← Фикх общий

Фикх общий · id 1449

الإنجاد في أبواب الجهاد

ابن المناصف

Полный текст (664 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

تعمَّد إيقاعها والتكشف عليها؛ رُوي ذلك مفسراً في بعض القصة. وكذلك قال قومٌ في قطع الطريق، وفي القتل الموجب مثله للقصاص بين المسلمين: أنَّ كل ذلك يُعَدُّ نقضاً من فاعله. وقال قوم (١) : لا يُعدُّ نَقْضاً، وإنما فيه إجراء حكم المسلمين عليه في حَدِّ الحرابة والقتل. وقال الأوزاعيُّ (٢) فيمن آوى عيون أهل الحرب، أو خبَّر بعورة المسلمين: ذلك نقضٌ، فإن شاء الوالي قتَلَهُ، وإن شاءَ صلبَه. ونحوه يُروى عن بعض المالكية (٣) ، ولم يره الشافعي وأبو حنيفة (٤) نقضاً، وقال الشافعي (٥) : يُعَزَّرُ ويُحبسُ عقوبة.

стр. 562

وكلُّ ما ذكرنا مما فيه الخلافُ، هل يُعَدّ نقضاً أو لا؟ فالخلاف فيه إذا عُدُّ نقضاً: هل يُغتالُ، أو يُرَدُّ إلى مأمنه؟ والأرجح -إن شاء الله- في كل ما كان فيه طعنٌ في الدِّين، وكان مما لا يَدينون به في مِلَّتهم؛ أن يُعَدَّ ذلك نقضاً يُستباح فاعله، قال الله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] . فأمَّا إن كان مما يدينون باعتقاده، كقولهم في المسيح وعزيرٍ ونحو ذلك، فلم يجرِ مَجرى قصد الطّعن؛ فلا يدخل في ذلك، والله أعلم. وكذلك الأرجح فيمن فعلَ ما يُعدُّ نَقضاً أن يُغتال، ولا يجب رَدُّهُ إلى مأمنه؛ لأنه بعد نقضه العهد لمْ تَبقَ له حُرمةٌ فيه، ولا شُبْهَةُ حُرمةٍ يتعلَّقُ بها أمان، بخلاف من يتوقع منه خيانة وهو لم يفعل بعد، فذلك هو الذي يُنبذُ إليه، ويردُّ إلى مأمنِه، أوما كان في معناه، وكذلك فِعلُ عُمَرَ حين أمر بصَلبِ العلْج الذي تعمَّد كشف المرأة المسلمة، ورُوي مِثلهُ عن أبي عبيدة بن الجراح، أنّه قتل نصرانياً استكره مسلمة على الزِّنى، ولم يَردَّه إلى مأمنه (١) . ورُوي عن رسول الله ﷺ في صلح أهل خيبر على أموالهم، وأن لا يكتموا منها شيئاً: أن الربيع وكنانة ابني أبي الحُقيق (٢) كتماه بعضَ ذلك، قال ابن عباس: فقدمهما رسول الله ﷺ ، فضرب أعناقهما، قال:

стр. 563

ثم بعث إلى ذريتهما، وأُتِيَ بصفيّة، ذكره ابن المنذر (١) . ورواه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (٢) ، عن علي بن مَعبد، عن أبي المليح،

стр. 564

عن ميمون بن مهران، قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل خيبر، ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلةً، وإنَّ أهل الحصن أخذوا الأمان على أنفسهم، وعَلى ذراريهم، وعلى أن لرسول الله ﷺ كل شيءٍ في الحصن، قال: وكان في الحصن أهلُ بيتٍ، فيهم شدّةٌ على رسول الله ﷺ وفُحشٌ، فقال رسول الله ﷺ : «يا بني الحُقيق (١) ، قَد عرفتم (٢) عداوتكم لله ولرسوله، ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيكم ما أعطيت أصحابكم، وقد أعطيتموني أنكم إن كتمتم شيئاً، حَلَّت لنا دماؤكم. ما فَعَلت آنيتكم: فلان وفلان؟» . قالوا: استهلكناها في حربنا. قال: فأمر أصحابه، فأتوا المكان الذي فيه الآنية، فاستثاروها. قال: ثم ضُرِبت أعناقهم. فهذا كلُّه ليس في شيءٍ منه الرَّدُّ إلى المأمن، فلا يجب ذلك، والله سبحانه أعلم. وأما الضرب الثاني: وهو ما لا يُعدُّ من أفعال أهل الذِّمَّة نقضاً، وإنما يستوجبون به التعزير والعقوبة، فمثل: إظهار الخمر والناقوس، والإعلان بمعتقدهم في المسيح، وغير ذلك مما لا يباح لهم، وليس من أقسام الضرب الأول، التي هي مُنحصرة في ثلاثة معانٍ: ما يرجع إلى منافاةِ العقد، والطَّعنِ في الدِّين، والإضرارِ بالمسلمين. وزعمت الشافعية: أنّ هذا الضرب الثاني لا يُعدُّ نقضاً، وسواءٌ شُرِطَ عليهم الانتقاضُ بفِعله أو لم يُشترط، قالوا: وإنما يُحملُ اشتراطُ النَّقْضِ بمثل هذا على

стр. 565

الإرهاب والتخويف، فلا يجب في ذلك على كلِّ حالٍ إلا التعزير (١) . فأقول: أما إذا لم يشترط عليهم الانتقاض به فهو ظاهر، وأما إن كان اشترط عليهم في عهدهم أنهم إن أظهروا شيئاً من ذلك؛ فلا ذِمَّة لهم، وقد عادوا بذلك حرباً، فالوجه: أنَّ ذلك على ما شُرِطَ، وهو ظاهر ما في كتاب عُمَر -رضي الله تعالى عنه- في عَقْدِهِ الذِّمة لنصارى الشام؛ لأنه قال في آخره، بعد أن ذكر فيه هذه الشروطَ المعدودةَ في الضَّربِ الثَّاني وغيرها: «فإن خالفوا شيئاً ممَّا شرطوه، فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشِّقاق» (٢) . ومما يدل على صحة هذا المذهب: ما فعله رسول الله ﷺ من قتل ابني أبي الحُقيق، وسَبي ذريتهما، حين شرط عليهما استباحة ذلك منهما إن كتماه (٣) . وأيضاً؛ فإنَّ العهد الذي به حرم ذلك منهم، لم يتناول إلا ما وافق صفته وشَرْطَه، فإذا خالفوا شيئاً من ذلك، وقد كان اشترط عليهم أنْ لا عهدَ لهم إذا خالفوا شيئاً من ذلك؛ فلم يبقَ لهم عهدٌ كالحربي، والله أعلم. مسألة إذا نبذَ أهل الذِّمَّة العهد إلى المسلمين، فإنهم لا يغتالون، ويلحقون بالمأمن عند الشافعي قولاً واحداً (٤) ، فإن خرجوا من غير أن يُعلموا بذلك، وهربوا إلى بلاد الحرب، فقد قيل: إن كان ذلك من ظلمٍ أو جورٍ رَكِبَهم مما يُعرفُ عُذْرهم فيه لم يُعدَّ ذلك نقضاً، ولم يُستباحوا في نفسٍ ولا مال، وهو إمّا أن يُخلَّى سبيلُهُم، أو يُعادوا إلى

стр. 566

ذمتهم، ويُزال الظلم عنهم، وكذلك لو أُشكِلَ أمرهم، ولم يُعرفْ صدقهم مِنْ كذبهم إذا ادَّعَوا ذلك؛ فلا يُستباحوا، حتى يتبيَّنَ أنهم نَقَضُوا أَشَراً، على غير شيءٍ من تحت إمام عادل. رُوِي ذلك عن ابن القاسم وأصبغ (١) . قال أبو الوليد بن رشد (٢) : وذلك صحيحٌ على مذهب مالكٍ وأصحابهِ، وقال غيره (٣) : بل لا عُذرَ لهم إذا خرجوا إلى بلاد الحرب ونقضوا، وإن كان ذلك من جور أو غيره؛ لأنهم لم يعاهدوا على مثل ذلك، كأنه يعني: أنَّ عليهم أن يرفعوا أمرهم إلى الإمام إن رَجوا عنده زوالَ ذلك، أو ليأذن لهم في التحول. قال اللخمي: لأنهم رَضُوا بِطرح ما عُقِدَ لهم، وإسقاطِ حَقِّهم فيه. مسألة إذا نقض أهل الذمة العهد وقاتلوا، فظفر بهم المسلمون، ففي استباحة نسائهم وذراريهم بالسبي خلاف، فعن مالكٍ وجميع أصحابه: أن أهل الذمة قد صاروا بذلك حرباً: يسبون ويقتلون، إذا لم يكن عذر من ظَلامَةٍ أو جَوْرٍ، وخالفهم أشهب؛ فمنع السِّباء، قال: لا يعود الحرُّ إلى الرِّقِّ أبداً، قال أبو الوليد بن رشد في «شرح مسائل العتبية» (٤) : «ما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر؛ لأن الحرية لم تثبت لهم بعتاقةٍ من رقٍّ متقدم، فلا ينتقض، إنما تركوا على حالهم من الحرية التي كانوا عليها آمنين؛ بما بذلوه من الجزيةِ على شرطها ما بذلوها، فإذا منعوا الجزية، لم يَصِحَّ لهم العوض، وكان للمسلمين الرجوع فيه، وذلك -أيضاً- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم يَفُوا بها، انتقض

стр. 567

الصلح» . وذكر احتجاج ابن الماجشون لذلك بما فعل النبي ﷺ في سبي قريظة وغيرهم، فزعم أن لا حجة في ذلك؛ لأن الذي كان بين النبي ﷺ وبني قريظة وغيرهم من اليهود، إنما كان مهادنةً وهم في بلادهم، لم يكونوا كأهل الذمة الذين غُلِبوا، فأقِرُّوا تحت ملكة المسلمين على أداء الجزية (١) . فأقول: أمّا ما احتج به أبو الوليد على أشهب في أول كلامه فصحيح، وأما ردُّه على ابن الماجشون فيما احتج به ابن الماجشون من سبي قريظة، فغير مستقيم، بل هوحجةٌ بيِّنةٌ كما ذكر ابن الماجشون وغيره. خرَّج مسلم (٢) عن ابن عمر، أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأَقَرَّ قريظة، وَمَنَّ عليهم، حتى حاربته قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقَسَم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. وإذا ثبت أن أهل الذمة الذين ضربت عليهم الجزية لم يكونوا عبيداً أُعتقوا، كما أقرَّ به أبو الوليد (٣) ، وجعله حجته في الرَّد على أشهب؛ فأيُّ فرقٍ بينهم وبين كلِّ من له عهد سواهم في (باب: النقض، وما يستحقه الناقض للعهد من العقوبة والقتل والسبي) ، وهم سواء في أصل الكفر ونكث العهد؟! ثم هو -أيضاً- قد سوَّى بينهم في كلامه في (باب: النقض) وقاسهم على أهل الصلح، حيثُ قال (٤) : «وذلك -أيضاً- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم يفُوا بها، انتقض

стр. 568

الصُّلح» . فكيف يُفرِّقُ بينهما في الحكم بعد أن ساوى في المعنى وهو النكث؟! هذا ما لا خَفَاءَ باستوائهما فيه؛ لأنه بالنَّكثِ يعود الجميعُ حَرْباً، وإنما يختلفون في حكم الجزية من الأداء المحدود على الشروط المشروعة، كما أنَّ المهادنة -أيضاً- قد تختلف الشروط فيها -أيضاً-، وأصلُ العهد واحدٌ، وإنما الكلام في حكم النَّقض الذي هو واحدٌ في جميع ذلك؛ فسَبيُ قُريظةَ في هذا الباب أصلٌ، كما ذهبَ إليه ابن الماجشون (١) وغيره (٢) . وكان أحمد بن حنبل يقول في ذراري أهل العهد إذا نَقَضوا: كلُّ مَنْ وُلِدَ بعد النَّقْضِ يُسْبَوْن، ومن كان قبل ذلك لا يُسْبون (٣) . وهذه التفرقة منه وإن أدَّى إليها نَظرٌ يُستشعرُ صوابه، فالقاضي عليه: ما ثَبتَ من فِعل رسول الله ﷺ ، وسَبيه جميعَ ذُرِّيةِ النَّاقضين، مِمَّن تقدم منهم على النقضِ أو تأخر، وكان الذي يظهر من معنى ذلك -والله أعلم-: أنَّ السَّبْيَ من النِّساء والذرية لمَّا لم يكن حُكمهم القَتْل، صاروا في باب عَقْد الأمان تَبَعاً للرجال كالمال، فإذا اسْتُحِقَّ دِماءُ رجالهم فقتلوا، سقط الوجه الذي كان وجبَت به الحرمة لهم، فاسْتبيحَ ما كان تحت أيدي رجالهم من أهلٍ ومال. وقال ابن القاسم في أهل الذمة إذا نقضوا وحاربوا: إنَّ مَنْ عُلِمَ منهم أنه مغلوبٌ على أمره، وأنه لم يُعنْ، مثل الضعيف والشيخ الكبير

стр. 569

الزمن، فلا أرى أن يستباحوا بقتلٍ ولا استرقاق، وأما الذرية -يعني ذرية الناقضين منهم- فيُسْتَرَقُّون (١) . ففرَّق ابن القاسم بين الذُّرِّيَّة، وإن كانوا لا يوجد منهم قتال، ولا إعانة في نقض، وبين من علم أنه مغلوب من الرجال، إنما أرى (٢) ذلك -والله أعلم- لأنَّ الذريةَ تَبَعٌ في الحكم لرجالهم الذين نقضوا كما تقدم، وليس كذلك من له حكم نفسه من الرجال، فإنَّ أحداً لا يؤخذ بجريرة أحد، وكذلك يجب أن يكون الحكم في ذراري هؤلاء المستضعفين من رجالهم، الذين عُلِمَ أنهم لم يكن منهم في ذلك النقض عملٌ ولا رِضىً، فلا يباح سَبْيُ ذراريهم؛ لأنهم تَبعٌ في الحكم لهم، وإنما تكلَّم ابن القاسم على ذراري الناقضين دونهم، وقال غيره من أصحاب مالك، منهم ابن الماجشون (٣) وغيره (٤) : «إنَّ نَقْضَ كبارهم يُعَدُّ نقضاً عليهم، كما أن صُلحَهم صُلحٌ عليهم» ، فلم يفرقوا بين المستضعفين وغيرهم، وحملوهم في ذلك محمل الذرية. قال أبو الوليد بن رشد (٥) : لا ينبغي أن يختلف فيهم إذا عُلم أنهم مغلوبون ومُكْرَهون غير راضين؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧] ، ويحمل الخلاف على من جُهِل أمره، وادَّعى الإكراه. وقال الأوزاعي (٦) : أهل العهد لا تؤخذ العامة منهم بنقض الخاصة، وقاله

стр. 570

أبو عبيد (١) ، وجماعةٌ من أهل العلم (٢) ، قال أبوعبيد: «إلاَّ أن يكون ذلك بممالأةٍ منهم، ورضىً بما صنعت الخاصة؛ فهناك تحل دماؤهم» . وقال سفيان بن عيينة (٣) : «الذي انتهى إلينا من العلم أنَّ من نقض شيئاً مما عوهدوا عليه، ثم أجمع القوم على نقضه، فلا ذمة لهم» . وَذَكَر أهلَ مكةَ ونَقْضَهم، وقال: «لا نعلم رسول الله ﷺ عاهد قوماً فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة: فإنه مَنَّ عليهم، وإنما كان نَقضُهم الذي استحلَّ به غزوهم: أن قاتلت حلفاؤهم مِنْ بني بكر، حلفاءَ رسول الله ﷺ من خزاعة، فنَصَر أهلُ مكةَ بني بكر علىحلفائه؛ فاستحلَّ بذلك غَزوهم» (٤) .

стр. 571

فإذا تقرر ذلك، فالناقضون على ثلاثة أحوال: إمّا أن يُعلم تمالؤهم ورضاهم به، فهؤلاء يستباح جميعهم بلا خلاف، وإما أن يُعلمَ من نَقَضَ بعينه، وأنَّ من سواه -أو قوماً بأعيانهم- لم يعاون، ولم يَرْضَ بفعل من نقض؛ فلا ينبغي أن يُستباح من لم يرض منهم بحال. قال الله -تعالى-: ﴿كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: ٢١] . وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧] . والثالث: أن يُشكل الأمر: فلا يُعرف من نَقَضَ منهم مِمَّن لم يَنْقُضْ، فهذا موضع النظر ومحلُّ الخلاف، والله أعلم. مسألة اختلف أهل العلم في الواجب في حكم من قتل ذمياً ظلماً، فذهب أبو حنيفة وأصحابه وابنُ أبي ليلى وعثمانُ البَتِّيُّ إلى أن المسلم يُقتلُ بالذِّمِّي (١) ، وهو قول الشعبي وإبراهيم النخعي (٢) . وذهب

стр. 572

الأوزاعي (١) ، ومالك (٢) ، والشافعي (٣) ، والليث، والثوري، وأحمد (٤) ، وإسحاق،

стр. 573

وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود (١) ، وغيرهم (٢) ، إلى أنه لا يُقْتَلُ مؤمن بكافر، إلا أن مالكاً والليث قالا (٣) : إن قتله قَتْلَ غِيلةٍ قُتِلَ به، وقَتلُ الغيلة عندهم: أن يقتله على ماله، لا يقتله لنائرة (٤) ، ولا عداوة؛ كأنهم رأوا فِعله ذلك كفعل المحارب، فرأوا قتله واجباً كحدٍّ الحرابة، ولهذا لم يرَ مالكٌ (٥) لوليِّ دَمِ مَنْ قُتِلَ غيلةً أن يَعْفُو عنه، وجعل قتله لازماً على كل حال. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور: أن لا يقتل المؤمن بالكافر؛ لأن دماء

стр. 574

المسلمين معصومةٌ بيقين، فلا يُقْدَمُ عليها إلا بيقين، ولم يأذن الله -تعالى- في القَودِ من المسلم إلاّ بمسلم، قال -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله - تعالى-: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، فإثبات الأخوة بين القاتل والمقتول، أو القاتل والوليّ -على الخلاف في تأويل عود ذلك- دليل لا يُشْكِلُ أن كليهما من المسلمين، وكذلك ذكر القصاص ظاهر في ذلك؛ لأنه يقتضي المساواةَ في الدِّين، فالقَود من المسلم لا يستباح بغير المسلم، وقد جاء ذلك -أيضاً- نصّاً. خرَّج أبو داود (١) عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم، ويردُّ مُشِدُّهم على مُضعفهم، ومُتسرِّيهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده» . وفي كتاب البخاري (٢) ، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما أعلمه، إلا فهم يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة (٣) . قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.

стр. 575

فهذا نصٌّ في ذلك. ولأبي حنيفة وأصحابه في ذلك تأويلات ليس هذا موضع النظر فيها، وربما تعلَّقوا فيما ذهبوا إليه برواية لا تثبت، وأقيسة فاسدة (١) . قال ابن المنذر: لا يصح عن النبي ﷺ خبر يعارض ما ثبت من قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» . وكان مما احتج به الشافعي عليه من طريق النظر: أنه لا خلاف في أن المسلم لا يقتل بالحربي المستأمن، فكذلك الذمي؛ لأنهما في تحريم القتل سواء. وأما قول مالك في أنه يقتل المسلم إذا قتله غِيلَةً؛ فيأتي (٢) عليه عموم قول النبي ﷺ : «لا يقتل مؤمن بكافر» . فالأرجح: أنه لا يقتل؛ للأدلة المتقدمة؛ ولأنه لم يأت في ذلك تخصيصُ غِيلَةٍ ولا غيرها، وليس حمله على حكم المحارب بشيء؛ لأنَّ المحارِبَ له شروط لا يستحق اسمَ الحرابة إلا بوجودها، وهذا لم يوجد ذلك منه، فلم يكن له حكم المحارِب، وقد كان يلزم من جَعَلَ له حكم المحارب -وكان من مذهبه التخيير في عقوبات المحارب- أن يجيز ذلك منه، وهو ما لا يقول به. فإن قيل: لا يكون التخيير في محارب قتل في حرابته؛ لأنه يُقتل باتفاق؛ فسقط ما عداه! قيل: الساقط بانحتام القتل شيئان: القطع والنَّفي، فيبقى التخيير بين القتل والصلب، وذلك يلزمهم لا محالة (٣) .

стр. 576

وإذا تقرر أن المسلم لا يقتل بالذمي، فلا خلاف في أن فعله ذلك كبيرة من الكبائر. خرّج البخاري (١) ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهداً لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً» . وأوجب العلماء الذين لم يروا قتل المسلم بالذمي على قاتله المسلم دِيَّتَه، واختُلِف في دِيّتِه؛ فقال قوم: دية الكافر المعاهد إذا وجبت كدية المسلم سواء، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (٢) ، وقاله الشعبي والنخعي وسفيان (٣) ، وسواء كان

стр. 577

عندهم يهودياً، أو نصرانياً، أو مجوسياً (١) . وقال مالك (٢) وأحمد بن حنبل (٣) ، في اليهودي والنصراني: ديته نصف دية المسلم. وقال الشافعي وأبو ثور وإسحاق (٤) : ديته ثلث دية المسلم. واتفق مالك والشافعي وأحمد وإسحاق على أن دية المجوسي ثمان مئة

стр. 578

درهم (١) . واحتج الزهري على أن دية المعاهد كدية المسلم بقوله -تعالى-: ﴿ ... وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَة﴾ [النساء: ٩٢] (٢) . قال الكوفيون: فَذِكْرُهُ بعد ذكر دية المؤمن يجعلهما سواء في الدية والكفارة، واستدلوا على أنه يراد به من كان له عهدٌ من الكفار: أنه لو أريد به المؤمن، لَوَصَفَهُ الله -تعالى- بذلك، كما قال -سبحانه-: ﴿ ... فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ ... ﴾ [النساء: ٩٢] (٣) . وخرّج الترمذي (٤) ، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ وَدَى العامريين بدية المُسلمين، وكان لهما عهد من رسول الله ﷺ . قال فيه: حديث غريب. ومستند مَنْ رأى أن دية الكافر على النصف من دية المسلم: ما خرجه الترمذي (٥) -أيضاً- من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ

стр. 579

قال: «دية عقل الكافر نصف دِيةِ (١) عَقلِ المؤمن» (٢) . *****

стр. 580

الباب العاشر في المرتدين، والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم قال الله ﵎ في الحد المنتَهَى إليه من قتل الكفار وقتالهم: ﴿ ... فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] ، وقال -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] ، وقال -تعالى-: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] . وخرّج مسلم (١) ، عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : «أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه؛ عصموا منِّي دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله » . وخرَّج -أيضاً- (٢) عن أبي بَكْرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... » الحديث. وفيه قال: «فإن دماءكم

стр. 581

وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفاراً -أو: ضلالاً- يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهدُ الغائب» . فالكتاب والسنة والإجماع على عصمة دم المسلم وتحريمه، لا خلاف في ذلك بين الأمة، إلا أن يأذنَ الشرع في شيء من ذلك؛ لحقٍّ أوجبه؛ فيكون ذلك مستثنىً من عموم ما تقدم. وقد جاء من تخصيص ذلك في الكتاب والسنة ما أوجب المصير إليه، والاقتصار عليه. قال الله -تعالى-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١، الإسراء: ٣٣] . وخرَّج مسلم (١) في حديث جابر عن رسول الله ﷺ : « ... فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . ففي قوله -تعالى-: ﴿إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ، وقوله ﷺ : «إلا بحقِّها» بيانٌ أن هناك أشياء تبيح ذلك منه، إذا هو ارتكبها بعد الإيمان، وإن كان لفظ الحق ها هنا مجملاً؛ فقد جاء مفسراً: منه في القرآن، ومنه في السُّنة الصحيحة. قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . وبيَّن -تعالى- وجه الحكمة، وموقع النعمة في ذلك بقوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . وتواتر عن رسول الله ﷺ إيجاب قتل الزاني المحصن، رَجْماً بالحجارة (٢) ، والأمر بقتل من رجع عن الإسلام (٣) ؛ فكان ذلك كله مبيِّناً للحق الذي استثناه الله

стр. 582

- . وخرَّج مسلم (١) ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «والذي لا إله غيره! لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام، المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والنفس بالنفس» . ورواه -أيضاً- عن عائشة (١) ، عن النبي ﷺ ، بمثله. فكان ظاهرُ هذا الحديث حصْرَ الحق المستثنى في الثلاث، فتعلَّق بذلك قوم، وأَلْحَق آخرون بهذه ما أوجبه نصٌّ آخر ودليلٌ بيّن، واحتمل أن يكون تعيين هذه الثلاث بالحصر؛ لأنها أمهاتٌ، وقواعدُ في الشرع بَيِّنات في حفظ الدين والدماء والأنساب، وقد تقرر في الشرع تقرر التواتر بيان حكمها، وتمييز أنواعها، فلم يكن إقدام الحاكم في تنفيذ الحكم فيها يفتقر إلى نظرٍ وكشفٍ واستفسار، فكأنه قال: الحلُّ البيِّنُ الذي لا يخفى عليكم، ولا يشكل على نظركم، ونحو هذا مما يقع فيه الفرق بين هذه الثلاث وغيرها، وإلا فقد رويت آثار صحاح بإيجاب القتل في أحداثٍ غير هذه؛ من ذلك: ما خرَّجه مسلم (٢) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما» . وخرَّج -أيضاً- (٣) عن عرفجة، عن النبي ﷺ : «من أراد أن يُفَرِّقَ أَمْرَ هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائناً من كان» . وقاتل أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- مانعي الزكاة بمحضرِ الصحابة وموافقتهم (٤) ، فكان كالإجماع.

стр. 583

فدلَّ ذلك كلُّه على أنه تفسير للحق الذي استثناه الله -تعالى- في كتابه، وعلى لسان رسول الله ﷺ ، وحيث ما وجد دليل من الشرع، وجب الانتهاء إليه، ما لم يدل دليل آخر على نَسْخِه وتخصيصه، وما أشبه ذلك من الوجوه التي يجب المصير إليها. وعند تصفح هذه الأحداث الأُخر، التي جاء وجوب القتل فيها -أيضاً-؛ يتبين لك الفرق في الوضوح، والتمييز للناظر بينها وبين الثلاث التي أفردت عنها في الحديث الذي ظاهره الحصر؛ وذلك: أن قتل الذي بويع له ثانياً يفتقر إلى نظر وتأمل: هل كان قصد بذلك الخلاف على الأول، أو لم يكن علم ببيعة الأول، أو كان هو أحقَّ من الأول، أو كان بينهما من المسافةِ في الأرض وبُعْدِ البلاد ما لا يدركه نظر الأول، أو لم يعثر عليه حتى مات الأول؟ وكذلك من خرج على الناس، وأمرهم جميع، يحتمل أن يكون متأوِّلاً، فيجب أن يُبيَّنَ له، أو يكون مظلوماً، فيجب أن ترفع ظلامته، وما كان من نحو هذا، وكذلك ما وقع من النظر والاجتهاد في مانعي الزكاة، وكذلك فيمن ترك الصلاة، فكل واحدٍ من هذه يفتقر في تمييز نوعه الذي يجب القتل به، من غيره الذي لا يجب فيه إلى حالات واجتهادات يغمض معها دَرْكُ الثقة باستحلال القتل، فبذلك فارقت معنى الثلاث الأول، فكان حصر الحِلِّيَّةِ فيها مُشعراً بوجوب النظر والتثبت فيما عداها مما أحله الشارع -أيضاً-؛ لافتراق وجوه التمييز في الاستحلال، والله أعلم. ولما كان هذا الباب مختصّاً بقتال المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي، وكلهم إمَّا مسلم في الحال، أو قد تقدم له اعتصام بالإسلام، وجب تقديم هذا الأصل، وتمهيد هذه القاعدة، ثم نعود إلى تفصيل القول في ذلك، بحسب ما وضع له هذا الباب، وهو يشتمل على ثلاثة أصناف: المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي. فلنُقَسِّم القول فيه على ثلاثة فصول:

стр. 584

الفصل الأول: في أحكام المرتدين قال الله : ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] . ففيه دليل على وجوب قتلهم، ورفع احترام ما كان أوجبه الإيمان لهم. وثبت أن رسول الله ﷺ قال: «من بدَّل دينه فاقتلوه» (١) . خرَّج البخاري، عن عكرمة، أن عليًّا حرَّق قوماً، فبلغ ابنَ عباس، فقال: لو كنت أنا، لم أُحرِّقْهُم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ، ولقتلتهم، كما قال النبي ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٢) . وخرَّجه الترمذي (٣) ، وقال فيه: إن عليّاً حرَّق قوماً ارتدوا عن الإسلام ... بمثله (٤) . وزاد في آخره: فبلغ ذلك عليّاً، فقال: صدق ابن عباس. وهو إجماع المسلمين: أن الرجل البالغ العاقل، إذا كان ممن اتصف بالإيمان، ثم ارتدَّ مختاراً، غير مكره، فاستُتيب فلم يتب، واسْتُؤْنِيَ به فلم يُقْلع؛ أنه مباح الدم (٥) .

стр. 585

واخلتفوا من ذلك في ثلاثة مواضع: أحدها: هل يستتاب المرتد قبل القتل، أو يقتل بنفس الردَّة؟ والثاني: هل حكم المرأة في القتل بالردَّة حكم الرجل أو لا؟ والثالث: في لواحق أحكامه: في ميراثه، وأولاده، وجناياته حال ارتداده. فصل فأما اختلافهم في استتابة المرتد، فلأهل العلم في ذلك قولان مشهوران: قول: إنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن عمر (١) ،

стр. 586

وعثمان (١) ، وعلي (٢) ﵃، وبه قال عطاء والنخعي (٣) ، وإليه ذهب مالك (٤) ،

стр. 587

والشافعي (١) ، وأصحاب الرأي (٢) ، والثوري (٣) ، والأوزاعي (٤) ، وأحمد (٥) ، وإسحاق، وغيرهم (٦) .

стр. 588

وقول: إنه يقتل بنفس الردة، ولا يستتاب، روي ذلك عن طاوس، وعبيد بن عمير، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة (١) ، وقال أبو محمد بن حزم (٢) : تضرب عنقه، سواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع، سواءٌ أعلن بالردة أو أَسَرَّ بها وجحدها، متى قامت عليه بذلك بيِّنةُ عدلٍ، إلا أنه إن رجع إلى الإسلام؛ غُسِّل وكُفِّنَ وصَلَّى

стр. 589

عليه المسلمون. وفيه قول ثالث يعزى إلى عطاء -أيضاً-: أنه إن كان مسلماً ممن ولد في الإسلام ثم ارتد؛ قتل ولم يستتب، وإن كان مشركاً، ثم أسلم، ثم ارتد، استتيب (١) . فدليل من رأى استتابته، ولم يَرَ قتله بمجرَّد الرِّدة: قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] مع ما دلَّ عليه مفهوم الخبر، وأنّ القتل إنما وجب بحال، فإذا تاب وراجع الإسلام؛ ارتفع حكم القتل، كالكافر الأصلي، وقول الله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، وهو يَعُمُّ كلَّ كافر كان منه إيمان قبل ذلك، أو لم يكن. ودليل من أوجب القتل بنفس الارتداد: ظاهر الخبر في تعليق حكم القتل على وجود الردة، فإذا وجب القتل؛ لم يندفع إلا بحكم الشرع وتوقيفه في ذلك. خرَّج مسلم (٢) ، عن أبي موسى، عن رسول الله ﷺ ، فذكر حديثاً طويلاً في كراهية طلب العمل، وقول النبي ﷺ : «لا نسْتعمل على عملنا مَنْ أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيس-، فبعثه إلى (٣) اليمن، ثم أتبعه معاذ ابن جبل، فلمّا قدم عليه، قال: إنزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثوق (٤) ،

стр. 590

قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديّاً فأسلم، ثم رجع إلى دينه (١) دينِ السَّوْءِ فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقْتَل! قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات-» ، فأمر به فقتل. فكان ظاهر قوله: «حتى يقتل، قضاء الله ورسوله» ، وقول أبي موسى له: «نعم» ، ثم أمر به فقتل، ولم يعرض لاستتابته، أنه كذلك قضى رسول الله ﷺ . وفيه الرَّد على من فرَّق بين المرتدِّ الذي كان كافراً ثم أسلم، والمرتدِّ الذي ولد على الإسلام (٢) . وكأنَّ القولَ بالاستتابة أرجح؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، ولم يفرِّق بين كافر وكافر، وقوله -تعالى- في المنافقين: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً. مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٦-١٤٧] . والمنافقون: ممن آمن ثم كفر. وأمَّا حديث أبي موسى فليس بذلك الظهور فيما يُدَّعى من سقوط الاستتابة (٣) . ثم اختلف القائلون بالاستتابة في مدة التربص به، فقيل يستتاب مرة، فإن تاب وإلا قتل مكانه، وإليه ذهب الشافعي والمزني (٤) ، وقاله أبو بكر بن

стр. 591

المنذر (١) ، وغيره (٢) ، وقيل: يستتاب ثلاثة أيام (٣) ، فإن تاب وإلا قتل بعدها، روي ذلك عن عمر (٤) ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق (٥) ، واستحسنه مالك (٦) وأصحاب الرأي (٧) ، وقيل: يتَرَبَّصُ به شهراً، رُوي ذلك عن علي (٨) ، وقد قيل: إنه

стр. 592

يستتاب أبداً، رُوي ذلك عن النخعي (١) ، وليس لشيءٍ من ذلك دليل يوجد، إلا أن من تربص به، ومن مَدَّ في أَجَلِ التربص فبحسب الإعذار إليه، والاجتهاد في أمره، وما يرجوه من معاودته الإسلام. وأمَّا من زعم أنه يُستتاب أبداً؛ فخطأٌ ظاهر؛ لأنَّ فيه إبطالَ حكم الخبر الثابت، والأرجح أنْ يقتل مكانه إن لم يتب؛ لأن الخبر لا يقتضي التربص بظاهرٍ ولا مفهوم، والاستتابة نفسها إنما انتزعت من دليلٍ آخر، فإذا استتيب مرةً؛ فإن التربصَ فوق ذلك لا دليل عليه، فلم يلزم (٢) . فصل وأما اختلافهم في المرأة ترتد، ففي ذلك ثلاثة أقوال: قول: إنها كالرجل في ذلك، إن راجعت الإسلام وإلا قتلت، وإليه ذهب الجمهور: مالكٌ (٣) ،.............................................

стр. 593

والشافعي (١) ، والليثُ، والأوزاعي (٢) ، وأحمد (٣) ، وإسحاق. ومذهب أهل الظاهر أنها تقتل من غير استتابة، كالرجل عندهم (٤) . وقول: إنها تجبر على الإسلام ولا تقتل، وإليه ذهب أبو حنيفة (٥) .

стр. 594

وروي -أيضاً- عن ابن عباس: تُجبر. وفي روايةٍ: أنها تحبس ولا تقتل، ذكر ذلك الدارقطني مسنداً إليه من طرق (١) .

стр. 595

وقول: إنها تُسترقُّ ولا تُقتل. يروى ذلك عن علي (١) ، وبه قال قتادة والحسن البصري (٢) . فدليل الجمهور في وجوب قتلها كالرجل: عموم الخبر في قتل من بدل دينه، وهو لفظ يعمّ الرجل والمرأة. ومستند أبي حنيفة في أنها تجبر على الإسلام ولا تقتل: حمله على ما وقع النهي عنه من قتل نساء أهل الحرب بعلَّة الكفر، وهذا بعينه هو مستند القول الآخر في استرقاقها؛ لأن نساء أهل الحرب اللائي نُهي عن قتلهن، أبيح استرقاقهن بعلة الكفر، فمن ساوى بينهن (٣) من غير فرقٍ؛ قال بالاسترقاق، ومن رأى لموقع الإسلام المتقدم أثراً في تعلُّق الأحكام بمنع معاودة الكفر؛ قال: تُجبر على الإسلام، ولا تقتل، ولا تسترق. والأرجح أن لا فرق في شيء من ذلك بينها وبين الرجل، وأنها تقتل كما يقتل؛ لعموم الخبر، واستوائهما في الكفر بالردة. وأما النهي عن قتل النساء فشيء خاص في نساء أهل الحرب، إذا لم يكن

стр. 596

منهن حدثٌ يوجب قتلهن: من قتال، أو قَتلِ أحدٍ من المسلمين، وغير ذلك مما أثبته الشرع. فأما إنْ تعدَّيْنَ في مثل ذلك؛ فلا يمتنع القتل. خرَّج أبو داود (١) عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم -يعني بني قريظة- إلا امرأة، إنها لعندي تُحَدِّثُ، تضحك ظهراً وبَطْناً، ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق، إذْ هَتَفَ هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حَدَثٌ أحدثته. قالت: فانطُلِق بها فضربت عنقها. فليس النهي عن قتل النساء يراد به العموم والإطلاق؛ ألا ترى إلى قتل المرأة قوداً بالنفس؛ وحدّاً في الزنا؟ وكذلك الردّةُ، والله أعلم. فصل وأما اختلافهم في ميراث المرتد إذا قُتِل أو مات على رِدّته، ففي ذلك قولان

стр. 597

مشهوران: ذهبت طائفة إلى أنه يرثه ورثته من المسلمين، رُوي عن علي (١) ، والحسن البصري (٢) ،

стр. 598

والشعبي (١) ، وهو قول أبي حنيفة (٢) ، والليث وإسحاق (٣) . وذهبت طائفة إلى أنه لا حق لورثته في ميراثه، وإنما ماله فيءٌ لجماعة المسلمين، وهو قول مالكٍ (٤) ، والشافعي (٥) ،

стр. 599

وأبي ثور (١) ، وغيرهم (٢) ، وهو الأرجح، لما خرَّجه مسلم (٣) عن أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» . وهذا نص في ذلك. وفي المسألة قول ثالث: قال أبو محمد بن حزم (٤) : كل ما ظفر به من مال المرتد، فسواءٌ رجع إلى الإسلام أو لم يرجع؛ هو لجماعة المسلمين، وأما ما لم يظفر به من ماله قبل قتله؛ فهو باقٍ على ملكه: إن رجع إلى الإسلام؛ وَرِثه ورثته من المسلمين، وإن لم يرجع؛ ورثه ورثته من الكفار، إن كان له ورثة كفار، فإن لم يكونوا (٥) له؛ فهو لجماعة المسلمين. مسألة واختلفوا في حكم ولد المرتد، فقال الشافعي (٦) : ولد المرتد على حكم

стр. 600

الإسلام، فإن بلغوا فأبوا من الإسلام؛ قتلوا بعد أن يستتابوا، ولا تُسبى للمرتد ذرية، وقال الأوزاعي (١) : «إن كان تزوج في دار الحرب، ووُلد له، ثم راجع الإسلام؛ أُلحقت به ذريته، وَوُضِعَت امرأته في المقاسم، [وإن أبى أن يُسلم؛ وضعت امرأته وولدها في المقاسم] » . وقال أبوحنيفة (٢) : «إن ارتد رجل وامرأته عن الإسلام معاً؛ فهما على النكاح، فإن لحقا بدار الحرب، فحملت في دار الحرب فولدت، ثم ظُهر على ولدها؛ فهو فيء (٣) ، ويجبر على الإسلام إذا سُبي صغيراً، وإن وُلد لولدهما ولد، ثم ظُهر على ولد الولد؛ كان فيئاً، ولم يجبر على
следующие страницы →