← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حصل منه ساعتئذٍ النِّيَّة والعمل، وذلك هو حقيقة الجهاد، ودخل بذلك في جملة من تنسب الغنيمة إليهم، فكان الوجه أن يُسهم له. - ورجلٌ نوى الغزو فانْقُطِعَ به قبل مَشَاهِدِ القتال، فهذا الذي جرى فيه ذكر الخلاف في هذا الفصل، والذي يترجح -إن شاء الله- ألاّ يكون له في الغنيمة حقٌّ إن (١) لم يحضر من مشاهد الحرب شيئاً، ويدخل في ذلك المريض الذي لا يستطيع شيئاً من الحضور والتكثير فما فوق ذلك، فإن شهد هؤلاء شيئاً من ذلك، -وإن قلَّ زمانه- فلهم سهمهم، أعني: فيما غنم عن ذلك الموطن، أو كان لذلك الموطن في أسباب اغتنامه أَثَرٌ؛ وذلك أن الذي أثبَته الشرع للنيات من الحظِّ، وإدراك بعضها رُتبةَ العمل، إنما جاء النص به فيما يرجع إلى ثواب الله -تعالى- وجزيل ما عنده. وأمَّا أحكام الدنيا وما يستحق فيها بالعمل، فلم يرد الشرع في شيء من ذلك بأنَّ للناوي فيه مثل ما للعامل، بل لعلَّه مما يستحيل (٢) التكليف به؛ لأنَّ الاطلاع على النية لا يعلمه إلا الله . ولما جعل الله -تعالى- الغنائم لمن غنمها دون من سواهم من المسلمين، وكان هذا لم يغنم، ولم يشارك في شيءٍ من أسباب الاغتنام؛ بطل أن يكون له معهم فيما ملَّكهم الله من ذلك شيء، ونيته على الله الذي وسع كلَّ مخلوقٍ فَضْلاً، والله أعلم. وأمَّا من فرَّق من الفقهاء بين الإدراب وما قبله، فأوجب لمن دخل مع الجيش أرض العدو، وحيث تبتدئ الشدةُ والمخافةُ أن يُسهم له، وإن صدَّه عن التمام أمرٌ غالبٌ، ولم يوجب ذلك لمن اعْتُرِضَ قبله، فسببه: أن الإدراب عنده نوعٌ من مشاهد الحرب التي ينتفع الناس فيها بعضهم ببعض في القوة على التقدم، فإنَّ الجمع هناك إنما يحملهم على الدخول: الاعتدادُ بمن معهم، فيكون ذلك

стр. 387

سببَ الجُرأة على الإقدام، الذي هو سبب الغنيمة، فرأى من ذهب إلى ذلك أن لدخوله معهم حظّاً في الإعانة، وتسبيباً للمغنم، فهذا وجه من فرَّق، وعلى هذا المسلك والقانون الذي ذكرناه تدور جملة المسائل المبدَّدة -في هذا الفصل- عنهم، وترجع أسباب الخلاف في ذلك عندهم، والله أعلم. * مسألة: إذا لحق بالجيش مددٌ، أو أفلت من دار الحرب أسير، فاتَّصل بهم؛ فلهم ثلاثة أحوال: أحدها: أن يدركوا الوقعة من قبل انقضاء الحرب، فهؤلاء يُسهم لهم؛ لما تقدَّم من الأدلة. والثاني: أن يكون بعد انقضاء الحرب وحوز الغنيمة، فلا حقَّ لهؤلاء، لما تقدَّم -أيضاً- من الأدلة. والثالث: أن يكون بعد انقضاء الحرب، وقبل حوز الغنيمة. فمن اعتبر انفصال القتال، لم يُسهِمْ لهم، وهو الأرجح، ومن اعتبر حضورهم في الغنيمة قبل مِلْكِ الغانمين، ورأى في مشاهدة حوزِ الغنيمة ما يوجب الاشتراك، أَسْهَمَ لهم، وكلا القولين للشافعية (١) .

стр. 388

وذهب أبو حنيفة إلى أن كلَّ مددٍ ونحوهم أدرك الجيش في دار الحرب قبل الخروج، فإن لهم معهم سُهمانهم، سواءٌ أدركوا حوز الغنيمة، أو لم يدركوا شيئاً بحال (١) .

стр. 389

* مسألة: ما غنمت السّرية الخارجة من جُملة الجيش، فهم والجيش فيه سواء في القسم. خرَّج أبو داود (١) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمنون تَكَافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، يردُّ مشدهم على مُضعفهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم» . المُشدُّ: من كانت دوابه أشدَّاء. والمُضعف: من كانت دوابه ضعافاً. والمُتسرِّي: الخارج في السَّريَّة. وخرَّج أبو داود (٢) -أيضاً-، عن ابن عمر قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في جيشٍ قِبَل نجد، وانبعثت سريةٌ من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشر بعيراً، اثني

стр. 390

عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سُهمانهم ثلاثة عشر، ثلاثة عشر» . قال ابن عبد البر (١) : «لم يختلف العلماءُ أن السّرية إذا خرجت من العسكر فغنمت: أنَّ أهل العسكر شركاؤهم فيما غنموا» . قال ابن المنذر (٢) : «قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي: أن ما أصابت السرية دون الجيش، أو أصابه الجيش دون السرية؛ هم كلهم في ذلك شركاء؛ لأن كل فريق رِدْءٌ لصاحبه (٣) ، وقال الحسن البصري غير ذلك؛ قال: إذا خرجت السرية بإذن الأمير، فما أصابوا من شيءٍ خمَّسه الإمام، وما بقي فهو لتلك السَّريَّة، وإذا خرجوا بغير إذنه خمَّسه الإمام، وكان ما بقي بين الجيش كلهم» (٤) . * مسألة: ومما يلحق في الحكم بالسريَّة والجيش: الجماعة تخرج من الحصن ونحوه إلى عدوٍّ أتاهم أو مرَّ بهم، فيغنمون منهم؛ قال اللخمي: إن كانوا لم يقدروا على

стр. 391

ذلك إلا لمكان جملة المسلمين بالموضع، ولولا ذلك ما قدروا عليهم بانفرادهم، فالغنيمة لجميعهم كالسرية مع الجيش، وإن كان مثلهم لا يحتاجون في أمرهم والإقدام عليهم إلى تقوية من في الحصن، كان ذلك لهم خاصَّة بعد الخمس. وروى ابن حبيب مسنداً إلى الأوزاعي، أنه سئل عن العدو ينزلون قريةً أو مدينةً للمسلمين، فيخرج إليهم بعضهم فيصيبون منهم، فقال: «إذا كان القوم الذين لقوا العدو منهم، لو استغاثوا بأهل القرية أغاثوهم لقربهم منهم، فهم شركاء جميعاً فيما أصابوا بعد الخمس، ونَرى أن يُنفَّل الخارجون دون أهل القرية، وإن كانوا بموضع لا ينالهم غوثهم، فهو للخارجين منهم دونهم» . قال ابن حبيب: وقال لي من لقيت من أصحاب مالك مثله. قال: ويسهم لخيلهم التي معهم في المدينة إذا كانوا قريباً، بحيث ينالهم غوثهم، وكانوا ارتبطوها في سبيل الله، ويقبل في ذلك قول أهلها الذين ارتبطوها (١) . *****

стр. 392

فصلٌ: في بيان وجوه القسم وسُهمان الخيل والنظر من هذا الفصل في ثلاثة أشياء: موضع القسم، وكيفية القسم، ومقادير القسم. فأما موضع قسم الغنائم، فاختلف: هل يكون في دار الحرب أو الإسلام؟ فذهب مالكٌ (١) ، والشافعي (٢) ، والأوزاعي (٣) ، وأصحابهم: إلى أن الغنائم يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب إن شاء. قال مالك (٤) : وهم أولى برخصها هنالك. وذهب أبو حنيفة إلى أن لا تُقسم الغنائم في دار الحرب (٥) . وقال أبو

стр. 393

يوسف: «أحبُّ إليَّ أن لا تُقسم الغنائم في دار الحرب، إلا أن لا يجد حمولةً، فيقسمها هنالك» (١) . وحجة ما ذهب إليه مالكٌ، والشافعي، ومن قال بقولهما: ما ثبت أن رسول الله ﷺ قسم غنائم حنين بالجعرانة (٢) ، وكانت يومئذٍ من دار الحرب، كذلك استدل ابن عبد البر (٣) . قال أبو بكر بن المنذر (٤) في الاستدلال هنا: «وذلك للثابت عن النبي ﷺ ، أنه قسم يوم خيبر: للفَرَس سهمين؛ ولصاحبه سهماً» . وجعل ابن المنذر حديث قسم غنائم حنين بالجعرانة دليلاً على أن للإمام أن يؤخر القسم إن شاء حتى يرجع إلى بلد الإسلام، ولأنه بالخيار في ذلك، على حسب ما يرجوه من المصلحة، ويراه من الاجتهاد، ويتمكن له من التفرغ. وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا أعلم ما وجه ما ذهبَ إليه، إلا أن يريد أنهم ماداموا في دار الحرب، فلم يستقر لهم ملك الغنيمة بعدُ؛ لإمكان كرَّة العدو ونحو ذلك، فكان الأمر على مثل حال المدافعة، ولهذا كان من مذهبه أنَّ من لحق الجيش من مددٍ ونحوهم، بعد انقضاء القتال، وحرز الغنيمة، وقبل الخروج من دار الحرب؛ فإنه يُسهم له مع الجيش، وهم في ذلك شركاء، ما لم يكن

стр. 394

لحاقهم بهم بعد أن خرجوا من دار الحرب (١) ، فلا يكون لهم حينئذٍ شيءٌ. وإذا قيل بالقسم في دار الحرب فذلك إنما يكون حيث يأمن الجيش، ولا يمنع منه خوف عدوٍّ، ولا عدم فوتٍ للمقام على القسم إن احتيج فيه إلى إقامة. فصلٌ وأما كيفية القسم: فللمالكية في ذلك ثلاثة أقوال (٢) : قيل: تقسم أعيان الغنائم، ولا تُباع، فإن كانت أجناساً مختلفة، قُوِّم كل شيء منها على حدته، ثم عدلت بالقيمة. وقيل: تباع، وتقسم الأثمان. وقيل (٣) : ذلك مصروفٌ إلى نظر الإمام، فما رأى من ذلك أنه أفضل لأهل الجيش؛ فعله. فوجه قسم الأعيان من غير بيعٍ: أنه كذلك رُوي في قسم الغنائم في مغازي رسول الله ﷺ ، وعلى ذلك جرى فعل الصحابة. روى مالكٌ عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «كان الناس في الغزو إذا اقتسموا غنائمهم يعدلون البعير بعشرة شياه» (٤) .

стр. 395

قال ابن القاسم (١) : «ليس على هذا العمل، لكن تُقسم الإبل على حدة، والغنم على حِدة بالقيمة، وكذلك سائر العروض، يقسم كل جنس على حدته بالقيمة، ولا يقسم شيء منها بالسهم، ولا يجعل جزءٌ من جنسٍ بجزءٍ من غيره، ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري أين يقع سهمه» ، فرأى ذلك من باب الغَرَر. وخرَّج الترمذي (٢) عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن

стр. 396

شراء المغانم حتى تقسم. قال فيه: حديث غريب. ولا يوجد هذا الحديث من طريق قوي، وفي سنده عند الترمذي شهر بن حوشب. ووجه من ذهب إلى بيع الغنائم، وقسمِ أثمانها، هو فيما أرى -والله أعلم- فِرارٌ من تعذُّرِ العدل في قسم الأعيان؛ لاختلافها، وما يُتَّقى من عدم التعادل فيها. ووجه من ذهب إلى أن ذلك للإمام، يرى فيه الأفضل للجيش: ملاحظته هاتين الطريقتين، فوكَّل أمر ذلك إلى الإمام، فإن رأى الإمامُ قَسْمَ الأعيان ممكناً التعادل فيه، وغير متخوف الغرر؛ لإمكان ذلك في الغنيمة الحاضرة: قسم الأعيان، وإن خشي ذلك في قسم الأعيان، لاختلافها وتشتت أموال الغنيمة، باعها وقسَّم الأثمان، وهذا نظرٌ سديد، والله أعلم. فصلٌ وأما مقادير القسم على الفرسان والرّجل، ففي ذلك لأهل العلم قولان: أما الجمهور، فذهبوا إلى أنه يُقسم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وهو قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وقاله صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمد (١) ،

стр. 397

ورُوي كذلك عن جماعةٍ من الصحابة والتابعين (١) . وذهب أبو حنيفة إلى أن الفارس له سهمان: سهم له، وسهم لفرسه (٢) ،

стр. 398

وروي مثل ذلك عن عليٍّ، وأبي موسى (١) . والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور: ما خرَّجه مسلم (٢) عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قسم للفرس سهمين، وللرَّجلِ سهماً. وخرَّجه أبو داود (٣) بأوضح لفظاً من هذا؛ قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ أسهم لرجلٍ ولفرسه ثلاثة أسهم، سهماً له، وسهمين لفرسه. وفي البخاري (٤) ، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ جعلَ للفرس سهمين،

стр. 399

ولصاحبه سهماً. وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فربما استندوا (١) إلى أثرٍ جاء في ذلك (٢) ، وشدُّوا مذهبهم بوجهٍ من النظر، أَضْربْنا عن الخوض فيه؛ لصحة الأدلة في المذهب الأول، وأنها لا تُعارض بالرأي (٣) . واختلف أهل العلم بعد ذلك في موضعين: وهما: هل يسهم لأكثر من فرس واحد؟ وهل يستوي حظُّ العِراب والهُجْن؟. فأما اختلافهم في الفارس يحضر الغزو ومعه عدَّة أفراس، ففي ذلك ثلاثة أقوال: قول: إنه لا يسهم منها إلا لفرسٍ واحد، وإليه ذهب: مالكٌ، والشافعي،

стр. 400

وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، وغيرهم (١) . وقولٌ ثانٍ: إنه يسهم لفرسين، ولا يُسهم لما زاد عليهما؛ قاله: الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، واختاره محمد بن الجهم المالكي، وإليه ذهب ابن وهب (٢) .

стр. 401

وقولٌ ثالث شاذ: أن يسهم لكل فرس مما دخل به سهمان؛ روي ذلك عن سليمان بن موسى (١) . فأقول: قسم الغنيمة إنما هو على ما ملَّكه الله -تعالى- الغانمين، وإنما ملكهم ذلك على حدِّ السواء، حيث أضافه إلى جملتهم من غير تفصيل، فوجب أن يكون القسم على التسوية؛ إلا حيث خُصص من الدليل الشرعي، وقد ثبت بالسنة والإجماع أن يسهم لفرسٍ واحد (٢) ، فكان إخراج أكثر من ذلك من جملة

стр. 402

الغنيمة التي ملَّكها الله -تعالى- الغانمين: لا يباح، إذ لا دليل عليه، والله أعلم. وأما اختلافهم في البراذين والهجن (١) : هل يُسهم لها كما يُسهم للعراب

стр. 403

-وهي عِتاق الخيل-، أو لا؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال: قولٌ: إنها كلها في ذلك سواء، وهو قول مالكٍ، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي (١) ، واحتج مالك لذلك، قال: «لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ، وقال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] » ، قال: «فأنا أرى البراذين والهُجن من الخيل إذا أجازها الوالي» (٢) . قال بعض الفقهاء: لا ينبغي للإمام أن يُجيز ما لا منفعة فيه منها، ولا يصلح للقتال.

стр. 404

وقال الشافعي (١) : «ينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل، فلا يُدخل إلا شديداً، ولا يدخل حطيماً، ولا قحماً ضعيفاً، ولا ضَرَعاً ولا أعجف رَازِحاً، فإن غفل، وشهد رجلٌ على واحدٍ من هذه؛ فقد قيل: لا يسهم له؛ لأنه ليس لها غَنَاء الخيل، ولو قال قائل: يسهم للفرس كما يسهم للرَّجْلِ ولم يقاتل، كانت شبهة» . قوله: حَطيماً، نحو: الكسير. والقَحْمُ: الكسير. والضَّرَع: الصغير الضعيف. والأعجف: الهزيل. والرَّازح: الذي لا يستطيع النهوض إعياءً وضعفاً. وقول ثانٍ في البراذين والهجن: أنها على النّصف من حظ العِراب، رُوي ذلك عن الحسن البصري (٢) ، وقاله أحمد بن حنبل (٣) .

стр. 405

وقيل: لا يسهم لها أصلاً. وروي عن الأوزاعيِّ قال: لم يكن أحدٌ من علمائنا يسهمون لبرذون (١) . قال مكحول: «أول من أسهم للبراذين خالد بن الوليد يوم دمشق؛ أسهم لها نصف سُهمان الخيل؛ لما رأى من جُرأتها وقوتها، وكان يعطي البرذون سهماً والفرس سهمين» (٢) . وقيل: إن أول من فعل ذلك رجلٌ من همدان يقال له: المُنيذر الوادعي؛ خرج على خيلٍ في طلب العدوِّ، فلحقت العتاق، وتقطعت البراذين، فأسهم للعِراب سهمين، وللبراذين سهماً، ثم كتب بذلك إلى عمر فأعجبه ذلك؛ فجرت سنَّة للخيل والبراذين (٣) .

стр. 406

وقال في ذلك شاعرٌ من همدان: ومنَّا الذي قد سنَّ في الخيل سنَّةً ... وكانت سواء قبل ذلك سهامها (١) المُعْرِبْ من الخيل: الذي خلصت عربيته، وكلا أبويه عربي، وكذلك العتيق: وهو الرائع الحسن. والبرذون: هو الذي أبواه عجميَّان. والمقرف: الذي

стр. 407

أمه عربية وأبوه عجمي. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه عجمية. ولم يختلف المسلمون أن راكب البغل والحمار كالرَّاجل، لا يسهم لواحد منهم إلا سهم واحد، ولا اعتبار بما رُكِبَ، وكذلك اتفقوا أنه لا يسهم لراكب الجمل ثلاثة أسهم، واختلفوا: هل يسهم له سهمان أو سهم واحد؟ ذكره أبو محمد بن حزم، في «مراتب الإجماع» (١) ، وقال في كتاب «المحلَّى» (٢) : قال أحمد: لراكب البعير سهمان.

стр. 408

* مسائل في الإسهام للخيل: قال مالك: إذا كان المسلمون في سفن، فلقوا العدو فغنموا، أنه يُضرب للخيل التي معهم في السُّفن. وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي ثور (١) . وقال بعض الفقهاء: القياس أن لا يقسم للخيل في مثل هذا؛ لأنها لم تستعد للبحر، ولم تبلغ الموضع الذي يصح القتال بها فيه. ويحتمل أن يكون وجه ترجيح القول الأول: أنها استُصْحِبَتْ في البحر للغزو بها؛ إذا انتهوا إلى موضع يمكنهم النزول، وليس من شرط الإسهام للخيل أن يكون ثَمَّ قتالٌ عليها، لكن إعدادها لذلك، وإحضارها لموضع الحاجة إليها في المغازي هو المعتمد، وكما أنهم في البرِّ لو قاتلوا حصناً لا يتمكن أصحاب الخيل من قتاله، فاقتحمه الرجالة، فهو يقسم لجميعهم، ويكون للفارس سهمه، وسهم فرسه (٢) ، فأما إن لم تكن في السفن مُعدّة للغزو بها إذا نزلوا، وكان غزوهم إنما هو في المراكب لا ينزلون إلى البرِّ، ولا يطلبون عدوّ البر، فهم لا يحتاجون إليها بحال، فها هنا يصلح أن يقال: لا يُسهم لها.

стр. 409

* مسألة: واختلف أهل العلم في الإسهام للفرس يموت بعد الإدراب وقبل حضور القتال، فقال الشافعي (١) : لا يُسهم لصاحبه سهم الفرس، إلا إذا حضر به القتال، وقاله: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول مالك، وقاله من أصحابه: ابن القاسم (٢) . وقال أشهب، وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرسُ الإسهامَ وإن مات -يعني: قبل حضور القتال-، وإليه ذهب ابن حبيب؛ قال: ومن حُطم فرسه، أو كُسر بعد الإيجاف أُسهم له، بمنزلة موت الفرس بعد الإيجاف، وأما إن أوجف عليه وهو حطيمٌ أو كسير لا يقاتل على مثله، فلا يُسهم له، إذا لم يزل كذلك حتى كان الفتح؛ لأن ذلك بُطْلانٌ، وليس مرضاً يُرْجى بُرؤه، وأما الرهيص: فمريضٌ يُرجى برؤه، مثل المريض من الرجال، قال: وكذلك قال مالك: يسهم للرهيص من الخيل، وإن لم يزل رهيصاً، من حين دخل إلى أن خرج، بمنزلة المريض من الرجال، وقاله: ابن الماجشون، وأشهب، وأصبغ (٣) .

стр. 410

قال اللخمي: وقد روي عن مالك أنه لا يُسهم للمريض من الخيل، قال: وعلى هذا لا يسهم للرهيص. قال: وهو أحسن أن لا يُسهم للمريض من الخيل. قال: وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، وقال: بخلاف الرجل العليل؛ لأن فيه المشورة والرأي (١) . قال ابن المنذر (٢) : وقال إسحاق في رجلٍ جاوز الدَّرب وباع فرسه من راجل: أن سهم الفرس لمن اشترى الفرس، وهو قول الأوزاعي. وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه، ثم باعه من رجلٍ دخل دار الحرب راجلاً، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده: أنه يسهم للفرس (٣) مما غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه من ذلك قسم بينهما، وبه قال: أحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر (٤) : وعلى هذا مذهب الشافعي، إلا فيما اشتبه، فمذهب الشافعي: أن يوقف الذي أشكل من ذلك بينهما حتى يصطلحا. وقال أبو حنيفة (٥) : إذا دخل أرض العدو غازياً راجلاً، ثم ابتاع فرساً فقاتل عليه، وأحرزت الغنيمة، وهو فارس: أنه لا يُضرب له إلا بسهم راجلٍ (٦) . قال سحنون: ومن حضر القتال على فرسٍ فلم يفتح لهم في يومهم، فباعه،

стр. 411

فقاتل عليه مبتاعُهُ اليوم الثاني، فلم يكن فتح، فباعه الثاني، فقاتل عليه الثالث يوماً ثالثاً، ففتح لهم: أن سهم الفرس لبائعه الأول؛ لأنه قتالٌ واحد، كما لو ماتَ بعد أول يومٍ، وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين، أو لم يقاتل، أنَّ سهمه لورثته (١) . فنقول: إن مرجع الخلاف في الفرس يموت أو يمرض بعد الإدراب به، وقبل حضور القتال عائدٌ إلى الأصل الذي نبَّهنا عليه في سبب اختلافهم في الغازي نفسه يموت بعد الإدراب، أو يمرض، أو يعترضه عائقٌ دون الإتمام، والظاهر هنا أن لا حقَّ لصاحب الفرس في سُهمان الخيل، إلا بعد أن يشهد به القتال حيّاً صحيحاً، أو مريضاً مرضاً لا يقطع الانتفاع به في بعض مشاهد الحرب، على ما فصَّلناه قبل هذا، وكما رجَّحنا هناك في حكم الغازي نفسه يعترض عن الإتمام: أن لا شيء له في الغنيمة، إن لم يحضر من مشاهد الحرب شيئاً. فأما من باع فرسه بعد الإدراب، وقبل شهود القتال، فقد كان يجب أن لا يخفى على كلِّ قولٍ: أنه لاحقَّ لبائعه في سُهمان الخيل؛ لأنه لم يكن مغلوباً في خروجه عن يده، كما يكون ذلك في موت الفرس، أو مرضه، عند من رأى أن يُسهم لصاحبه، إذا كان قد أدرب به، وإنما هذا بمثابة ما لو رجع الغازي مُختاراً عن تمام غَزْوِهِ بعد الإدراب، وقبل القتال، فإنه لا حقَّ له في الغنيمة باتفاق، فإن خالف هنا أحدٌ فأوجب له سهمَ فارسٍ؛ فليس له على ذلك دليل، ولا نظرٌ يستقيم، بل هو خطأٌ محضٌ، وهو ظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة، حيث قال فيمن دخل أرض العدوِّ غازياً راجلاً، ثم ابتاع فرساً فقاتل عليه، فغنموا وهو فارس: أنه لا يضرب له إلا بسهم راجلٍ، فراعى حالة دخوله أرض العدو دون ما انتقلت حاله إليه بَعدُ، وكذلك يجيء على مذهبه هذا أن يكون له سهم الفارس إذا دخل بفرسه، ثم باعه قبل شهود القتال، وكل ذلك غير سديد. أما بائع فرسه قبل شهود القتال به، فقد بَيَّنَّا وجه سقوط حظه؛ لأنه لم

стр. 412

يحصل منه في الجهاد فعل الفارس، ولا الإعداد له، لاختياره الرَّجلة ببيع فرسه قَبْلُ. قال الله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، فهذا لم يحصل منه في ذلك إعداد، ولا للعدوِّ إرهاب، فلم يكن من فوارس الجهاد. وأما من دخل راجلاً، ثم اشترى فرساً، فقاتل عليه حتى غنموا، فهو داخلٌ تحت أمره -تعالى- بإعداد الخيل وإرهاب العدوِّ بها في الغزو، فقد حصل منه في الجهاد عمل الفارس، في الوقت الذي يحتاج إليه فيه باتفاق، فكان له سهم الفارس بالكتاب والسنة والنظر الصحيح، خلافاً لنظر أبي حنيفة. وأما قول سحنون فيمن حضر القتال على فرسٍ يوماً ثم باعه من آخر فقاتل عليه، ثم باعه من ثالثٍ فقاتل عليه يوماً ثالثاً، فكان الفتح؛ أن سهم الفرس للبائع الأول: فغير متوجّه؛ لأن البائع الأول باعه قبل حضور القتال المسبِّب لإحراز الغنيمة، فلم يكن من فرسان الغنيمة، بخلاف من مات فرسه بعد شهود شيءٍ من مشاهد القتال؛ لأنه مجتهدٌ معدٌّ، عَمِلَ في أصحاب الخيل بحسب وسعه، ثم هو مغلوب في هلاكه، لم يكن منه نكولٌ ولا إسقاطٌ، لما تصدَّى للعمل فيه، والبائع مختارٌ راجع عن عمل الفارس قبل الإتمام، وكذلك يكون الحكم في البائع الثاني، وإنما يستحق سهم الفرس من هو مالكه، والمقاتِل عليه إلى حين إحراز الغنيمة، وهذا ظاهرٌ إن لم يكن في شيءٍ من ذلك -القتال الذي حضره بالفرس بائعه- أثرٌ يُعرفُ في تسبيب الاغتنام، مثل أن يكون ذلك القتال من نحو التَّرامي والمطاردة، ثم يتحاجزون على غير نكايةٍ تؤثر في العدو وتكسر منه، فأما إن كان لكل مشهدٍ من مشاهد تلك الأيام أثرٌ في ذلك الفتح والاغتنام يُعرف، كما لو كان يُنكى فيها العدوُّ، ويُنتهك منه شيءٌ بعد شيء، حتى حصل الاستيلاء بذلك عليه في اليوم الثالث أو بعده؛ فهذا يشبه أن يقال فيه: إن سهم الفرس يقسم بينهم ثلاثتهم؛ لأن كل واحدٍ منهم قاتل عليه بملكٍ صحيحٍ قتالاً مؤثراً في إحراز

стр. 413

الغنيمة، فثبت له بذلك حقٌّ، ولما بطل أن يكون للفرس الواحد سُهمان ثلاثةٍ من الخيل؛ قسم بينهم سهمه الذي يجب في ذلك؛ لاشتراكهم في العمل به على حدٍّ سواء، من الملك له، والإرهاب به على العدو، والنيل منه. ولو قال قائل: إنه لا يكون لواحدٍ من البائعين في ذلك حقٌّ، وإنما سهم الفرس على كلِّ حالٍ للمشتري الأخير، الذي كان الفتح والاغتنام وهو في يده، معدوداً به في فوارس الغنيمة؛ لكان عندي هو الوجه (١) ؛ لأنه لما بطل أن يُسهم للثلاثة سُهمان الخيل على فرسٍ واحد، كان سهم الفرس لفارسه، المُتَّصِفِ بِمِلْكِهِ وعمله حال الاستيلاء، وحين إصابة الغنيمة إلى الغانمين، واستحقاقهم ملكها على حسب أحوالهم من فارسٍ وراجل؛ لأن من باع فرسه قبل ذلك، فقد رجع عن نِيَّة الفارس، واختار الرَّجلة، وأسقطَ حظَّه من حقِّ الخيل. وقياس سحنون هذه المسألة على من حضر القتال فارساً ثم مات: باطلٌ؛ لأن ذلك مغلوبٌ غير مختارٍ، ولا راجعٍ عن نِيَّةِ ما ابتدأ به العمل، وكذلك لو مات الفرس تحته على حسب ما بيَّناه، فأمرهما مختلف، والله أعلم. * مسألة: قال سحنون في الفرس المحبَّس سهمه للغازي عليه: وكذلك من أكرى فرساً أو استعاره، فله سهم فارس (٢) . وقال ابن القاسم (٣) في فرسٍ انْفلتَ من ربِّه بأرض العدو، فأخذه آخر فقاتل حتى غنموا، أو: لما شدَّ القوم على دوابهم للقتال؛ عدا على فرسٍ آخر، فقاتل عليه، فغنموا: أن سهم الفرس في ذلك كلِّه لربِّه.

стр. 414

قال سحنون في المتعدِّي (١) : سهم الفرس له، وعليه لربِّه أجر مثله، إلا أن يأخذه بعد إنشاب القتال، فيكون سهم الفرس لربِّه، وكلا القولين للشافعية (٢) في استحقاق سهم الفرس المغصوب. قال سحنون: ومن صرع رجلاً من العدو عن فرسه، وركبه وقاتل عليه، فلا سهم للفرس فيما غنموا في قتالهم هذا، ويُسهم له فيما حضر عليه بعد ذلك من السرايا وغيرها (٣) . فأقول: قول سحنون في الفرس الحبيس والمَكْرِيِّ والمستعار: أن سهمه للغازي عليه ظاهرٌ؛ لأنه تَصرَّفَ في قتال العدو تصرُّفَ الفارس بوجهٍ صحيحٍ على وفق الشرع، فوجب له سهمه؛ لعموم القرآن وظاهر السُّنَّة، وقوله في المتعدِّي: أنَّ سهم الفرس له، وعليه لربِّه أجْرُ مثله غَيْرُ سديد، والأرجح ما ذهب إليه ابن القاسم؛ لأن المتعدِّي عمل بالفرس على غير وجه الشرع، فلم يستحق له شيئاً؛ لقوله ﷺ : «وليس لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٤) . خرَّجه أبو داود والترمذي. وقال فيه: حسن غريب.

стр. 415

قال أبو الوليد الطيالسي: العِرْق الظالم: الغاصب. ذكره الترمذي (١) . وإذا لم يجب ذلك له، فيحتمل أن يقال: لا يسهم لذلك الفرس؛ لأن المقاتل عليه لا يستحقه، ومالكه لم يشهد القتال عليه، بناءً على أحد القولين: أن لا سهم للفرس حتى يشهد به القتال، ويحتمل أن يقال: يسهم له؛ لأن القتال عليه قد وُجد، فوجب الإسهام، وبطل أن يكون في ذلك حقٌّ للمتعدِّي، فاستحقَّه مالكه الذي أدخله وأعدّه لذلك، ومَلَك منافعه المتعدّى فيها، كما ذهب إليه ابن القاسم. وأما ما ذهب إليه سحنون فيمن صرع رجلاً من العدوِّ عن فرسه، ثم قاتل عليه: أنه لا سهم للفرس فيما غنموا في ذلك القتال، فيفتقر إلى تفصيل، فإن قيل: إنَّ السلب لا يختصُّ به القاتل كما يقوله مالكٌ وجميع أصحابه، فيتوجَّه أن يكون الجواب فيه كذلك؛ لأنه قاتل على فرسٍ لجماعة الجيش؛ فلم يستحقَّ له حقاً دونهم، ويلزم على هذا أن لا يفرق فيه بين قتالهم ذلك وما بعده. وإن قيل: إنَّ السَّلب للقاتل، مُلكاً يختصُّ به -كما يقول الشافعي وغيره- فهو بقتله فارسه استحقَّ الفرس، فإذا قاتل عليه وقد ملكه، وكان القتال على أوله، لم يظهر للفتح أثر، ولا لإحراز (٢) الغنمية سبب؛ فالقول بالإسهام له مُتوجَّهٌ، والله أعلم، وبه التوفيق.

стр. 416

مسائل من أحكام الغنائم تفترق فيها أحوال الاستيلاء * مسألة: اختلفوا في الحربيِّ يسلم في دار الحرب وله بها مالٌ، ثم يظهر المسلمون على تلك الدار؛ فقال أبو حنيفة (١) : يترك له ما كان في يديه من ماله، ورقيقه، ومتاعه، وولدٍ صِغارٍ، وأما ما كان من أرضٍ، أو دارٍ؛ فهو فيءٌ، وامرأته فيءٌ؛ إذا كانت كافرة، وإن كانت حُبلى فما في بطنها كذلك فيءٌ. وقال الشافعي (٢) : إن جميع ماله من دارٍ، وأرضٍ، وغير ذلك، فهو كله له، ولا يجوز أن يكون مال مسلمٍ مغنوماً بحال، وولده الصغار عنده أحرار مسلمون، لأنهم تبعٌ له، فأما زوجته وولده الكبار، فحكمهم حكم أنفسهم، يجري عليهم ما يجري على أهل الحرب من القتل والسِّباء، وإن سُبيت امرأته حاملاً منه (٣) ، فليس

стр. 417

إلى إرقاق ذي بطنها سبيل، من قبل أنه إذا خرج فهو مسلم بإسلام أبيه، ولا يجوز السِّباء على مسلم، وعلى ذلك أهل الظاهر (١) . فأمَّا الحربيُّ المستأمن يسلم في دار الإسلام، وله في دار الحرب مالٌ وعقار، فيغنمه المسلمون بعد إسلامه، فقال مالكٌ، والليث، وأبو حنيفة (٢) : كل ذلك فيءٌ، وكذلك أولاده الذين بدار الحرب، صغاراً كانوا أو كباراً، وكذلك امرأته وما في بطنها، إن كانت حاملاً. ولم يفرِّق مالك بين إسلامه في دار الكفر ودار الإسلام، وفرَّق أبو حنيفة (٣) . وقال الشافعي: كل ذلك سواء، لا سبيل عليه في شيء من ماله، ولا صِغار ولده، كما قال فيمن أسلم في دار الحرب، ولم يُفرِّق، والحجة له في ذلك كالحجَّة في الأول، وهو الأرجح، والله أعلم (٤) .

стр. 418

* مسألة: اختلفوا في الحربيِّ المستأمن يخلف ودائع وديوناً في دار الإسلام، ويلحق بدار الحرب، فيغزوها المسلمون، فيُقتل فيمن أُصيب، فقال الشافعي (١) : دَيْنه وودائعه، وما كان له من مالٍ: مغنوم عنه. وقال الأوزاعي (٢) : يوضع ماله كلُّه في بيت مال المسلمين. وقال أصحاب الرأي (٣) : ما أودع كان فيئاً للمسلمين، وأما الديون فتبطل عن الذي هي عليه، ولا تكون فيئاً، وكذلك ما كان عليه من دينٍ لمسلم، قد بطل ما عليه من الدَّين إذا قُتل أو أُسِر. قال ابن المنذر (٤) : إذا مات المستأمن في أرض الإسلام، وخَلَّف مالاً قدم به، أو أصابه في دار الإسلام، وخلف ورثةً في دار الحرب، فإنَّ كلَّ من أحفظُ عنه يقول: إن ماله يُردُّ إلى ورثته، غير الأوزاعي؛ فإن الأخبار جاءت عنه في ذلك مختلفة.

стр. 419

فأقول: المستأمنُ يموتُ ويخلِّف مالاً في أرض الإسلام، له ثلاثة أحوال: - فإن مات من غير أن يصيبه جيش المسلمين في دار الحرب، فسواءٌ كان موته في دار الإسلام، أو دار الحرب -إن لم يكن توجهه إليها نقضاً-، حُكمُ ماله حُكمُ الأمان، فهو يُردُّ إلى ورثته من أهل دينه، قال الله -تعالى-: ﴿لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] . - وإن كان أصابه جيش المسلمين لما رجع إلى دار الحرب، فكانت إصابتهم إيَّاه في حَوْمَةِ القتال قبل أن يأسروه، فهذا بَطَلَ أن يكون لِمالِه حُكمُ الأمان بعد أن قُتِلَ في حضوره مع أهل الحرب قتالَ المسلمين، فهو يحتمل أن يقال: ماله غنيمةٌ للجيش كسائر ما ظهروا عليه؛ لأنه بغزوهم وإيجافهم انتقل من الأمانة إلى المَغْنم، ويحتمل أن يقال: هو فيءٌ في بيت المال، لا يختصُّ به الجيش، كما قال الأوزاعي. وقاله ابن حبيب -وعزاه إلى ابن القاسم من أصحاب مالك-؛ لأنه مال كافرٍ استحقَّه المسلمون بعد استقراره بدار الإسلام من غير إيجاف (١) . وقد قيل: يُردُّ المال إلى ورثته، بمنزلة ما لو مات عَفْواً بأرضه، وهو قول ابن القاسم المشهور عنه، قال: لأنه ائتمن عليه، ثم لم يملك المسلمون رقبة مالكه بعد ذلك. - وأما إن كان المسلمون أسروه فيمن أُسِر، ثم قتل بَعْدُ، فالأظهر أن ماله مغنومٌ للجيش؛ لأنه بعد الإسار له حكم الرِّقِّ لذلك الجيش، فمالُه قد ملكوه بذلك على حسب اشتراكهم، فهو يخمس، ثم يقسم على الغانمين، والله أعلم. وهو قول ابن القاسم، وقاله عبد الملك بن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وأصبغ (٢) .

стр. 420

وكذلك لو استُحْيِيَ بعد الإسار، فَبِيعَ أو قُسِم، فمالُهُ غنميةٌ لذلك الجيش؛ لأنهم ملكوا رقبة مالكه (١) ، وليس لمشتريه حقٌّ في ماله، كالسُّنَّة فيمن باع عبداً وله مال. وقال الشافعي (٢) : مالُه فيءٌ لجماعة المسلمين. * مسألة: إذا لحق عبدُ الحربيِّ بدار الإسلام؛ فأسلم، أو جاء مسلماً: كان حُرّاً، لا حقَّ لسيده فيه، وكذلك لو أسلم سيِّده بَعدُ: لم يكن له إليه سبيل؛ لأنه بإسلامه ولحوقه بدار الإسلام سقط ملكه عنه؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (٣) [النساء: ١٤١] . وخرَّج أبو داود (٤) عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال: خرج

стр. 421

عُبدان (١) إلى رسول الله ﷺ -يعني: يوم الحديبية قبل الصلح-، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبةً في دينك، وإنما خرجوا هربوا (٢) من الرقِّ، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله، رُدَّهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «ما أراكم تنتهون يا معشر قريشٍ حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا» ، وأَبَى أن يرُدَّهم، وقال: «هم عتقاء الله» . واختلف أصحاب مذهب مالكٍ فيه إذا أسلم، وبقي في دار الحرب حتى أسلم سيِّده، أو قدم به مستأمناً وإن لم يسلم، أو دخل جيشُ المسلمين فغنموه فيما أصابوا من المشركين، فقيل: إنه في ذلك كله على حكم الرِّقِّ، وهو لسيده في إسلامه واستئمانه، وللجيش في اغتنامه، وإليه ذهب ابن حبيب (٣) . وقيل: هو حُرٌّ من إسلامه في يد الكافر الحربيِّ، وإسلامُه في دار الحرب

стр. 422

يزيل ملك سيده عنه، خرجَ أو أقامَ، ويكون حكمه في يد الحربيِّ بعد إسلامه حُكم الأسير، فإن اشتراه أحدٌ منه بعد إسلامه كان كالحرِّ يُفدى، وهو قول أشهب، إلا أنه يزعم أن سيده إذا أسلم بعد ذلك وهو في يديه، كان له ملكاً، وهو ناقص (١) . وفرَّق ابن القاسم فقال (٢) : إن بقي حتَّى أسلم عليه سيده، أو قدم به مستأمناً، فملكه باقٍ عليه، وإن غنمه عليه المسلمون: سقط ملكه، وكان حراً، لا حقَّ لذلك الجيش فيه، كما لو أسلم ثم لحِقَ بدار الإسلام. والأرجح القول بحريته بإسلامه (٣) مطلقاً؛ لأن الإسلام الذي رفع عنه ملك الحربيّ إذا خرجَ إلى دار الإسلام، هو الذي يرفع ملكه على كلِّ حال، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، ولذلك قال النبي ﷺ فيهم: «هم عتقاء الله» ، وذلك بالإسلام، لا بالخروج، وهو قول أبي محمد بن حزم (٤) . * مسألة: إذا أسلم عبد الحربي، ثم فرَّ إلى أرض الإسلام بمال، فعند المالكية: يكون المال له ولا يُخمس، سواءٌ كان في يديه من تجارةٍ لسيده، أو كان من خراج العبد، أو كان سرقةً، لا خمس في ذلك؛ لأنه مما لم يُوجف عليه، وإن كان في يديه أمانة، فقد استحبَّ له أن يردَّه إلى سيده من غير أن يعرض له فيه إن أمسكه، وكذلك إن فرَّ إلى أرض الإسلام وهو كافر، ثم أسلم، فإن بقي على كفره وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية، كان له ذلك، ولم يردّ إلى سيده، وإن أسلم بعد الجزية كان حُرّاً، وسقطت عنه الجزية، ذكره كله اللخمي ذِكراً مطلقاً، ولم

стр. 423

يتعرض إلى ذكر خلافٍ عنهم في ذلك (١) . قال أبو الوليد بن رشد (٢) : إذا تقدم خروج العبد قبل سيده فهو حرٌّ بنفس خروجه، مسلماً كان أو كافراً؛ على مذهب مالكٍ، وجميع أصحابه، وقال أشهب: لا سبيل لسيده عليه إن قدم بعد ذلك، فأسلم (٣) أو لم يسلم، سواءٌ أسلم العبد أو بقي كافراً. فأقول: أما قولهم ذلك فيمن كان أسلم من العبيد فظاهر، ودليله ما تقدم في المسألة قبل هذه، وأما فيمن بقي على كفره؛ فكأنهم ذهبوا به إلى حكم ما استُوْلي عليه من الكفار، وكأن العبد استولى على نفسه وغنمها، فكان بذلك حرّاً، وعلى ذلك يكون له ما خرج به من مالٍ وغيره، ونحو هذا رأيت لبعضهم في توجيه ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يكون حرّاً بخروجه؛ إلا إذا خرج مسلماً، وأما إذا خرج كافراً فهو غنيمة جميع المسلمين، وقال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: هو مِلكٌ لمن سبق إليه، قالا مرةً: لغير خمسٍ يجب فيه، وقالا مرةً: بَعْد إخراج الخمس منه لأهله (٤) . * مسألة: قال ابن القاسم (٥) في عبدٍ أبَقَ إلى دار الحرب، ثم خرج [بعبيدٍ] (٦) استألفهم إلى دار الإسلام: إن أولئك الرقيق له أو لسيده إن أراد أخذهم منه، ولا

стр. 424

خُمس فيهم، وكذلك لو استألفهُم حرٌّ فخرج بهم كانوا له، ولا خمس فيهم. قيل: معنى ذلك: أن يكون استألفهم ليكونوا له عبيداً، قال: وإن قال أولئك الرقيق: إنما خرجنا معه على أننا أحرار، وأنكر ذلك الخارج بهم، فالقول قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يرُدَّهم إلى مأمنهم، فإن خرجوا بلا عهدٍ فأَمْرُهُم إلى الوالي، ولا يقبل قول العبد، يعني: في استرقاقهم، إلا أن يُعلم أنه أخرجهم كرهاً، أو يكونوا في حوزه في وثاق، فهم عبيدٌ له. قيل: فإن ادَّعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟! قال: إن اسْتُدِلَّ على صدقهم بسببٍ ظاهر، فالقول قولهم، وإن لم يُعرفوا عند خروجهم إلا في وثاق؛ فهم له عبيد. قيل: فالعبد يخرج متلصِّصاً إلى أرض العدو فيغنم، قال: يخمس، ويكون فضل ذلك له. ففرَّق ابن القاسم بين خروج العبد إلى دار الحرب إباقاً (١) ، وكذلك الأسير ونحوه لو كان ثَمَّة، ثم يخرج بشيءٍ من دار الحرب، فلم ير فيه خمساً، بل جميعه عنده لمن خرج به، وبين خروج العبد أو الحرِّ إلى دار الحرب تلصُّصاً، وتحيُّلاً بالسرقة والاستيلاف ونحو ذلك. فهذا عنده فيه الخمس، وسائره للذي خرج به؛ لأنه رأى خروجه إلى دار الحرب على قصد النَّيل منهم بذلك والتعمد له إيجافاً، فكان له حكم الغنيمة في التخميس، وهو قول جميع أصحاب مالك، إلا اختلافاً فيما أصاب العبد، وكذلك كلُّ من ليس من أهل الجهاد، كالمرأة والصبي، فقيل: إنَّه لا يخمَّس شيئٌ (٢) مما أصابوه، كان مقصوداً بالخروج إليه والإيجاف عليه، أوْ لا. وقيل: إنه يخمس ما أُوجف من ذلك عليه. ولا أعرفهم اختلفوا في الذِّميِّ أنه لا يخمس ما أصاب على أيِّ وجهٍ كان.

стр. 425

* مسألة: قال ابن القاسم في الأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر، فيوثقونهم، ويوجهون بهم إلا بلادهم، فيثب عليهم الأسارى فيقتلون بعضهم، ويأسرون بعضهم، ويصيبون متاعهم ومركبهم: إنَّ ذلك إن كان فعله الأُسارى وهم يُسار بهم قبل أن يصلوا إلى أرضهم، ففي ذلك الخمس، قال: وأُراهم بعد في حربهم. قال: وإن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، ثم خلصوا إلى ذلك منهم، فأرى ما أصابوا لهم، ولا خمس عليهم (١) فيه، وإنما يستحكم أسرهم إذا صاروا بهم إلى موضعٍ يأمنون فيه لحوق مراكب المسلمين بهم. قال: ولو أمنوا قبل الوصول إلى أرضهم، لكان لهم بالوصول إلى موضع الأمن حكم الوصول إلى أرضهم. قلت: هذا بناءً على أصلهم في أن لا خمس فيما أصيب على غير القتال، أو تعمّد الخروج لإصابته من تلصُّصٍ ونحوه، لكن قد كان يجب في هذه المسألة على هذا الأصل الخمس في ذلك كلِّه، سواء أَمِن العدو في طريقهم من الاتباع، أو لم يأمنوا، وصلوا إلى أرضهم، أو لم يصلوا، ما دام الجمعان من المسلمين والعدو يجمعهم بعد المناشبة بالقتال حضورٌ واحد، وإذا لم ينفصل أمر اجتماعهم ذلك، فهم في حومة المعالجة، وبسبيل ما نَشَبَ بينهم من ذلك القتال، وإنما إسارُ العدو لهم، ووثوبُ المسلمين بَعْدُ عليهم، كما لو هزمهم العدو، ثم كَرَّ عليهم المسلمون. وكما قالوا في وجوب الخمس إذا وثب الأسارى عليهم بعد أن أوثقوهم، وقبل أن يُلحقوا إلى حيث يأمنون أنهم بعدُ في حربهم، كذلك يلزم ما دام الجمعان على حضور واحد، ولا أثر للأمن، ولا نعلم أحداً يجعل أمن العدو سبباً لسقوط الخمس فيما أصيب منهم، أمَّا إن كانوا عند وصولهم بهم إلى أرضهم تفرَّقوا بالأسرى، وانفصل نظام الجمعين بعد ذلك اللقاء الذي كان على حكم القتال؛ فيمكن أن يقال: ما فعلوا من ذلك بَعْدُ فهو غير مستند إلى إنشاب ذلك القتال، وله
следующие страницы →