوطب بالجهاد، وأما إن خالطهم غيرهم ممن يسهم لهم، فذلك له حالان:
إحداهما: أن يكون من يُسهم له فيهم قليلاً تبعاً، ليس مثلهم، كأن يُقدر على ذلك لو انفردوا، فهذا قال فيه سحنون وغيره: تقسم الغنيمة في جميعهم، يعني: ويُخمَّس ما صار من ذلك لأهل الخطاب بالجهاد (٢) .
والحال الثانية: أن يكون الذين يُسهم لهم هم المُعظم، ويكون من لا يُسهم لهم تبعاً، كالجيوش يكون فيها العبيد وغيرهم، فقد مضى الكلام في حكم ذلك، وأنه لا يُسهم لهم، على ما ذهب إليه الجمهور: مالكٌ، والشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهم، والغنيمة لأهل الجيش دونهم (٣) .
стр. 376
وقال ابن حبيب: إن كان أذن الإمام لقومٍ من أهل الذمة في غزو العدو معه: أسهم بينهم وبين المسلمين (١) .
قلت: هذا لا يصلح؛ من وجهين: أحدهما: إذنه للذمِّي في الغزو معه، والثاني: الإسهام لهم مع المسلمين، وقد تقدم القول في منع ذلك كلِّه، وقيام الأدلة عليه.
قال أبو الوليد الباجي (٢) : أما ما أخذ على وجه السرقة والتلصص، فحكم أهل السهم وغيرهم فيه سواء، يأخذ كل واحدٍ منهم حصته، بخلاف ما أخذ على وجه المدافعة والمغالبة، فذلك لأهل الإسهام دون من شركهم. ومثل هذه التفرقة بين حال الغزو والتلصص مروي عن ابن القاسم (٣) ، وذلك جنوح إلى أن حكم ما يُسرق ويُتلصص عليه غير حكم الغنائم، وأنه
يختصُّ به من أخذه، كما يقوله الشافعية وغيرهم، وكان يلزم على ذلك أن لا يكون فيه خمس، وهو كله عند المالكية يُخمس؛ إن كان أهل السرقة والتلصص الذين حازوه ممن يسهم لهم، لم يختلفوا في ذلك، وفي أنه لا يُخمس إن كانوا من أهل الذمة، والخلاف عندهم إن كانوا عبيداً -كما تقدم-. قال اللخمي في الصبي والمرأة: «يلزم على قول سحنون أنه لا يُخمس ما حصل لهم في ذلك -أيضاً-؛ لأنه رأى التخميس إنما خوطب به من خوطب بالجهاد» .
فصلٌ: في بيان ما يُستحق به الإسهام من العمل
قال الله -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٩] . فكان الأصل في استحقاق الغنيمة، ما به تُحاز وتُغنم، وهو: القتال، إلا أن القتال يكون من لواحقه
стр. 377
وضروراته أعمالٌ يتقسمها (١) الجيش، كلها ترجع إلى إنجادهم، وإعانتهم، وتدبير أحوالهم، وتفرغهم للإقبال على القتال؛ فمن ذلك الوقوف في الساقة (٢) رِدءاً لهم، ومن ذلك الخروج في الكمين؛ لانتهاز الفرصة، والدفع في موضع الحاجة، ومن ذلك التقدم في السرايا والمسالح (٣) أمامهم وخلفهم، ومن ذلك حراستهم في رحالهم وأحوالهم، والنظر فيما يصلحهم من العَلُوفة وغيرها، مما فيه معونتهم على ما هم بصدده، فكان جميع هؤلاء شركاء في المغنم؛ لأنه بذلك تمَّ أمرهم.
قال القاضي عبد الوهاب (٤) : «من شهد القتال فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل؛ لأنه قد حضر سبب الغنمية وهو القتال؛ ولأنه ليس كل الجيش يقاتل؛ لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون
بعضهم في الرِّدء، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العَلُوفة، على حسب ما يحتاج إليه في الحرب.
فلو قلنا: إنهم يقاتلون كلهم لم يستمر؛ لما بينَّاه، ولو قلنا: إنه لا يستحق إلا من قاتل، لكان كل الجيش يقاتل، فيبطل التدبير. قال: وقيل في قوله -تعالى-: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] ، أي: كَثِّروا» .
قلت: فإذا تقرَّر ذلك، فمن خرج في الجيش برسم الجهاد، فكان من فريق من ذكرنا للتعاون على الحرب، فلا خلاف أعلمه في أنه يسهم له، إذا كان في نفسه على الصفات التي قدَّمنا، حسبما مضى في بعضها من الخلاف، فإن صدّه عن
стр. 378
فعل شيءٍ مما ذكرنا صادٌّ، مثل أن يمرض أو يموت (١) أو يضلّ في طريقه عن الوصول ويبدع به، وما أشبه ذلك من الأعذار التي لا يكون له فيها اختيار، ففي ذلك خلافٌ، نذكر منه -إن شاء الله- ما تمكن (٢) .
وأما من خرج في الجيش لعملٍ يخصُّه؛ من تجارةٍ أو إجارة، وغير ذلك مما لا يكون سبب شخوصه فيه الغزو، لكن طلبُ كسبٍ، كما كان يفعل في غير سفر الغزو، فلا شيء لواحدٍ من هؤلاء -كما تقدم- إلا أن يحضروا القتال مباشرة مع المقاتلين أو شهوداً فيه، وإن لم يقاتلوا، ففيه من الخلاف: هل يُسهم لهم أو لا؟ ما تقدم ذكره في فصل التجار والأُجَراء.
فأما اختلافهم فيمن خرج غازياً، فاعترضه عن تمام ما نوى من ذلك عارضٌ لا اختيار له فيه، فنذكر -كما قلنا- مما نقل عنهم في ذلك ما فيه غُنية، ثم نُنَبِّه على ما يظهر لنا أنه سبب الخلاف، ونشير إلى توجيه كلِّ مذهب، وإلى ما نرى أنه الأرجح -بحول الله تعالى-.
فمن ذلك ما روي عن مالكٍ، والشافعي، والليث بن سعد، والثوري، قالوا: كلُّ من حضر القتال، مريضاً (٣) أو صحيحاً، فلم
يقاتل: فله سهم المقاتل (٤) .
وفي «المدونة» (٥) عن مالكٍ، فيمن خرج غازياً، فلم يزل مريضاً حتى شهدوا القتال، وحازوا الغنيمة: أنه له سهمه، وكذلك لو شهد القتال بفرسٍ رَهيصٍ (٦) ،
стр. 379
فله سهمه -يعني: سهم الفرس-.
قال ابن حبيب: بخلاف الحطيم والكسير (١) .
وقال مالك: ما كلُّ من حضر يقاتِل، ولا كُلُّ فرسٍ يقاتَل عليه. وروى عنه أشهب وابن نافع، أنه: لا يسهم له (٢) .
وفي «المدونة» (٣) عن ابن القاسم فيمنَّ ضلَّ بأرض العدو، فغنموا بعده، فله سهمه. وكذلك روي عن مالك في الذين [يغزون في البحر، فيرد الريح] (٤) بعضهم إلى بلاد الإسلام، أن لهم سُهْمانهم، وكذلك قال في المراكب إذا وافت أرض الروم ثم انكسرت، أو مرِضَ أهلها، فرجعوا إلى الشام، ثم غنمَ الذين مضوا، فللآخرين سُهمانهم إذا رجعوا خوفاً على أنفسهم (٥) .
وكان ابن الماجشون يُثبت السهمان لمن مات، أو قُتِل، أو أُسِر، أو ضلَّ، أو فلَّ، أو غاب، بعد أن أوجف ودخل المخافة، وجاوز الأمن. وبه قال عبد الملك ابن حبيب (٦) .
يُريد بالإيجاف: الفصلَ عن بلاد المسلمين، والدخولَ في بلاد العدو وحيث يخاف؛ فهذا كله قول بإثبات سُهمان من صدَّه أمرٌ غالب، إذا كان خروجه بنية الغزو.
стр. 380
وفيه قول ثانٍ: أن لا شيء لهم.
روى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون فيمن ضلَّ عن الجيش حتى غنموا: أنهم لا سهم لهم (١) .
وعن سحنون فيمن ردَّته الريح، أو رجع لمرض: أنه لا سهم له (٢) .
قال اللخمي: هذا أحسن. قال: ولا أرى أن يستحقَّ السُّهمان إلا بشهودِ القتال، فمن لم يشهد لمرضٍ أو موت، أو لأنه ضلَّ، أو ردَّته الريح، أو غير ذلك، فلا شيء له.
وعن مالكٍ فيمن دخل أرض العدو غازياً، فمات قبل لقاء العدو، ثم غنموا بَعْدُ فلا سهم له، ولو مات بعد القتال، ثم غنموا بعد موته، فله سهمه، قاتل أو لم يُقاتل، إذا كان في حين القتال حيًّا (٣) .
وقال الشافعي، وأبو ثور: إذا حضر القتال، ومات بعد أن تُحاز الغنيمة، ضُرب له سهمه، يعطاه ورثته من بعده، وإن مات قبل القتال؛ فلا شيء له عندهما (٤) . وقال
стр. 381
الأوزاعي: «إن مات أو قُتل بعد ما يُدربُ فاصلاً (١)
في سبيل الله، أُسهم له» (٢) .
قال عبد الملك بن حبيب: «اجتمع أصحاب مالكٍ على أن من مات قبل مشاهدة القتال، فلا حظَّ له في الغنيمة وإن مات بعد الإيجاف؛ إلا ابن الماجشون، فإني سمعته يقول: من مات بعد الإيجاف: فحظه قائم، يورث عنه، ويُقضى به دينه» (٣) .
وَحَدُّه: الإدراب، وهو: أن يفارق أرض الإسلام، ويدخل أرض الشرك، ويزايل الأمن، ويدخل في المخافة؛ لأنه صار في جملة من اعتُدَّ به في الدخول لذلك، وما لعلَّه بسبب ذلك؛ نِيلَ الفتح الذي كان بَعْدُ.
ومن مذهب ابن الماجشون أنه يقسم له في كلِّ ما غنم الجيش إلى حين قفولهم، وإن لم يحضر شيئاً من ذلك، وكان موته قبل لقاء العدو، إذا مات بعد الإدراب (٤) .
стр. 382
قال سحنون: إذا شهد أول القتال، أو كانوا قد ناشبوا القتال وهو حيٌّ، ثم مات بعد المناشبة؛ فحقه فيه ثابت، وكلُّ قتالٍ ابتدؤوه في حصنٍ ثانٍ، أو مغارٍ أحدثوه بعد موته، فلا حقَّ للميت فيه (١) .
قال عبد الملك بن حبيب: وسمعت أصحاب مالكٍ يقولون فيمن أُسِرَ في القتال: فله سهمه فيما غنم قبل القتال وبعده، بمنزلة من مات أو قتل، ومن أُسِرَ قبل القتال فلا سهم له فيما غنم بعده، إلاّ أن تكون
الغنيمة في فورة ذلك وبحضرته، ومن أُسر بعد القتال فله سهمه فيما غنم قبله وبعده، يُقسم له ولفرسه: أصيب معه، أو عُقر تحته، أو خلَّفه عند أصحابه، ومشاهدة القرية، أو الحصن، أو العسكر بمنزلة القتال، وإن لم يكن قتال.
وقال محمد بن الموَّاز: لو بعث الإمام قوماً من الجيش قبل أن يصل إلى بلد العدو في أمرٍ من مصلحة الجيش، من حشدٍ وإقامة سوق، أو غير ذلك، فاشتغلوا في ذلك حتى غنم الجيش؛ فلهم معهم سهمهم (٢) .
وروى ابن وهب، وابن نافعٍ مثل ذلك عن مالك. وفي روايةٍ أخرى عن مالك: لا شيء لهم (٣) .
ومنشأ الخلاف عندي في جميع ذلك، والذي إليه ترجع المسائل على تبدُّدها هو: هل يوجد دليلٌ على أن للقصد والنيِّة أثراً إذا أخذ في الشروع، ثم قطعه عن تمام العمل في ذلك أمرٌ غالبٌ لا اختيار له فيه؟ فهل هناك دليلٌ
أنه يستحقُّ بذلك صاحبه ما يستحقه بالعمل، أو لا؟ فمن توجَّه عنده: أن ذلك يقوم مقام العمل شرعاً وإن لم يكمله، بما ثبت أنَّ له في ذلك مِثل أجر العامل، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ
стр. 383
الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .
وخرَّج أبو داود (١) عن أبي مالكٍ الأشعري: سمعت رسول الله ﷺ
يقول:
стр. 384
«من فَصَلَ في سبيل الله، فمات، أو قتل؛ فهو شهيد» .
فمن سلك هذا المسلك، وبخاصة في باب الإسهام من الغنيمة، فإن ذلك يستحقُّه من قاتل من الجيش ومن لم يقاتل، والكثيرُ الغَنَاء، ومن لا كبير غَنَاء عنده، والقويُّ والضعيف على حدٍّ سواء، وفَهِمَ بذلك من الشرع سقوطَ المُشاحة في هذا الباب؛ رأى أن هذه الأعذار
المانعةَ عن الإتمام بعد وجود العَزمِ والشروع لا تُحبط حظهم من السهمان، ومن لم ير ذلك فحجته أن العمل لا يُعَادَلُ بمجرد النيّة على الإطلاق، وهو وإن جعل الشرعُ النيةَ حكماً، فقد جعل لوجود العمل مزيةً وفضلاً؛ كما ثبت في الفرق بين مقدار ما يكتب لمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها، وما كُتب لمن همَّ بذلك فَعَمِل (١) ؛ ولقوله ﷺ للمهاجرين -وقد اجتهدوا في إدراك ما فاتهم به الأنصار من أجر الصدقة، حين لم يجدوا مالاً فيتصدَّقوا كما يتصدَّقون-: «ذلك
стр. 385
فضل الله يؤتيه من يشاء» (١) . فكان للعمل مزية وحظٌّ لا يُدرك بمجرد النيّة.
وأيضاً: فإن الله -تعالى- أضاف الغنيمة إلى من غنمها، وملَّكها لهم بذلك دون من سواهم، فكان الحق في ذلك لمن عمل فغنم، دون من اعْتُرِضَ فلم يتصف بذلك، فنقول -والله تعالى الموفق بمنّه-:
الخارجون في الجيش على أربعة أحوال:
- رجل نوى الغزو، وعمل في مشاهد الحرب، إما في أضعفها رتبة كملازمة الجيش، وتكثير السواد، وإما فوق ذلك إلى أعلاها رتبة: وهو مباشرة القتال، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه يُسهم له؛ للأدلة التي
قدَّمنا، ويدخل في ذلك المريض إذا حضر القتال، وإن لم يُقاتل.
- ورجلٌ لم ينو الغزو، ولا عمل في شيءٍ من مشاهده، كالتاجر والأجير يشتغلان بالكسب والاحتراف فقط، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه لا حقَّ له.
- ورجلٌ لم ينو في خروجه غزواً، فلما حضر القتال قاتل، أو شهد من مواطن الحرب المخصوصة، بعملٍ من أعمال الجهاد على حسب ما فصَّلنا ما يكون له فيه عمل مع المجاهدين، فالظاهر أن لهذا سهمه، وإن كان في ذلك خلافٌ تقدم ذكره في (فصل: التاجر والأجير) ؛ لأنه لما حضر القتال فعمل فيه؛
стр. 386
حصل منه ساعتئذٍ النِّيَّة والعمل، وذلك هو حقيقة الجهاد، ودخل بذلك في جملة من تنسب الغنيمة إليهم، فكان الوجه أن يُسهم له.
- ورجلٌ نوى الغزو فانْقُطِعَ به قبل مَشَاهِدِ القتال، فهذا الذي جرى فيه ذكر الخلاف في هذا الفصل، والذي يترجح -إن شاء الله- ألاّ يكون له في الغنيمة حقٌّ إن (١) لم يحضر من مشاهد الحرب شيئاً، ويدخل في ذلك المريض الذي لا يستطيع شيئاً من الحضور والتكثير فما فوق ذلك، فإن شهد هؤلاء شيئاً من ذلك،
-وإن قلَّ زمانه- فلهم سهمهم، أعني: فيما غنم عن ذلك الموطن، أو كان لذلك الموطن في أسباب اغتنامه أَثَرٌ؛ وذلك أن الذي أثبَته الشرع للنيات من الحظِّ، وإدراك بعضها رُتبةَ العمل، إنما جاء النص به فيما يرجع إلى ثواب الله -تعالى- وجزيل ما عنده.
وأمَّا أحكام الدنيا وما يستحق فيها بالعمل، فلم يرد الشرع في شيء من ذلك بأنَّ للناوي فيه مثل ما للعامل، بل لعلَّه مما يستحيل (٢) التكليف به؛ لأنَّ الاطلاع على النية لا يعلمه إلا الله .
ولما جعل الله -تعالى- الغنائم لمن غنمها دون من سواهم من المسلمين، وكان هذا لم يغنم، ولم يشارك في شيءٍ من أسباب الاغتنام؛ بطل أن يكون له معهم فيما ملَّكهم الله من ذلك شيء، ونيته على الله الذي وسع كلَّ مخلوقٍ فَضْلاً، والله أعلم.
وأمَّا من فرَّق من الفقهاء بين الإدراب وما قبله، فأوجب لمن دخل مع الجيش أرض العدو، وحيث تبتدئ الشدةُ والمخافةُ أن يُسهم له، وإن صدَّه عن التمام أمرٌ غالبٌ، ولم يوجب ذلك لمن اعْتُرِضَ قبله، فسببه: أن الإدراب عنده نوعٌ من مشاهد الحرب التي ينتفع الناس فيها بعضهم ببعض في القوة على التقدم، فإنَّ الجمع هناك إنما يحملهم على الدخول: الاعتدادُ بمن معهم، فيكون ذلك
стр. 387
سببَ الجُرأة على الإقدام، الذي هو سبب الغنيمة، فرأى من ذهب إلى ذلك أن لدخوله معهم حظّاً في الإعانة، وتسبيباً للمغنم، فهذا وجه من فرَّق، وعلى هذا المسلك والقانون الذي ذكرناه تدور جملة المسائل المبدَّدة -في هذا الفصل- عنهم، وترجع أسباب الخلاف في ذلك عندهم، والله أعلم.
* مسألة:
إذا لحق بالجيش مددٌ، أو أفلت من دار الحرب أسير، فاتَّصل بهم؛ فلهم ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يدركوا الوقعة من قبل انقضاء الحرب، فهؤلاء يُسهم لهم؛ لما تقدَّم من الأدلة.
والثاني: أن يكون بعد انقضاء الحرب وحوز الغنيمة، فلا حقَّ لهؤلاء، لما تقدَّم -أيضاً- من الأدلة.
والثالث: أن يكون بعد انقضاء الحرب، وقبل حوز الغنيمة.
فمن اعتبر انفصال القتال، لم يُسهِمْ لهم، وهو الأرجح، ومن اعتبر حضورهم في الغنيمة قبل مِلْكِ الغانمين، ورأى في مشاهدة حوزِ الغنيمة ما يوجب الاشتراك، أَسْهَمَ لهم، وكلا القولين للشافعية (١) .
стр. 388
وذهب أبو حنيفة إلى أن كلَّ مددٍ ونحوهم أدرك الجيش في دار الحرب قبل الخروج، فإن لهم معهم سُهمانهم، سواءٌ أدركوا حوز الغنيمة، أو لم يدركوا شيئاً بحال (١) .
стр. 389
* مسألة:
ما غنمت السّرية الخارجة من جُملة الجيش، فهم والجيش فيه سواء في القسم.
خرَّج أبو داود (١) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمنون تَكَافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، يردُّ مشدهم على مُضعفهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم» .
المُشدُّ: من كانت دوابه أشدَّاء. والمُضعف: من كانت دوابه ضعافاً. والمُتسرِّي: الخارج في السَّريَّة.
وخرَّج أبو داود (٢) -أيضاً-، عن ابن عمر قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في جيشٍ قِبَل نجد، وانبعثت سريةٌ من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشر بعيراً، اثني
стр. 390
عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سُهمانهم ثلاثة عشر، ثلاثة عشر» .
قال ابن عبد البر (١) : «لم يختلف العلماءُ أن السّرية إذا خرجت من العسكر فغنمت: أنَّ أهل العسكر شركاؤهم فيما غنموا» .
قال ابن المنذر (٢) : «قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي: أن ما أصابت السرية دون الجيش، أو أصابه الجيش دون السرية؛ هم كلهم في ذلك شركاء؛
لأن كل فريق رِدْءٌ لصاحبه (٣) ، وقال الحسن البصري غير ذلك؛ قال: إذا خرجت السرية بإذن الأمير، فما أصابوا من شيءٍ خمَّسه الإمام، وما بقي فهو لتلك السَّريَّة، وإذا خرجوا بغير إذنه خمَّسه الإمام، وكان ما بقي بين الجيش كلهم» (٤) .
* مسألة:
ومما يلحق في الحكم بالسريَّة والجيش: الجماعة تخرج من الحصن ونحوه إلى عدوٍّ أتاهم أو مرَّ بهم، فيغنمون منهم؛ قال اللخمي: إن كانوا لم يقدروا على