← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عُبدان (١) إلى رسول الله ﷺ -يعني: يوم الحديبية قبل الصلح-، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبةً في دينك، وإنما خرجوا هربوا (٢) من الرقِّ، فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله، رُدَّهم إليهم، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: «ما أراكم تنتهون يا معشر قريشٍ حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا» ، وأَبَى أن يرُدَّهم، وقال: «هم عتقاء الله» . واختلف أصحاب مذهب مالكٍ فيه إذا أسلم، وبقي في دار الحرب حتى أسلم سيِّده، أو قدم به مستأمناً وإن لم يسلم، أو دخل جيشُ المسلمين فغنموه فيما أصابوا من المشركين، فقيل: إنه في ذلك كله على حكم الرِّقِّ، وهو لسيده في إسلامه واستئمانه، وللجيش في اغتنامه، وإليه ذهب ابن حبيب (٣) . وقيل: هو حُرٌّ من إسلامه في يد الكافر الحربيِّ، وإسلامُه في دار الحرب

стр. 422

يزيل ملك سيده عنه، خرجَ أو أقامَ، ويكون حكمه في يد الحربيِّ بعد إسلامه حُكم الأسير، فإن اشتراه أحدٌ منه بعد إسلامه كان كالحرِّ يُفدى، وهو قول أشهب، إلا أنه يزعم أن سيده إذا أسلم بعد ذلك وهو في يديه، كان له ملكاً، وهو ناقص (١) . وفرَّق ابن القاسم فقال (٢) : إن بقي حتَّى أسلم عليه سيده، أو قدم به مستأمناً، فملكه باقٍ عليه، وإن غنمه عليه المسلمون: سقط ملكه، وكان حراً، لا حقَّ لذلك الجيش فيه، كما لو أسلم ثم لحِقَ بدار الإسلام. والأرجح القول بحريته بإسلامه (٣) مطلقاً؛ لأن الإسلام الذي رفع عنه ملك الحربيّ إذا خرجَ إلى دار الإسلام، هو الذي يرفع ملكه على كلِّ حال، ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، ولذلك قال النبي ﷺ فيهم: «هم عتقاء الله» ، وذلك بالإسلام، لا بالخروج، وهو قول أبي محمد بن حزم (٤) . * مسألة: إذا أسلم عبد الحربي، ثم فرَّ إلى أرض الإسلام بمال، فعند المالكية: يكون المال له ولا يُخمس، سواءٌ كان في يديه من تجارةٍ لسيده، أو كان من خراج العبد، أو كان سرقةً، لا خمس في ذلك؛ لأنه مما لم يُوجف عليه، وإن كان في يديه أمانة، فقد استحبَّ له أن يردَّه إلى سيده من غير أن يعرض له فيه إن أمسكه، وكذلك إن فرَّ إلى أرض الإسلام وهو كافر، ثم أسلم، فإن بقي على كفره وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية، كان له ذلك، ولم يردّ إلى سيده، وإن أسلم بعد الجزية كان حُرّاً، وسقطت عنه الجزية، ذكره كله اللخمي ذِكراً مطلقاً، ولم

стр. 423

يتعرض إلى ذكر خلافٍ عنهم في ذلك (١) . قال أبو الوليد بن رشد (٢) : إذا تقدم خروج العبد قبل سيده فهو حرٌّ بنفس خروجه، مسلماً كان أو كافراً؛ على مذهب مالكٍ، وجميع أصحابه، وقال أشهب: لا سبيل لسيده عليه إن قدم بعد ذلك، فأسلم (٣) أو لم يسلم، سواءٌ أسلم العبد أو بقي كافراً. فأقول: أما قولهم ذلك فيمن كان أسلم من العبيد فظاهر، ودليله ما تقدم في المسألة قبل هذه، وأما فيمن بقي على كفره؛ فكأنهم ذهبوا به إلى حكم ما استُوْلي عليه من الكفار، وكأن العبد استولى على نفسه وغنمها، فكان بذلك حرّاً، وعلى ذلك يكون له ما خرج به من مالٍ وغيره، ونحو هذا رأيت لبعضهم في توجيه ذلك. وقال أبو حنيفة: لا يكون حرّاً بخروجه؛ إلا إذا خرج مسلماً، وأما إذا خرج كافراً فهو غنيمة جميع المسلمين، وقال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: هو مِلكٌ لمن سبق إليه، قالا مرةً: لغير خمسٍ يجب فيه، وقالا مرةً: بَعْد إخراج الخمس منه لأهله (٤) . * مسألة: قال ابن القاسم (٥) في عبدٍ أبَقَ إلى دار الحرب، ثم خرج [بعبيدٍ] (٦) استألفهم إلى دار الإسلام: إن أولئك الرقيق له أو لسيده إن أراد أخذهم منه، ولا

стр. 424

خُمس فيهم، وكذلك لو استألفهُم حرٌّ فخرج بهم كانوا له، ولا خمس فيهم. قيل: معنى ذلك: أن يكون استألفهم ليكونوا له عبيداً، قال: وإن قال أولئك الرقيق: إنما خرجنا معه على أننا أحرار، وأنكر ذلك الخارج بهم، فالقول قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يرُدَّهم إلى مأمنهم، فإن خرجوا بلا عهدٍ فأَمْرُهُم إلى الوالي، ولا يقبل قول العبد، يعني: في استرقاقهم، إلا أن يُعلم أنه أخرجهم كرهاً، أو يكونوا في حوزه في وثاق، فهم عبيدٌ له. قيل: فإن ادَّعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟! قال: إن اسْتُدِلَّ على صدقهم بسببٍ ظاهر، فالقول قولهم، وإن لم يُعرفوا عند خروجهم إلا في وثاق؛ فهم له عبيد. قيل: فالعبد يخرج متلصِّصاً إلى أرض العدو فيغنم، قال: يخمس، ويكون فضل ذلك له. ففرَّق ابن القاسم بين خروج العبد إلى دار الحرب إباقاً (١) ، وكذلك الأسير ونحوه لو كان ثَمَّة، ثم يخرج بشيءٍ من دار الحرب، فلم ير فيه خمساً، بل جميعه عنده لمن خرج به، وبين خروج العبد أو الحرِّ إلى دار الحرب تلصُّصاً، وتحيُّلاً بالسرقة والاستيلاف ونحو ذلك. فهذا عنده فيه الخمس، وسائره للذي خرج به؛ لأنه رأى خروجه إلى دار الحرب على قصد النَّيل منهم بذلك والتعمد له إيجافاً، فكان له حكم الغنيمة في التخميس، وهو قول جميع أصحاب مالك، إلا اختلافاً فيما أصاب العبد، وكذلك كلُّ من ليس من أهل الجهاد، كالمرأة والصبي، فقيل: إنَّه لا يخمَّس شيئٌ (٢) مما أصابوه، كان مقصوداً بالخروج إليه والإيجاف عليه، أوْ لا. وقيل: إنه يخمس ما أُوجف من ذلك عليه. ولا أعرفهم اختلفوا في الذِّميِّ أنه لا يخمس ما أصاب على أيِّ وجهٍ كان.

стр. 425

* مسألة: قال ابن القاسم في الأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر، فيوثقونهم، ويوجهون بهم إلا بلادهم، فيثب عليهم الأسارى فيقتلون بعضهم، ويأسرون بعضهم، ويصيبون متاعهم ومركبهم: إنَّ ذلك إن كان فعله الأُسارى وهم يُسار بهم قبل أن يصلوا إلى أرضهم، ففي ذلك الخمس، قال: وأُراهم بعد في حربهم. قال: وإن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، ثم خلصوا إلى ذلك منهم، فأرى ما أصابوا لهم، ولا خمس عليهم (١) فيه، وإنما يستحكم أسرهم إذا صاروا بهم إلى موضعٍ يأمنون فيه لحوق مراكب المسلمين بهم. قال: ولو أمنوا قبل الوصول إلى أرضهم، لكان لهم بالوصول إلى موضع الأمن حكم الوصول إلى أرضهم. قلت: هذا بناءً على أصلهم في أن لا خمس فيما أصيب على غير القتال، أو تعمّد الخروج لإصابته من تلصُّصٍ ونحوه، لكن قد كان يجب في هذه المسألة على هذا الأصل الخمس في ذلك كلِّه، سواء أَمِن العدو في طريقهم من الاتباع، أو لم يأمنوا، وصلوا إلى أرضهم، أو لم يصلوا، ما دام الجمعان من المسلمين والعدو يجمعهم بعد المناشبة بالقتال حضورٌ واحد، وإذا لم ينفصل أمر اجتماعهم ذلك، فهم في حومة المعالجة، وبسبيل ما نَشَبَ بينهم من ذلك القتال، وإنما إسارُ العدو لهم، ووثوبُ المسلمين بَعْدُ عليهم، كما لو هزمهم العدو، ثم كَرَّ عليهم المسلمون. وكما قالوا في وجوب الخمس إذا وثب الأسارى عليهم بعد أن أوثقوهم، وقبل أن يُلحقوا إلى حيث يأمنون أنهم بعدُ في حربهم، كذلك يلزم ما دام الجمعان على حضور واحد، ولا أثر للأمن، ولا نعلم أحداً يجعل أمن العدو سبباً لسقوط الخمس فيما أصيب منهم، أمَّا إن كانوا عند وصولهم بهم إلى أرضهم تفرَّقوا بالأسرى، وانفصل نظام الجمعين بعد ذلك اللقاء الذي كان على حكم القتال؛ فيمكن أن يقال: ما فعلوا من ذلك بَعْدُ فهو غير مستند إلى إنشاب ذلك القتال، وله

стр. 426

حكم نفسه، فلا خمس فيما أصيب فيه. فإن كان ذلك هو الذي أراد ابن القاسم بقوله: إن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، فله وجه، وأما ما فسره أبو الوليد بن رشد (١) وذهب إليه من ذلك فبعيد، والله أعلم. ما جاء في تحريم الغلول وعقوبة الغال قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] . وخرَّج الترمذي (٢) عن عمر بن الخطاب قال: قيل: يا رسول الله: إن فلاناً قد استشهد، قال: «كلا! قد رأيته في النار بعباءة قد غلَّها» . قال: «قم يا عمر، فناد: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» . ثلاثاً. قال فيه: حسن صحيح. وذكر مالك في «موطئه» (٣) عن ابن عباس أنه قال: «ما ظهر الغلول في قومٍ قط؛ إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قومٍ قط؛ إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان؛ إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق؛ إلا فشا فيهم الدم، ولا ختَرَ (٤) قوم بالعهد؛ إلا سُلِّط عليهم العدو» . قال ابن عبد البر (٥) : «مثل هذا لا يقوله إلا توقيفاً؛ لأن مثله لا يدرك بالرأي» .

стр. 427

ثم كأنه تناقض، فبعد أسطر يسيرة، ذكر فيها ذلك في رواياتٍ يزيد بعضها على بعض، قال (١) : «حديث مالك أتم، وكلها تقضي العقول بها والمشاهدة بصحتها» . فالغلول إحدى الكبائر، ومن أعظم القبائح، قال رسول الله ﷺ : «إن الغلولَ عارٌ، ونارٌ، وشنارٌ على أهله يوم القيامة» . خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .

стр. 428

قوله: «الشنار» ، قال في «مختصر العين» : هو العيب والعار (١) . واتفق أهل العلم على أن من أخذ من أهل العسكر أو السَّرية من المسلمين -أسيراً كان أو غيره- شيئاً له ثمن أو بالٌ، مما كان يملكه أهل الحرب -قلَّ أو كثر مما عدا الطعام- فانفرد بملكه ولم يُلقه في الغنائم، فإنه قد غَلَّ (٢) . وإنما اختلفوا في الطعام، وفيما لم يتملكه أهل الحرب قبل ذلك: كالحصى، والصيد، وخشب البرِّيَّة، ونحو ذلك مما تقدم القول فيه. وكذلك اختلفوا في الشيء اليسير مما لا ثمن له ولا بال: كالخيط، والخرقة يُرقع بها، ونحو ذلك، وفي الاستمتاع ببعض ما هنالك في دار الحرب عند الضرورة إليه والحاجة، من غير أن يتملكه، فأرخَصَ في ذلك بعضهم. سئل الحسن البصري عن رجلٍ عُريان، أو: من لا سلاح معه: أيلبس الثوب ويستمتع بالسلاح؟ قال: نعم، فإذا حضر القسم؛ فليحضره (٣) . وقال سفيان: «لا بأس أن يستعينوا بالسلاح إذا احتاجوا إليه في أرض العدو، وبغير إذن الإمام» . وهو قول جمهور العلماء إذا كانت الضرورة في معمعَةِ الحرب، واحتيج إلى ما استولي عليه من سلاح العدو فهو جائز، رُوي ذلك عن مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم؛ ذكره ابن المنذر (٤) . قال:

стр. 429

«والجواب في الفرس يقاتل عليه في حال الحرب؛ كالجواب في السلاح» -يعني: لِضَرورة مقاومة العدو في التحام الحرب- فأمَّا استعمال شيء من ذلك على غير هذا الوجه إلا تكثُّراً، أو اغتنام الانتفاع به، فلا يباح ذلك. خرَّج أبو داود (١) ، عن رُويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: «من

стр. 430

كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين، حتى إذا أَخْلقهُ ردّه فيه» . ورُوي عن ابن القاسم -صاحب مالكٍ- أنه وسَّع فيما لا ثمن له، مثل: الخرقة يُرقع بها، والخيط يخيط به، والمسلَّة والإبرة، قال: له أن ينتفع به، وقاله أصبغ. وروي عن مالكٍ في الذي يَرُدُّ الكُبَّة من الخيط، ومثله مما ثمنه دانق وشبهه: أخاف له أن يرائي بذلك، وليس يضيق على الناس. وروى أشهب عن مالك: ما كان قيمته ثمن درهم: فله أن يحبسه ولا يبيعه (١) . فأقول: التمسك من ذلك بشيءٍ -وإن قلَّ- خطرٌ؛ فإن فيما خرجه مالك في «موطئه» ، أن النبي ﷺ قام في الناس -يعني: مُنصرفه من حنين- فقال: «أدوا

стр. 431

الخائط والمخيط، فإن الغلول عارٌ، ونارٌ، وشنارٌ على أهله يوم القيامة» (١) . فهذا نصٌّ في الخائط والمخيط -وهو الخيط والإبرة- أمر رسول الله ﷺ بأدائه، وجعل له حكم الغلول المتوعَّد عليه بالنار، فلا ينبغي أن يتسامح مع هذا أحدٌ في مثل ذلك، وإنما حَمَلَ من ذكرناه على الترخيص فيما خَفَّ من ذلك: حملُهم ما وقع في الحديث من ذكر الخائط والمخيط على أنَّ المراد به ضربُ المثل، والمبالغة والتحذير، وإنما المقصود ما فوقه، لكن هذا التأويل مع كونِهِ دَعوى، وخروجاً عن الظاهر بغير دليل، فقد يبطله قوله ﷺ -وقد جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ -: «شراكٌ -أو: شِراكان- من نار» ؛ خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) . قوله في الحديث: «شراك، أو: شراكان» ؛ هو شكٌّ من المحدِّث. وأجمع العلماء على أن الغالَّ يجب عليه أن يردَّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم إن وجد إلى ذلك سبيلاً، وأنه إذا فعل ذلك، فهو توبةٌ له (٣) . واختلفوا: إذا افترق أهل العسكر ولم يوصل إليهم؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يرفع إلى الإمام خُمسه، ويتصدَّق بالباقي، فإنْ خاف الإمامَ على نفسه،

стр. 432

تصدَّق به كلّه، وبه قال مالكٌ (١) ، والأوزاعي، والثوري، والليث، وغيرهم، وروي معناه عن ابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان (٢) ، وذهب الشافعي إلى

стр. 433

إنكار ذلك، وقال: «لا أعرف لقول من قال: يتصدَّق به؛ وجهاً؛ إن كان مالاً له،

стр. 434

فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان مالاً لغيره، فليس له الصدقة بمال غيره» (١) . فصلٌ واختلفوا في عقوبة الغالّ، فروي عن مكحول، والحسن (٢) : أنه يُحرق متاعه كله، وقاله الأوزاعي (٣) ، وإليه ذهب: أحمد، وإسحاق (٤) . قال الحسن: يُحرق جيمع رحله، إلا أن يكون مصحفاً، أو حيواناً. وقال الأوزاعي: إلا سلاحه، وثيابه التي عليه، وسرجه، ولا تنتزع منه دابته، ويحرق سائر متاعه كلّه، إلا الشيء الذي

стр. 435

غلَّ، فإنه لا يُحرق (١) . وقال مالكٌ، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليث (٢) ، وداود: لا يُحرق رحلُ الغالِّ، ولا يُعاقب إلا بالتعزير على حسب اجتهاد الأمير. قال الشافعي وداود: إن كان عالماً بالنهي عوقب (٣) . فدليل من ذهب إلى التحريق عليه: ما خرَّجه أبو داود (٤) ، من طريق صالح بن

стр. 436

محمد بن زائدة، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا وجدتم الرجلَ قد غلَّ، فاحرقوا متاعه، واضربوه» . وخرَّج -أيضاً- (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، حرقوا متاع الغالِّ وضربوه. وأما الآخرون، فلم يثبت عندهم شيء من ذلك. أما حديث صالح بن محمد بن زائدة؛ فضعَّفوا صالحاً؛ قال البخاري (٢) : «هو

стр. 437

منكر الحديث، تركه سليمان بن حرب» . وقال أحمد بن حنبل (١) : «ما أرى بحديثه بأساً» . وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فقد ضعَّف عَمْراً كثيرٌ من أهل العلم، وبخاصَّة ما رواه من صحيفة أبيه عن جدِّه، فإن الإنكار عليه في ذلك أشدُّ، وقد احتجَّ بعضهم بحديثه (٢) . وتمسَّك هؤلاء الذين لم يثبت عندهم أمر التحريق بالأصل المقطوع عليه في تحريم مال المسلم وعصمته، المتضافِرُ على ذلك: القرآن، والسنة، والإجماع. وعارض بعضهم أحاديث التحريق بالآثار التي وردت عن رسول الله ﷺ في التشديد على الغالِّ يعثر عليه، فلم يُنقل في شيءٍ منها أنه حرَّق رَحْله، ولا أمر بذلك، كالذي غلَّ الشَّملة (٣) ، والذي غلَّ الخَرَزَ (٤) ، قالوا: ولو حرقه لنُقل.

стр. 438

وهذا فيه نظر، إلا أنَّ من لم يثبت عنده ما رُوي في ذلك، فهو على بصيرة مما ذهب إليه بالحَظْرِ المقطوع عليه في أموال المسلمين وأحوالهم، وهو أرجح، والله أعلم (١) . *****

стр. 439

الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخُمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، وقال -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] . فاختلف أهل العلم في تأويل هذه الآي وأحكامها، وما عسى أن يكون فيها من نسخٍ أو حمل بعضها على بعض اختلافاً كثيراً، نُشير منه -إن شاء الله- إلى ما هو الأظهر في حمل الخطاب عليه، والأرجح في شهادة الأدلة له، مما يكون فيه غُنيةٌ، ثم نعقِّب ذلك بالكلام على كلِّ فصلٍ من فصول هذا الباب وأحكامه، وما للعلماء في ذلك من المذاهب بحول الله. ولنُبيِّن أولاً معنى (النَفلِ) و (الفَيءِ) على القول الأظهر الأكثر، وإن كان لهم فيه اختلافٌ يُتَعَرَّفُ عند تفصيل اختلافهم في معاني الآي وأحكامها، وبالله تعالى نستعين. فأمّا النَّفل (١) : فهو ما يُنَفِّلُهُ الإمامُ الجيشَ، أو بعضَهم، إن رأى لذلك وجهاً،

стр. 440

أي: يزيدهم إيَّاه فوق سهامهم التي أوجب لهم القسم من الغنيمة، بحسب اجتهاد الإمام لمصلحةٍ تكون للمسلمين. واختلف: هل تكون تلك الزيادة من أصل الغنيمة قبل أن تخمس، أو مِنْ سائرها بعد إخراج الخمس وقبل القسم، أو: إنما يكون ذلك من الخمس، وتبقى أربعة الأخماس موفورةً للجيش؟ وكذلك اختلف في السَّلَب -وهو ما يوجد على المقتول أو معه (١) -: هل حكمه حكم الغنيمة؟ وأمره راجعٌ إلى الإمام، فينفِّله القاتل إن رأى لذلك وجهاً، كما يفعل في النَّفل من غيره، ويمنعه -أيضاً- إن رأى على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده في مصالح المسلمين، أو: هو شيءٌ يختص به القاتل حُكماً من الله -تعالى-، فلا يدخل من حكم الغنيمة في شيء؟ وأمَّا الفيءُ: فهو ما أفاءه الله -تعالى- على المسلمين، أي: رجعه إليهم من أموال الكفار عَفواً، من غير قتالٍ ولا معالجةٍ، بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ (٢) . وحُكم هذا: أن لا يُقسم في الجيش كما تُقسم الغنائمُ؛ لأنهم لم يستحقوه بشيءٍ من العمل، وإنما يكون في مصالح المسلمين عموماً. واختُلِف: هل يخرج منه الخُمس لمن سمَّى الله -تعالى-، أو هو كلُّه في مصالح المسلمين؟ وكذلك اختلف في حكم مصارف الخمس، على ما سنوضح في جميع ذلك -إن شاء الله تعالى-. القول في تأويل الآي وأحكامها اختلف أهل العلم في معنى قوله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ

стр. 441

الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ، فقال أكثرهم: هي منسوخة بقوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] . وقائل هذا القول يجعل الأنفال في الآية هي الغنائم نفسها، وإنما أخذ النَّفل من النافلة؛ وهي الزيادة، قالوا: والغنائم أنفال؛ لأن الله -تعالى- نفلها أمة محمدٍ ﷺ ، أي: زادهم ذلك وخصَّهم به دون الأمم بفضله. قال ﷺ : « ... وأحلت لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي» (١) . وروى أهل اللغة: أن النفل: المغنم. والجمع: أنفال (٢) . قالوا: فكانت آية الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، ولم يكن أمرٌ بتخميس الغنائم وقسمها، بل كان الأمر في الغنائم كلها إلى النبي ﷺ ، فنسخ الله ذلك بآية الخمس ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فاستقرَّ أمر الغنائم على التخميس، وقسم سائرها في الغانمين على السهمان المعلومة. ورُوي في سبب نزول الآية ما يدلُّ على هذا المذهب.

стр. 442

خرَّج إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن عبادة بن الصامت أنه قال: أنا أعلم الناس بالنَّفل؛ كنا مع رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثة أثلاث، ثلثٌ بإزاء العدو، وثلث يحرس النبي ﷺ ، وثلث في العسكر يأخذون ما في العسكر، وكان رسول الله ﷺ نفل كلَّ امرئٍ ما أصاب، فقال الذين بإزاء العدو: إنا كنّا بإزاء العدو، وخشينا كرَّة العدو عليكم، وقد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، وقال الذين حرسوا النبي ﷺ : قد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، ولكن خشينا كرَّة العدوَّ عليكم، فتنازعوا في ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ ... ﴾ الآية [الأنفال: ١] ، وكان فيه تقوى، وصلاح ذات بينٍ، وطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ . وفي روايةٍ عنه قال: فينا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نزلت حين اختلفنا، وساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعه الله ﵎ من بين أيدينا، فجعله إلى رسوله ﷺ ، فقسمه بالسَّواء، فكان في ذلك طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وصلاح ذات البين (١) .

стр. 443

وممَّن رُوي عنه القول بنسخ الآية على ما وُصِف: ابن عباس، ومجاهد،

стр. 444

وعكرمة، والضحاك، والشعبي، والسدِّي (١) ، وعليه يجيء مذهب أكثر الفقهاء؛ لأن جمهورهم يقولون: لا يجوز للإمام أن يُنفِّل أحداً من الغنمية شيئاً إلا من سَهْمِ النبي ﷺ ؛ لأن الأربعة الأخماس قد صارت لمن شهد الحرب من الجيش. وفي الآية قولٌ ثانٍ: أنها محكمة وليست بمنسوخة، ذهب من رأى ذلك إلى أن الأنفال شيءٌ يُزادُه بعض الجيش على سهمه، وأن للإمام أن يُنفِّل من شاء من الغنيمة إذا كان في ذلك مصلحةٌ، وربما كان مِنْ حجَّة من ذهب إلى هذا، إلى أن التَّنفيل في اللغة: الزيادةُ. قالوا: فهذا هو الذي يُسمَّى نفلاً على الحقيقة؛ لأنها زياداتٌ يُزادها الرجل فوق سهمه من الغنيمة، وممن رُوي عنه هذ القول -أيضاً-: ابن عباس؛ سُئل عن الأنفال فقال: «الفرس من النفل، والسَّلبُ من النَّفَل» (٢) ، وإليه ذهب محمد بن جُبير (٣) . ويتأيد هذا القول بحديث مالكٍ عن نافعٍ، عن عبد الله بن

стр. 445

عمر، أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجدٍ، فغنموا إبلاً كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيراً -أو: أحد عشر بعيراً-، ونفلوا بعيراً بعيراً (١) . فوجهُ الدليلِ منه أنه ذكر فيه التنفيل زيادةً على القسم، فكان النفل شيئاً زائداً على السهم من جملة الغنمية. وخرَّج مسلم (٢) عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يُنفِّلُ بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصَّة، سوى قَسْمِ عامَّةِ الجيش. وفيه قول ثالث: أن الأنفال هو الخُمس خاصَّة؛ كان المهاجرون سألوا لمن هو؟ فأنزل الله في ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] ، رُوي هذا القول عن مجاهدٍ -أيضاً- (٣) .

стр. 446

والآية على هذا مُحكمةٌ ومُتَّفقة المعنى مع قوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، لكن في دعوى تسمية الخمس نفلاً؛ نظرٌ، والله أعلم. فصلٌ وأما قوله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... ﴾ الآية [الحشر: ٧] ، فكذلك اختلف أهل العلم فيها؛ فمنهم من ذهب إلى أن الآية منسوخةٌ بقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] ، وزعم أن الفيء ها هنا هو الغنيمة -أيضاً-، وأنه كان الأمر في صدر الإسلام: أن تُقسم الغنائم على هذه الأصناف المسمَّاة في الآية، ولا يكون لمن قاتل عليها شيءٌ منها، إلا أن يكون من أحد هذه الأصناف، ثم نسخ الله -تعالى- ذلك بآية الخمس، فقصر هؤلاء الأصناف عليه، وقسم سائر الغنيمة في الجيش، روي هذا القول عن قتادة (١) ، وغيره، وهو بعيد

стр. 447

من حيث ادِّعاء حُكمٍ ونَسْخه، من غير دليلٍ على ذلك، وإلا فمعروفٌ في اللغة أن يُقال للغنيمة: فيءٌ. وقال قوم: بل الفيءُ والغنيمةُ شيئان مختلفان، ولكلِّ واحدٍ حكمٌ يختصُّ به، والآية على ذلك مُحكمةٌ. والغنيمة: ما أُخذ على وجه الحرب والمغالبة، وهو الذي أنزل الله -تعالى- في حكمه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فهو يكون خمسه في الأصناف التي سمَّى الله -تعالى-، وأربعة أخماسه للجيش الذين قاتلوا عليه. وأما الفيء: فهو ما صُولح عليه أهل الحرب، ولم يؤخذ عنوة (١) ، فهذا يكون مَصْرفُ جميعه في الأصناف التي سمَّى الله -تعالى- في هذه الآية من سورة الحشر، ولا يُخمَّس، وهو قول سفيان الثوري (٢) ، وكذلك قال جمهور الفقهاء: إن الفيء غير الغنيمة، إلا أنهم لم يقصروا الفيء على هؤلاء الأصناف، بل رأوه عاماً في جميع مصالح المسلمين، وهو قول مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣) ؛ إلا أن الشافعي رأى أن يُخمس الفيء كما

стр. 448

تُخمَّس الغنيمة، فيكون الخمس في الأصناف المذكورين في هذه الآية؛ كأنه رأى ذلك عائداً على خُمس الفيء خاصة، لما بيَّنت السنَّة أنَّ أربعة أخماسه في مصالح المسلمين عامَّة (١) . وقول الجمهور حيث فرقوا بين الفيء والغنيمة في الآيتين، ولم يروا بينهما تعارضاً ولا نَسْخاً، بل كلتاهما محكمتان؛ هو الأظهر الأشهر. وأمَّا حملُ آية الفيء على معنى أنها الغنيمة؛ كان الحكم فيها أن يقسم على الأصناف المسمَّين فيها، ثم نسخت؛ فأمرٌ لا دليل عليه، ولا اضطرار إليه. وأيضاً؛ فإن الآية في الغنائم من سورة الأنفال نزلت إثر بدر، وذلك قبل أمر القُرى التي أنزل الله -تعالى- فيها: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] . وقد ذهب قومٌ إلى أن هذه الآية مُبيِّنةٌ لحكم الآية التي قبلها: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، وأبى ذلك أكثر أهل العلم، ورأوا أن الآية الأولى من سورة الحشر خاصَّةٌ في حكم أموال بني النضير حين جَلَوا عن بلادهم بغير حرب، وفيهم نزلت سورة الحشر (٢) : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] ، فجعل الله أموالهم للنبي ﷺ ، فلم يستأثر بها، بل أخذ منها قدر ما يكفيه

стр. 449

وأهله، وفرَّقها في المهاجرين ﷺ ؛ هذا قول جمهور العلماء، وهو مرويٌّ عن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم. وفي «الصحيحين» : البخاري ومسلم، عن عمر قال: «كانت أموال بني النَّضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، مما لم يوجِف عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركاب، فكانت للنبي ﷺ خاصَّة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، عُدَّةً في سبيل الله » (١) . قالوا: وأما آية الفيء الثانية، فنزلت في قُرىً من قُرى العرب، عَلِمَ الله-تعالى- حكم الفيء منهم، فحكمها مخالفٌ للآية التي قبلها في بني النَّضير؛ تلك خاصَّة برسول الله ﷺ (٢) . فصلٌ: في النَّفل والسَّلَب وأحكامهما * القولُ في النَّفل * النفل في المغانم: الزيادة على السهم، وهو جائزٌ فعله، وقضاء الإمام به إذا رآه مصلحة في الجيش وللمسلمين، وليس ذلك بواجبٍ عليه أن يفعله، ولا حقَّ لأحدٍ في ذلك، إلا أنْ يجعله الإمام، أو أمير الجيش، وهو يكون على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يَخُصَّ الإمام بعض الجيش؛ لِغَنَاءٍ كان منه، أو مكروهٍ تحمَّله

стр. 450

دون (١) الجيش، فيزيده شيئاً يُنفِّله إياه. والثاني: أن يبعث سرية من جُملة الجيش، فيخُصَّها بشيءٍ يزيدها إيَّاه مما غنمت دون العسكر. والثالث: أن يُحرِّض الإمامُ الجيشَ على القتال قبل لقاء العدو؛ فيُنفِّلهم، أو من شاء منهم مما يرجوه من الغنيمة شيئاً قبل القسم؛ تحريضاً لهم على الاجتهاد، وكره مالكٌ هذا الوجه؛ خشية أن يكون قتالهم للدنيا (٢) ، وأجازه جماعة من أهل العلم (٣) .

стр. 451

واختلف أهل العلم في أحكام النَّفل في ثلاثة مواضع: أحدها: فِيمَ يُفرضُ النَّفل. والثاني: مقدار ما يفرض منه. والثالث: الوقت الذي يجوز أن يُفرض فيه. فأما اختلافهم في الموضع الأول -وهو فيم يفرض- ففي ذلك ثلاثة أقوال: قول: إنه لا يكون النَّفل إلا من الخُمس، وهو قول مالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم (١) ، وقاله سعيد بن المسيّب (٢) ، ومستند هؤلاء: أن أربعة أخماس

стр. 452

الغنيمة يُعيَّنُ مُستحقُّوها -وهم الغانمون-، فلم يَجُز إخراج شيءٍ من ذلك عنهم، والخمس مصروفٌ إلى اجتهاد الإمام في التعيين، فكان ذلك منه. وقولٌ ثانٍ: إنه لا يكون في الخُمس نفلٌ، وإنما يكون في أربعة الأخماس بعد إخراج الخمس، ثم يقسم ما بقي على الجيش، وهو قول أحمد بن حنبل،

стр. 453

وإسحاق، وقاله أبو محمد بن حزم (١) ، وإليه ذهب جماعة فقهاء الشام، منهم: رجاء بن حَيْوة، ومكحول، والقاسم بن عبد الرحمن، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وغيرهم (٢) . ودليلهم: ما خرَّجه أبو داود (٣) ، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ

стр. 454

كان ينفِّل الرُّبع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قَفَلَ. وخرَّج مسلم (١) ، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ كان يُنفِّل بعض من يبعث من السَّرايا لأنفسهم خاصَّة، سوى قسم عامَّة الجيش، والخمس في ذلك واجبٌ كله. وقول ثالث: إن الأمير مُخيَّرٌ، فإن شاء نفل مِن رأس الغنيمة قبل الخمس، وإن شاء بعد الخمس، وهو قول النَّخعي (٢) . ويُروى عن أبي ثورٍ: أن النَّفل قبل الخمس (٣) .

стр. 455

ثم اختلف أصحاب القول الأوَّل الذين رأوا أن النَّفل لا يكون إلا من الخمس، فقال منهم جماعة: لا يكون إلا في خمس الخمس، وهو سهم النبي ﷺ ، وهو قول الشافعي (١) ، ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب (٢) . ومستندهم أن خمس الخمس -وهو سهم النبي ﷺ - هو الذي يَرْجِعُ النَّظرُ فيه إلى الإمام، وأما سائره فمُعيَّنٌ في الأصناف الموصوفين في الآية، كما عُيِّن سائر الغنيمة للجيش. وقال مالكٌ وأصحابه (٣) : بل جميع الخمس يرجع النظر فيه إلى الإمام- على ما سنذكره بعد هذا في مصرف الفيء والخمس. وأما اختلافهم في الموضع الثاني -وهومقدار ما يُفرضُ في النفل-، ففي ذلك أقوال: قول: إن ذلك راجعٌ إلى اجتهاد الإمام، ولا حدَّ له؛ قاله الشافعي (٤) ،

стр. 456

ومذهبه أن ذلك لا يكون إلا في خمس الخمس -كما تقدم-، إلا أن يكون تحريضاً يتقدم به قبل الغنيمة لمن يفعل فِعْلاً يُفضي إلى الظفر بالعدو، كالتجسس، والدلالة على الطريق، والتقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد انفصال الجيش عنها، فله عندهم أن يُنفَّل بجزءٍ من جملة الغنيمة المرجوَّة في ذلك؛ لحديث حبيب بن مسلمة المتقدم؛ ولأن الجيش لم يتعلَّق لهم بها حقٌ، إلاَّ على هذا الوصف، وهو في مصالحهم، كالإجارة والجُعْل. وقولٌ: إنه لا يُزاد في النفل على الثلث -وهو قول جمهور العلماء- (١) ، ودليل هذا القول حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم-، أن رسول الله ﷺ كان يُنفِّلُ الرُّبع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قَفَلَ. فكان ذلك أقصى ما رُوي في التَّنفيل. وقولٌ: إنه لا يبلغُ بالنَّفلِ سهمَ راجلٍ إلا أن يكون التَّنفيل لسريَّةٍ، أو أحدٍ ممن ساق غنيمة إلى الجيش، فللأمير أن يُنفِّل من أتى بالغنيمة رُبعَ ما ساقَ بعد

стр. 457

الخمس في الدخول إلى أرض الحرب، وثلث ما ساق بعد الخمس في الخروج منها، لا زائد على ذلك. وإليه ذهب أهل الظاهر (١) ، ودليلهم حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم- في تنفيل الربع والثلث لمن ساق غنيمةً إلى الجيش، وإن ما عدا ذلك لم يثبت في شيءٍ منه أن رسول الله ﷺ نفَّل أحداً ما يبلغ سهم راجل. وقولٌ: إن للإمام أن يُنفِّل السَّرية جميع ما غنمت من غير تخميس، روي ذلك عن مكحول، وعطاء، وإبراهيم (٢) . وعامَّة الفقهاء على خلافه. وروي عن

стр. 458

الثوري أنه قال في أميرٍ أغار فقال: من أخذ شيئاً فهو له: هو كما قال (١) . وليس لشيءٍ من ذلك دليلٌ يُعتَدُّ به. وأظهر الأدلة رجوحاً ما ذهب إليه أهل الظاهر (٢) ، والله أعلم. وأما اختلافهم في الموضع الثالث -وهو الوقت الذي يكون فيه فرضُ التَّنفيل- ففي ذلك قولان: أحدهما: إن ذلك لا يكون إلا بعد إحراز الغنيمة، لا قبل ذلك، وإليه ذهب مالك (٣) ، وكره أن يُنفَّل قبل ذلك يُحرِّضهم؛ خشية أن يكون قتالهم لغير الله، وعنده: أن السَّلبَ من النَّفل، قال: ولم يَقُل رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» (٤) ، إلا بعد أن برد القِتال. وبنحو ما ذهب إليه مالك؛ يقول أبو حنيفة (٥) .

стр. 459

والقول الثاني: إن له أن يُنفِّل قبل إحراز الغنيمة وبعده على ما يرى من الاجتهاد، وما فيه المصلحة، وهو قول الشافعي (١) . قال: وقد رُوي أن رسول الله ﷺ نفَّل في البدأةِ والرَّجعة. وقال الثوري (٢) : لا بأس أن يقول الإمام: من جاء برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، يُضرِّيهم. القول في السَّلب في «الصحيحين» : البخاري ومسلم (٣) ، عن أبي قتادة، عن رسول الله ﷺ قال: «من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سَلبهُ» . وذكره مالكٌ وغيره (٤) . وخرَّج -أيضاً- أبو داود (٥) ، عن عوفِ بن مالكٍ الأشجعي، وخالد بن الوليد،

стр. 460

أن رسول الله ﷺ قضى في السَّلب للقاتل، ولم يخمس السَّلبَ. واختلف أهل العلم من هذا الفصل في ثلاثة مواضع: في حكم السلب لمن يكون، وفي حدِّ السلب، وعلى ماذا يقع، وفي صفة القتيل المسلوب. فأما حكم السلب، فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال: قول: إنه مِلكٌ للقاتل، يختصُّ به، حُكماً من الله ، لا يحتاج في ذلك إلى تقدم قول أميرٍ ولا غيره، فهو يُحاز له من جملة الغنيمة، من غير خمس يجب فيه، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وقاله محمد بن جرير الطبري، وغيره (١) .
следующие страницы →