أهل الذَّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، وبه أخذ مالك، قال: ولا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وعلى ذلك جميع أصحابه، في أنه لا يزاد عليه، وسواء عندهم في ذلك الغنيُّ والفقير، إلا أن يكون من الفقر بحيث لا يقدر على شيء، فلا يُكَلَّفُ ما لا يطيق (١) .
وقول ثانٍ: قال الشافعي، وأبو ثور (٢) ، وغيرهما (٣) : إن مقدار الجزية دينار على كل رأسٍ من الأحرار البالغين، سواء في ذلك الغني والفقير، واحتجَّ الشافعي بحديث معاذ.
خرَّج أبوداود (٤) ، عن أبي وائل، عن معاذ، وعن مسروق -أيضاً-، عن
معاذٍ،
أن رسول الله ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن، أمَره أنْ يأخذ من كل حالمٍ -يعني: محتلمٍ- ديناراً، أو عَدله من المعافر -ثيابٌ تكون باليمن-.
قال الشافعي (١) : وهو ﷺ المبيِّن لنا عن الله -تعالى-، يريد: أن في ذلك بيان ما أريد بالجزية التي ذكر الله -تعالى- أن يعطوا، فيكفَّ عنهم.
قال الشافعي (٢) : وإن صولحوا على أكثر من ذلك جاز، إذا طابت نفوسهم، قال: وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيامٍ جازَ، إذا كانت الضيافة معلومة في الخبز والشعير والتبن (٣) والإدام.
وذَكَر ما على الوسط من ذلك، وما على الموسر، وذكَرَ موضع النزول والكنّ من البَرْدِ والحَرِّ.
وقول ثالث، قال به أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم (٤) : إن
стр. 530
الجزية اثنا عشر درهماً، وأربعة وعشرون درهماً، وثمانية وأربعون
درهماً، يريدون: بحسب الأحوال (١) . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهماً، والوسط يضاعف ذلك عليه، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط (٢) ،
وقد روي
стр. 531
مثل ذلك عن عمر بن الخطاب: أنه فعله بأهل السواد (١) . قال سفيان
стр. 532
الثوري (١) : «ذُكرت عن عمر ضرائب مختلفة على أهل الذمة الذين أُخذوا عنوة» . قال الثوري: «وذلك إلى الوالي، يزيد عليهم بقدر يُسرهم، ويضع عنهم بقدر حاجتهم، فأمَّا من لم يؤخذ عنوة، حتى صولحوا صلحاً،
فلا يزاد عليهم شيءٌ على ما صولحوا عليه، فالجزية عليهم على ما صولحوا عليه، من قليلٍ أو كثير، في أرضهم وأعناقهم» (٢) يعني -إن شاء الله-: إذا كان أقل ما بذله أهل الصلح، مما يبلغ القدر الذي يقبل مثله في الجزية، وهذا هو فائدة الخلاف في حدِّ أقل الجزية الذي إذا بذلوه قُبِلَ، ووجَبَ الكفُّ عنهم، كما أن فائدة الخلاف في حَدِّ الأكثر مراعاة ترك الإجحاف.
وجملة الأمر: أنَّ أهل الذمة في ضرب الجزية عليهم صنفان: أهل صلح وأهل عنوة.
فأهل الصلح: هم الذين يبذلون الجزية قبل القدرة عليهم؛ ليحقنوا بذلك دماءهم، ويحرزوا أموالهم، فهؤلاء يُقرُّون على ما صولحوا عليه من قليلٍ أو كثيرٍ، ولا يزاد عليهم شيءٌ، إذا كان ما بذلوه يبلغ مبلغ القدر الذي يقبل في الجزية، فإن كان أقلَّ مما يقبل في ذلك -على الخلاف المتقدم في حدِّه- لم يجز قبوله منهم، وإذا بذلوا الحدَّ الذي يُقبلُ فصاعداً، وجب القبولُ والكَفُّ عنهم، وأُقِروا على أرضهم وأموالهم، يتوارثونها في الموت، ويحرزونها بالإسلام، لا حَقَّ للمسلمين
стр. 533
معهم في شيءٍ من ذلك إلا الجِزية المضروبة، ومن شرط ذلك أن يكونوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وسلطانهم، وتُؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون.
وأمَّا أهل العنوة -وهم الذين غلبهم المسلمون، واستولوا على رقابهم وبلادهم- فهؤلاء حكمهم حكم الأسرى، وحكم أراضيهم حكم غنائم المسلمين، فإذا أقرهم الإمام على الجزية وجب لهم حكمها، وكان الخلاف المتقدم في حَدِّ أقلِّ ما يضرب عليهم وأكثرهِ، وتفريق من فرَّق بين الغنيِّ والفقير، ومراعاة ما يحملون دون إجحاف.
واختلف أصحاب مذهب مالك: هل يكونون بذلك أحراراً؛ لأن استحياءهم لضرب الجزية من باب المنِّ عليهم، أو هُم على أحكام العبيد للمسلمين؟ (١) .
وأما أرضهم: فلا حقَّ لهم فيها باتفاق، وهي مِلْكٌ للمسلمين: إمَّا للجيش الذين غلبوا عليهم، تقسم فيهم كسائر المغانم، وإمّا فيءٌ موقوفةٌ لمصالح المسلمين، على حسب ما مضى
من القول، وذكر الخلاف في ذلك، فإن أقرّها الإمام في أيديهم على الخراج -على مذهب من رآها فيئاً-، كان لها حكم ذلك. فهذا فرق ما بين الصلح والعنوة.
وقد مضى ذكر الخلاف فيما يؤخذ من نصارى العرب.
والأرجح أنهم في الجزية وسائر الأحكام من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم سواء مع أهل الكتاب، والله أعلم.
واتفق الجمهور على أنَّ الجزية لا تفرض على النساء والصبيان، ولا على العبيد، إلاّ على الرجال الأحرار البالغين، روي ذلك عن مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم (٢) .
стр. 534
قال أبو بكر بن المنذر (١) : لا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم.
وقال أبو محمد بن حزم (٢) : الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، في كلِّ ذلك سواء. واستدلَّ على ما ذهب إليه من ذلك بعموم قول الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وفي الاستدلال بذلك على إدخال النساء في هذا العموم نَظَر؛ لأنَّ الصيغة موضوعةٌ للمذكَّر، وإنما يدخل النساء في صيغ الجمع المذكر
стр. 535
بحكم التبعية وتغليب التذكير، فهو يفتقر إلى ما يدلُّ عليه، بل لو سُلِّم أن الصيغة بأصل الوضع عامة في المذكَّر والمؤنث، لكان خروج نساء الكفار من القتل والقتال معلوماً من الشرع، فعموم الآية هنا لا يتناول النساء على كل حال (١) . وأما العبيد: فالعموم صالح فيهم (٢) .
واختلفوا في العبد من أهل الكتاب يُعتقُ؛ فقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (٣) : تؤخذ منه الجزية. قال الشافعي: وسواء أعتقه مسلمٌ أو
كافرٌ، وقال
стр. 536
الشعبي (١) : لا جزية عليه، ذمته ذمة مواليه.
وأما مالك، فاختلفت الروايات عنه في ذلك؛ ففي رواية: لا جزية عليه. وفي رواية: عليه الجزية. وفي رواية: التفريق بين أن يعتقه مسلم أو كافر (٢) .
واختلفوا في فرض الجزية على الفقير المحتاج الذي لايقدرعلى شيء؛ فمذهب مالك (٣) وجماعة من العلماء أنها توضع عنه، أو يخفف عليه إن كان ممن يقدر على بعض الشيء، ولا يكلف ما لا يطيق، وبه (٤) قال أصحاب الرأي (٥) . وقال الشافعي: تكون دَيْناً عليه، ولا تسقط عنه (٦) .
стр. 537
وكذلك اختلفوا في الشيخ الفاني: هل تؤخذ منه الجزية أو لا (١) ؟
وفي
стр. 538
المجنون إذا كان يفيق مَرَّةً ويُجَنُّ أخرى (١) .
وأمَّا المجنون المُطْبِق الذي لا يفيق، فلا ينبغي أن يكون فيه خلافٌ: أنَّ ذلك لا يلزمه؛ لأنه غير مكلَّف، ولا يَتَّصف بدِينٍ يُتَمسَّكُ به في الكفر ولا غيره (٢) .
وقد مضى التنبيه على مثل هذا في (الباب الخامس) عند ذكر استباحة أصناف الكُفَّار تنكيلاً وقتلاً.
فصلٌ: في حُكم من أسلمَ من أهل الجزية أو ماتَ
خرَّج الترمذي (٣) ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصلح
قبلتان
في أرضٍ واحدةٍ، وليس على مسلم جزيةٌ» .
وأجمع أهل العلم أنه لا جزية على مسلم، وأنَّ من أسلم من أهل الذِّمة فلا جزية عليه لما يستقبل (١) ، واختلفوا فيه إذا أسلم في بعض الحول أو بعد تمامه، وكذلك إن مات.
فقيل: إنه إذا أسلم أو مات، فقد سقط عنه كلُّ ما كان لزمه من الجزية لما مَضَى في حولٍ أو أحوال، وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأبي عُبيد (٢) .
стр. 541
قال أبو عبيد (١) : لا يجوز أن يطالب مسلم بجزية. وقال مالك: يقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ما قد مضى قبل الإسلام، من دمٍ أو مال أو شيء (٢) .
وقيل: إنه يؤخذ منه كلُّ ما كان ترتَّب عليه، وتقدَّم من حولٍ أو أحوالٍ لم يؤدها، وهو قول الشافعي، وأبي ثور (٣) .
قال الشافعي: ليس للإمام تركه؛ لأنه حقّ لجماعة المسلمين عليه. يعني: أنه صار دَيناً لهم في ذِمَّته، وهذا أرجح؛ لأن قول الله -تعالى-: ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] راجعٌ إلى ما كان من كفرهم وآثامهم، وما كانوا
стр. 542
يستحقون من عقاب الله -تعالى- على ذلك، فهو لا يتناول الديون وحقوق المال التي التزموها على وجهٍ يجيزه الشرع، فإن هذا ثابت، وليس مما يغفر؛ لأنه على حدِّ الشرع، وإنما يُهدر عنهم ما استباحوه بحال الكفر في أنواع المحرمات من دمٍ أو مالٍ، وغير ذلك من الحدود التي لا يجيزها الشرع، فذلك هو الذي يَبْطلُ عنهم حكمه بإسلامهم، فلا يؤاخذون به، عفواً من الله ومغفرة.
وأما قول أبي عبيد: «لا يطالب مسلم بجزية» فصحيح؛ بمعنى أنه لا يكلَّف الجزية بعد إسلامه، كما كان يُكلَّفها في كفره، وأما ما كان استقرَّ عليه من ذلك في حال الكفر، فمطالبٌ به كسائر الدّيون، ولا فرق في هذا فيمن أسلم (١) .
فأمَّا من مات وعليه حولٌ أو أحوال، فقد كان ينبغي أن يكون ذلك في تركته على كلِّ قول، ومهما توجَّه الخلاف فيمن أسلم، وعليه حولٌ أو أحوال، فلا يصلح ذلك فيمن مات؛ لأن أمرهما في الكفر والإسلام مختلفٌ (٢) ، والأدلة التي اعترضَ بها فيمن أسلم لا تثبت فيمن مات وهو كافر، فلا وجه للقول بسقوط ذلك عَمَّن مات بعد أن عُمِّرت ذمته. وقد زعم من قال بسقوطه عن الميت: أن ذلك ليس بدينٍ عليه، وهذه مكابرة، لأنَّ كُلَّ حَقٍّ في المال وجبَ بوجه شرعيٍّ متعلِّقٍ بالذِّمة، لا في عينٍ معينة؛ فهو ديْنٌ، يُعرف ذلك لغةً وشرعاً، والذمي إذا كَمَلَ حولُه على حَدٍّ ما شرط له من الوفاء بذمته، فقد وجبت عليه ضريبة ذلك الحول بإجماع، فذلك -ما
стр. 543
لمْ يُعْطَ- دَينٌ عليه بلا شك، اللهم إلا أن يعني قائل ذلك: أن الجزية إلزام مالٍ يؤخذ على وجه الصَّغار والعقوبة بالكفر، فكان من شرطه بقاء الملزم، كما كان من شرطه البقاء على الكفر.
وأما من مات قبل أن يتم حوله، فسبب الخلاف فيه: هل الجزية موضوعة لتمام الحول كالزكاة مثلاً، فهي لا تجب إلا بتمامه، فإذا مات قبل أن يستكمل الحول فلم تجب الجزية (١) ، أو هي كالخراج والكراء مُقسَّطةٌ على أوقات العام: لكل جزءٍ ما يقابله، فيلزمه بحسب ذلك في تركته؟ وبهذا الاعتبار يتوجه اختلاف القولين في ذلك عند الشافعي (٢) ، وكذلك فيمن أسلمَ في بعض الحول: أنه يؤخذ منه ما مَضَى من الحول بحسابه، أو لا يؤخذ منه؟ في ذلك قولان.
[فصلٌ: في حكم الأرض إذا أسلم عليها أهل الذمة] (٣)
وأمَّا حكم الأرضين، إذا أسلم عليها أهل الذمة: فذلك يختلف في حقِّ أهل الصلح وأهل العنوة، كما أشرنا إليه في الفصل قبل هذا.
وفي «الموطأ» (٤) عن مالك، أنه سُئِل عن إمامٍ قَبِلَ الجزية من قومٍ، فكانوا يعطونها: أرأيت من أسلم منهم، أتكون له أرضه، أو تكون للمسلمين، ويكون لهم
стр. 544
ماله؟ فقال مالك: «ذلك يختلف؛ أما أهل الصلح: فمن أسلم منهم فهو أحقُّ بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أُخذوا عَنْوة: فمن أَسْلَم منهم، فإنَّ أرضه وماله للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد غُلبوا على بلادهم، وصارت فيئاً للمسلمين، وأمَّا أهل الصلح: فإنهم قومٌ قد مَنعوا أموالهم وأنفسهم حتَّى صالحوا عليها، فليس عليهم إلا ما صالحوا عليه» .
قال ابن عبد البر (١) : على هذا جمهور العلماء.
وقال ابن حبيب (٢) في أهل الصلح: إن كانت جزيتهم مُفَرَّفَةً على الجماجم، فالحكم فيهم على ذلك على من أسلم منهم أو مات: إحرازُ أرضه بالإسلام، وورثت عنه في الموت، وسقط ما كان عليه من الجزية، وإن كانت مصالحتهم على جزيةٍ واحدةٍ مُجْملةٍ، فالأرض تبقى أبداً موقوفةً للجزية لا تُورَّث، ولا يَحُوزها بالإسلام، ولا يُحَطُّ عن جماعتهم بموت من مات منهم، أو إسلامه شيءٌ من جملة تلك الجزية، ولا يؤخذ من أسلم بشيءٍ منها، ويؤخذ بذلك أهلُ دينه، وتكون أرضه وقفاً على ذلك.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور، وشهد له الدليل، كما بيَّنه مالكٌ ﵀.
فصلٌ: في شروط الجزية، وما يجب على أهل الذمة ولهم
قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٩] .
فكان أول ما يجب أن يكون الكفار الذين قُبِلتْ منهم الجزيةُ في بلدٍ، أو موضع يحيط بهم سلطان المسلمين، وتجري عليهم أحكامهم؛ ليكون إقرارهم على الجزية وأداؤهم لها كما فرضَ الله -تعالى-؛ لأنه لا يتمكن منهم في ذلك إلا أن يُحاط بهم.
стр. 545
فأمَّا مصالحة من صولح من العدو على مالٍ يُؤدّونه، وإقرارهم هناك على حالِ مملكتهم ومنعتهم؛ فليس هذا من باب الجزية في شيء، وهي مهادنة، ولا تجوز إلا لضرورة كما قدَّمنا في ذلك.
والجزيةُ مشروعةٌ، مأمورٌ بقبولها، والكفُّ عنهم إذا بَذلوها على شروطها، فأمرها مختلف في الوجوب والحظر.
قال عبد الملك بن حبيب (١) : إذا نزل جيش المسلمين على حصنٍ، فحاصروه الأيام، فدعا أهله إلى المصالحة على مالٍ يدفعونه ويُرحلُ عنهم، فلا يجوز قبوله إنْ رجَا المسلمون افتتاحَه، وليمضوا على محاصرتهم، وإن يئسوا من افتتاحه، بما عسى أن يَتَسنَّ ذلك لهم، فلهم أن يقبلوا ذلك، ولهم أن يحاصروا إن كانت بهم قوة على ذلك، قال: وإنْ دَعَوْا إلى الجزية، فإن كانوا بالموضع الذي يكون عليهم فيه سلطان الإسلام، ويتولاّهم من المسلمين والٍ تتأَدَّى إليهِ جِزيتهم، ويخالطهم المسلمون، وتكون قوتهم مُنبسِطة، كما هي على المعاهدين وأهل الذمة؛ لقربهم من دار الإسلام، فلازمٌ لوالي الجيش أن يقبل ذلك منهم، وإن لم يكونوا عنده بهذه (٢) الصفة، وكانوا في بُعْدٍ من دار الإسلام، وبحيث
إن شاؤوا بعد قفول الجيش عنهم مَنعوا جِزيتهم، وعادوا حرباً؛ فلا يقبل ذلك منهم، حتى ينتقلوا من دارهم تِلك إلى دار الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك وإلا فالسَّيْف.
قال: وهكذا سمعت مُطرِّفاً، وابنَ الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصْبَغَ يقولون.
قال عبد الملك: وهذا تفسير قول مالكٍ؛ قد قال مالك محمّلاً كل قومٍ من العدوّ دعوا إلى الجزية حين أحيط بهم، فإنهم إن كانوا بموضعٍ يقدر عليهم المسلمون إنْ نزعوا، قُبِلَ ذلك منهم، وأُقِرُّوا في بلادهم، وإن كانوا بموضعٍ إن
стр. 546
نزعوا لا يُقدرُ عليهم إلا بمؤنة، فإنه لا يُقبلُ منهم ما دَعوا إليه، إلاَّ على الارتحال مع المسلمين، وتَخْلِيَةِ بلادهم.
ومن الشروط على أهل الجزية: أخذهم السنة (١) بالمنع والكفِّ عن تناول شريعة المسلمين ومِلَّتهم، وتوَقِّي ما يقدح في شيءٍ من أمور دينهم بشيءٍ من المَعابةِ والطَّعن والاستخفاف، وذكر النبي ﷺ بغير ما يحِقُّ له، ولو لم يُقرُّوا بصحة ذلك، ومنعهم (٢) من الدعاء لدينهم، والإعلان بمعالم شرعهم في أمصار المسلمين: من ضربِ النواقيس، وبناء الكنائس، ومجتمع الصلوات، وإظهار الصَّليب ونحو ذلك.
ومن ذلك: منعهم من الإفصَاحِ والإعلان بشرْكِهم، وما يَنحلُون لله من الصاحبة والولد، تعالى الله عن قولهم عُلوّاً كبيراً.
ومن ذلك: منعهم من إظهار ما يستبيحونه من شرب الخمور، ومواقعة الفجور، وغير ذلك، مِمَّا لا يحل للمسلمين -مع الاطلاع عليه- إقراره.
ومن ذلك: أن تجري عليهم أحكام المسلمين متى دعاهم إلى ذلك خَصْمٌ، أو متى ظهَرَ منهم ظلم.
هذه كلها شروطٌ واجبةٌ لا ينبغي إسقاطُها، ولا تَرْكُ العمل بشيءٍ منها، ولا تحلُّ إجابةُ الكفار إلى أن يشترطوا إسقاط ذلك عنهم أو
شيءٍ منه، ولا يجب الوفاء لهم به إن التزمه لهم من يَعقد على المسلمين، مِمَّن لعلَّه يجهل ذلك. والدليل على صحة هذه الجُمْلة: قولُ الله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ، وقوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] ، وقوله -تعالى-: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] ، وقوله -تعالى-: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
стр. 547
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . وفي حديث ابن عباس المتقدم: قال رسول الله ﷺ : «لا تصلحِ قبلتان في أرضٍ واحدة» (١) ، فهو يتضمَّن منعهم من إظهار دينهم بحضرة المسلمين، وفي أمصارهم.
وأيضاً: فقد أوجب الله -تعالى- قتل الكفار وقتالهم؛ لإعلاء كلمة الله، وحتَّى يدخلوا في الإسلام، فإنما (٢) استثنى -تعالى- في الجزية الكفَّ عن قتالهم على الإسلام، فهم بأداء الجزية يُكفُّ عنهم في ذلك خاصة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٩] ، كما قال -تعالى-.
وأمَّا أن يباح لهم الاعتلاء بإظهار كفرهم وباطلهم، والتَّبسُّط بما ينافي كتاب الله -تعالى- ودينَه الحق، فذلك لم يستثْنِه الله -تعالى- لهم قط (٣) . ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] .
وقال قوم من أهل العلم (٤) في قوله -تعالى-: ﴿ ... وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] : أن يُجْرَى عليهم حُكمُ الإسلام، وأن لا يُظهروا شيئاً من كفرهم، ولا مِمَّا يَحْرُمُ في دين الإسلام (٥) .
стр. 548
وفي كتاب عمر ﵁ الذي كتبه له عبد الرحمن بن غنم، حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه: أن لا يُحدثُوا في مدينتهم، ولا ما حولها دَيْراً، ولا كنيسةً، ولا صومعةَ راهبٍ، ولا يُجَدِّدوا ما خربَ منها، ولا يُعلِّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهروا شِرْكاً، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن لا يُظهروا صليباً، ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيّاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيءٍ من حضرة المسلمين، ولا يبيعوا الخمور، في أشياء غير هذه، مما شرط عليهم في كتابه ذلك، وقال في آخرها: فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه؛ فلا ذمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحلُّ من أهل المعاندة والشِّقاق (١) .
стр. 549
قال عبد الملك بن حبيب (١) : قال لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجشون وأصبغُ: إذا كان أهل ذمةٍ منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ولم يكن المسلمون معهم في موضعهم ذلك، فلهم إحداث الكنائس، ورَمُّ كنائسهم القديمة، والزيادةُ فيها، اشترطوا ذلك أو لم يشترطوه، ولا يُمنعوا من إدخال الخمر إليهم، ولا مِن كَسْب الخنازير عندهم، وإن كانوا في بلد المسلمين، أو في حريمه وعمله، أو في قريةٍ من قراهم، قد سكنها المسلمون معهم؛ مُنِعُوا من ذلك كُلِّه، فإن زعموا أنهم لا يريدون بيع الخمر من مسلم؛ لم يكن لهم إدخالها، لا سِرّاً ولا جهراً، ولا أن يحملوها من قرية إلى قرية، وما ظهر للإمام من خمرهم، فعليه أن يُهريقَها، ويَضْرِبَ حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم سكران في جماعة المسلمين؛ كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك إن أظهروا الخنازير في مواضع المسلمين؛ فعلى الإمام أن يأمرهم بعقرها، ويضربَ مُظهرها،
ويُغَيِّب جيفهَا عنهم إذا عقرها، وكذلك يُمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم، أو في استسقائهم في جماعة المسلمين، فإن أظهروا؛ فعلى الإمام أن يأمر بكسرها، ويضربهم على إظهارها، قالوا: ولو اشترطوا في صلحهم رَمَّ كنائسهم القديمة، وُفِّيَ لهم به، ومُنِعُوا من الزيادة فيها، كانت ظاهرةً أو باطنة. قالوا: ولا ينبغي لإمام المسلمين أن يشترط لهم إحداث الكنائس، فإن جهل فَفَعل؛ مُنِعوا من إحداثها، ولا عَهدَ لأحدٍ في معصية الله .
قال ابن الماجشون (٢) : إنما لهم بالشرط الرَّمُّ فقط. قال: وأما أهل العنوة فلا تترك لهم -عندما تُضْربُ عليهم الجزية- كنيسةٌ قائمةٌ إلاَّ هُدِّمت، ولا يُتركوا أن يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن جماعة الإسلام؛ لأنهم كعبيد المسلمين، ولا شرط لهم يُوفَّى به، وإنما صار لهم عهدٌ حُرِّمت به دماؤهم حين أُخذت منهم الجزية.
стр. 550
وقال الشافعي (١) : «ينبغي للإمام أن يُحدِّد بينه وبين أهل الذمة جميع ما يعطيهم ويأخذ منهم، فيسمي الجزية، وأن يؤدوها على ما وُصِفت -يعني: من الصَّغار- وعلى أن يُجرى عليهم حكم الإسلام إذا طالبهم به طالبٌ، أو أظهروا ظلماً لأحد، وعلى أن لا يُذكر رسول الله ﷺ إلا بما هو أَهلُه، ولا يطعنوا في دين الإسلام، ولا يعيبوا من حكمه شيئاً، فإن فعلوا؛ فلا ذِمَّة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يُسْمِعوا المسلمين شركهم، وقولهم في عُزيرٍ وعيسى، فإن وجدهم فعلوا بعد التقدّم في عزيرٍ وعيسى إليهم، عاقبهم على ذلك عقوبة لا تبلغ حدّاً، وأن لا يُكرهوا أحداً على دينهم، إذا لم يُرِدْه من أبنائهم ولا رقيقهم ولا غيرهم، وعلى أن لا يُحدثوا في مصرٍ من أمصار المسلمين كنيسةً، ولا مُجتمعاً لصلاتهم، ولا ضرب ناقوسٍ، ولا حملَ خَمْرٍ، ولا إدخال خنزير، ولا يُعذِّبوا بهيمة، ولا يقتلوها صبراً -يعني: إلاّ ما كان ذبحاً مما يوافق الشرع-، وأنْ لا يدخلوا مسجداً، ولا يبايعوا مسلماً بَيْعاً يحرم في الإسلام، ولا يُسقوا مسلماً خمراً، ولا يطعموه محرماً: من لحمِ خنزيرٍ ولا غيره، ولا
يُظهروا الصليب، ولا الجماعات في أمصار المسلمين» . قال: «وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين، لم يمنعهم إحداث كنيسةٍ، ولا يَعرض لهم في خنازيرهم وخمرهم وأعيادهم وجماعتهم» .
قلت: وأمَّا ما يشترط بعد ذلك عليهم من تغيير الزِّيِّ والملبس، والهيئة في المركب، والمنع من التشبه بالمسلمين في مثل ذلك، فقد يكون هذا من المُستحبِّ غير الواجب؛ لأن ذلك كلَّه ليس فيه قدحٌ في الدين، ولا تَنَقُّصٌ على المسلمين، لكن في أخذهم بذلك زيادة الإعظامِ، والحرمة لأهل الإسلام.
فمما روي من هذا النوع عن عمر ﵁، أنه كان في شروط كتابه في صُلح نصارى الشام، وكتب به إلى أمراء الأجناد، يأمرهم أن يختموا في
стр. 551
رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويصلحوا مناطقهم، ويجزُّوا نواصيهم، ويركبوا على الأُكُفِ عَرْضاً، ولا يدعوهم يتشبهوا بالمسلمين في ركوبهم (١) .
قال أبو عبيد (٢) في قوله: «مناطقهم» ، يعني: الزنانير.
قلت: وإنما يريد: أن يُظهروها، ويَشُدُّوا أوساطهم بها؛ ليتبيَّن الذِّمِّي من غيره. وكذلك وقع مفسراً في الكتاب الذي كتبه عبد الرحمن بن غَنم: وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم (٣) .
وأما قوله: «ويركبوا على الأُكُفِ عَرْضاً» ، والأكُف جمع إكاف، ويقال: وِكافٌ -أيضاً-: وهو الأداة التي يركب عليها غيرُ السَّرج (٤) .
ومعنى قوله: «عَرضْاً» : هو أن يردَّ وجهه في ركوبِه إلى جانب الدَّابَّة، ولا
стр. 552
يستقبلها في جلوسه عليها، فتكون رجلاه كلاهما في شِقٍّ، والله أعلم.
وقد روي عن جماعة من أهل العلم (١) نحو ما رُوي عن عمر -رضي الله تعالى عنه-، في أخذهم بما يتميزون به عن المسلمين في الهيئات والأحوال (٢) .
стр. 553
مسألة
اختلف أهل العلم في الجزية كيف تُجبى؟ لقوله تعالى: ﴿ ... عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فروي عن ابن عباس أنه قال: يمشون بها مُلَبَّبين (١) ، وقال قتادة: عن يدٍ: عَن قَهْرٍ، وعنه
-أيضاً-: يعطونها نقداً، يقول: عن ظهر يدٍ،
стр. 554
ليس بنسيئة (١) . وقال أبو عبيدة (٢) : كل من انطاع لمن قد قهره، فأعطاه عن غير طيب نفس؛ فقد أعطاه عن يدٍ.
وقال الشافعي (٣) : سمعتُ عدداً من أهل العلم يقولون: الصَّغار:
أن يُجْرَى عليهم حكم الإسلام. وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يعجبه أن يَتْعَبَ أهل
стр. 555
الجزية إذا أخذت منهم (١) ، قال أبو عبيد (٢) : «لم يُرِدْ سعيدٌ فيما نرى بالإتعاب تَعْذيبَهم، ولا تَحْميلَهم فوق طاقتهم، ولكنه أراد أن لا يعاملوا عند طلبها منهم بالإكرام لهم، ولكن بالاستخفاف بهم» ، قال: «وأحسبه تأوَّل قول الله -تعالى-: ﴿ ... حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] » .
واتفق أهل العلم على أنه لا ينبغي إرهاقهم وجهدهم، وأنَّ الرِّفق بهم -إذا وفَّوا بشروط الجزية- أَوْلَى. قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] .
وخرَّج مسلم (٣) ، عن عائشة: قال رسول الله ﷺ : «إن الله رفيق يحبُّ الرِّفق، ويعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يعطي على [ما] سواه» .
وخرَّج أبو داود (٤) عن عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عائشة، ارفقي! فإن الرِّفقَ لم يكن قطُّ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ قطُّ إلا شانَه» .
وفي البخاري ومسلم (٥) ، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جده، أن
стр. 556
النَّبي ﷺ بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، فقال: «يَسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» .
مسألة
بوَّب الترمذي (باب: ما يحل من أموال أهل الذمة) ، وأسند إلى عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إنّا نَمُرُّ بقومٍ، فلا هم مضيفوننا، ولا هُم يؤدّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نأخذ منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنْ أبوا إلا أن تأخذوا كرهاً فخذوا» (١) . قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن.
قال: «وإنَّما معنى هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرُّون بقومٍ، ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال النبي ﷺ : «إن أبوا أن يبيعوا، إلاَّ أن تأخذوا كرهاً فخذوا» . قال: «وهكذا رُوي في بعض الحديث مُفسَّراً (٢) ، وروي عن عمر بن الخطاب، أنه كان يأمر نحو هذا» (٣) .
стр. 557
وفي كتاب «الأموال» (١) لأبي عبيدٍ، مسنداً إلى صعصَعة، قال: سألت ابن عباسٍ فقلت: إنّا نسير في أرض أهل الذِّمَّة، فنُصيب منهم؟ قال: بغير ثمن؟ قلت: نعم، بغير ثمن، قال: فما تقولون؟ قال: قلت: حلالٌ لا بأس به، فقال: أنتم تقولون كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ !! [آل عمران: ٧٥] .
ففي قول ابن عباسٍ هذا بيانٌ أنه لم يُرد النبي ﷺ أن يأخذوه بغير ثمن، لكن إذا منعوهم البيع، وبالناس حاجة إليه، أخذوا ذلك كَرْهاً بقيمته، والله أعلم.
فصل
والواجب لأهلِ الذِّمَّة إذا التزموا ما وجب عليهم من ذلك: الوفاءُ بالأمان، والحمايةُ ممن أرادهم بِعُدوان، ولهم بذلك على المسلمين عهدُ الله وذمَّتُه؛ لا تَحِلُّ دماؤهم، ولا أموالهم، ولا أبشارهم، ولابغيٌ عليهم في وجه من الوجوه، ما لم يُحْدِثوا حَدَثاً، ويحملون في مالهم، وعليهم من الحقوق على القسط والعدل الذي كتبه الله -تعالى- على المسلمين. قال الله -تعالى-: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١] ، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن
стр. 558
تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً
بَصِيراً﴾ [النساء: ٥٨] ، وقال -تعالى-: ﴿وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ، وقال
-تعالى-: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] .
القاسط: الجائر. وقد قَسَطَ يُقْسِطُ: إذا جار. والمُقْسِطَ: العادل. وقد أقسط، يُقْسِطُ: إذا عَدَل.
وأسند أبو بكر بن المنذر (١) إلى عمر بن الخطاب أنه قال (٢) في وصيته عند موته: «أوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة الله ، وذمة رسوله ﷺ خيراً: أن يُقاتل من ورائهم، وأن لا يُكَلَّفُوا فوق طاقتهم» .
وذكره البخاري (٣) بنحو ذلك، وزاد: أن يوفى لهم بعهدهم.
وخرَّج أبو داود (٤) عن صفوان بن سُليم، أخبرَ عن عِدَّةٍ من
أبناء أصحاب
стр. 559
رسول الله ﷺ ، عن آبائهم -دِنْيَةً- (١) ، عن رسول الله ﷺ قال: «ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصهُ، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذَ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة» .
مسألة
إذا أحدث أهل الذمة حدثاً يخالف شيئاً مما أخذ عليهم في عهدهم من كافة ما ذكرنا، أنهم يؤخذون به، ويُشترط عليهم في العقد؛ فذلك على ضربين:
منه ما يُعَدُّ نقضاً لعهدهم، ومنه ما يستوجبون به عقوبة دون نقض العهد. فالذي يُنتقضُ به عهدُهم على وجهين:
منه ما يستباحون به في النفوس والأموال، من غير تقدمٍ في ذلك إليهم، إلا مواثبةً واغتيالاً، وذلك مثل أن يبتدئوا بقتال، هذا ما لا خلاف فيه، ومنه ما فيه خلاف: هل يغتالون؟ أو يُنبَذُ إليهم عهدهم، ويلحقون بمَأْمنهم، ثم يحاربون؟ وذلك بعد (٢) أن يمنعوا الجزية، أو يتمردوا عن الأحكام، ويمتنعوا من الإجابة إليها، لا خلاف في هذه الثلاثة: أن لكلِّ واحد منها حكم النقض؛ لأنها تنافي عقد الذمة، فلا يصح مع واحدٍ منها.
стр. 560
واخْتُلِفَ إنْ ذكروا الله أو كتابه، أو رسوله، أو دينَه بما لا ينبغي؛ فقيل: حكم ذلك في انتقاض العهد به حكم الثلاثة المتقدمة؛ لأنه طعن في الدين، وقيل: حكمه حكم ما فيه ضرر على المسلمين، كما لو زنى بمسلمة، أو أصابها باسم نكاح، أو فتَنَ مسلماً عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو دَلَّ على عورات
المسلمين، أو آوى عيناً لأهل الحرب، أو قتل مسلماً؛ هذه سبعةٌ في كلها خلاف: هل يُنتقضُ به العهدُ أو لا يُنتقض؟ فقيل فيمن زنى بمسلمة، أو دلَّ على عورات المسلمين، أو فتن مسلماً عن دينه ودعاه إلى كفره: أنَّ كل واحدٍ من هذه الثلاثة انتقاض عهد؛ لأنه إضرار بالمسلمين، وقيل: لا يُعَدُّ انتقاضاً؛ لأنه لا ينافي عقد الذِّمَّة، ولا يتَضمَّنُ طعناً في الدِّين، وهو من الحدث الذي يعاقبون عليه.
وفرَّق قوم بين أن يكون شرطَ عليهم في العقد الانتقاض بفعل هذا ونحوه، أو أن لا يكون اشترط وقوعه نقضاً، فلا يلزم، ويُعاقبُ فاعله. وفرَّق بعضهم في الزِّنى بين أن يغْتَصِبَ المسلمة، فيُعدُّ ذلك نَقْضاً، أو يكون طوعاً منها، فَيُضرب ضرباً موجعاً.
وروي عن عمر بن الخطاب، أن نصرانياً نَخَس بغلاً عليه امرأةٌ مسلمةٌ، فوقعت، فانكشفت عورتها، فكتَبَ: أن يُصلب في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون (١) . وإنما فعل ذلك عمر؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ كان
стр. 561
تعمَّد إيقاعها والتكشف عليها؛ رُوي ذلك مفسراً في بعض القصة. وكذلك قال قومٌ في قطع الطريق، وفي القتل الموجب
مثله للقصاص بين المسلمين: أنَّ كل ذلك يُعَدُّ نقضاً من فاعله. وقال قوم (١) : لا يُعدُّ نَقْضاً، وإنما فيه إجراء حكم المسلمين عليه في حَدِّ الحرابة والقتل.
وقال الأوزاعيُّ (٢) فيمن آوى عيون أهل الحرب، أو خبَّر بعورة المسلمين: ذلك نقضٌ، فإن شاء الوالي قتَلَهُ، وإن شاءَ صلبَه. ونحوه يُروى عن بعض المالكية (٣) ، ولم يره الشافعي وأبو حنيفة (٤) نقضاً، وقال الشافعي (٥) : يُعَزَّرُ ويُحبسُ عقوبة.
стр. 562
وكلُّ ما ذكرنا مما فيه الخلافُ، هل يُعَدّ نقضاً أو لا؟ فالخلاف فيه إذا عُدُّ نقضاً: هل يُغتالُ، أو يُرَدُّ إلى مأمنه؟
والأرجح -إن شاء الله- في كل ما كان فيه طعنٌ في الدِّين، وكان مما لا يَدينون به في مِلَّتهم؛ أن يُعَدَّ ذلك نقضاً يُستباح فاعله، قال الله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] .
فأمَّا إن كان مما يدينون باعتقاده، كقولهم في المسيح
وعزيرٍ ونحو ذلك، فلم يجرِ مَجرى قصد الطّعن؛ فلا يدخل في ذلك، والله أعلم.
وكذلك الأرجح فيمن فعلَ ما يُعدُّ نَقضاً أن يُغتال، ولا يجب رَدُّهُ إلى مأمنه؛ لأنه بعد نقضه العهد لمْ تَبقَ له حُرمةٌ فيه، ولا شُبْهَةُ حُرمةٍ يتعلَّقُ بها أمان، بخلاف من يتوقع منه خيانة وهو لم يفعل بعد، فذلك هو الذي يُنبذُ إليه، ويردُّ إلى مأمنِه، أوما كان في معناه، وكذلك فِعلُ عُمَرَ حين أمر بصَلبِ العلْج الذي تعمَّد كشف المرأة المسلمة، ورُوي مِثلهُ عن أبي عبيدة بن الجراح، أنّه قتل نصرانياً استكره مسلمة على الزِّنى، ولم يَردَّه إلى مأمنه (١) . ورُوي عن رسول الله ﷺ في صلح أهل خيبر على أموالهم، وأن لا يكتموا منها شيئاً: أن الربيع وكنانة ابني أبي الحُقيق (٢) كتماه بعضَ ذلك، قال ابن عباس: فقدمهما رسول الله ﷺ ، فضرب أعناقهما، قال:
стр. 563
ثم بعث إلى ذريتهما، وأُتِيَ بصفيّة، ذكره ابن المنذر (١) .
ورواه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (٢) ، عن علي بن مَعبد، عن
أبي المليح،
стр. 564
عن ميمون بن مهران، قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر، ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلةً، وإنَّ أهل الحصن أخذوا الأمان على أنفسهم، وعَلى ذراريهم، وعلى أن لرسول الله ﷺ كل شيءٍ في الحصن، قال: وكان في الحصن أهلُ بيتٍ، فيهم شدّةٌ على رسول الله ﷺ وفُحشٌ، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني الحُقيق (١) ، قَد عرفتم (٢) عداوتكم لله ولرسوله، ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيكم ما أعطيت أصحابكم، وقد أعطيتموني أنكم إن كتمتم شيئاً، حَلَّت لنا دماؤكم. ما فَعَلت آنيتكم: فلان وفلان؟» . قالوا:
استهلكناها في حربنا. قال: فأمر أصحابه، فأتوا المكان الذي فيه الآنية، فاستثاروها. قال: ثم ضُرِبت أعناقهم.
فهذا كلُّه ليس في شيءٍ منه الرَّدُّ إلى المأمن، فلا يجب ذلك، والله سبحانه أعلم.
وأما الضرب الثاني: وهو ما لا يُعدُّ من أفعال أهل الذِّمَّة نقضاً، وإنما يستوجبون به التعزير والعقوبة، فمثل: إظهار الخمر والناقوس، والإعلان بمعتقدهم في المسيح، وغير ذلك مما لا يباح لهم، وليس من أقسام الضرب الأول، التي هي مُنحصرة في ثلاثة معانٍ: ما يرجع إلى منافاةِ العقد، والطَّعنِ في الدِّين، والإضرارِ بالمسلمين.
وزعمت الشافعية: أنّ هذا الضرب الثاني لا يُعدُّ نقضاً، وسواءٌ شُرِطَ عليهم الانتقاضُ بفِعله أو لم يُشترط، قالوا: وإنما يُحملُ اشتراطُ النَّقْضِ بمثل هذا على
стр. 565
الإرهاب والتخويف، فلا يجب في ذلك على كلِّ حالٍ إلا التعزير (١) .
فأقول: أما إذا لم يشترط عليهم الانتقاض به فهو ظاهر، وأما إن كان اشترط عليهم في عهدهم أنهم إن أظهروا شيئاً من ذلك؛ فلا ذِمَّة لهم، وقد عادوا بذلك حرباً، فالوجه: أنَّ ذلك على ما شُرِطَ، وهو ظاهر ما في كتاب عُمَر -رضي الله تعالى عنه- في عَقْدِهِ الذِّمة لنصارى الشام؛ لأنه قال في آخره، بعد أن ذكر فيه هذه الشروطَ المعدودةَ في الضَّربِ الثَّاني وغيرها: «فإن خالفوا شيئاً ممَّا شرطوه، فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشِّقاق» (٢) .
ومما يدل على صحة هذا المذهب: ما فعله رسول الله ﷺ من قتل ابني أبي الحُقيق، وسَبي ذريتهما، حين شرط عليهما استباحة ذلك منهما إن كتماه (٣) .
وأيضاً؛ فإنَّ العهد الذي به حرم ذلك منهم، لم يتناول إلا ما وافق صفته وشَرْطَه، فإذا خالفوا شيئاً من ذلك، وقد كان اشترط عليهم
أنْ لا عهدَ لهم إذا خالفوا شيئاً من ذلك؛ فلم يبقَ لهم عهدٌ كالحربي، والله أعلم.
مسألة
إذا نبذَ أهل الذِّمَّة العهد إلى المسلمين، فإنهم لا يغتالون، ويلحقون بالمأمن عند الشافعي قولاً واحداً (٤) ، فإن خرجوا من غير أن يُعلموا بذلك، وهربوا إلى بلاد الحرب، فقد قيل: إن كان ذلك من ظلمٍ أو جورٍ رَكِبَهم مما يُعرفُ عُذْرهم فيه لم يُعدَّ ذلك نقضاً، ولم يُستباحوا في نفسٍ ولا مال، وهو إمّا أن يُخلَّى سبيلُهُم، أو يُعادوا إلى