ومذهبه أن ذلك لا يكون إلا في خمس الخمس -كما تقدم-، إلا أن يكون تحريضاً يتقدم به قبل الغنيمة لمن يفعل فِعْلاً يُفضي إلى الظفر بالعدو، كالتجسس، والدلالة على الطريق، والتقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد انفصال الجيش عنها، فله
عندهم أن يُنفَّل بجزءٍ من جملة الغنيمة المرجوَّة في ذلك؛ لحديث حبيب بن مسلمة المتقدم؛ ولأن الجيش لم يتعلَّق لهم بها حقٌ، إلاَّ على هذا الوصف، وهو في مصالحهم، كالإجارة والجُعْل.
وقولٌ: إنه لا يُزاد في النفل على الثلث -وهو قول جمهور العلماء- (١) ، ودليل هذا القول حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم-، أن رسول الله ﷺ كان يُنفِّلُ الرُّبع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قَفَلَ. فكان ذلك أقصى ما رُوي في التَّنفيل.
وقولٌ: إنه لا يبلغُ بالنَّفلِ سهمَ راجلٍ إلا أن يكون التَّنفيل لسريَّةٍ، أو أحدٍ ممن ساق غنيمة إلى الجيش، فللأمير أن يُنفِّل من أتى بالغنيمة رُبعَ ما ساقَ بعد
стр. 457
الخمس في الدخول إلى أرض الحرب، وثلث ما ساق بعد الخمس في الخروج منها، لا زائد على ذلك. وإليه ذهب أهل الظاهر (١) ، ودليلهم حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم- في تنفيل الربع والثلث لمن ساق غنيمةً إلى الجيش، وإن ما عدا ذلك لم يثبت في شيءٍ منه أن رسول الله ﷺ نفَّل أحداً ما يبلغ سهم راجل.
وقولٌ: إن للإمام أن يُنفِّل السَّرية جميع ما غنمت من غير تخميس، روي ذلك عن مكحول، وعطاء، وإبراهيم (٢) . وعامَّة الفقهاء
على خلافه. وروي عن
стр. 458
الثوري أنه قال في أميرٍ أغار فقال: من أخذ شيئاً فهو له: هو كما قال (١) . وليس لشيءٍ من ذلك دليلٌ يُعتَدُّ به.
وأظهر الأدلة رجوحاً ما ذهب إليه أهل الظاهر (٢) ، والله أعلم.
وأما اختلافهم في الموضع الثالث -وهو الوقت الذي يكون فيه فرضُ التَّنفيل- ففي ذلك قولان:
أحدهما: إن ذلك لا يكون إلا بعد إحراز الغنيمة، لا قبل ذلك، وإليه ذهب مالك (٣) ، وكره أن يُنفَّل قبل ذلك يُحرِّضهم؛ خشية أن
يكون قتالهم لغير الله، وعنده: أن السَّلبَ من النَّفل، قال: ولم يَقُل رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» (٤) ، إلا بعد أن برد القِتال. وبنحو ما ذهب إليه مالك؛ يقول أبو حنيفة (٥) .
стр. 459
والقول الثاني: إن له أن يُنفِّل قبل إحراز الغنيمة وبعده على ما يرى من الاجتهاد، وما فيه المصلحة، وهو قول الشافعي (١) . قال: وقد رُوي أن رسول الله ﷺ نفَّل في البدأةِ والرَّجعة. وقال الثوري (٢) : لا بأس أن يقول الإمام: من جاء برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، يُضرِّيهم.
القول في السَّلب
في «الصحيحين» : البخاري ومسلم (٣) ، عن أبي قتادة، عن رسول الله ﷺ قال: «من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سَلبهُ» . وذكره مالكٌ وغيره (٤) .
وخرَّج -أيضاً- أبو داود (٥) ، عن عوفِ بن مالكٍ الأشجعي، وخالد بن الوليد،
стр. 460
أن رسول الله ﷺ قضى في السَّلب للقاتل، ولم يخمس السَّلبَ.
واختلف أهل العلم من هذا الفصل في ثلاثة مواضع:
في حكم السلب لمن يكون، وفي حدِّ السلب، وعلى ماذا يقع، وفي صفة القتيل المسلوب.
فأما حكم السلب، فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال:
قول: إنه مِلكٌ للقاتل، يختصُّ به، حُكماً من الله ، لا يحتاج في ذلك إلى تقدم قول أميرٍ ولا غيره، فهو يُحاز له من جملة الغنيمة، من غير خمس يجب فيه، وإليه ذهب الشافعي،
وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وقاله محمد بن جرير الطبري، وغيره (١) .
стр. 461
وقولٌ ثانٍ: إنه كذلك للقاتل -أيضاً-، إلا أن للإمام أن يُخمِّسه إذا استكثره، ويكون للقاتل أربعة أخماسه، رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب (١) ، وهو قول
стр. 462
إسحاق (١) .
وقول ثالث: إن السَّلب وسائر الغنيمة واحدٌ في الحكم، لا يختصُّ القاتل بذلك، إلا أن يُنفِّله إياه الإمام إن رأى لذلك وجهاً كسائر الأنفال، ولا فَرْقَ، وإليه ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، وغيرهم (٢) .
стр. 463
وسبب الاختلاف: تعارضُ ظاهر آية الغنائم في وجوه القسم على جماعة الغانمين، وظاهر قوله ﷺ : «من قتل قتيلاً له عليه بينةٌ، فله سلبه» (١) .
فمن حمل ذلك من قوله ﷺ على أنه إنزالُ شرعٍ، وحكمٌ عامٌّ في المسلمين، وكان من مذهبه تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ جعل الآية مخصَّصة في غير السَّلب، وكان عنده: السَّلب جميعاً للقاتل.
ومن حمل ذلك من قوله ﷺ على وجه التنفيل منه في ذلك الجيش، وما يرجع إلى حكم الاجتهاد من الإمام بحسب الأحوال، كان السَّلبُ وغيره سواءً عنده في حكم الغنيمة، واستحقاق القسم على جماعة الغانمين، إلا أن يرى الإمام تنفيله للقاتل على حسب ما فعلَ رسول الله ﷺ في ذلك الجيش (٢) .
وأما من رأى تخميس السَّلب إذا كثر؛ فلا أعرف فيه دليلاً، إلا ما يخرج مخرج الاستحسان. فإن قيل: دليله عموم آية الخمس (٣) ؛ لزم عليه أن يكون ذلك يجري في القليل كما يجري في الكثير، والله أعلم.
وأمَّا حدُّ السلب، وعلى ماذا يقع، إذا قيل بوجوب ذلك للقاتل؟ فلأهل العلم
стр. 464
في ذلك اختلاف، سببه: مفهوم إطلاق لفظ السَّلب في الحديث:
هل يختصُّ ذلك بما كان على المقتول ومعه مما يَستعِدُّ من آلات القتال، وما لا بدَّ منه في اللباس، والمعتاد في الحرب، دون ما سواه، مما عسى أن يكون معه من غير ذلك؟ أو يعم جميع ما اشتملت عليه حال القتيل من ذلك، ومن غيره من أنواع الحُليِّ والجواهر والذهب والفضة، وما شأنه الزينة ونحوها، وإن لم يكن من معتاد الحرب؟
رُوي عن مكحولٍ أنه قال: للمبارز القاتل سَلَبُ المقتول: فرسه بسرجه، ولجامه، وسيفه، ومنطقته، ودرعه، وبَيْضَته، وساعداه، وساقاه، ورايته (١) ، بما في ذلك كلِّه: من ذهبٍ وفضةٍ، أو جوهرٍ، وما كان عليه من طوقِه، وسِواريْه إن كانا عليه، بما فيهما من جوهر (٢) .
وقال الأوزاعيُّ نحو ذلك، إلا أنه قال: ولا يكون له الهِمْيان (٣) فيه المال؛ قال: ليس مما يتزيَّن به للحرب (٤) .
ولم يرَ مالكٌ أن يكون من السَّلَب ذهبٌ ولا فضة؛ لأنه ليس من آلات المقاتل المعهودة (٥) .
стр. 465
وقال الشافعي (١) : «السَّلَبُ الذي يكون للقاتل: كلُّ ثوبٍ على المقتول، وكلُّ سلاحٍ عليه، ومنطقتهُ وفرسه إن كان راكِبَهُ أو مُمْسِكَهُ، فإن كان مع غيره، أو مُنفلتاً منه فليس له، وإنما سَلبه ما أخذ من يديه، أو ما على بَدنه، أو تحتَ بدنه، فإن كانَ في سَلَبِه سوارُ ذهبٍ، أو خاتمٌ، أو تاجٌ، أو مِنطقةٌ فيها نَفقةٌ، فلو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ هذا من سَلَبِه كان مَذهباً، ولو قال قائلٌ: ليس هذا من عُدَّة الحرب كان وجهاً» .
قلت: قد أشار الشافعيُّ ﵀ إلى هذا السَّببِ الذي نَبَّهنا عليه.
وأما صفة القتيل المسلوب: فمن ذلك: أن يكون رجلاً كافراً حربياً مُخلًّى غير مأسور، لا أعرف أن موجبي السَّلب للقاتل اختلفوا أنَّ مثل هذا يستحقُّ قاتله سَلَبه، واختلفوا في حال القتل، وفي قتل المرأة والغلام.
فقال الشافعي (٢) : «إنما يكون السَّلَب لمن قتل والحربُ قائمة، والمشركُ مُقبلٌ» ، وقال أحمد بن حنبل: «إنما ذلك للقاتل في المبارزة (٣) ، لا يكون في
стр. 466
الهزيمة» (١) ، وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: «السَّلَب للقاتل، ما لم تشتد (٢) الصفوف بعضها ببعض، فإذا كان
كذلك، فلا سلبَ لأحدٍ» (٣) . ونحو ذلك يُروى عن نافعٍ مولى ابن عمر؛ كان يقول: إذا قتل رجلٌ من المسلمين رجلاً من الكُفَّار؛ فإنَّ له سَلَبه، إلا أن يكون في معمعةِ القتال، أو في زحفٍ، فإنه لا يدري أحدٌ قتلَ أحداً (٤) .
قوله: معمعة القِتال: يريد التحامه واخْتِلاطه. والمَعمعةُ: أصوات الشجعان في الحرب. والمعمعةُ -أيضاً-: صوت الحريق. قال امرؤ القيس -يصف فرساً وعَدْوَها-:
سَبوحاً جَموحاً وإحْضارُها ... كمعمَعِةِ السَّعف المُوقَدِ (٥)
стр. 467
وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب للقاتل سلبُ كلِّ قتيلٍ قتله من الكُفَّار، في الحرب وغير الحرب، مُقبلاً أو مُدبراً، على كلِّ وجهٍ، لا يخصُّ (١) من ذلك شيئاً، وبه يقول أبو ثورٍ، وداود، وأبو
بكرٍ بن المنذر، وغيرهم (٢) .
وحجة هؤلاء ظاهر الخبر (٣) في تمليكه سلب القتيل عموماً. وحديث سلمة ابن الأكوع (٤) في ذلك يزيده وضوحاً. قال ابن المنذر (٥) : «هو خبرٌ، ليس لمتأولٍ معه تأويل؛ وذلك أن سلمة بن الأكوع قتل القتيل، وهو مُولٍّ هاربٌ» ، قال غيره: وفي غير مبارزةٍ ولا قتال.
خرَّج مسلم (٦) ، عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحَّى مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل على جمل أحمرَ، فأناخه، ثم انتزع طَلقاً من حَقِبهِ، فقيَّد به الجَمل، ثم تقدَّم يتغدى مع القوم، وجَعَل ينظر، وفِينا ضَعْفةٌ ورِقَّةٌ في الظهر، وبعضُنا مُشاةٌ، إذ خرجَ يَشْتدُّ، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعدَ عليه، فأثاره، فاشتدَّ به الجمل، فاتَّبعه رجلٌ على ناقةٍ وَرْقاء.
стр. 468
قال سلمة: وخرجت أشتدُّ، فكُنتُ عند وَرْكِ الناقة، ثم تقدَّمتُ حتى كنتُ عند وَرْك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنختهُ، فلما وضع ركبتيه في الأرض اخترطتُ سيفي، فضربت رأس الرجل، فندَرَ، ثم جِئتُ بالجَمَل أقوده، عليه رَحْله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: «من قتلَ الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سَلَبه أجمع» .
قال ابن المنذر (١) : «فهو حجَّةٌ على من قال: إنَّ السَّلب لا يكون إلا لمن قتل مُشركاً مقبلاً، وعلى من قال: والحربُ قائمة؛ لأن سلمة قتل صاحبه مُدبراً، والحرب ليست بقائمة» . قال: «ولم أرَ عند الشافعي حديث سلمة، ولو عَلِمَه لقال به فيما ظهر لنا في مذهبه» .
قوله في الحديث: «نَتَضَحَّى» (٢) : هو من وقت الضُّحَى -بالمَدِّ- عند ارتفاع النهار. وإنما يريد أنهم كانوا يتغدون في ذلك الوقت.
وقوله: «انتزع طَلَقاً من حَقِبه» ؛ فالطَّلقُ: القَيدُ من الجِلْدِ، والحَقِبُ: حَبلٌ يُشدُّ على حَقْو البعير.
وقوله: «ضَرَب رأس الرجل فَنَدرَ» ، يريد: سَقَط.
قال عنترة (٣) :
والهامُ تندرُ بالصَّعيدِ كأنَّما ... تَلْقى السُّيوفُ بها رؤوسَ الحَنْظَلِ
وقال أبو محمد بن حزم (٤) : «للقاتل سلب المشرك الذي قَتَلَ كيفما قتله،
стр. 469
صَبْراً، أو في القتال» . يعني: مقبلاً أو مدبراً، وكيفما كان. ودليله: عمومُ الخَبرِ في إيجابِ السَّلبِ للقاتل من غير تفصيل، وما دلَّ عليه في إيضاح ذلك وتقريره خبر سلمة المذكور آنفاً.
وقال الثوري في العَلج يحمل عليه الرجل فَيَسْتَأسِرُ له، ثم يقتله: «له سَلَبه إذا كان قد بارزه» (١) . وأظنُّه يعني: إذا قال الإمام في ذلك الجيش: من قتل قتيلاً فله سَلَبه؛ لأن مذهب الثوري: ألاَّ (٢) يستحقَّ القاتل السَّلَبَ، إلاَّ أن يُنفِّله
الإمام، كما يقول مالكٌ، وأبو حنيفة (٣) .
وقال الأوزاعي (٤) في الذي يَستأسر فيقتله: «ليس له سَلَبُه إذا لم يكن حَرَد إليه بسلاح» . قيل له: فرجلٌ حمل على فارسٍ فقتله فإذا هو امرأةٌ؟ قال: «فإن كانت حَردت له بسلاح، فإنَّ له سَلَبها، والغلام كذلك: إذا قاتل فَقُتِل كان سلبه لمن قتله» .
قوله: حَردَ إليه، يعني: إذا جَدَّ، وقَصَد قصده (٥) . وأنشدوا (٦) :
стр. 470
أقبل سَيلٌ جاءَ من عند اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
قال ابن عبد البر (١) : «إجماع (٢) العُلماء على أنْ لا سلَبَ لمن قتلَ طفلاً، أو شيخاً هرماً، أو أجهز على جريحٍ مُثخنٍ، أو ذفَّفَ على من قُطِعَ في الحرب من أعضائه، ما لا يقدر معه على الدَّفع عن نفسه» .
قلت: لعلَّ ذلك إنما هو فيمن لم يقاتل من هؤلاء الأصناف، وهو على حالته تلك، فأما إذا كان يقاتل حتى قُتِل، فقد رُوي عن
الأوزاعي وغيره في الصَّبيِّ والمرأة والمصبور ما ذكرناه، ومنه (٣) هذا الحديث: «من قتلَ قتيلاً فله سَلَبه» (٤) ، يتضمَّن بعمومه من حيث اللغة هؤلاء الأصناف كلَّهم، قاتلوا، أو لم يقاتلوا.
وللنَّظر في تخصيصه علىمذاهب أهل العلم طريقان: الشرع والمفهوم.
فأما من جهة الشرع: فهو مخصَّص بمن أبيح قتله من الكفار، فلا يدخل في ذلك الذِّميُّ والمعاهدُ، ولا المرأة، ولا الغلام إذا لم يقاتلا، هذا بلا خلاف، وكذلك العُسَفاء (٥) ، ونحوهم على مذهب من رأى النَّهي فيهم -أيضاً-، فأما إذا قاتل الغلام والمرأة، أو غيرهم؛ ممن يُلْحِقُهُ بهم مُلْحِقٌ في النهي عن القتل؛ فقد استبيح قتله بالشرع، وخرج أن يكون ممن اسْتُثْنِيَ من العموم، فوجب أن يكون الحكم في السَّلَب لقاتلهم؛ هذه طريقة ظاهرة.
وأما التخصيص من جهة المفهوم: فهو أن يُدّعى أن الذي فُهِم في تسويغ القاتل سَلَبَ المقتول وتخصيصه به دون الجيش: إنما هو لمكان الغَناء والجرأة في قتله،
стр. 471
فهنالك لا يدخلُ فيه هؤلاء الأصناف الذين ذكر ابن عبد البر؛ لضعفهم؛ وقلَّة المؤنة في قتلهم، فلا يكون السَّلَبُ لقاتلهم على هذا الوجه عند من رآه، والله أعلم.
* مسألة:
اعترض من لم يَرَ السَّلَبَ يجب للقاتل حُكْماً مشروعاً ومِلْكاً مختصاً، بأن قالوا: لو كان ذلك كذلك للقاتل؛ لكانت الأسلاب في الغنائم -إذا لم يُعرف قاتلوا أهلها- مُوقَفَةً كاللقطَة، ولم يكن فيها حقٌّ للغانمين في القسم، وهذا لا يلزم؛ لوجهين:
أحدهما: ما ذكره أبو محمد بن حزم (١) ، قال: «إنَّ كلَّ مال لا يُعرف صاحبه؛ فهو في مصالح المسلمين، وكلَّ سلَبٍ لا (٢) تقوم
لقاتِلهِ بيِّنةٌ؛ فهو في جملة الغنيمة، بحكم رسول الله ﷺ » .
قلت: والوجه الثاني: إنَّ مستحقَّ السَّلَبِ وإن لم يُعرف بعينهِ، فهو من جملة الجيش بيقين، فلو وقف ذلك، أو صُرِف في مصالح المسلمين غيرهم، لكان قد صُرف حقُّ القاتل إلى غيره بيقين، مع إمكان التوصُّلِ إليه، وليس وجه القضاء في ذلك إلاَّ قسمه في سائر الجيش؛ لأنه مُنحصرٌ فيهم، وغيرُ متميزٍ عنهم، كالشيء يكون في أيدي المتداعين من غير بيِّنةٍ (٣) ، ولا يخلوا هذا الوجه من اعتراض عليه، والأول أصح؛ ولأنه -أيضاً- إجماع.
стр. 472
فصلٌ: في حكم الفيء، والخمس، ووجوه مصرفهما
والنظر في هذا الفصل في شيئين:
الأول: في تفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفّار؛ ما يكون من ذلك فيه الخمس، أو يكون جميعه فيئاً، أو يكون بجملته لمن استولى عليه من غيرِ خمسٍ يلزم فيه، بحسب اختلاف أحوال الاستيلاء على ذلك.
والثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس، والاختلاف في ذلك.
* النظر الأول: في تفصيل أحكام الأموال بحسب أحوال الاستيلاء.
وأحوال الاستيلاء على أموال الكفار ثلاثة: إما أن يكون بمغالبةٍ وقهر، وإما بحيلةٍ وتَسَتُّرٍ، وإما عفواً لم يتقدم في تحصيله بشيءٍ من ذلك.
* فأما ما كان بطريقة المغالبة، فلا خلاف فيه أن له حكم الغنائم في إيجاب الخمس من جملته، وقسم سائره على الذين حاولوه وغلبوا عليه، إلا في أشياء مخصوصة من جملة ذلك، تقدَّم التنبيه عليها،
وذلك كالنَّفل والسَّلَب فيمن تبدل (١) ذلك لا يُخمَّس، وكالطعام يحتاج إليه الجيش في دار الحرب، والأرض تُقرُّ وقفاً على غير قسم -على مذهب من رأى ذلك- ونحو هذا ممَّا مضى الكلام عليه، وذُكِر الخلاف فيه مُفصلاً.
** وأما ما استولي عليه بحيلةٍ وتستُّر: كالسرقة من دار الحرب، والتَّلصُّص، ونحو ذلك، فلأهل العلم في ذلك قولان (٢) :
أحدهما: أن ذلك كلَّه خاصُّ مِلْكِ المستولي عليه، وليس من أحكام الغنائم في شيء، ونحو ذلك يُروى عن أبي حنيفة -في الواحد أو الجماعة يدخلون دار الحرب بغير إذن الإمام ويغنمون-: أنه لا يخمس ما أصابوا، وهو لهم كلُّه، وقال:
стр. 473
لا خمس إلا فيما أصابته جماعة. قال أبو يوسف: تسعةٌ فأكثر.
والقول الآخر: فيما سُرِق، واختلس، ونحوه: أنه معدودٌ في جملة الغنائم، فيكون فيه الخمس، وسائره لمن استولى عليه إن كان وحده، وله ولسائر الجيش، أو السريَّة إن كان دخوله في جيشٍ أو سريَّةٍ، كالحكم فيما قوتل عليه.
وفرَّق قومٌ بين أن يكون دخوله إلى أرض الحرب برسم السرقة والتلصُّص، ونحوه من قصد النَّيل فيه، فهذا الذي يُخمَّس، وما لم يدخل لأجله، ثم عرضَ له: إن أصاب فيهم شيئاً فجميعه له، ولا يُخمس.
*** وأما ما كان عفواً لم يتقدم فيه بشيءٍ من العلاج: كالشيء يجلو عنه الكفار، ومال الصلح، والجزية، وتعشير تجار أهل الحرب، والذِّمَّة، وما يتركه الكافر إذا مات، ولا وارث له؛ فهذا هو الفيء الذي لا يختصُّ به أحدٌ معيَّن، وإنما يكون جميعه في مصالح المسلمين.
واختلف مع ذلك: هل يكون في الفيء خمسٌ أو لا؟ هذه قاعدة جُمْلية، ونعقب ذلك -إن شاء الله تعالى- بأقوال منقولة في ذلك عن أهل العلم، تقع لهذه الجملة موقع التفسير، ونشير إلى مسائل تختلف في أيٍّ قسمٍ من هذه الأقسام الثلاثة تلحق.
فمن ذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أنَّ الغنيمة: ما غُلِب عليه بالسَّيف. والفيء: ما صولحوا عليه. والجزية: جزية الرؤوس، وخراج الأرضين (١) .
وعن الثوري (٢) : «الغنيمة والفيء مختلفان: فالغنيمة ما أخذ قسراً، ففيه
стр. 474
الخمس، يضعه الإمام حيث أمره الله، والباقي للغانمين، والفيء: ما وقع من صلحٍ بين الإمام والكفار، في أعناقهم، وأرضهم، وزرعهم، وفيما صولحوا عليه مما لم يؤخذ عنوةً، فذلك إلى الإمام يضعه حيث أمره الله -تعالى-» . كأنه ذهب في الفيء إلى أنه مقصورٌ على الأصناف الذين سمَّى الله -تعالى- في سورة الحشر، كما تقدم من مذهبه في تفسيرالآية.
وقال الشافعي (١) : «أصل قسم ما يقوم به الولاة من جُمَلِ المال؛ ثلاثة وجوه:
أحدها: ما جعله الله طهوراً لأهل دينه. قال -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
والوجه الثاني: الفيء، وهو مقسومٌ في كتاب الله -تعالى-، في سورة (٢) الحشر. قال الله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، فهذان المالان اللذان خَوَّلهما الله من جعلهُما له من أهل دينه، والغنيمة والفيء يجتمعان في أنَّ فيهما معاً الخمس من جميعهما لمن سمَّاه الله -تعالى- في الآيتين سواء، مُجتمعين غير مفترقين، ثم يتفرق الحكم في الأربعة الأخماس، بما بيَّن الله -تعالى- على لسان رسوله ﷺ وفعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي
المُوجَف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غنيٍّ وفقير. والفيء: وهو ما لم يوجف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ.
فكانت سُنة رسول الله ﷺ في قُرى عَرَبيَّةٍ (٣) ، التي أفاءها الله -تعالى- عليه: أنَّ أربعة أخماسها لرسول الله ﷺ ، خاصَّة دون المسلمين، يضعه رسول الله
стр. 475
- ﷺ حيث أراه الله» .
قال (١) : «والجزية من الفيء، وسبيلها سبيل ما أُخِذ من مال مشركٍ أن يخمس، وكذلك كلُّ ما أُخذ من مشرك بغير إيجاف، مثل ما أُخذ منه إذا اختلف في بلاد المسلمين، ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك مما أخذ من ماله» (٢) ، حكى جميع ذلك عنه أبو بكر بن المنذر (٣) .
قلت: فالشافعي أوجب أن يخرج من الفيء الخمس، كما يكون ذلك في الغنيمة، ويكون مصرفه ومصرف خمس الغنيمة واحداً، يجتمعان في ذلك، ويفترقان في مصرف أربعة الأخماس، وإنما استند الشافعي في ذلك إلى أن آية مصرف الخمس تُوافقها بظاهرها (٤) آية الفيء؛ قال الله -تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] ، كما قال -تعالى- في مصرف الخمس في هؤلاء الأصناف بأعيانهم، فكأنَّ الشافعي رأى في الفيء خمساً هو الذي يُصرفُ في هؤلاء، وأما سائره فالسنَّة قَرَّرَتْ في مصرفه غير ذلك.
فقد تحصَّل في حكم الفيء ثلاثة مذاهب:
قول الشافعي هذا في إيجاب الخمس فيه، وصَرفِ سائره في مصالح المسلمين عامة.
وظاهر قول الثوري: أن جميع الفيء مصروفٌ في هؤلاء الأصناف خاصَّة.
وقول سائر أهل العلم -وهو المشهور المعلوم-: أن لا خمس في الفيء،
стр. 476
وأنَّ جميعه في مصالح المسلمين كافة.
وقد خولف الشافعي في إثبات الخمس (١) في الفيء؛ قال ابن المنذر (٢) : «ووافق بعض أصحابنا الشافعيَّ في عامَّة ما حكيناه عنه، وخالفه في إيجاب الخمس من الفيء، قال: ولعمري! لا يُحفظ عن أحدٍ قبل الشافعي أنه أوجب في الفيء خمساً، كخمس الغنيمة» .
قلت: وأما المحفوظ على مذهب مالكٍ وأصحابه في هذا الباب، فتحصيله يرجع إلى ثلاثة أقسام:
فالأول: ما لم يُوجَف عليه، وذلك نحو ما كان من الجزية على الرؤوس، وخراج الأرضين، ومال الصلح، وعشور أهل الذمَّة وأهل الحرب إذا اختلفوا في تجارة، وما جَلاَ عنه أهل الحرب خوفاً من المسلمين قبل خروج جيشٍ إليهم، فذلك كلُّه حكمه عندهم حكم الفيء، لا خمس فيه، ولا حقَّ مُعيَّناً لأحد.
واختلفوا إن جلا الكفار عن شيءٍ بعد نزول الجيش عليهم، فقال بعضهم: هو كالأول على حكم الفيء؛ لأنه أخِذَ بغير قتال، وقال بعضهم: بل هو للجيش على حكم الغنائم؛ لأنهم أوجفوا عليه.
والإيجاف: قيل: هو المعروف في اللغة: وجَفَ الفرسُ والناقة وجيِفاً، وأوجفهما راكبهما إيجافاً، وهو سرعة السَّيْر والاجتهاد فيه (٣) ، فيكون معنى قوله -تعالى-: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، أي: ما قصدتم نحوه، وحَثَثْتُم إليه الخيل والرِّكاب، وهي الإبل -يعني: عند الغزو-، فإذا لم يغزوا فلم يوجفوا عليها. وقال قتادة في قوله -تعالى-: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] : «ما قطعتم إليها وداياً، ولا سيّرتُم إليها دابّةً ولا
стр. 477
بعيراً، إنما كانت حوائط لبني النضير، أطعمها الله رسوله ﷺ » (١) .
والثاني عندهم: ما أُوجِفَ عليه، وتلك هي الغنائم، وحكمها: أن تُخمَّس، ثم تُقسم على الغانمين. والسرقة والتلصص عندهم إذا هو خرج بِرسمِ ذلك، فما أوجفَ عليه، فحكمه -أيضاً- عندهم حكم الغنائم؛ يخرج خمسها، ويقسم سائر ذلك لمن أخذه.
واختلفوا في العبد، والمرأة، والصبي؛ يسرقون، أو يتلصَّصون، أو ينفردون بمغالبة بعض الحربيين وأخذ غنيمتهم: هل يخمس ما أصابوا من ذلك، أو يكون لهم ذلك كله من غير تخميس؟ وقد ذكرناه فيما تقدم (٢) .
والركاز عندهم في إيجاب الخمس فيه إذا كان عَيْناً، لاحِقٌ بأحكام الغنائم، ويكون سائره لأهل الجيش إن كانوا، أوْ لمن وجده، إن لم يكن هنالك جيش.
واختلفوا في الركاز إذا كان متاعاً أو جوهراً: هل يخمس أو لا (٣) ؟
والثالث عندهم: ما تناول أخذه رجلٌ أو قومٌ بأعيانهم من دار الحرب، من غير إيجاف يكون لأجله، مثل الرجل يدخل تاجراً، أو يكون عندهم أسيراً فيهرب بالمال، أو العبد يأبق إليهم، ثم يهرب من عندهم بمالٍ أو عبيدٍ وقد استألفهم، أو يهرب عبد لهم بمالٍ، فذلك كله لمن أخذه، ولا خمس في شيء من ذلك عندهم، سواء كان متاعاً أو عيناً (٤) .
فأقول: قولهم ذلك في الرجل يدخل تاجراً، ثم يهرب بالمال فيه نظرٌ، من حيث إنه لا يجوز له عندهم، ولا في النظر الصحيح -حسبما قدَّمنا من الأدلة على ذلك- أن يخونهم في شيءٍ (٥) ؛ لأنه على حكم الأمان، فكان الواجب في مثل ذلك
стр. 478
إن فعله أن يرُدَّ على أهل الحرب ما أتى به من ذلك كلِّه، وإنما يجيز له هذا
أبو حنيفة، كما تقدَّم من ذكر مذهبه، ووجه الردِّ عليه.
قالوا: فإن كان الأسير قد خرج إلى بلاد الحرب في الجهاد أو تلصُّصاً عليهم، وما أشبه ذلك من طَلَبِ النَّيلِ فيهم فأُسِرَ هناك،
ثم هربَ بشيءٍ، فإنه يُخَمَّس؛ لأنه قد أوجف في أوَّل دخوله، قاله محمد بن المواز (١) ، فالخروج برسم الجهاد، أو التَّلصُّص، والسرقة، وقصد النَّيْل منهم، يُعدُّ إيجافاً عندهم، فيكون فيه خمس ما أصيب منهم، ولا يكون كذلك إذا لم يُقْصد مِن أول الأمر إليه.
وفي كتاب ابن الموَّاز عن مالك: «إن طرح العدو شيئاً خوفاً من الغرق، أو انكسرت مراكبهم، فوجد إنسانٌ متاعاً أو ثياباً، ولا أحد معه من الحربيين، ولا هو بِقُربْ قُراهم؛ كان لمن أخذه، ولا خمس فيه. كأنه يريد: لأنه لُقَطَةٌ، لم يُوجفْ عليه» .
قال: «إلا أن يكون ذهباً أو فضة فيُخمَّس، كأنه شبَّهه بالرِّكاز» . قال: «وإن كانت الأمتعة أُلقيت -أو: العَيْنُ- بقرب قراهم ففيه الخمس، إلا أن يكون يسيراً» . هذا لا أعلم لتفريقه فيه وجهاً؛ إلا الاستحسان.
قال: «وإن كان معه الحربيون، كان سبيله سبيل الحربيين، أمرُ ذلك كُلِّه إلى الوالي» (٢) .
قال ابن عبد البر (٣) في قول مالك: «مَن وُجِد من العدوِّ على ساحل البحر بأرض المسلمين: أرى ذلك إلى الإمام، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خُمساً» ؛ قال (٤) : «لأنه لم يوجف عليهم بخيلٍ ولا ركاب» .
قال: «وقد قيل: إنهم لمن أخذهم، وقدر عليهم، وصاروا بيده، وفيهم
стр. 479
الخُمس، قياساً على الركاز؛ لأنه يخمس بالسّنة، أُجري مجرى الغنيمة، وإن لم يوجف عليه» . قال: «وإن لم يصيروا بيد أحدٍ حتى ارتفع أمرهم إلى الإمام، فلا خمس فيهم بإجماع، وهم في بيت مال المسلمين مع سائر الفيء» .
قول ابن عبد البر: «لا خُمس فيهم بإجماع» : لعله أراد اتفاق أقوال المالكية، وإلاّ: فالشافعي -كما تقدم من مذهبه- يُوجب الخُمسَ في الفيء كلِّه.
* النظر الثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس.
وللعلماء في مصرف الفيء والخمس، وهل هما في ذلك واحد، أو أمرهما مفترق؟ اختلاف.
قال مالك (١) : «الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال،
ويُعطي الإمام أقارب رسول الله ﷺ بحسب اجتهاده» ، ولا يُعطون من
الزكاة؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا تحلُّ الصدقة لآل محمد» (٢) ، وهم
بنو
قال (١) : «وفي الخمس والفيء، هو حلال للأغنياء، ويوقف منه في بيت المال، بخلاف الزكاة» .
قال ابن الموَّاز: «وقد قال الله -تعالى- في قسمة الفيء: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] ، وقال في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فالآيتان متفقتان» .
وقال عبد الملك بن حبيب: «المال الذي آسى الله فيه بين الأغنياء والفقراء: مال الفيء، وما ضارع الفيء من ذلك أخماس الغنائم،
وجزية أهل العنوة وأهل الصلح، وخراج الأرض، وما صولح عليه أهل الشرك في الهُدْنة، وما أخذ من تجار أهل الحرب إذا خرجوا لتجاراتهم إلى دار الإسلام، وما أُخِذَ من أهل ذمتنا إذا تَجَروا من بلد، وخمس الركاز حيثما وُجد، ويبدأ عندهم -في تفريق ذلك- بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل، ثم يساوي بين الناس فيما بقي: شريفهم ووضيعهم، ومنه يُرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويُعطى غارمهم، وتُسدُّ ثغورهم، وتُبنى مساجدهم وقناطرهم، ويُفكُّ أسيرهم، وما كان من كافة المصالح التي لا توضع فيها الصدقات، فهذا أعمُّ في المصرف من الصدقات؛ لأنه يجري في الأغنياء والفقراء، وفيما يكون منه مصرف الصدقة، وما لا يكون. هذا قول مالك وأصحابه، ومن ذهبَ مذهبهم: أن الخمس والفيء مصرفهما واحد» (٢) .
واحتجَّ بعضهم على ذلك بما اتفقت عليه آية الفيء وآية الخمس، وأن أَمرهما في ذلك واحدٌ، وفي هذا الاستدلال نظرٌ؛ لأنه كان يلزم عليه بهذا المسلك أن يقتصر
стр. 482
بالفيء والخمس على الأصناف المذكورين في الآيتين المذكورتين، ولا يكون في ذلك حقٌّ لمن سواهم، وهم لا يرون ذلك، بل يجيزون أن يُعطى غير الأصناف، ويترك الأصناف في الآيتين، أو يترك بعضهم بحسب المصلحة عندهم، فقد ادَّعوا مساواتهما في الحكمِ بظاهر الآيتين، ثم نكفوا بهما كليهما عن ذلك الحكم والمصرف المعيَّن إلى مصرفٍ غيره، يدَّعون المساواة فيه استدلالاً بما تركوه، إلا أنهم زعموا أن محمل تعيين الأصناف بالذكر في ذلك إنما هو على التأكيد في أمرهم، لا أنه مقصورٌ عليهم حتى لا يجري ذلك إلا فيهم، وربما كان مِن قول مَن احتجَّ لذلك: أَنْ ذكر قول الله -تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] ، فكان للمنفق بإجماع أن يضعَ نَفَقتهُ في غير هؤلاء الأصناف إن رأى ذلك.
وذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والأوزاعي، وأبو ثورٍ، وإسحاق، وداود، والنسائي، وعامَّة أهل الحديث والفقه، إلى التفريق
بين مصرف الفيء والخمس، فقالوا: الخمس موضوع فيما عيَّنه الله -تعالى- فيه من الأصناف المُسمّين في آية الخمس من سورة الأنفال، لا يتعدَّى به إلى غيرهم (١) ، ولهم مع ذلك في توجيه قَسَمِهِ عليهم بعد وفاة رسول الله ﷺ خلافٌ نذكره في قسم الخمس بعد هذا -إن شاء الله تعالى-.
وأما الفيء: فهو الذي يرجع النَّظر في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة والاجتهاد، والدليل على ذلك: أن آية الخمس في الأنفال عَيَّنتْ مصرف الخمس في الأصناف، وآية الفيء في الحشر هي عامَّة في وجوه المصالح. قال الله
-تعالى-: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ثم إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ثم إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧-١٠] ، كلُّ ذلك عند
стр. 483
بعض أهل العلم معطوفٌ بعضه على بعض في مصرف الفيء.
وأيضاً، فالذي يرفع الإشكال هو ما بيَّنه رسول الله ﷺ في قسم الفيء من التَّعميم.
وأيضاً، فلا خلاف بينهم في الفيء: أنه يتعدى هؤلاء الأصناف إلى غيرهم، وإنما الخلاف في الخمس.
والأرجح: ما ذهب إليه الجمهور (١) من قصر الخمس فيما سماه الله -تعالى-، فإنه لا دليل مرضيٌّ على دعوى غير ذلك، وقد ذكرنا مذهب الشافعي الذي انفرد به في تخميس الفيء، وأنَّ مصرفَ خمسِ الفيء وخمسِ الغنيمة واحدٌ؛ إنما يفترق ذلك عنده في أربعة أخماس الفيء. قال أبو بكر بن المنذر (٢) : «يعطى من مال الفيء أعطية المقاتلين، وأرزاق الذُّرية، وما يجري على الولاة، والحُكَّام، وعلماء المسلمين، وقرائهم، وما ينفق في النوائب التي تنوب المسلمين، كإصلاح الطرق، والجسور، والحصون، والقناطر، وغير ذلك» .
فصلٌ
خرَّج مسلم (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من تَركَ مالاً فللورثة، ومن ترك كلاًّ فإلينا» . وفيه (٤) في رواية: «أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دَيْناً أو ضيعةً فأنا وليُّه، وأيكم ما ترك مالاً فليؤثر بماله عصبته من كان» .
وخرَّج أبو داود (٥) ؛ عن عوف بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه
стр. 484
الفَيءُ قسمه في يومه، فأعطى الآهل حَظَّين، وأعطى الأعزب حظًّا.
وروى أبو عبيد في كتاب «الأموال» (١) ، وذكره ابن المنذر -أيضاً-
، عن عمر ابن الخطاب، في قسمة الفيء أنه قال: «إني بادٍ بأزواج النبي ﷺ ، ثم المهاجرين الأولين، ثم بالأنصار: الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم. ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومنَّ
стр. 485
رجلٌ إلا مُناخ راحلته» .
ورويا (١) عنه -أيضاً-؛ أنه أول من دوَّن الدواوين في فرضِ الأُعطية؛ فَرَضَ لأهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف، وفرض لنساء النبي ﷺ ، ففضَّلهنَّ على الناس أجمعين، وفضَّل عليهن عائشة؛ فرضَ لها اثني عشر ألفاً، ولسائرهن عشرة آلاف، غير جويرية وصفية، فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف (٢) ، وللمهاجرات الأول ألفاً ألفاً.
قوله: «ففضَّلهن على الناس أجمعين» من غير كتابي أبي عبيد وابن المنذر.
ورويا (٣) عنه-أيضاً-؛ أنه لمَّا دون الدواوين قال: بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل
стр. 486
له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بِكَ، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﷺ .
قال ابن المنذر (١) : «وبهذا قال الشافعي» . وقال الشافعي (٢) : «ينبغي للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة: وهم من قد احتلَم واستكمل (٣) خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصي الذرية: وهم من دون المحتلم، ودون البالغ خمس عشرة، والنساء: صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في كل عامٍ عَطاءهم، والذرية والنساء ما يكفيهم لسَنَتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعاماً أو قيمته دراهم أو دنانير، ويعطي المنفوس شيئاً، ثم يزاد كلما كبر على قدر مؤنته، وهذا مستوٍ أنهم يعطون الكفاية، ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف أسعار البلدان وحال الناس فيها، فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض» .
قال (٤) : «وإن فضلَ من المال فضلٌ بعدما وصفتُ من إعطاء العطاء، وضعَه الإمام في إصلاح الحصون، والازدياد في الكُراع (٥) ، وكل ما قَوَّى به المسلمين،
стр. 487
فإن استغنى المسلمون، وكملت كلُّ مصلحةٍ لهم، فرَّق ما يبقى منه بينهم كلَّه، على قدر ما يستحقُّون في ذلك المال، وإن ضاق الفيء عن مبلغ العطاء فَرَّقه بينهم، بالغاً ما بلغ، لم يَحْبس عنهم منه شيئاً، ويُعطى من الفيء رزق الحكَّام، وولاة الأحداث، والصلات بأهل الفيء، وكل من قام بأمر الفيء من والٍ، وكاتبٍ، وجنديٍّ، ممن لا غنى لأهل الفيء عنه رزق مثله» .
ذكره كلّه عن الشافعي: ابن المنذر.
واختلف اجتهاد الخلفاء الراشدين ﵃: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، في قسم الفيء: فيما يرجع إلى التسوية في العطاء أو التفضيل؛ فأما أبو بكر فسوَّى في ذلك بين الشريف والمشروف، ومن كانت له سابقة، أو لم تكن، ورأى أن ثوابهم على الله، وأن الدنيا بلاغ، وعلى ذلك جرى عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- من التَّسوية في العطاء (١) .
стр. 488
وأما عمر؛ ففضَّل أهل السابقة والغَنَاء عن الإسلام (١) ، وأَوْجَبَ لهم بذلك رتبة، وعلى ذلك جرى عثمان في التفضيل بعده.
الاختلاف في قسم الأخماس
تقدم من قول مالكٍ، ومن ذهب مذهبه: أن الأمر في مصرف الخمس راجعٌ إلى نظر الإمام واجتهاده (٢) ، وأن تعيين الأصناف المُبيَّن
في آية الخمس
стр. 489
بالذِّكر إنما هو لتأكد أمرهم في الجملة، والكلام ها هنا هو على القول الذي ذهب إليه الجمهور مِنْ قصر الخمس على من سمَّاهم الله -تعالى- في الآية حسبما دلَّ عليه القرآن.
ولأهل العلم في قسم الخمس على مقتضى الآية أربعة أقوال:
قول: إنه يقسم على ستة أسهم: لله -تعالى- سهم، ولرسوله ﷺ سهم، ولذي القُربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم. ويكون السهم الذي سُمِّي لله -تعالى- قَبلُ مردوداً على عباد الله: أهل الحاجة منهم. وقيل: يُصرفُ في عمارة الكعبة، حُكي ذلك عن طاوس، وغيره (١) ، قاله القاضي
стр. 490
عبد الوهاب في
«المعونة» (١) . فقسم هؤلاء على ظاهر ما عُدِّد في الآية، وجعلوا لِذكْر (٢) الله -تعالى- في ذلك حظّاً في القسم.
وقولٌ ثانٍ: إنه يقسم على خمسة أسهم: لرسول الله ﷺ خُمسٌ، ثم لسائر الأصناف خُمسٌ خُمسٌ، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأحمد بن شعيب النسائي، وأهل الظاهر، وغيرهم (٣) . وحملوا قوله -تعالى-:
﴿فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ،
стр. 491
على استفتاح الكلام بذكر الله تفخيماً وتشريعاً؛ لأن الدنيا والآخرة، وكل شيء كان أو يكون فهو لله -تعالى-؛ قال ذلك غير واحدٍ (١) ، وهو مرويٌّ عن الحسن بن محمد بن الحنفية (٢) ، وكذلك قال عطاء، والشعبي: خمس الله، وخمس رسوله ﷺ ؛ واحد (٣) .
قال النسائي (٤) : «قوله -جل ثناؤه-: ﴿للَّهِ﴾ ؛ ابتداء كلام، لأن الأشياء كلها
стр. 492
لله، ولعلَّه إنما استفتح الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه -تعالى-؛ لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه؛ لأنها أوساخ الناس» .
وقولٌ ثالث: إنه يقسم بعد وفاة النبي ﷺ على أربعة أسهم: لذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وممن قاله: الطبري (١) ، وقال: يُرَدُّ سهم النبي ﷺ على من سُمِّي معه في الآية قياساً على ما أجمعوا عليه فيمن عُدِمَ من أهل سُهمان
الصدقات.
قال غيره: كما أنَّ صِنفاً من سائر الأصناف الذين معه في الخمس إذا فُقِدوا رُدَّ سهمه على الآخرين، فكذلك في سهمه ﷺ .
وقولٌ رابع: إنه يقسم على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأسقط هؤلاء سهم النبي ﷺ ، وسَهم ذي القربى؛ بموت النبي ﷺ ، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه (٢) ، وخالفه أكثر الفقهاء في سقوط سهم ذي القربى، ولا يكاد
стр. 493
يوجد لهذا القول مُستندٌ يُرضى.
والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، ومن سلكَ مسلكه في القسم على خمسة أسهم، والله أعلم.
ثم يعود النظر بعد هذا في سهم النبي ﷺ بعد وفاته، وكذلك في سهم ذي القربى بعده، فنرسم في ذلك فصلين -إن شاء الله تعالى-.
القول في سهم النبي ﷺ
اتفق أهل العلم أن النبي ﷺ كان ممَّا خصَّه الله -تعالى- به: خمس الخمس من المغنم، وكذلك الصَّفي، كان له -أيضاً- زيادة مع ذلك من جُملة المغنم.
فأما خمس الخمس: ففي كتاب الله -تعالى- (١) ، وأما الصَّفي: ففيه آثار صحيحة، منها:
ما خرَّجه أبو داود (٢) ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
стр. 494
«كانت صفية من الصَّفي» .
وقال أهل العلم: «الصَّفيُّ» : هو كلُّ شيء يصطفيه من رأسة الغنيمة: فرسٌ، أو جارية، أو عبدٌ، أو سيفٌ، أو ما شاء، على حسب حال الغنيمة.
فأمَّا الصَّفي فاتفق العلماء على أنه ليس لأحدٍ بعد النبي ﷺ ، وشذَّ أبو ثور فقال: هو باقٍ، يجري مجرى سهم النبي ﷺ من الخمس (١) .
وأمَّا سهمه ﷺ من الخمس، فاختلف في حكمه بعده اختلافاً كثيراً، يتحصَّل إلى أربعة أقوال:
قول: إنه يُرَدُّ على أهل الجيش الغانمين، فيقسم عليهم أربعة أخماس الغنيمة، وخمس الخمس، وتكون أربعة أخماس الخمس للأربعة الأصناف الباقية من أهل الخمس، كما كان لهم في الأصل (٢) .
وقولٌ ثانٍ: إنه يُردّ على من سُمي في الخمس، فيقسم جميع الخمس على أربعة أسهم، قاله الطبري، وقد مضى توجيه هذا القول، وعليه يجيء قول أبي
стр. 495
حنيفة في ردِّه على الأصناف الباقين في الخمس، إلا أنه زاد مع ذلك سَهمَ ذي القربى، فردَّه كذلك على من بقي، ورأى أنه انقطع بموت النبي ﷺ ، فقسم على ثلاثة كما تقدم من مذهبه (١) .
وقولٌ ثالث: إن الإمام يضعه في مصالح الإسلام وأهله، مِن سدِّ الثغور، وإعداد الكراع والسلاح، ويُعطي منه مَن فيه للمسلمين منفعةٌ، ويُنفِّل منه في الحرب وغير الحرب، على ما يرى من المصلحة، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (٢) ،