← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إليه، وأعطاه الأمان، فلم تثق إليه نفسه لما تداخله من الفزع، ولم يردّ على الرسول جوابا، واجتمعوا على الأبواب فضربوا أبواب ماري قسطنطين بالنّار، [مقتل بطريرك بيت المقدس] ودخلوا منها إلى القيامة، وألفوها مغلقة، وأحرقوا أبوابها، وسقطت قبّة القيامة، ودخلوا الكنيسة ونهبوا ما قدروا عليه. وتوجّه الرعيّة إلى كنيسة صهيون وأحرقوها ونهبوها في اليوم بعينه، وذلك يوم الاثنين الذي قبل العنصرة، [وهو الثالث والعشرون من أيار سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين يونانية، لخمس ليال خلت من جمادى الأخرى سنة ٣٥٥] (١). وهدم اليهود وخرّبوا أكثر من المسلمين. فلمّا كان يوم الثلاثاء تالي (٢) ذلك اليوم التقوا البطريرك مختفيا في جبّ من جباب الزيت في كنيسة القيامة، فقتلوه وجرّوه إلى صحن مار قسطنطين وأحرقوه [بالنار على بعض العمد] (٣)، وصيّر بعده بطريرك آخر من أهل قيساريّة يسمّى حبيب، ويدعى (٤) خريصطودلس (٥)، فأقام أبواب كنيسة القيامة، ورمّم المذبح، وشرع في عمارتها، فعاجله الموت. وفي [زمن] (٦) رئاسة أنبا توما البطريرك أعاد ما انخرب وجدّده (واهتم بذلك رجل) (٧) كاتب نصرانيّ يعقوبي يسمّى عليّ بن سوار (٨)، ويعرف بابن الحمّار، فبنى قبّة القيامة. وكان هذا الرجل [قد وصل] (٩) مع أفتكين التركي من العراق عند تغلّبه على الشام، وكان ذا ثروة وحال واسع، وقتل

стр. 107

في هزيمة الحرب عند انهزام أفتكين، وكان ذلك قبل استكماله [عمارة] (١) القيامة، وأقيم على القيامة سنقل يعرف بصدقة بن بشر في أيام رئاسة يوسف وارستس (٢)، فعمل فيه الباسلكين وأكمل ما كان بقي وأتمّه (٣) إلاّ جمل (٤) مار قسطنطين لأنه كان عظيما جدّا، فبقي مكشوفا. [بناء قبّة كنيسة القيامة] وفي أيام تدبير أرسانيوس بطريرك الإسكندريّة لكرسي بيت المقدس بعد خروج أخيه أرستس (٥) إلى القسطنطينية عمل جمل ماري قسطنطين وأعيد إلى ما كان عليه، واستكملت الكنيسة (٦) بأسرها قبل خرابها الذي أتى عليها في صفر سنة أربعمائة للهجرة بمدّة قريبة. ... [الفداء بين سيف الدولة ونقفور] والتمس سيف الدولة من نقفور الملك المفاداة بمن عنده (٧) من المسلمين وبمن عنده أسرى من الروم، فأجابه إلى ذلك، وسار سيف الدولة من ميّافارقين إلى سميساط، وأقام الفدى (٨) أعلى شاطىء [نهر] (٩) الفرات في يوم الخميس مستهلّ رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وفادى بمحمّد بن ناصر الدولة وأبي (١٠) فراس وغيرهما من بني حمدان، وبالقاضي أبي الهيثم (١١) بن أبي الحصين، وزهير، وقطاس (١٢)، وغيرهم من بني غلمانه

стр. 108

ممن أسروه (١) الروم من بلاده، وكان أبو العشائر (٢) قد مات بالقسطنطينية في الحبس ودفع لهم [أعور حرم (٣) وابن بلبيطس] (٤) (٥) وجميع ما عنده من أسارى الروم (٦). ولما لم يبق عند سيف الدولة من الروم من (٧) يفادي به اشترى بقيّة أسرى المسلمين، وكان عددهم ثلاثة آلاف نفس (٨) بمائتي (٩) وأربعين ألف دينار رومية، وأجحف ذلك به (١٠)، وقصد جماعة ممن فادى بهم من المسلمين (دزبر (١١) الدّيلميّ) (١٢) وساروا (١٣) في جملته، [وقوع دزبر وابن الأهوازي في أسر سيف الدولة ومقتلهما] وانصرف سيف الدولة من الفدى (١٤)، ودخل/٩٦ أ/حلب وأقام بها ليلة واحدة، وخرج وهو عليل من الاسترخاء المعارض له، محمول (١٥) في قبّة ومعه قرغويه (١٦) الحاجب، فواقع دزبر (١٧)، وابن الأهوازي (١٨) في ضيعة في

стр. 109

طريق بالس (١) تعرف بسبعين (٢)، وانهزم أصحاب دزبر (٣)، وحمل هو وابن الأهوازي أسيرين في يد سيف الدولة، وحملهما إلى حلب، وقتلهما وقتل جماعة معهما (٤)، وولّى على أنطاكية تقيّ الدّين غلامه (٥). [خروج الروم إلى آمد] وخرج الروم إلى آمد، وقتلوا وأسروا عددا كثيرا، وانصرفوا إلى دارا وقربوا من نصيبين، وهرب أهلها خوفا منهم (٦). وتوجّه نقفور الملك إلى نحو الشام، وسار سيف الدولة إلى شيزر (٧). ونزل نقفور على منبج [يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوال من السنة] (٨)، واستدعى من أهلها القرميدة وأخرجوها إليه، فأخذها منهم وأكرمهم، ولم يعرض (٩) لهم بمكروه، ورحل عنها إلى وادي بطنان (١٠) وأخذ منه (١١) من الأسارى عددا كثيرا، وجاءت سريّة إلى بالس (١٢) وأخذت من

стр. 110

المدينة زهاء ثلاثمائة نفس. وسار الملك إلى قنّسرين (١)، وعاد ونزل على تيزين (٢) ففتحها وسبى أهلها، وفتح حصن أرتاح (٣)، وعبر بأنطاكية ونزل عليها [عشيّة يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة] (٤) وأرسل إلى أهلها في أن يسلّموا إليه المدينة ويؤمّنهم على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم، وأن يوصلهم إلى حيث أحبّوا آمنين، ولا يحوجوه إلى مقاتلتهم، فلم يجيبوه إلى ما أعرضه عليهم، وحاربهم سبعة أيام، وضاقت به العلوفة، ورحل في اليوم الثامن [من نزوله عليها] (٥) وعاد إلى بلد الروم [قافلا] (٦). [سيف الدولة يقرّب بطريرك أنطاكية اليه] وقصد خريصطوفورس بطريرك أنطاكية سيف الدولة إلى حلب فأحسن قبوله وشكره (٧) على ما فعله في (٨) بعده عن المخالفين عليه، وقدّمه وتخصّص به، ونقم سيف الدولة على شيوخ أنطاكية بسبب إخراجهم فتح غلامه وتسليمهم المدينة إلى رشيق النّسيميّ، وقبض عليهم وصادرهم، وتشفّع البطريرك إليه في بعضهم وتواسط أمرهم معه، فأجاب مسألته فيهم، وتوكّد (٩) في نفوسهم ممّا شاهدوا من تمكّن حاله عند سيف الدولة حسدا له وحقدا عليه.

стр. 111

[سنة ٣٥٦ هـ .] [وفاة سيف الدولة] ومات سيف الدولة بن عبد الله بن حمدان يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة، (وعمره أربع وخمسين سنة) (١) [شمسية] (٢) وسار غلامه تقيّ المقيم بأنطاكية إلى حلب (وأخذ (٣) تابوت سيف الدولة معه إلى ميّافارقين ليدفن هناك (٤)، وكان حريمه وولده مقيمين بها) (٥). ولما خرج تقيّ من أنطاكية اجتمع رأي أهلها على أن لا يمنّوا أحدا من الحمدانيّة من الدخول إليها، وولّوا أمرهم علّوش الكردي (٦). ... [قدوم محمد بن عيسى من خراسان إلى حلب] وورد إلى حلب رجل من أهل خراسان يسمّى محمد بن عيسى في زهاء خمسة آلاف، قاصدين غزو الروم، وساروا إلى أنطاكية ولقيهم أهلها أجمل لقاء فقويت نفوسهم بهم واتّفق رأي ثلاثة من شيوخ أنطاكية وأماثلها ممن كان البطريرك توسّط أمرهم (٧) وشفع فيهم عند سيف الدولة وهم (٨):

стр. 112

ابن مانك، وابن محمد، وابن دعامة على الإيقاع بخريصطوفورس (١) البطريرك، وتألّف العامّة عليه ليوقعوا به، ووقف على ما/٩٦ ب/همّوا به صديق للبطريرك من وجوه المسلمين يعرف بابن أبي عمر، وكشف له ما تحرّكوا (٢) عليه، وحدّثه به، وأشار عليه أن يأخذ لنفسه (٣) ويخرج من باب المدينة آخر النّهار، فإنه ما يصبح إلاّ وهو في أعمال حلب، ويكون قد تخلّص ممّا يحاذر (٤) من أعدائه، فشكره البطريرك على نصيحته إيّاه وأعلمه أنّه ينظر في أمره ويفعل ما يقتضيه الصّواب. [ابن مانك يقتل بطريرك أنطاكية ويستولي على مخلّفاته] واستقرّ رأي البطريرك (على) (٥) أنه يقصد ابن مانك لثقته (٦) بما بينهما (٧) من وكيد المودّة، فأرسله (٨) البطريرك يسأله الإذن له في المصير إليه واجتماعه به، فأجابه ابن مانك بجواب يحتجّ عليه فيه باشتغاله في وقته ذلك، وأنه إذا تفرّغ أنفذ فأعلمه. ولمّا تصرّم الثلث الأوّل من الليل وافى رسول (من) (٩) ابن مانك إلى البطريرك يستدعي حضوره إلى داره، فسار إليه ثقة (١٠) منه به ولقيه ابن مانك لقيا جميلا وقال له: ما بالك يا بطريرك (١١) وأنت واحد من أهل هذه البلد (١٢) ومساكن (١٣) تسيء الرأي فينا وتعمل علينا؟ فقال له البطريرك: وكيف ذلك يا سيّدي؟ فأجابه: لأنّك تكاتب الروم وتستنهضهم إلى قصدنا وتطمعهم فينا،

стр. 113

فحلف له البطريرك إنه ما كاتب الروم قطّ ولا كاتبوه، وسأله عن الدّليل على ما اتّهمه به، فنهض ابن مانك كأنّه يطلب كتابا، واستدعى قوما من الخراسانيين كان أعدّهم للإيقاع بالبطريرك، واستنفرهم عليه (١)، فوثبوا عليه بالخناجر (٢) وأقامه واحد منهم قائما، وضربه آخر بالخنجر فأنفذه في بطنه، فسقط إلى الأرض، ومع سقوطه قطع رأسه وطرح فى أتّون حمّام بجوار (٣) دار ابن مانك، وحملت جثّته وأخرجت في الوقت من باب المدينة وطرحت في النهر، وذلك في [ليلة الأربعاء] (٤) ثاني عشرين أيّار سنة ألف ومائتين وثمان وسبعين، وهو لعشر خلون من جمادى الأخرى سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة (٥). وأنفذ ابن مانك قبل الصبح قوما إلى كنيسة القسيان وقبضوا على ما وجدوه في منزل البطريرك وفي خزانة الكنيسة، وعاقبوا الخازن إلى أن أظهر لهم آنية كانت مستورة، وأخذوا (٦) الفضّة (والقماش) (٧) وغيره (٨)، ولم يتركوا غير النّحاس ومصاحف ليس بكثيرة، وأخذوا إليهم كرسيّ مار بطرس (السليح) (٩)، وهو كرسيّ من خشب النّخل مصفّح بفضّة، وحفظوه في دار شيخ من شيوخهم يعرف بابن عمر (١٠) ولم يزل في داره إلى أن ملكوا (١١) الروم المدينة، وبعد ثمانية أيام من قتل البطريرك ظهرت جثّته على جزيرة من

стр. 114

النهر، فخرج قوم من النّصارى وأخذوها سرّا ودفنوها في الدّير المعروف بارسانا (١) خارج (٢) المدينة. ولبث كرسيّ أنطاكية بعد قتل خريصطورفورس (٣) بغير بطريرك سنتين وتسعة أشهر. [أبو المعالي بن سيف الدولة يستولي على حلب] ووصل أبو المعالي (٤) بن سيف الدولة من ميّافارقين إلى حلب واستولى عليها، وعوّل على قرغويه (٥) الحاجب غلام أبيه على تدبير الأمور (٦). ... [وفاة معزّ الدولة ابن بويه] [ومات أمير الأمرا معزّ الدولة (٧) أحمد بن بويه (٨) الدّيلميّ بمدينة السلام في (٩) شهر ربيع الآخر سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة، وخوطب [بالإمارة] (١٠) /٩٧ أ/بعده لابنه عزّ الدولة أبي منصور بن بختيار، وقلّد الوزارة للعبّاس بن الحسن الشيرازي] (١١). ...

стр. 115

[وفاة كافور الإخشيد والخلاف بين الإخشيديّة] ومات كافور (١) الإخشيد (٢) الخصيّ صاحب مصر في (٣) جماد الأولى من السنة، ونصّب في الإمارة بعده بمصر أبو الفوارس أحمد بن علي الإخشيد، وكان طفلا عمره إحدى عشرة سنة، على أن يخلفه ابن عمّ أبيه الحسن بن عبيد الله بن طغج، وكان يومئذ بالشام، ويكون تدبير الرجال إلى شمول، وتدبير الأموال إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات (٤) [بن خيران (٥) وزير كافور] (٦) وانفرد بتدبير البلد أبو الفضل الوزير، وقبض على جماعة وصادرهم، واضطرب عليه التدبير، وطالبه (٧) الجند بأرزاقهم، فاستتر دفعة واثنتين، ونهبت داره ودور جماعة من حاشيته، ولم ترض الإخشيديّة أن يكون شمول (٨) مدبّرا لهم، وصار كلّ واحد منهم يتسمّى بالأمير، وكثر حسد بعضهم لبعضهم، وكتب جماعة منهم ومن وجوه البلد إلى المعزّ لدين الله صاحب المغرب يستدعون منه إنفاذ جيوشه إلى

стр. 116

مصر ليتسلّمها وضمنوا له المعونة والمساعدة على (١) أن يملك البلد بغير حرب ولا قتال (٢). ... [سنة ٣٥٧ هـ .] [الغلاء والوباء في مصر] واضطربت الأسعار بمصر، وتزايدت أثمان الحبوب والأقوات، واقترن بذلك وباء عظيم [وكان بدؤه من سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأفرطت الشدّة في [سنة] (٣) سبع [وثمان] (٤) وخمسين (٥)، وهلك الضعيف من الناس وأكلوا الميتة والجيف (٦) وكانوا يسقطون موتى من الجوع (٧)، وزاد الوباء وكثر الموت (٨) ولم يلحق دفنهم، وكان يحفر لهم حفرا ويرمى (٩) فيها عدّة كثيرة ويردم عليهم التراب من غير صلاة ولا غسل ولا كفن، ولم يزل أمرهم على تلك الصورة إلى سنة إحدى وستّين وثلاثمائة، وبعد ذلك انحلّت الأسعار، ولم تزل تنقص إلى أن عادت إلى المعهود. وكان سبب ذلك أنّ النيل لم يزل من سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة إلى سنة سبع وخمسين ناقصا] (١٠). ...

стр. 117

[البلغر يغيرون على أطراف الروم] وكان البلغر (١) قد انتهزوا الفرصة بتشاغل نقفور الملك بغزو بلدان المسلمين وأعاثوا في أطراف أعماله، وغاروا على ما يجاورهم من بلدانه، فقصدهم وأنكى (٢) فيهم، وسالم الرّوس وكانوا حزبا له، ووافقهم (٣) على غزو البلغر (٤) والإيقاع بهم، وانتشت العداوة، وشغل بعضهم بحرب بعض، واستظهر الرّوس على البلغر، وكبسوا مدينتهم المسمّاة طلسيرا (٥) وهي دار ملكهم (٦) وأخذوها بالأمان، وأخذوا ولدين كانا فيها لصموئيل (٧) ملك البلغر (٨). ... [الخراسانيّون يغيرون على أعمال الروم ويعودون بالغنائم] وغزا الخراسانيّون (٩) الواردون إلى أنطاكيّة في مدّة تشاغل نقفور الملك بحرب البلغر، وقصدوا أعمال الروم، فظفروا وغنموا وأسروا وأتوا (١٠) بالسبي إلى أنطاكية، وانضمّ إليهم جمع كثير من متطوّعة (١١) المسلمين، وعادوا (١٢) الخراسانيّون إلى بلد الروم واستظهروا استظهارا بيّنا (١٣).

стр. 118

[الروم يفتكّون الأسرى من الخراسانية] وكان نقفور الملك قد رجع من غزاته فأنفذ غلامه بطرس الإصطرطوابدرج (١) وهو المعروف بالأصطراباذي (٢) فلقيهم بناحية اسكندرونة (٣) وهي بين المصّيصة وأنطاكية/٩٧ ب/وقد عادوا من غزاتهم، فأوقع بهم وقتل صناديدهم، وأسر سلاّر (٤) العسكر وجماعة منهم، واشتراه الأنطاكيّون بمال جسيم وثياب كثيرة، وبالأسارى الذين كانوا أسروهم متقدّما (٥)، ولما تخلّص السلاّر ووصل إلى أنطاكية تلقّاه أهلها بالإكرام والتعظيم، وتسلّط رجاله الذين سلموا من القتل على الأنطاكيّين وصاروا يتخطّفون (٦) أموالهم ورحالاتهم (٧) عنوة، فاستوحشوا منهم وقاتلوهم وأخرجوهم عن المدينة (٨). [انسياح نقفور في ديار مضر وبلاد أرّزن وميّافارقين] وفي آخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة خرج نقفور الملك إلى ديار مصر (٩) ورجع إلى بلاد أرزن (١٠) وميّافارقين، وبلغ إلى كفرتوثا (١١) وقتل وسبى

стр. 119

من أهل هذه البلاد خلقا عظيما، وانصرف وتوجّه (١) إلى الشام، فخافه أبو المعالي [بن سيف الدولة] (٢) فخرج عن حلب إلى بالس (٣) واستخلف فيها قرغويه الحاجب، ونزل الملك على أنطاكية [يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة من السنة] (٤) وأقام [عليها] (٥) يومين ورحل في اليوم الثالث ونزل على معرّة مصرين (٦) وآمن أهلها من القتل، وكانت عدّتهم ألف (٧) ومائتي نفس [نزول نقفور على طرابلس وحصاره عرقة] وسيّرهم إلى بلد الروم، وفتح معرّة النّعمان وحماة وحمص وأخذ منها رأس القدّيس يوحنّا المعمداني (٨). وسار إلى طرابلس ونزل عليها يوم عيد الأضحى (٩) وهو العاشر من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وأقام عليها تلك الليلة، وأحرق ربضها، وحاصر مدينة عرقة (١٠) تسعة أيام، وكان

стр. 120

لها حصن منيع، ففتحه بالسيف وأخذ منه (خلقا) [كثيرا] (١) كانوا التجأوا إليه من البلاد المجاورة له، وأخذ منه مالا كثيرا. وكان في الحصن أمير طرابلس [وهو أبو الحسن أحمد بن نحرير الأرغليّ (٢) لأنّ أهل طرابلس كانوا] (٣) قد طردوه لجوره، وكان موسرا (٤) وكان معه ضبنة (٥) كثيرة ومال (٦) جزيل، فأسره وأخذ جميع ماله، ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها، وحصل في

стр. 121

يده من السبي ما لا يحصى عدده، وفتح حصن أنطرطوس (١) ومرقيّة (٢) وحصن جبلة (٣) وصالح أصحاب اللاذقية عليها، وخرّب من القرى ما لا يحصى (٤)، وعبر بأنطاكية وميّز السبي الذي معه، وأعتق (٥) عليها من الشيوخ والعجائز زهاء ألف نفس. [نقفور يصالح أصحاب اللاذقية ويبني حصن بغراس] وبنى حصن بغراس (٦) مقابل أنطاكية في فم الدرب (٧) ورتّب فيه رئيسا يقال له ميخائيل البرجي، ورسم لسائر أصحاب الأطراف طاعته، ورتّب معه ألف رجل (٨). [بطرس الخادم يغير على نواحي أنطاكية] ورجع الملك إلى القسطنطينية وأعاد إلى أنطاكية غلامه بطرس

стр. 122

الإسطراطوبدرخ (١) الخادم، ولمّا وصل إليها دعا (٢) سائر زروع رساتيقها وأتى عليها، وقوّى حصن بغراس بالرجال، ورتّب في المقاطعات (٣) عيشلش (٤) السرياني في جماعة معه يغيرون (٥) على أنطاكية وما يليها. ... [عصيان قرغويه على أبي المعالي بحلب] وعصى قرغويه الحاجب على أبي المعالي بحلب (٦) وعاد أبو المعالي إلى ميّافارقين (٧). ... [ورود القرامطة إلى دمشق وحربهم مع ابن طغج بظاهر الرملة] وورد القرامطة إلى دمشق وأتوا عليها وعلى سائر أعمالها، وساروا إلى الرملة، ولقيهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، ووقع بينهم حرب (٨) عظيمة بظاهر الرملة في [يوم الخميس لاثنتين خلتا من] (٩) ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فانهزم ابن (١٠) عبيد الله من الشام، ودخل إلى مصر [في المحرّم سنة ٣٥٨] (١١) واستولت القرامطة على الرملة واستباحوها [يومين] (١٢) وقاطعهم أهلها على مائة وخمسة وعشرين ألف دينار مصرية شروا بها أنفسهم منهم/٩٨ أ/وأخذوا من أعمالهم بشرا كثيرا (١٣).

стр. 123

[ابن طغج يقبض على الوزير ابن حنزابة ثم يطلقه] وقبض الحسن بن عبيد الله بن طغج على الوزير [أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بن حنزابه (١)] بمصر وصادره، وتولّى أبو عبيد الله تدبير البلد [واستوزر ابن الرياحي وأقام ثلاثة أشهر] (٢) ثم أطلق الوزير أبا الفضل بن حنزابه (٣) وفوّض إليه تدبير البلد، وعاد ابن عبيد الله إلى الشام (٤) ... [سنة ٣٥٨ هـ .] [وفاة بطريرك بيت المقدس] [ومات اخرسطوذولا بطريرك بيت المقدس بمصر يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر سنة ٣٥٨ وله في الرياسة سنتين ونصف ودفن في كنيسة مار تاذرس، وصيّر بعده توما بطريركا على بيت المقدس، أقام عشر سنين ومات] (٥).

стр. 124

[المعزّ لدين الله] [مسير جوهر الصّقلّي إلى مصر] وسيّر المعزّ لدين الله جيوشه من إفريقية إلى مصر مع غلامه [القائد] (١) جوهر [يوم الأحد لست بقين من شهر ربيع الآخر] (٢) سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وأقام في الطريق ثلاثة أشهر، ووصل إلى منية (٣) الصيّادين من عمل مصر [في شعبان من السنة] (٤) واضطرب أهل مصر لقدومه، واجتمع رأي الإخشيديّة والكافوريّة على التسليم إليه من غير قتال [ولا حرب] (٥) بعد أن يؤخذ (٦) لهم ولأهل البلد الأمان، فخرج إليه قاضي مصر أبو الطّاهر (٧) محمد بن أحمد [بن محمد] (٨) وجماعة من شيوخ المدينة وصدورها ولقوه بأحسن قبول (٩)، وعرّفوه ما تم رأي الجماعة عليه، فأجابهم إلى ما التمسوه، وأخذوا خطّه بذلك، وأوقعوا شهادتهم عليه (١٠)

стр. 125

[الحرب بن الإخشيدية وجوهر الصّقلّي] ورجعوا إلى الفسطاط وأنهوا إليهم ما جرى، فانثنى رأيهم عمّا كانوا عزموا عليه من المسالمة وترك القتال، واتّفقوا على المحاربة وأمّروا عليهم نحرير شويزان (١)، وسار بالعسكر إلى الجزيرة (والجيزة) (٢)، وأنفذ عشاريات (٣) إلى منية الصيّادين (٤) ليمنع من يعبر من عسكر جوهر إلى الفسطاط، فاستأمن أكثرهم إليه، وانضوى إليه تبر (٥) الإخشيدي وابن أبي الأعزّ وساقا إليه عشاريّات أخر، فعاد جماعة من عسكر جوهر من منية الصيّادين، وبلغ ذلك الإخشيديّة فمضوا بجميع العسكر إلى منية شلقان (٦) بإزائهم [يوم

стр. 126

الأحد النصف من شعبان] (١) ووقع الحرب بها، وقتل جماعة من الإخشيدية [جوهر يدخل مصر وفرار الإخشيدية والكافورية إلى الشام] وانهزم عسكرهم عن آخره إلى مصر عشيّة ذلك اليوم أقبح انهزام. وأقبل (٢) نحرير شويزان (٣) إلى داره، فحمل من المال ونفيس المتاع ما أطاق حمله، وخلّف الباقي، وأباح العامّة والرعيّة نهبه، وخرج في الليل إلى الشام هاربا ومعه جماعة من الإخشيديّة والكافوريّة، وأصبح الناس يوم الإثنين من الفزع (٤) والوجل، (وكثرت الرجفات ونهبت) (٥) البلد، وقتل (فيه ناسا (٦) كثيرا) (٧) وأنفذ الوزير أبو الفضل بن [حنزابة] (٨) جماعة من غلمانه وأصحاب الشّرط، فداروا البلد وبين أيديهم (٩) بنود عليها اسم المعزّ لدين الله، ومناد ينادي بالأمان. فلمّا كان يوم الثلاثاء [ثالث عشر لسبع عشرة ليلة خلت من] (١٠) شعبان [سنة ثمان وخمسين وثلثمائة] (١١) دخل جوهر والعساكر التي معه إلى مصر، وشقّ البلد وسار خارج مضرب (١٢) المضارب حذاء (١٣) جنان كافور، حيث القاهرة اليوم، وكانت يومئذ فضاء خالية صحراء (١٤).

стр. 127

[زوال الدولة الإخشيدية] وزالت حينئذ دولة الإخشيديّة، وكان ملكهم أربع (١) وثلاثين سنة وعشرة أشهر [وأربعة وعشرين يوما] (٢). ورجع جماعة من الإخشيديّة فاستأمنوا إلى جوهر فقبض على سبعة (٣) أنفار من وجوههم (٤)، ووضع يده على جميع نعم الإخشيديّة والكافوريّة. [بناء القاهرة] وأنشأ قصر الخلافة بالقاهرة، وبدأ ببنائه في شهر رمضان من السنة، وتقدّم إلى أصحابه أن يبني كلّ واحد منهم من أحبّ دارا (٥) ومنزلا، ووضع الناس أيديهم في العمارة بها (٦). ... [أبو المعالي يقاتل قرغويه بحلب] [وكان قرغويه الحاجب قد عصى على أبي المعالي بحلب فعاد أبو المعالي إلى ميّافارقين سنة ٣٥٧ ثم عاد إلى] (٧) حلب في شهر رمضان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وأقام بها ثلاثة أشهر مقاتلا (٨) لقرغويه (٩) /٩٨ ب/الحاجب (١٠). ...

стр. 128

[الرغيلي يغتال علّوش الكردي ويستولي على أنطاكية] وكان قد ورد من مصر إلى أنطاكية رجل أسود ممّن أفلت من صعاليك الطرسوسيّين (١) يعرف بالرغيلي (٢) في نفر يسير ليغزو بهم إلى أطراف (٣) الروم، وأقام بها مدّة مع علّوش (٤) الكردي الذي كان متولّي أمرها، ودخل الزغيلي على علّوش مسلّما عليه واغتاله وقتله، وهرب أصحاب علّوش، وكانوا كثيرين، واستولى الرغيلي على أنطاكية (٥)، ووافى في الحال بطرس الإسطراطوبدرج (٦) ومعه عسكر ضخم (٧)، ونزل على أنطاكية واجتمع إليه ميخائيل البرجي (٨) المقيم بحصن بغراس (٩). [استيلاء الروم على أنطاكية] وكانت أنطاكية ضعيفة ممّا تقدّم من الغارات على أعمالها وضجع (١٠) أهلها في حراستها، لأنهم ما كانوا يشعرون أنها تقصد في ذلك الوقت، ولم يتمكّنوا من جمع رجال يصعدون إلى الجبل ليحفظوا السّور (١١)، فرآه الروم خاليا، فبادروا بالطّلوع إليه، فلم يروا أحدا فيه، واستدعوا إليهم قوما آخرين من أصحابهم. وكان الذين طلعوا إليه ميخائيل البرجي وإسحاق بن بهرام وغلام أسود للبرجي، وملكوا المدينة يوم الخميس ثالث عشر [ليلة خلت من] (١٢) ذي الحجّة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة [وهو في اليوم الثامن والعشرون من شهر تشرين الأول سنة ١٢٨١

стр. 129

للإسكندر] (١) وطرح المسلمون النار لتحول (٢) بينهم وبين الروم، وفتحوا باب البحر، وخرج منه جماعة من أهلها، وأسروا (٣) الروم جميع من فيها وأطلقوا من كان بها من النصارى، وأقرّوهم فيها. وأفلت ابن مانك [قاتل خرسطوفورس البطريرك] (٤) وخفي أمره أياما، ولقيه في الطريق (بموضع يعرف بالأقرع) (٥) عصابة رجال سريان (٦) ممن كانوا يغزون (٧) على عمل أنطاكية، فقبضوا عليه، ولمّا عرف أبو المعالي فتح أنطاكية رحل عن حلب إلى حمص وأقام بها [٣٥٩ هـ .] [حصار الروم لحلب وتقرير الصلح مع أهلها] وسار [بطرس] (٨) الأصطراطوبودرج إلى حلب فتحصّن أهلها في القلعة، ونازل الروم المدينة وحاصروها سبعة وعشرين يوما، وتردّدت المراسلات بينه وبين أهلها، إلى أن تقرّر الأمر على صلح وهدنة مؤبّدة، ومال يحمل في كلّ سنة إلى ملك الروم عن حلب (٩) وحمص وجميع أعمالها من المدن والقرى، وهو ثلاثة قناطير ذهب عن حقّ الأرض، وسبعة قناطير ذهب عن خراج هذه الأعمال، وعن (١٠) كلّ رجل حالم دينار واحد في السنة، سوى ذوي العاهات، وأن يكون لملك الروم صاحبا مقيما بحلب يستخرج أعشار الأمتعة الواردة إليها من البلاد (١١) ويرفعه إلى الملك، وكتب بينهم بذلك كتاب وسلّموه إليه شهادة (١٢) على حمل المال، وانصرف عنهم،

стр. 130

وذلك في صفر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة (١)، [مقتل ابن مانك وابن محمود وابن دعامة] وعاد إلى أنطاكية وأحضر إليه أهل الغارة ابن مانك أسيرهم، فحبسه أياما، ثم أخرجه إلى جسر باب البحر حيث طرحت جثّة البطريرك خريصطوفورس وقطعه بالسيف عضوا عضوا، ورمى بكلّ ناحية منها قطعة، وأمّا ابن (٢) محمود (٣) وابن دعامة (٤) المشاركان له في قتل البطريرك، فإنّهما كانا قد حملا إلى سجن طرسوس وبقيا فيه مدّة طويلة، ومات ابن محمود في الحبس، وبقي ابن (٤) دعامة إلى أن ورد إلى أنطاكية ميخائيل البرجي (البطريق) (٥) فأحضره إلى أنطاكية وثقّله بحجارة وطرحه في النهر. ولمّا فتحت أنطاكية سار ميخائيل البرجي وإسحاق بن بهرام إلى حضرة الملك نقفور مبشّرين له بفتحها، وشكرهما (٦) في/٩٩ أ/ذلك وأملأ إليهما إحسانه، ثم تنكّر عليهما لفجعته بحريق المدينة وفتحها على تلك السبيل، فحقدا عليه (٧). ... [الروم يستولون على منازكرد] وفي هذه المدّة أيضا، فتح الروم منازكرد (٨) من أعمال أرمينية بالسيف، وكانت في أيدي المسلمين، [ازدياد هيبة نقفور لسعة توسّعه في بلاد المسلمين] ولم يشكّ أحد في أنّ نقفور الملك يفتح (٩)

стр. 131

جميع الشامات وديار مضر وديار ربيعة وديار بكر وتحصل (١) في يديه، وذلك أنه كان قد بنى أمره على قصد (٢) سواد المدن والقرى التي يمرّها (٣) فيغزوها ويحرقها ويسبي أهلها ومواشيها، وإذا بلغ وقت الحصاد للزروع (٤) خرج وأحرق جميع الغلاّت، وترك أهل المدن يموتون جوعا، وكان لا يزال يفعل ذلك بهم سنة بعد سنة إلى أن تدفعهم (٥) الضرورة إلى تسليم المدن إليه، فملك بذلك الثغور الشامية بأسرها والثغور الجزرية، وقتل من أهلها وسبى ما لا يحيط بعدده (٦) إلاّ الله تعالى حتى كانت غزواته قد صارت كالنزهة له ولأصحابه لأنه لم يكن يقصد (لهم أحد ولا يخرج بين أيديهم وكان يقصد) (٧) حيث يشاء ويخرّب [كيف أراد] (٨) من غير أن يلقاه أحد من المسلمين يدافعه عمّا يريده (٩). وقصد العرب دفعات فاستظهر عليهم، وأتى على جماعة منهم، فهابوه بعد ذلك وامتنعوا من الدّنوّ منه، فهابه المسلمون أكثر هيبة، ولم يكن يقف بين يديه أحد ولا تحدّ به (١٠) نفسه بأن يجوز له أن يكتب إليه، فضلا عن أن يقاومه (١١).

стр. 132

وسلّط الروس على بلدان البلغر وملّكهم إيّاها من قبله، حتى صار الجميع من تحت يده، وساس أمره أحسن سياسة وأصوبها. وقد ذكرنا جملا من أخبار غزواته وفتوحه فيما تقدّم من كتابنا هذا. [الخلاف بين الملك نقفور وزوجته على ولاية العهد] فلمّا انتظم (١) له التدبير وتمّ له ما أراد قتل. وكان السبب في قتله أنه عزم على أن يغزو ويخلّف أخاه لاون القربلاط (٢) في القسطنطينيّة نائبا عنه (٣) ويخلّف الصبيّين باسيل وقسطنطين [ابني رومانس] (٤) عنده، ولمّا عرفت أمّهما الملكة ثاوفانوا (٥) ما عزم الملك عليه قالت له: إنّي أتخوّف عليك الحوادث (٦) ولا أطمأن (٧) إلى أخيك على ولديّ ولا آمن به، لأنه إذا رأى نفسه منفردا بتدبير الأمر في البلاط أخاف أن يتغلّب على الملك دونهما، ولا سيما وله أولاد، فأعلمها الملك أنه ممّن لا يفعل ذلك، وقد كان أهلا أن يستراب به ولا يطمأنّ إليه، وتردّد الخطاب بينهما في ذلك إلى أن انتهرها وقال لها مغضبا: إنّك الآن تضطّريني إلى أن أخصي الصبيّين وأجعل الملك لأخي. فأمسكت عن معاودته، ثم سألته عمّن يكون بين يديه في سفره، فقال لها: يانس بن الشمشقيق. فأشارت عليه أن يزوّجه ليكون له بالقسطنطينيّة بيت، فذكر أنه كان قد أعرض عليه الزّيجة بأخت الملك نقفور (٨) (فامتنع من الزواج لأجل ملازمته للحروب) (٩) فاستأذنته في إحضاره إليها (١٠) ومخاطبته في ذلك، وضمنت لها

стр. 133

أنّها تتلطّف به إلى أن يجيب إلى الزّيجة ويتمّمها قبل مسيره، فاستصوب الملك رأيها واستدعى يانس بن الشمشقيق وتقدّم إليه بالمضيّ إلى حضرة الملكة فانفردت به وكشفت له ما في نفسها من الخوف على ولديها من لاون أخي الملك، /٩٩ ب/ (فتلطّفها إلى أن وصل إليها) (١) والتمست منه حيلة (٢) أن يساعدها على قتل نقفور الملك، وضمنت له أنّها تتزوّجه وتنصّبه في الملك مع ولديها عوضا منه، فأجابها إلى ما التمسته منه واستحلفته عليه، وحلفت له، وسارت (٣) إلى الملك وقالت له: إنّي قد قرّرت معه [أمر الزواج] (٤) وقد مضى ليستعدّ للعرس (٥). فسرّ الملك بذلك، وحصّلت عندها بعد أيام يسيرة سرّا من الملك ثمانية نفر من أهل المملكة تثق بهم ميخائيل البرجي وإسحاق بن بهرام اللذان تولّيا فتح أنطاكية [لأنهما كانا حاقدان (٦) على الملك] (٧) فأصعدت في الليل ابن الشمشقيق مع غلام له من طاقة في البلاط على البحر، وأوصلتهم (٨) إلى الملك في نصف الليل وهو في مرقده، فقتلوه ليلة السبت حادي عشر من كانون الأول سنة ألف ومائتين وإحدى وثمانين للإسكندر، وهو لليلتين بقيتا من المحرّم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وكانت مدّة ملك نقفور ستّ سنين وأربع (٩) أشهر [وستة وعشرين يوما] (١٠) ودعي لابن الشمشقيق بالملك في تلك الليلة، وأصبح ورتّب الناس وأبقى من يومه لثاوفانوا الملكة أمّ باسيل وقسطنطين. وحضر

стр. 134

[إلى الكنيسة] (١) بوليفكطس (٢) [البطريرك] (٣) وقال له: لم غدوت بالملكة وقد أجمع (٤) الناس أن الملك لولديها؟ فقال: أنا عبدهما وأخدم بين أيديهما إلى أن يشتدّا ويصلحا للقيام بأمّتهما (٥) كما وافقتها، وأمّا الملكة فما كنت بالذي أتركها معي في البلاط لأنّني أتخوّف أن تعمل معي كما فعلت بنقفور، [الملكة تدبّر مقتل الملك نقفور] فأعلمه البطريرك أنّ البلاط محتاج إلى ملكة تكون فيه، وأن تكون ثقة على الملكين (٦)، فاتّفق الرأي على أن يتزوّج (٧) ثاوذورة (٨) عمّة الصّبيّين، وشرط لها وله أنّه متى ما جاءها ولد يكون ملكا بعد الصبيّين، وحلف بعضهم لبعض على ذلك، ودعي لها معه بالملك، وتمّت الزّيجة في ذلك اليوم، وسلّم البلاط إليها [وذلك في خمس وعشرين سنة من خلافة المطيع وهي سنة ٣٥٩] (٩) وقبض يانس (١٠) بن الشمشقيق في الليلة التي قتل فيها نقفور على لاون القربلاط أخي نقفور ونفاه، وبعد مدّة من نفيه في أحد غزوات يانس ابن الشمشقيق وغيبته عن القسطنطينية تحيّل لاون إلى أن دخل إلى المدينة سرّا، وحصل في البلاط متنكّرا مع قوم آخرين بموافقة جرت بينهم وبينه طمعا بأن يستولي على البلاط ويملك، فانكشف أمره [وظفر به في ليلته] (١١) وقبضت عليه ثاوذوره الملكة وكحّلته (١٢)، ولم تزل ثاوفانوا أمّ

стр. 135

باسيل وقسطنطين في النفي (١) إلى أن مات ابن الشمشقيق، فأعادها باسيل إلى مستقرّها (٢) [من حضرته] (٣). [يانس بن الشمشقيق يتولّى عرش الروم والقبض على لاون أخي نقفور بعد نفيه] ولمّا ملك يانيس بن الشمشقيق (٤) عصى عليه بردس بن لاون القربلاط وهو ابن أخي نقفور الملك، واجتمع إليه خلق كثيرون، ونزل بقرب القسطنطينية، فجرّد (٥) إليه يانس الملك، وأرسل إليه بردس السقلاروس (٦) في جيوش ضخمة فهزمه، والتجأ إلى بعض الحصون، فأخذه السقلاروس من الحصن بعد أن أخذ له الأمان من الملك، ولمّا أن حصل بحضرة الملك أنفاه وامرأته وأخاه (٧) إلى أحد الجزائر، ولم يزل منفيّا مدّة ملك ابن الشمشقيق إلى أن أخرجه باسيل الملك فاصطنعه (٨). وفي السنة الأولى من ملك يوحنّا (٩) ابن الشمشقيق [وهي سنة ٣٥٩] (١٠) صيّر راهب يسمّى ثاودورس (١١) بطريركا على أنطاكية يوم الأحد ثالث وعشرين

стр. 136

كانون الثاني سنة ألف ومائتين وإحدى وثمانين للإسكندر، وهو لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، ولمّا وصل إليها (١) خرج إلى كنيسة أرشايا (٢)، وحمل جسد القدّيس خريسطوفورس البطريرك (الشهيد إلى كنيسة) (٣) القسيان (٤) وأقام في الرئاسة ستّ سنين وأربعة أشهر وخمسة أيام وتوفّي (٥). /١٠٠ أ/ [وفي السنة الثانية من ملكه سيّر باسيل بطريركا على القسطنطينية أقام ثلاث سنين وشهرا واحدا ونفي، وفي السنة الخامسة من ملكه صيّر أنطونيوس بطريركا على القسطنطينية بدلا من باسيل، فأقام أربع سنين وشهرا واحدا] (٦). واتّصل بابن الشمشقيق أنّ الروس الذين كان نقفور [ووافقهم على غزو البرغل] (٧) سالمهم معوّلون على قصده ومحاربته والمطالبة بثأر (٨) نقفور، فبادرهم ابن الشمشقيق (وتوجّه نحوهم) (٩) وحاصرهم في مدينة طايسيرا (١٠)، وأقام منازلا لها مدّة ثلاث سنين، فسأل ملك الروس لابن الشمشقيق أن يؤمّنه ويفسح له ولمن معه في الخروج عن المدينة والعودة إلى بلادهم، فأجابهم إلى ذلك وتسلّم منه (١١) المدينة وما يليها من الحصون، لأنّ هذه المدينة كان أخذها الرّوس من البلغر، وتسلّم منه ولدي صموئيل

стр. 137

ملك البلغر اللّذين كانا عنده، وولّى على الحصون (ولاة) (١) من قبله، وعاد إلى القسطنطينية (٢). ... [جعفر بن فلاح يفتح الرملة ودمشق] وأمّا جوهر فسيّر جعفر بن فلاح من مصر إلى الشام في جيش عظيم في (صفر) (٣) سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وفتح الرملة [في شهر ربيع الآخر] (٤) وأسر منها [الحسن بن عبيد (٥) الله و] (٦) جماعة من الإخشيديّة [وأنفذهم إلى مصر، فاعتقلوا مدّة، ثم حملوا إلى حضرة المعزّ لدين الله بالمغرب، فعفى عنهم] (٧). وسار ابن فلاح إلى دمشق وفتحها. [سنة ٣٦٠ هـ .] [صرف العباس بن الحسن الشيرازي عن الوزارة وعودته] وصرف عن الوزارة ببغداد العباس بن الحسن (٨) الشيرازي وتقلّدها

стр. 138

محمد بن ضيامحس (١) يوم الأربعاء لأربع خلون من جمادى الآخر من سنة ٣٥٩ وقبض عليه وصودر، وقلّد الوزارة العباس بن الحسن الشيرازي دفعة ثانية ليلة (٢) بقيت من رجب سنة ٣٦٠] (٣). ... [سنة ٣٥٩ هـ .] [حركة تبر الإخشيدي والقبض عليه في البحر وقتله] [وفي شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة سار تبر (٤) الإخشيديّ بناحية الأرض السفلى من عمل مصر (٥)، فحشد وكبس الفرما (٦) وأخذ واليها ونهب ماله، وملك الأرض السفلى، وسيّر إليه جوهر الجيوش من مصر. وسار تبر حتى بلغ صهرجت (٧) [فوافته العساكر بها انهزم تبر ونهبت صهرجت وافتقر (٨) (الا) جماعة من الناس بها] (٩). ومضى هاربا وركب البحر يريد بلد الروم، فخرج عليه إنسان من أهل صور يعرف بابن أبان في جماعة، وأخذه

стр. 139

وحمله إلى ابن فلاح بالشام، وسيّر به إلى جوهر بمصر، فأشهر بها [في شوال من السنة] (١) وسجن ثمانية أشهر، ومات في السجن، وسلخ ميتا، وصلب عند المنظر بين مصر والقاهرة] (٢). [سنة ٣٦٠ هـ .] [فتّوح غلام ابن فلاح يحاصر أنطاكية] وسيّر جعفر بن فلاح من دمشق عسكرا عظيما مع فتّوح غلامه إلى

стр. 140

أنطاكية في سنة ستّين وثلاثمائة، ونازلها خمسة أشهر، ولم يتمّ له فيها شيء ولا حيلة. وكان يومئذ يانس (١) بن الشمشقيق غازيا في البلغرية (٢). [زلزلة أنطاكية] وتوجّه الأغثم (٣) القرمطيّ (٤) إلى الشام، فأنفذ ابن فلاح واستدعى فتّوح والعسكر (الذي) (٥) معه ليقوى به على القرمطي، فانصرفوا عن أنطاكية بعد أن عظم استضرار أهلها بحصاره لها. وبعد منصرفه حدث بأنطاكية زلزلة، فسقطت (٦) قطعة كبيرة من سورها (٧)، وأنفذ الملك يانيس بن الشمشقيق لميخائيل (٨) البرجي في اثني عشر (آلاف) (٩) بنّاء وفاعل، وبنى ما سقط من السّور وردّه إلى مثل ما كان عليه (١٠). [سنة ٣٦١ هـ .] [القرمطيّ يستولي على دمشق ويهزم ابن فلاح] [ووافى الأغثم القرمطيّ إلى دمشق، والتقاه جعفر بن فلاح، ووقع القتال بينهم، وانهزم بن فلاح، واستولى القرمطيّ، ثم سار إلى مصر، ونزل بعين شمس، [الحرب بين القرامطة والمغاربة خارج القاهرة] وخرجت إليه العساكر، وانتشبت (١١) الحرب بينهم خارج القاهرة، [يوم الجمعة مستهل ربيع الأول من ٣٦١] (١٢) وقتل من المغاربة

стр. 141

عدّة متوافرة [انهزام القرامطة إلى الرملة] ووقع [بينهم] (١) وقعة ثانية [يوم الأحد لثلاث خلون من الشهر بعينه] (٢)، وانهزم القرمطيّ عند مغيب الشمس، ونهبت المغاربة سواده، وسار إلى الرملة (٣). [القبض على بقيّة الإخشيدية والكافورية بمصر] ونادى جوهر بمصر فيمن بقي من الإخشيديّة (٤) والكافوريّة أن يجتمعوا [يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر من السنة ذاتها] (٥) فاجتمع منهم زهاء ألف غلام، وقبض عليهم وقيّدهم وحبسهم في حبس كان أعدّه لهم. [القرامطة يهزمون المغاربة ويقيمون بالرملة] وكان جوهر قد سيّر إلى الشام بعد انهزام القرمطيّ إبراهيم (٦) بن أخيه في عسكر ضخم/١٠٠ ب/فلقيه وتحارب العسكران، وانهزم المغاربة عن آخرهم ودخلوا إلى مصر في شهر رمضان (سنة إحدى) (٧) وستين وثلاثمائة، وكثر (٨) ما يحمل ثقلهم ورحالاتهم البقر لعوزهم الدّوابّ، وأقام القرمطيّ بالرملة] (٩).

стр. 142

[سنة ٣٦٢ هـ .] [دخول المعزّ إلى القاهرة] وسار المعزّ لدين الله من مدينة القيروان قاصدا إلى مصر في [يوم الخميس لخمس خلون من] (١) شهر صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ووصل إلى مصر يوم الثلاثاء] (٢) في سابع شهر رمضان من السنة، ودخلها واستوطنها وجعلها دار ملكه، وأطلق جميع الإخشيديّة والكافوريّة الذين اعتقلهم جوهر، وخلّى سبيلهم (٣). ... [غزوة ابن الشمشقيق إلى بلاد الشام] ولمّا عاد ابن الشمشقيق من البلغرية غزا إلى بلاد الشام (٤) وعبر الفرات بناحية ملطية [في ذي الحجّة سنة ٣٦١] (٥) وسار إلى ديار ربيعة في جيش ضخم، ودخل نصيبين [يوم السبت مستهلّ المحرّم سنة ٣٦٢] (٦) [وقوع الدومستيقس في الأسر] وقتل وسبى وأحرق وأقام بنصيبين إلى أن تقرّر الحال بينه وبين أبي تغلب بن ناصر الدولة بن الحسن بن عبيد الله (٧) بن حمدان على هدنة ومال يحمل إليه في كل سنة، وتعجّل (٨) منه مال سنة (٩). وسار إلى قرب ميّافارقين والتمس أن تسلّم إليه، فلم يتمّ له ما أراده من ذلك، فانصرف وخلّف غلاما له دومستيقا (١٠) على المشرق في بطن هنزيط (١١) فسار بعد انصراف الملك من

стр. 143

هذه النواحي (ونزل على آمد) (١) ووقع بينه وبين المسلمين وقعة عظيمة في سنة (٢) اثنين وستّين وثلاثمائة، وقتل في الوقعة عدد كثير من الفريقين، واستؤسر الدّومستيقس وجماعة معه، وغنم المسلمون غنائم جليلة من السلاح والعدد، وبقي الدّمستيقس في الأسر في أيدي أبي تغلب إلى أن مات في [جمادى الأخرى] (٣) سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة (٤). [اضطراب بغداد ومهاجمة دار السلطان] ولمّا جرى على نصيبين ما جرى من الروم قلق أهل الموصل وعوّلوا على الانحدار إلى بغداد (فمنهم أبو تغلب (٥) بن حمدان، وورد الخبر بذلك إلى بغداد) (٦) واضطرب أهلها اضطرابا عظيما، وثار العامّة، وساروا إلى دار السلطان بالمصاحف المنشورة وضجّوا، ثم هجموا عليها (٧) وجرّدوا الحديد في دار السلطان، وراموا الوصول إليه، وهمّوا على تلك الحالة، فأمر بإخراجهم ودفعهم، ورموا بالنشّاب، وانصرفوا بعد أن قتل منهم جماعة، وبقي البلد على اضطرابة وفتنة (٨). وكان عزّ الدولة بختيار سار عن بغداد إلى الكوفة، فسار إليه جماعة من أشياخ تلك البلاد ولقوه وشكوا إليه (٩) ما بهم وبأهل بغداد من خوف الروم، وأنّه لا طاقة لهم بهم إن عادوا إلى حربهم، وسألوه الدّفع عنهم، فعرّفهم أنه

стр. 144

مزمع على الغزو [وأنّه صائر إلى بغداد ونافر منها] (١) إلى بلاد الروم، وأنّه صاير إلى بغداد ومنها إلى الروم. [استنفار المسلمين لحرب الروم وإظهار السلاح] وأنفذ محمد بن بقيّة (٢) إلى بغداد برسالة إلى سبكتكين الحاجب بالتقدّم إليه والاستعداد للغزو معه والتّقدّم إلى أهل البلد بإعداد السلاح والنهوض معه، فوافى ابن بقيّة (٣) إلى بغداد ونادى في العامّة باستعداد ما أطاقوا من قوّة وسلاح وروسل إلى العامة في أن يشهروا السلاح ويسيروا بين يديهم، ليبلغ الروم قوة المسلمين على قصدهم وكثرة الجمع للقائهم. وأظهر الحاجب سبكتكين سلاح عظيم (٤) وآلات للحرب قويّة، وركب معه أبو طاهر وأبو إسحاق أخوا بختيار وجماعة الأمراء والقوّاد، وشقّوا الشوارع والأسواق/١٠١ أ/، وظهر من العامّة الشباب والأجلاد زهاء ستّين ألف رجلا (٥) بالسّلاح، وكان يوما عظيما إلاّ أنّ ذلك عاد بفساد وجرّأت العامّة على إظهار السلاح وقلّة هيبة منهم للسلطان، لإظهار حاجته إليهم والاعتضاد بهم، فتحزّبوا، [الحرب بين السّنّة والشيعة] وصار أهل السّنة طائفة، والشيعة طائفة أخرى، ولعن بعضهم بعضا، وتركوا ذكر الروم وأعرضوا عنه جانبا، وأخذ يقاتل بعضهم بعضا (٦)، وصارت بينهم حروب عظيمة، ووقع القتل في الفريقين، وأعجز السلطان ضبطهم (وردعهم) (٧) وصاروا يقطعون الطرق ويأخذون ثياب الناس جهارا بالنّهار ويكبسون دكاكين التجّار ومنازلهم جهارا، وتفاقم الأمر في ذلك وعظم جدّا، ولقي الناس منه شدّة شديدة، وتعطّلت الأسواق. ووصل عزّ الدولة بختيار إلى بغداد فرجا (٨) أنّ الفتنة تسكن بقدومه

стр. 145

وتقع الهيبة بقلوبهم بحضوره، فكان الأمر بالضدّ من ذلك، وجعل العيّارون (١) وأهل العيث الفتنة معيشة لهم، ولم يكن أحد يملك نفسا (٢) ولا شيئا من ماله معهم. [السلطان يطرح النار ببغداد للقضاء على الفتنة] ولمّا تزايدت الحال في الفتن ببغداد وتفاقمت (٣)، دعت الضّرورة إلى أن طرح السلطان النّار في الجانب الغربي من البلد [يوم السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة ٣٦٢] (٤) وأحرق باب البصرة وما يليه من حدّ بركة زلزل إلى السمّاكين، ومنع الناس من إطفائها، وأخذت يمينا وشمالا، واحترق عالم من الرجال والنساء والصبيان والبهائم، وكان أمرا فظيعا (٥)، ولم ير مثله ولا سمع به. وانتقل الناس من الجانب الغربي من المدينة إلى الجانب الشرقي منها، لأنّه كان ساكنا والغربيّ مفتتنا. ثمّ أخذ السلطان ثمانية عشر رجلا من العيّارين وأهل الفتنة، وقتل أربعة نفر (٦) منهم، وأعطى من بقي منهم الأمان ووعدهم بالرزق، وكفّ البلاء قليلا، وسكنت الفتنة. [عزّ الدولة يقع في ضائقة المال ويصادر أهل الذّمّة] ولحق عزّ الدولة إضاقة بالمال (٧)، وطالبته الأولياء والجند بأرزاقهم، فسأل المطيع لله إسعافه، وكان أيضا مضيّقا، وتقرّر الحال بينهما على أن يحمل إليه أربعمائة وعشرين ألف (٨) درهم، فباع شيئا من كسوته وآلات من دار خلافته، حتى قام له بذلك. وتراقى الأمر بعزّ الدولة إلى أن صادر أهل الذّمّة وأهل الملّة من العدول والتجّار والمتصرفين (٩).
следующие страницы →