← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

على استفتاح الكلام بذكر الله تفخيماً وتشريعاً؛ لأن الدنيا والآخرة، وكل شيء كان أو يكون فهو لله -تعالى-؛ قال ذلك غير واحدٍ (١) ، وهو مرويٌّ عن الحسن بن محمد بن الحنفية (٢) ، وكذلك قال عطاء، والشعبي: خمس الله، وخمس رسوله ﷺ ؛ واحد (٣) . قال النسائي (٤) : «قوله -جل ثناؤه-: ﴿للَّهِ﴾ ؛ ابتداء كلام، لأن الأشياء كلها

стр. 492

لله، ولعلَّه إنما استفتح الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه -تعالى-؛ لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه؛ لأنها أوساخ الناس» . وقولٌ ثالث: إنه يقسم بعد وفاة النبي ﷺ على أربعة أسهم: لذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وممن قاله: الطبري (١) ، وقال: يُرَدُّ سهم النبي ﷺ على من سُمِّي معه في الآية قياساً على ما أجمعوا عليه فيمن عُدِمَ من أهل سُهمان الصدقات. قال غيره: كما أنَّ صِنفاً من سائر الأصناف الذين معه في الخمس إذا فُقِدوا رُدَّ سهمه على الآخرين، فكذلك في سهمه ﷺ . وقولٌ رابع: إنه يقسم على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأسقط هؤلاء سهم النبي ﷺ ، وسَهم ذي القربى؛ بموت النبي ﷺ ، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه (٢) ، وخالفه أكثر الفقهاء في سقوط سهم ذي القربى، ولا يكاد

стр. 493

يوجد لهذا القول مُستندٌ يُرضى. والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، ومن سلكَ مسلكه في القسم على خمسة أسهم، والله أعلم. ثم يعود النظر بعد هذا في سهم النبي ﷺ بعد وفاته، وكذلك في سهم ذي القربى بعده، فنرسم في ذلك فصلين -إن شاء الله تعالى-. القول في سهم النبي ﷺ اتفق أهل العلم أن النبي ﷺ كان ممَّا خصَّه الله -تعالى- به: خمس الخمس من المغنم، وكذلك الصَّفي، كان له -أيضاً- زيادة مع ذلك من جُملة المغنم. فأما خمس الخمس: ففي كتاب الله -تعالى- (١) ، وأما الصَّفي: ففيه آثار صحيحة، منها: ما خرَّجه أبو داود (٢) ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:

стр. 494

«كانت صفية من الصَّفي» . وقال أهل العلم: «الصَّفيُّ» : هو كلُّ شيء يصطفيه من رأسة الغنيمة: فرسٌ، أو جارية، أو عبدٌ، أو سيفٌ، أو ما شاء، على حسب حال الغنيمة. فأمَّا الصَّفي فاتفق العلماء على أنه ليس لأحدٍ بعد النبي ﷺ ، وشذَّ أبو ثور فقال: هو باقٍ، يجري مجرى سهم النبي ﷺ من الخمس (١) . وأمَّا سهمه ﷺ من الخمس، فاختلف في حكمه بعده اختلافاً كثيراً، يتحصَّل إلى أربعة أقوال: قول: إنه يُرَدُّ على أهل الجيش الغانمين، فيقسم عليهم أربعة أخماس الغنيمة، وخمس الخمس، وتكون أربعة أخماس الخمس للأربعة الأصناف الباقية من أهل الخمس، كما كان لهم في الأصل (٢) . وقولٌ ثانٍ: إنه يُردّ على من سُمي في الخمس، فيقسم جميع الخمس على أربعة أسهم، قاله الطبري، وقد مضى توجيه هذا القول، وعليه يجيء قول أبي

стр. 495

حنيفة في ردِّه على الأصناف الباقين في الخمس، إلا أنه زاد مع ذلك سَهمَ ذي القربى، فردَّه كذلك على من بقي، ورأى أنه انقطع بموت النبي ﷺ ، فقسم على ثلاثة كما تقدم من مذهبه (١) . وقولٌ ثالث: إن الإمام يضعه في مصالح الإسلام وأهله، مِن سدِّ الثغور، وإعداد الكراع والسلاح، ويُعطي منه مَن فيه للمسلمين منفعةٌ، ويُنفِّل منه في الحرب وغير الحرب، على ما يرى من المصلحة، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (٢) ،

стр. 496

ونحوه عن قتادة (١) . وقول رابع: إنَّ ذلك للخليفة بعده، يَقومُ في ذلك مقامه، ويصرفه فيما كان النبيّ ﷺ يصرفه فيه (٢) ؛ ورُبما يستند من ذهب هذا المذهب إلى حديثٍ مرفوعٍ إلى النبي ﷺ . خَرَّج أبو داود (٣) ، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكرٍ تطلب

стр. 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 498

ميراثها من النبي ﷺ ، قال: فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله إذا أطعم نبياً طُعمةً، فهي للذي يقوم بعده» . قال ابن عبد البر (١) : «إنه ضعيف، لا حجة فيه» . الاختلاف في سهم ذي القربى وكذلك اختلف العلماء في سهم ذي القربى بعد النبي ﷺ اختلافاً كثيراً، يتحصل إلى أربعة أقوال: قول: إنه باقٍ لقرابة النبي ﷺ بعده، وهو قول مالكٍ، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وأهل الظاهر، وغيرهم، وهو الصحيح (٢) ؛ لأن

стр. 499

القرآن يقتضي الإسهام لهم مطلقاً، فهو يجب لهم بذلك في حياته، وبعد وفاته ﷺ . قال ابن عبد البر (١) : الحجة لهم: حديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعمٍ، قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى لبني هاشم، وبني المطلب من الخمس، وقال: «إنما بنو هاشم، وبنو المطلب؛ شيءٌ واحد» (٢) . قال ابن عبد البر: «ليس في هذا الباب حديث مُسندٌ غيره» . ثم اختلف هؤلاء في تعيين القرابة: فذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، وغيرهم، إلى أنهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف (٣) ، ودليلهم الحديث المتقدم،

стр. 500

خرَّجه البخاري بالسند المذكور إلى جبير بن مطعمٍ، قال: مشيتُ أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله: أعطيتَ بني المطلب، وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟! فقال رسول الله ﷺ : «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم؛ شيء واحد» . وفيه عن جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. قال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب؛ إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم، كذلك ذكره البخاري (١) . وقال سائر الفقهاء: مالك، والثوري، والأوزاعي: هو خاصٌّ ببني هاشم (٢) ،

стр. 501

وروي ذلك عن ابن عباس، ومحمد ابن الحنفية: قال ابن عباس: وقد خالفنا في ذلك قومنا -يعني: قريشاً- (١) ، وإلى ذلك ذهب عمر بن عبد العزيز (٢) : أنهم بنو هاشمٍ خاصَّة. وقد قيل: إن قريشاً كلها قُربى، رُوي ذلك عن أصبغ بن الفرج (٣) .

стр. 502

وقولٌ ثان: سهم ذي القربى، هو بعد النبي ﷺ لقرابة الإمام، رُوي ذلك عن الحسن البصري، وقتادة (١) ، ولا مستند لهذا القول إلا ما لعلَّه أن يُتوهَّم في قوله -تعالى-: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] ، أنَّ ذلك يجري في كلِّ من له الأمر على المسلمين، لا يختصُّ بقرابة النبي ﷺ ، وذلك بعيد. وذكر ابن عبد البر (٢) في هذا الموضع الحديث المتقدم: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أطعم الله نبياً طُعمةً، فهي للذي يقوم من بعده» (٣) . قال: «إنهم استدلوا به على ذلك» ، وضعَّف الحديث، وهو مع ذلك لو لم يكن كذلك، فليس فيه من مَعنى ما ذَهبوا إليه من القرابة شيءٌ. بلى! إنما كان يدل إذا كان صحيحاً على مذهب من رأى سهم النبي ﷺ للإمام بعده، وأما (٤) في هذا؛ فبعيد. وقولٌ ثالث: إن سهم ذي القربى، وسهم النبي ﷺ ؛ كلاهما يجعل في الخيل، والسلاح، والعدَّة في سبيل الله، ذهبت إلى ذلك طائفة، وزعموا أنه كذلك كان الأمر فيهما في خلافة أبي بكر، وعمر، لما اختلفوا فيهما بعد موت النبي ﷺ ، اجتمع رأيهم على ذلك (٥) . وقولٌ رابع -وهو ما قد ذكر من مذهب أبي حنيفة-: أن يُردَّ سهمُ النبي ﷺ ،

стр. 503

وسهمُ ذي القربى على الأصناف الثلاثة الباقين، فيُقسم الخمس على ثلاثة، وهو بعيدٌ لا دليل عليه (١) .

стр. 504

* مسألة: اختلف المُثبتون لسهم ذي القربى في قَسمه فيهم على الذكر والأنثى؛ فقال الشافعي (١) : يُعطى الرجل سهمين، والمرأة سهماً، وخالفه في التفضيل بين الذكر والأنثى أصحابه: أبو ثورٍ، والمزني، وغيرهما (٢) ، فقالوا: الذكر والأنثى في ذلك

стр. 505

سواء؛ لأنهم أُعطوا باسم القرابة، فهو يدخل في ذلك الأب مع ابنه والجد، فليس ذلك من باب المواريث في شيء. وكذلك اختلفوا في إعطاء الغَنيِّ منهم، فكان الشافعيُّ يقول: لا يُفضَّل مُقترٌ على غنيٍّ؛ لأنهم أُعطوا باسم القرابة، وبه قال أبو ثورٍ، وغيره (١) . ورُوي عن

стр. 506

مكحول أنه قال: الخمس بمنزلة الفيء، يُعطى منه الفقير والغني (١) . وقال بعض أصحاب الشافعي (٢) : لا حظَّ فيه لغنيٍّ.

стр. 507

وقول الشافعي هنا أظهر، فإن الله -تعالى- لم يَخُصَّ بذلك فقيراً من غنيٍّ، إنما خصَّ القرابة، وقول من خالف الشافعيَّ في التفضيل بين الذكر والأنثى أظهر؛ لأنه لم يأت فيه نصٌّ، وليس ميراثاً، والله أعلم. *****

стр. 508

الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وقال -تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . فأمر الله -تعالى- بقتال المشركين وقتلهم بكل سبيل، وحَصْرهم والتضييق عليهم، ولم يجعل لذلك غايةً إلا أن يُسلموا، وجعل في أهل الكتاب حدّاً آخر إن كانوا لم يسلموا: وهو إعطاء الجزية. وفي كتاب مسلم (١) عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، ومن معه من المسليمن خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقلتوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم، إلى ثلاث خصال -أو: خلال-، فأيَّتُهُنَّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم ... » الحديث. فذكر فيه: الإسلام، ثم الهجرة، ثم قال: «فإن هم أبوا فسَلْهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبوا، فاستعن بالله وقاتهلم ... »

стр. 509

إلى آخر الحديث، وقد تقدم بكماله في باب: (الدعوة قبل القتال) . فثبت أن الواجب على ذلك في قتال الكفار أنّ من بذل منهم الجزية -إمّا عموماً في أصناف الكفر، أو خصوصاً في أهل الكتاب، على الخلاف بين أهل العلم الذي نذكره إن شاء الله تعالى- فإنه يحرم بذلك قتالهم، ويجب الكفُّ عنهم والقبول منهم؛ بما ثبت من أمر رسول الله ﷺ ؛ ولأنها إحدى الغايتين اللتين ورَدَ في القرآن الانتهاء إليهما (١) . والنظر في هذا الباب يتعلق بأربعة أشياء: الأول: مَن تُقبل منهم الجزية؟ وهل ذلك عام في أصناف الكفر من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، ومن لا يدين بشيء أصلاً، أو هو خاص بأهل الكتاب؟. الثاني: في المقدار المأخوذ منهم في ذلك، وعلى من يفرض فيهم. الثالث: في حكم من أَسلم منهم بعد الجزية أو مات. الرابع: في شروط الجزية، وحقوقها الواجبة لهم وعليهم. فصلٌ: في معرفة من تقبل منهم الجزية من أصناف الكفار اختلف العلماء فيمن تقبل الجزية منهم على ثلاثة أقوال: قول: إنها تقبل من جميع الكفار، سواء في ذلك أهل الكتاب وغيرهم من عبدة الأوثان، وكل جاحدٍ مكذبٍ بالربوبية، لا يدين بشيءٍ أصلاً، وسواءٌ في ذلك العرب والعَجمُ، وكلُّ من دان بغير الإسلام من كافة الأمم، وإليه ذهب مالكٌ وجمهور أصحابه، والأوزاعي وغيرهم (٢) .

стр. 510

قال ابن الجهم (١) : إلا ما أُجمع عليه من كفار قريش، فلا يجوز أن يجري عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام أو السيف، ولا يرخص لهم في المقام على كفرهم بأداء الجزية. وقال غيره في توجيه ذلك: إن قريشاً أسلمت كلها يوم الفتح، فإذا وُجِد كافر منهم كان مُرتدّاً، والمرتد لا تؤخذ منه الجزية؛ لأنه لا يُقرُّ على كفره. وقول ثان: إن الجزية لا تقبل إلا من اليهود والنصارى، عرباً كانوا أو عجماً، والمجوس كذلك -أيضاً- فقط، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، وجماعة من أهل العلم سواهم (٢) ، وبنحوه يقول عبد الله بن وهب من أصحاب

стр. 511

مالك (١) ، وروي مثله عن ابن حبيب. وقول ثالث: إن الجزية تقبل من كل كافر من العجم، ولا تقبل من العرب، إلا من كتابِّي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (٢) ، وحكي ذلك عن أبي

стр. 512

عبيد (١) ، ومثله عن بعض أصحاب مذهب مالك (٢) . فأمّا حجة من قَصَر ذلك على اليهود والنصارى والمجوس: فالكتاب والسنة. أما الكتاب: فإنه لم يؤذن في آية الجزية إلا في أهل الكتاب فقط، وهم اليهود والنصارى باتفاق. والمجوس، قيل: إنهم أهل كتاب (٣) ،

стр. 513

وقيل: ليسوا أهل كتاب (١) ، وكلا المذهبين يَنتزعُ الدّلالةَ على ما صار إليه من حديث عبد الرحمن بن عوفٍ في المجوس، قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب» ، خرَّجه مالك في «الموطأ» (٢) .

стр. 514

فقال الذين نَفوْا: لو كانوا أهل كتاب لصرَّح بكتابهم، ولم يقل: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب. وقال الذين أثبتوا: بل أَمْرهُ ﷺ في المجوس خاصَّةً دون سائر أهل الكفر أن يُحملوا على سنَّة أهل الكتاب دليلٌ ظاهرٌ أنهم أهل كتاب، ولمّا لم يكن أمرهم في ذلك مستفيضاً كاستفاضة أمر اليهود والنصارى أنهم أهل كتاب، عرَّفه بالإضافة إليهم. وبالجملة، فعلى كلا القولين لم يختلف فيهم أحدٌ من أهل العلم: أنهم ممن تُقْبَلُ منهم الجزية (١) كاليهود والنَّصارى، إمَّا بالسُنَّة إن لم يكونوا أهل كتاب، أو

стр. 515

بالقرآن والسنة إن كانوا أهل كتاب، ووردت في ذلك آثار: أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (١) ، ومن مجوس البحرين (٢) ، وفعله الخلفاء الأربعة بعده (٣) .

стр. 516

وخرَّج الترمذي (١) ، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر. قال فيه: حسن صحيح. وفي «الموطأ» (٢) عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين. وإنما اختلف أهل العلم في أكل ذبائح المجوس وتزوج بناتهم؛ فمن قال: إنهم ليسوا أهل كتاب، وإنما قُبِلت الجزية منهم بالإذن المُعَيَّنُ في ذلك، على أن غير الجزية باقٍ على التحريم، لم يتناوله الإذن بحال، فمنعَ من مناكحهم وأكل ذبائحهم. ومن قال: إنهم أهل كتابٍ حقيقةً، لزمه -لا محالة- القولُ بجواز ذلك، وبه قال أهل الظاهر (٣) ، وروي نحوه عن سعيد بن المسيّب، أنه لم ير بذبائح المجوس

стр. 517

بأساً (١) ، وأَبَى الشافعيُّ وجمهور أهل العلم (٢) ، مِمَّن صار إلى أنهم أهل كتاب، أو

стр. 518

لم يَصِرْ من ذلك، ورأوا أن إباحةَ ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم خاصّةٌ في اليهود والنصارى. وأما مستند من عمَّ أصناف الكفر في قبول الجزية، فمن طريق الإلحاق بجامع الكفر؛ قالوا: وإذا كان في الجزية صغارٌ لهم، وإِذلاَلٌ موجِبهُ الكفر، مع كونهم أهل كتاب، وهم أرجَى في القُربِ إلى الحَقِّ، فسائر أهل الكفر بذلك أولى، إلاَّ أنَّ هذا المعنى قد يُعكس عليهم. فيقال: إنما استُحيوا وقبلت منهم الجزية إبقاءً عليهم لموضع احترامهم بالكتاب، وبكونهم على بقايا شرعٍ تقدَّم، كما أجيز نكاح نسائهم وأكلُ ذبائحهم؛ بخاصَّة حرمة الكتاب، وذلك لا يشركهم فيه أهل الكفر من غيرهم (١) ، فوجب أن لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السَّيفُ بنص القرآن، وهذا على مذهب القياس أَسَدُّ وأوضح، والقول بقصر الجزية على من عيِّن في ذلك أرجح. وأما ما ذهب إليه من فرَّق في الجزية بين العرب والعجم، فأجاز في كفار العجم مطلقاً، ولم يُجز في كفار العرب، إلا أن يكونوا على دين أهل الكتاب: فشيءٌ لا أعرف له مستنداً، إلا شيئاً ذكره ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، أنَّ النبي ﷺ صالحَ عبدَةَ الأوثان على الجزية، إلا من

стр. 519

كان منهم من العرب (١) . قال ابن عبد البر (٢) : هذا يدل على أن مذهب ابنِ شهاب أن العرب لا تؤخذ منهم الجزيةُ، إلا أن يدينوا بدين أهل الكتاب. قال (٣) : «وما أعلم أحداً روى هذا الخبر المرسل عن ابن شهاب إلا معمراً» . قلت: فأمَّا إن ذهب ذاهب إلى تعليل مَنعِ إجابتهم إلى الجزية إذا كانوا من غير أهل الكتاب، مع كوْن سائر الكفار غيرهم يجاب إلى ذلك على أيِّ دين من الكفر كان، بأن ذلك منع منه العرب إكراماً لهم (٤) ، ودفعاً للصغار عنهم، كما ذهب إلى ذلك بعض المُعَلِّلين، فهو ينكسر عليهم بقبول الجزية منهم إذا كانوا من أهل الكتاب. وقد اختلف العلماء في حكم من كان من العرب على دين أهل الكتاب، فلهم في نصارى بني تغلب ثلاثة أقوال: قول (٥) : إنه لا يعتد بما دانوا به، وحكمهم حكم عَبَدة الأوثان من العَرب، فلا تُقبل منهم الجزية، إنما هو الإسلام أو السَّيف، وكأنَّ وجه هذا المذهبِ هو حَملُ الآية في تعيين أهل الكتاب بقبول الجزية، على أنَّ المراد به أهلُ الكتاب الذين أنزل ذلك عليهم، أو توارثوه عن آبائهم من اليهود والنَّصارى، لا مَن دخَلَ

стр. 520

في ذلك من غيرهم بعد. وقولٌ ثانٍ (١) : إنهم كسائر أهل الكتاب في قبول الجزية وسائر الأحكام، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز (٢) ، وجماعة من أهل العلم؛ قالوا: إن الجزية تؤخذ منهم (ومن أحدٍ ما) (٣) تؤخذ من سائر أهل الكتاب في الشروط والصغار وسائر الأحكام، ووجه ذلك حمل الآية على عمومها فيمن دان بدين أهل الكتاب، وقال الله -تعالى-: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن

стр. 521

يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، فيستوي في ذلك العرب وغيرهم. قال الشافعي (١) : إنما الجزية على الأديان، لا على الأنساب، قال: فكل من دان دين أهل الكتاب، أي كتاب كان، ممن دان بذلك آباؤه، أو دان بنفسه، ولم يدن آباؤه، وخالف دين الأوثان، قبل نزول الفرقان، فهو خارج من أهل الأوثان: تقبل منه الجزية، عربياً كان أو عَجميّاً، وأمَّا من دخل عليه الإسلام، وهو لا يدين بدين أهل الكتاب: لم يقبل منه إلا الإسلام أو السَّيف، عربياً كان أو عجمياً، ولا يقر على ما أحدثه من دين أهل الكتاب بعد نزول الفرقان. وأما مالكٌ وجميع أصحابه (٢) ، فكذلك يرونَ أخذ الجزية من نصارى العرب على ما تؤخذ من غيرهم، لا من حيث إنهم أهل كتاب فقط، بل ومن حيث هم كفارٌ -أيضاً-، وذلك أصل مذهبهم في تساوي أصناف الكفر في باب الجزية -كما تقدم- (٣) . وقول ثالث: إنه يؤخذ منهم بدل الجزية ضِعفُ ما يؤخذ من المسلمين في الصدقات في كل نوعٍ من المال الذي تجب فيه الزكاة؛ ما يلزم المسلم فيه العشر، فعليهم عُشران، وفي نصف العُشْر عليهم عشر، وفي ربع العشر عليهم نصف العشر، وكذلك في كل شيء، حتى في الركاز عليهم خمسان. ومِمَّن ذهب إلى

стр. 522

هذا: الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم (١) ، وجاء مثل ذلك عن عمر ابن الخطاب (٢) ، ومثل هذا لا يُدرك بالاجتهاد والنَّظر، فإن لم يكن في ذلك

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 524

توقيف -وهو ما لا يوجد- فالمصير إليه شاق. وقد ذكر بعض أهل العلم (١) أن

стр. 525

عمر ﵁ إنما صالح نصارى بني تغلب على ذلك لمَّا خُوِّف من أمرهم، وقيل له: لا تُقَوِّ عدوك عليك بهم. وكأنَّ نصارى بني تغلب كرهوا اسم الجزية، ولم يجيبوا إلى ذلك، إلا أن يعطوا نحو عطاء الصدقات، فضاعف ذلك عليهم فقبلوه. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أَبَى على نصارى بني تغلب إلا الجزية، وقال: لا والله إلاَّ الجزية، وإلاَّ فقد آذنتكم بحرب (١) . ولم يختلفوا: أن حكم ما يؤخذ منهم على ذلك بمثابة حكم الجزية، لا حكم الصدقة، ويوضع في مال الفيء. فصلٌ: في مقدار الجزية، وعلى من تُفرض اختلف أهل العلم في مقدار ما يقبل في الجزية، والمشهور في ذلك ثلاثة أقوال: قول: رواه مالك في «موطئه» (٢) عن عمر بن الخطاب، أنه ضَرَبَ الجزية على

стр. 526

أهل الذَّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، وبه أخذ مالك، قال: ولا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وعلى ذلك جميع أصحابه، في أنه لا يزاد عليه، وسواء عندهم في ذلك الغنيُّ والفقير، إلا أن يكون من الفقر بحيث لا يقدر على شيء، فلا يُكَلَّفُ ما لا يطيق (١) . وقول ثانٍ: قال الشافعي، وأبو ثور (٢) ، وغيرهما (٣) : إن مقدار الجزية دينار على كل رأسٍ من الأحرار البالغين، سواء في ذلك الغني والفقير، واحتجَّ الشافعي بحديث معاذ. خرَّج أبوداود (٤) ، عن أبي وائل، عن معاذ، وعن مسروق -أيضاً-، عن معاذٍ،

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 529

أن رسول الله ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- ديناراً، أو عَدله من المعافر -ثيابٌ تكون باليمن-. قال الشافعي (١) : وهو ﷺ المبيِّن لنا عن الله -تعالى-، يريد: أن في ذلك بيان ما أريد بالجزية التي ذكر الله -تعالى- أن يعطوا، فيكفَّ عنهم. قال الشافعي (٢) : وإن صولحوا على أكثر من ذلك جاز، إذا طابت نفوسهم، قال: وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيامٍ جازَ، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن (٣) والإدام. وذَكَر ما على الوسط من ذلك، وما على الموسر، وذكَرَ موضع النزول والكنّ من البَرْدِ والحَرِّ. وقول ثالث، قال به أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم (٤) : إن

стр. 530

الجزية اثنا عشر درهماً، وأربعة وعشرون درهماً، وثمانية وأربعون درهماً، يريدون: بحسب الأحوال (١) . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهماً، والوسط يضاعف ذلك عليه، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط (٢) ، وقد روي
следующие страницы →