← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

[الحاكم يقتل فهدا النصرانيّ ويقرّ ابن جوهر على نظر الأمور] وقتل الحاكم فهد بن إبراهيم الرئيس [يوم الأربعاء لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ٣٩٣] (١) وأقرّ حسين بن جوهر على النظر في الأمور (٢). [الحاكم يقبض على كتّاب الدواوين النصارى] وقبض الحاكم على كتّاب الدواوين من النصارى واعتقلوا [يوم الاثنين لأربع عشر ليلة خلت من جمادى الآخر من السنة] (٣) [الطبيب سهل بن مقشّر ينجح في إطلاق سراح المعتقلين] ثم أطلقوا بعد أسبوع بمسألة أبي الفتح سهل (٤) بن مقشر (٥) النّصرانيّ طبيبه، وكان له من الحاكم خاصّيّة بل ومن العزيز محلّ لطيف وموضع مكين [وتقدّم في الدولة وجلالة] (٦) وردّ كلّ واحد منهم إلى ما كان ينظر فيه]. [المسلمون يهدمون كنيسة لليعقوبية بظاهر مصر] وكان النّصارى اليعقوبية (٧) قد شرعوا في تجديد كنيسة قديمة مندرسة بظاهر مصر في الموضع المعروف براشدة فثار قوم من المسلمين فهدموا ما بني، وأنشأ (٨) الحاكم مكانها مسجدا عظيما جامعا (٩)، وهدموا أيضا كنيستين

стр. 247

كانتا في جواره، إحداهما لليعقوبية والأخرى للنّسطورية (١)، وبناهما مسجدين (٢) آخرين (٣). [بناء الجامع الأزهر] وكان للملكيّة (٤) الروم حارة بالقاهرة يسكنون بها (٥)، فأخرجوا منها، وهدم ما كان لهم فيها من المنازل، مع كنيستين كانتا بها، وعملت جميع الحارة مسجدا واحدا، وسمّاه الأزهر، وحوّل الروم إلى الموضع المعروف بالحمراء (٦)، [الروم ينشؤون ثلاثة كنائس بدل الكنائس المهدّمة] وعملوا لهم بها حارة، وأنشأوا (٧) بها ثلاث كنائس عوضا من الكنائس التي هدمت لهم في تلك الحارة. [الحاكم ينهى عن بيع النبيذ] ونهى الحاكم عن بيع النّبيذ، وأن لا يظهر شيء منه، وكسر جميع ما

стр. 248

كان للخمّارين وأصحاب المواخير، وأريق (١) وأزيل المواضع التي كان فيها أهل الفساد والفجور يأوون (٢) إليها ويجتمعون بها، وفرّق جموعهم (٣). [الحاكم يحظّر على النساء كشف وجوههنّ ويمنع البكاء على الميت] وحظّر على النّساء كشف وجوهنّ وراء الجنائز، ومنع من البكاء والعويل وخروج النّوائح بالطّبل والزّمر على الميت، [ومن التعرّض لسائر القيان] (٤). [سنة ٣٩٥ هـ .] [ظهور الأصفر بأعمال حلب ومنازلته شيزر] وفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ظهر في أعمال حلب إنسان غاز يسمّى أحمد بن الحسين ويعرف بالأصفر (٥) فتزيّا بزيّ الفقراء، وتبعه خلق من المغرب وسكان القرى من المسلمين، وصحبه (٦) رجل من وجوه العرب يعرف بالجملي (٧)، ونازل شيزر، وأسرى في جماعة من العرب وغيرهم ممّن اجتمع إليه، ولقي عسكر الروم [وأخذه] (٨) [الأصفر يكبس والي أرتاح ويسير نحو الجسر الحديد] وكبس والي أرتاح، وسار نحو جسر الجديد يريد أنطاكية [نحو جسر الحديد] (٩)، [غلام السقلاروس يهزم الأصفر ويقتل صاحبه الجملي] فلقيه في مهرونة بطريق يقال له بيغاس غلام السقلاروس في عسكر كان معه، فقتل المعروف بالجملي، وانهزم الأصفر إلى بلد سروج (١٠)، فانتهى إلى الماجسطرس أنّ الأصفر ساكن الجزيرة في ضيعة تعرف بكفر عزوز (١١) من بلد سروج، وهي

стр. 249

ضيعة أهلها كثير، ذات سور، فقصدها الماجسطرس في (جمع من) (١) عساكر الأطراف، وعبر الفرات، ونازل كفر عزوز (٢)، [هرب الأصفر وهزيمة الأعراب أمام الماجسطرس] وكان قد اجتمع إليها أكثر أهل تلك البلاد (٣) لحصانتها، وأقام عليها ثمانية وعشرين يوما، وفتحها وأخذ منها اثني عشر ألف أسير، و (غنم) (٤) غنائم كثير جدّا، وأخذ حرم الأصفر. وأمّا هو فهرب بالليل. /١١٦ أ/وكان قد اجتمع سائر عرب بني نمير وبني كلاب مع وثّاب بن جعفر صاحب سروج في زهاء (ستّة) (٥) آلاف فارس على الماجسطرس، فلقيهم وهزمهم، وعاد إلى أنطاكية ظافرا غانما. [سنة ٣٩٧ هـ .] [الماجسطرس يجدّ في طلب الأصفر] وجدّ الماجسطرس في طلب الأصفر، والتمسه من وثّاب صاحب الجزيرة، فلم ير أن يسلّمه إليه خوفا من إرهاج المسلمين عليه، [لؤلؤ صاحب حلب يتدخّل فيعتقل الأصفر بقلعتها] فتوسّط الحال بينهما لؤلؤ [الكبير] (٦) صاحب حلب يومئذ، على أن يكون الأصفر معتقلا عنده بقلعة حلب أبدا، وحمله إليها [في شعبان سنة ٣٩٧] (٧)، فقيّده لؤلؤ واعتقله في القلعة. ولم يزل معتقلا بها إلى أن حصلت حلب للمغاربة في سنة ستّ وأربعمائة (٨).

стр. 250

[الحاكم يأمر النصارى واليهود بلبس الزنانير والعمائم السّود] وأمر الحاكم في يوم الجمعة ثالث عشر المحرّم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أن يلبس [ساير] (١) النّصارى واليهود دون الخيابرة الزنانير في أوساطهم، والعمائم السّود على رؤوسهم، فامتثل ذلك في سائر [أعمال] (٢) مملكته (٣). [الحاكم يتقدّم بكتابة سبّ الصحابة على الجوامع والحيطان] وتقدّم أيضا بأن يكتب على الجوامع والمساجد والحيطان والدروب (٤) لعن أبي بكر (وعمر) (٥) وعثمان ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم من الصّحابة، وسائر خلفاء بني العبّاس وعظم ذلك على المسلمين المنتسبين إلى مذهب السّنّة، ونالهم كلّ استخفاف وهوان) (٦). [الحاكم يمنع شرب الفقّاع وأكل البقلة والسمك غير المقشّر] وأنكر التعرّض لشرب الفقّاع وأكل البقلة الملوكية (والبقلة) (٧)

стр. 251

المعروفة بالجرجير، وأكل الطلينس (١) وسائر السمك العديم القشر. وكان متى وجد أحد (٢) قد تعرّض لبيع شيء من ذلك أو (٣) لابتياعه عوقب وأشهر. وقلّ (٤) من نجا منهم من القتل (٥). [الحاكم يمنع دخول الحمّامات دون مئزر] وتقدّم ألا يدخل أحد [إلى] (٦) الحمّام إلاّ بمئزر في وسطه يستر عورته، وهجمت الحمّامات دفعات، وأخذ منها جماعة بغير مآزر، فأدّبوا وأشهروا (٧). [الحاكم يبذل سيفه في شيوخ الكتاميّين ووجوه دولته] وبذل سيفه في إراقة الدماء (في) (٨) سائر الناس على طبقاتهم حتّى أفنى شيوخ الكتاميّين ووجوه دولته وأصاغرهم (٩).

стр. 252

وقتل جميع من في الحبوس. وبقيت مدّة [طويلة] (١) خالية. وكان متى وقع أحد في تهمة صغرت أم كبرت (٢) قتله وأحرقه. واستمرّ على هذا الفعل مدّة، فاجتمع الكتاميّون واستغاثوا إليه، وكذلك سائر الكتّاب والعمّال (٣) والجند والتجّار والرعايا والنصارى واليهود وسألوه العفو عنهم، [الحاكم يعطي الأمان لسائر الرعايا من مسلمين ويهود ونصارى] فكتب لكلّ طائفة منهم أمانا، وأعطى لأهل (٤) كلّ سوق (مثله، ولكلّ) (٥) من الرعايا الأمانات (٦). [الحاكم يأمر بقتل سائر الكلاب إلاّ كلاب الصيد] وتقدّم بقتل سائر ما في مصر من الكلاب إلاّ كلاب الصيد من أجل أنّها تنبح بالليل إذا عبر بالشوارع والطرقات (٧) [وذلك في شهر ربيع الأول سنة ٣٩٥] (٨) [الحاكم ينقل إلى القاهرة «دار العلم» ويبيح للناس نسخ كتبها] [وفي هذه السنة] (٩) أورد بالقاهرة «دار العلم» وحمل إليها من خزائنه كتبا كثيرة تحتوي على سائر العلوم والآداب، وقرّ فيها خزّانا وبوّابين، وأجرى عليهم الأرزاق من ماله، وأباح سائر الناس كافّة نسخ ما أحبّوا وأرادوا قراءته، ورتّب فيها أيضا قوما يدرّسون النّاس العلوم (١٠). وبعد مديدة قتل بعضهم

стр. 253

واستخفى الباقون منهم خوفا من القتل. [الوليد بن هشام] [ظهور الوليد بن هشام المعروف بأبي ركوة في برقة] وظهر بأرض برقة رجل أندلسيّ يعرف بالوليد بن هشام (١) وذكر أنه من ولد عثمان بن عفّان، فنزل في بيوت البربر القاطنين بذلك الصقع، وكانوا يعتقدون مذهب السّنّة من مذهب المسلمين، وصار/١١٦ ب/معلّما لأولادهم، فأخذ في مدّة مقامه عندهم يقوّيهم ويرغّبهم في مساعدته على الحرب وأن يقاتلوا بين يديه، وأظهر لهم أنّه غير راغب في إحادة (٢) ملك لنفسه وأنّ غرضه نصرة دين الإسلام والامتعاض من السبّ واللعنة لأصحاب صاحب الشريعة [وأزواجه] (٣) إذ هم الأيمة وعماد الدين، وبهم قامت مملكة الإسلام، ووعدهم متى تمّ له ما يرجوه من الملك خوّل كلّ (٤) واحد منهم وملّكه وأفضل عليه بقدر استحقاقه وما يظهر من فعله، واستمال هواهم وانقادوا إلى ما التمسه منهم، واجتذب القبيلة من العرب المعروفين ببني قرّة، ورغّبهم أيضا وخاطبهم بمثل ما خاطب به البربر [واستمالهم وحصلوا في جملته أيضا، وأخذ البيعة على العرب والبربر] (٥) بموضع يعرف بعيون النظر من جبل برقة [يوم السبت لسبعة عشر ليلة خلت من جمادى الآخر سنة

стр. 254

٣٩٥] (١). ثم رجعوا بأجمعهم إلى برقة ونزلوا عليها في [عشيّة يوم الخميس] (٢) سلخ (جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة) (٣) وحاربوا تلك الليلة عسكرا كان للحاكم مقيما بها مع والي (٤) من قبله خادم يسمّى صندل، فقتل من عسكر الحاكم جماعة كثيرة، وعادوا إلى معسكرهم تحت الجبل القبليّ، [فلما كان يوم الجمعة مستهلّ رجب رجعوا] (٥) إلى المدينة وأظهروا بنود الوليد بن هاشم (٦) الخارجيّ، ونزلوا على السّور (٧) في قبليّ المدينة، فتحصّن الناس بالمدينة وأغلقوا أبوابها. ووقع (٨) بين العسكرين حرب شديد ببابها القبليّ، ووقع الحرب بينهم ثلثة أيام، وقتل من الفريقين خلق كثير، وارتحلوا عن المدينة في اليوم الرابع، وبلغهم أيضا عن عسكر اللواتين (٩)، وهم قبيلة من البربر، مع رجل يعرف بابن طيبون قد وافى قادما إلى برقة لنصرة أهلها، فسار الخارجيّ بجيوشه للقائهم، واجتمعوا بموضع من الطريق يعرف بأسقفية (١٠) وتحاربوا حربا شديد (١١)، فانهزم عسكر اللواتين، وقتل منهم عددا (١٢) كثير، وقتل ابن (١٣) طيبون (١٤) في جملة من قتل، ونهبت رحالاتهم، وهرب من سلم منهم على وجهه.

стр. 255

وعاد الوليد بن هشام بجيوشه إلى برقة وقد تقوّى بما أخذه ونهبه (١) من السلاح، [يوم الأربعاء لثلاثة عشر ليلة خلت من رجب] (٢)، ثم عادوا فلقوا أهل المدينة قد بنوا السور وحفروا الخنادق في مدّة غيبته وأنفسهم قويّة، فخوّفهم ورغّبهم في الدخول في طاعته، فأبوا عليه وقذفوه، فقاتلهم أشدّ قتال. وكان يفرّق العسكر على أسوار المدينة ويباطش الحرب بنفسه، ويتولّى الطّوف (٣) حول المدينة بالليل، ويقتل من وجده قد خرج عنها متعيّشا (٤) [بأشدّ قتل ليرهب الناس] (٥) وعمل ثلاث عرّادات ونصبها للقتال، وقاتل بها في مدّة أيامه كلّها، وضيّق على الناس، ومسك عليها الطّرقات، وحظر (٦) أن يدخل المدينة شيء من الأقوات وغيرها، فاشتدّ الأمر على أهل المدينة، وضاق عليهم الحال وفرغ ما كان عندهم من القوت. وأقام محاصر (٧) المدينة على هذا الحال خمسة أشهر (٨) [إلاّ عشرة أيام]. وكان الحاكم قد جرّد للقائه (٩) جيشا كبيرا من مصر، مع غلام تركيّ يسمّى ينال (١٠) الطويل، فسار إلى أن قرب من أعمال برقة، وتوجّه الخارجي للقايه بجميع من تبعه من العرب والبربر، وكانوا زهاء خمسة آلاف رجل، والتقوا في الموضع المعروف بعيون النظر (١١) من عمل/١١٧ أ/برقة، وهو

стр. 256

المكان الذي بايعه [العرب] (١) البربر فيه، وتحارب العسكران ثلاثة أيام متوالية [وذلك في ذي القعدة سنة ٣٩٥] (٢) فقتل أكثر من في عسكر ينال (٣)، وأخذ ينال (٤) أسيرا وقتل، وتتبّعت العرب من نجا من عسكره، فلم يبقوا على واحد ممّن ظفروا به، فلمّا اتّصل ذلك بأهل برقة من العسكريّة والرعيّة، معما كانوا فيه من الضّعف والحصار لم يستطيعوا المقام بها، فهربوا وهرب صندل الوالي، وركبوا البحر، فتوجّه بعضهم إلى مصر، وقصد بعضهم طرابلس المغرب [في البحر] (٤). ودخل الوليد بن هشام المدينة يوم الأربعاء ثالث ذي الحجّة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وأظهر فيها مذهبه وهو مذهب السّنّة [من مذاهب القوم] (٥)، وسمّي بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وضرب ذلك على سكّته، وأقام الدعوة لنفسه، ولقّبه أهل مصر بأبي ركوة، ووضع يده على نعم أهل برقة وأموالها وحازها، ولقوا منه شدّة شديدة (٦). وكان ببرقة وفي سائر المغرب في تلك السنة غلاء عظيم ووباء شديد حتى فقد الخبز ببرقة (٧). [سنة ٣٩٦ هـ .] [هياج ريح شديدة في مصر مع رعد وبرد عظيم] وفي أوّل ليلة من رجب سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة هاجت ريح شديدة بمصر في الليل حتى استغاثت الناس إلى الله ، وكان يرى في أركان السماء حمرة شديدة كالنّار الملتهبة. وحدث يوم الجمعة ثالث ذلك اليوم

стр. 257

بمصر أيضا رعد شديد، ووقع على الأرض [حصا] (١)، برد عظيم المقدار لم ير مثله ولا عهد شبهه بمصر. وكان حدّه حوالي مصر والقاهرة فقط (٢). [ظهور كوكب عظيم يسطع كالقمر استمرّ أربعة أشهر] وظهر في السماء كوكب عظيم ليلة الثلاثاء لليلتين خلت من شعبان من السنة، وكان له شعاع مبهر واضطراب متكاثر وضوء ساطع كضوء القمر، [وكان في الليالي غير المقمرة يضيء وينير كضوء القمر] (٣)، ولبث أربعة أشهر على هذا الحال، ثم اضمحلّ وغاب. [ظهور كوكب عظيم آخر في الغرب] وظهر أيضا كوكب عظيم ذو ضوء شديد في الغرب وقت سقوط الغموض (٤) في ليلة السبت التاسع من شوّال من السنة، وطال وعظم، ثمّ افترق ثلاثة أجزاء وغاب (٥). [خسف مدينة الدّينور وهلاك كثير من أهلها] وفي هذه السنة خسف بلد (٦) في المشرق يعرف بدينور (٧) وهلك من

стр. 258

أهله خلق [كثير] (١) ... [العرب والبربر يرحلون عن برقة لشدّة الغلاء وانعدام القوت] وأمّا الوليد بن هاشم (٢)، فلما عظم الغلاء ببرقة وتزايد به وبمن معه، عدم القوت سار عنها في جماعة العرب الملمّين به والبربر المجتمعين إليه بنسائهم (٣) وأولادهم، وبدوابّها (٤) ومواشيهم كأنّهم منتقلين من (موضع إلى موضع) (٥) ولم يتخلّف منهم إلاّ اليسير، وساروا من برقة حتى انتهوا إلى أعمال الإسكندرية، وسيّر الحاكم للقائهم غلاما يعرف بقابل من الأرمنية (٦) في عسكر (معه) (٧)، فأوقعوا بذات الحمام من أعمال الإسكندرية، وقتل قابل وكثير من أصحابه (٨). ونزل أبو ركوة على مدينة الإسكندرية، وقاتل عليها قتالا شديدا، فلم

стр. 259

يتمّ له فيها شيء، فاستحضر الحاكم العرب [التميميّين] (١) الذين في البراري بالشام واستدعى المفرّج بن دغفل (٢) بن الجرّاح ثلاثة من أولاده وهم: عليّ، وحسّان، ومحمود، وسيّر معهم عدّة جمّة من العرب، [الحاكم يحشد العرب والمشارقة والمغاربة لقتال أبي ركوة] ففيّضهم (٣) الحاكم الأرزاق، وفرّق عليهم السلاح، وندب الفضل بن صالح للخروج للقائه [ولسياقة الجيوش] (٤) وضمّ جيشا كثيرا جمع فيه جلّ (٥) رجال المملكة من المشارقة والمغاربة، والتقى طوالع العسكرين/١١٧ ب/ في ذي القعدة من السنة في موضع يعرف بتروجة (٦) من أعمال الإسكندرية، [أبو ركوة يملك الفيّوم ويباغت ابن فلاح بالجيزة] وانتشب (٧) الحروب بينهم، ونفذت جيوش أبي ركوة إلى الفيّوم وملكوه، وما والاه من الضّياع [وأخربوها ونهبوا ما فيها] (٨) واضطرب أهل مصر وخافوا خوفا شديدا، وجرّد الحاكم عسكرا إلى الجيزة مع عليّ بن فلاح لحفظها [وضبطها] (٩)، فبلغ أبا ركوة ذلك، فسيّر سريّة (١٠) من العرب الملمّين (١١) به، وقصدوا الجيزة، وكبسوا ابن فلاح في عسكره [يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة من السنة] (١٢) وانتشب (١٣) الحرب بينهم في الموضع المعروف بأرض الخمسين، وقتل من عسكر ابن فلاح عددا

стр. 260

كثيرا (١) وانهزموا، وغرق في النّيل جمع منهم، وملك أصحاب أبي ركوة ما كان مع ابن فلاح من العدد والآلات، وانصرفوا [آخر نهار ذلك اليوم] (٢) (وصاروا) (٣) إلى الفيّوم، واجتمعت عساكرهم بها. [اضطراب المعيشة في مصر خوفا من أبي ركوة] وازداد اضطراب أهل مصر [ووجلهم] (٤) وتزايدت أسعارهم، فنودي: «أيّ أحد زاد في السّعر فقد أوجب على نفسه القتل»، فتراجعت الأسعار إلى حدّها (٥). وصار الفضل بن صالح بالجيوش المنضمّة إليه إلى الفيّوم، [للقاء أبي ركوة] (٦). والتقيا (٧) الفريقان [يوم الجمعة لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ٣٩٦] (٨) بموضع من أرض الفيّوم يعرف برأس البركة، فانهزم أبو ركوة ومن معه من العرب، وقتل أكثر البربر، ولم يفلت إلاّ نفر قليل من النساء والصّبيان، وحملوا إلى مصر وأطلق سبيلهم، ووقع فيهم الجدريّ والوباء، فلم يعش منهم أحد، ومن كان تخلّف منهم ببرقة اشتدّ به الجوع وهلك بعد أن أكل بعضهم بعض (٩) من الجوع، وهرب أبو ركوة مع العرب. [بنو قرّة يرفضون تسليم أبي ركوة للفضل بن صالح] وأرسل الفضل بن صالح إلى بني قرّة يسألهم أن يسلّموه إليه، وبذل لهم على ذلك مالا جزيلا، ولم يجيبوا إلى تسليمه وتفرّقوا عنه، وانبثّت (١٠) الجيوش في

стр. 261

نواحي الصعيد في طلبه، فلما تطاول مقامهم دخل العرب التميميّون (١) إلى مصر، فأحسن إليهم، وانصرفوا إلى مواطنهم. [سنة ٣٩٧ هـ .] [أبو ركوة يلجأ إلى دير في النوبة] وانتهى إلى فضل بن صالح أنّ العرب قد حملت أبا ركوة إلى طرف بلاد النّوبة، وهو على (نيّة) (٢) الدخول إليها، فأنفذ إلى هنديل (٣) أمير العرب المتدبّر ناحية السودان (٤) يبذل له في أخذ أموالا وإقطاعا (٥)، فسار الهنديل في طلبه إلى أعمال صاحب الخيل، وهو المقيم في أوّل عمل النّوبة، وأعلمه حال الخارجيّ وحصوله في أعمالهم ووروده في طلبه، وأنّه إن لم يسلّمه إليه وردت العساكر إلى بلادهم وأفسدت فيها، فقال له إنّه (٦) لم يعبر إلاّ نصرانيّان راكبين جملين بجاويين، فقال له: فلهما (٧) اطلب، فقال له: إن وجدتهما خذهما، فطلبهما وعرف حصولهما في بعض الدّيارات، فقصد ذلك الدّير فألقى البجاويين [ومعهما غلام، فسأله عن صاحبه فإذا هو (٨) قد أقبل وعلى رأسه زبيل بين البجاويين] (٩). فقال له عند ذلك: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فانقطع في يده وقبض عليه وكتّفه، وأحضره إلى الفضل، فحمله إلى مصر أسيرا، فأشهر بها [يوم الأحد لثلاث عشر ليلة بقيت من جمادى الآخر سنة ٣٩٧] (١٠) ثم قتل [في ذلك اليوم] (١١) في موضع يعرف بمسجد تبر، وصلب فيه وأحرق بالنار. وكان من اليوم الذي

стр. 262

بويع له فيه ببرقة إلى اليوم الذي قتل فيه سنتين (١). [بيع الفقّاع والملوكية والسمك غير المقشّر في مصر] وفي المدّة التي ثار فيها أبو ركوة تراجع/١١٨ أ/الرعيّة بمصر إلى بيع الفقّاع (٢) والملوكية (٣) والطلنيس (٤) وسائر الأسماك التي بلا (٥) قشر، وجميع ما نهي عنه من غير تقدّم (٦) لهم في ذلك. وفي تلك المدّة رسم الحاكم (٧) كشط الكتابة التي على الدروب وغيرها بلعن (٨) أبي بكر، ومن كان اسمه قد كتب. وقد كنّا ذكرنا أنّه كان حظّر على النبيذ، ونهى عن المظاهرة به وهجره وامتنع من شربه. وكان طبيبه أبو الفتح منصور بن سهلان (بن مقشر (٩)) (١٠) قد توفّي

стр. 263

[الحاكم يشرب النبيذ بإشارة طبيبه ويعيد الملاهي إلى مجلسه] واستطبّ (بعده) (١) أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن أنسطاس (٢)، فأشار عليه بشرب النّبيذ، وذكر له ما فيه من المنافع، فجنح إلى مشورته، وأغضى عمّا كان عليه من النّهي عنه، واستدعى جماعة من المغنّيّين (٣) وأصحاب الملاهي إلى مجلسه، وشرب على غنائهم (٤) وخلع العذار معهم، وأحسن إليهم، ورجع الحال بالناس إلى ما كانوا عليه في السالف (من بيع الفقّاع والملوكية والطلنيس وسائر الأسماك بغير قشر) (٥). وبعد مدّة مات أبو يعقوب بن أنسطاس الطبيب (٦) فرجع عن ذلك

стр. 264

ومنع عن شرب النبيذ أشدّ منع وتشدّد فيه وقت (١) بعد وقت، حتّى أنه منع من بيع الزّبيب (٢) والعسل ومن حملها (٣)، وأحرق منهما (٤)، وغرّق في النيل شيئا كثيرا للتجّار بمال عظيم، وكسرت الظروف التي يوعى فيها النبيذ، ومنع من عملها (٥).

стр. 265

[الخلف بين النصارى على موعد عيد الفصح] وفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة الموافقة لسنة ألف وثلاثمائة وثمانية عشرة للإسكندر كان بين سائر النصارى خلف [عظيم وشك كثير] (١) في سائر الأقاليم في حساب الفصح (٢)، وذلك أنّ بعضهم رأى أنّ فصح النّصارى في السنة المذكورة في ستّة أيام تخلوا من نيسان [من شهور الروم] (٣) وهو الخامس عشر من [هلال] (٤) رجب، ورأى بعضهم أنّ الفصح فيها يوم الأحد الذي يليه، وهو الثالث عشر من نيسان، وهو الثامن والعشرين (٥) من [هلال] (٦) رجب. وكان سبب هذا الشكّ حساب فصح اليهود، إذ (٧) من المتعارف أنّ حساب فصح النّصارى مستخرج من حساب فصح اليهود، وأنّه أيّ يوم اتّفق فيه فصح اليهود من أيام الجمعة كان (يوم الأحد) (٨) الذي يليه فصح النّصارى، مثل أن يكون فصح اليهود يوم السبت، فيكون فصح النّصارى يوم الأحد غده، أو يكون فصح اليهود يوم الأحد، فيكون ذلك الأحد هو الشعانين (٩)، والأحد الذي يليه فصح

стр. 266

النّصارى لأنهما لا يفصحان يوما واحدا أبدا. وكان بعض حسباناتهم (١) التي يعوّلون على استخراج ذلك منها يوجب أن يكون فصح اليهود يوم السبت في خمسة أيام تخلوا من نيسان، الموافق لليوم الرابع عشر من هلال رجب. [بطريرك الإسكندرية يدبّر كرسي بيت المقدس لخلوّه] وكان فصح النّصارى على هذا يوجب أن يكون في الأحد [الذي] (٢) غده (وكانت بعض الحسبانات أيضا يوجب) (٣) أن يكون فصح اليهود يوم الأحد في ستّة [أيام] (٤) من نيسان، الموافق للخامس عشر من رجب. فأوجب الحساب على هذا الرأي [أيضا] (٥) أن يكون فصح النصارى في الأحد الذي يليه [وكان بعض الجداول المسيّر فيها حساب الفصح يوجب قول الفريق الأول. وبعضها يحقّ (٦) قول الفريق الثاني. وتطاول (٧) مدّة الخلف بينهم. ووردت كتب ساير الأمكنة بعضهم لبعض يتعرّفون منهم صحيح ما وقفوا عليه من ذلك، فكانت كتب هؤلاء نافذة إلى هؤلاء، وكتب هؤلاء صادرة إلى هؤلاء، يستعملون ما وقف (٨) اتفاقهم عليه، وذلك في السنة السابعة من رياسته. ولم يكن على بيت المقدس يومئذ بطريرك، وذلك منذ موت أورسطس

стр. 267

بطريرك بيت المقدس بالقسطنطينية صار أرسانيوس بطريرك الإسكندرية مدبّر (١) لكرسي بيت المقدس. [استمرار الخلاف على عيد الفصح] وكان يصلح المطارنة والأساقفة لهذا الكرسي بيت المقدس. وكان يصلح الرؤساء للكرسي. فكتب أيضا رؤساء اليعقوبية والنسطورية إلى أصحابهم المقيمين في الشام وغيره يعرّفونهم ما اتفق عليه أهل مصر، وأنه الصواب. فوصلت الكتب وقبلها كل أحد إلاّ أهل بيت المقدس، فلم يوافقوهم على رأيهم، ورأوا أن الرأي الذي اعتمدوا عليه هو الصحيح. واتصل ذلك بأرسانيوس البطريرك على الإسكندرية، فكتب إليهم يفنّد رأيهم ويعرّفهم أنّهم على غلط فيما اجتمعوا عليه، وأن الصحيح ما اتفق عليه أهل مصر، فوصلت كتبه إليهم عشيّة يوم الخميس من الجمعة التي تهجر الملكية فيها أكل اللحوم المنسوب صوما إلى هرقل الملك. وكان أهل بيت المقدس قد افترضوا تلك الأيام الأربعة وأكلوا اللحم فيها قبل أن تصل إليهم كتب البطريرك وعوّلوا على أن يكون صومهم وفصحهم على ما اتفق عليه] (٢). حينئذ اتّفق جميع النصارى الذين بمصر من الملكية والنّسطورية واليعقوبيّة على أنّ/١١٨ ب/فصح اليهود يوم السبت في خمسة أيام نيسان، وهو الرابع عشر من رجب، وفصح النّصارى يوم الأحد غده. ورأى أهل بيت المقدس الرأي الثاني، واعتمدوا عليه، ووصلت كتبهم وكتب أهل الشام إلى مصر يتعارفون منهم ما اتّفقوا عليه. وكتب أرسانيوس بطريرك الإسكندريّة إلى أهل بيت المقدس بما صحّ عنده فيما اتّفق عليه رأي أهل مصر، وأنه الصواب الذي يجب أن يعوّل عليه (٣). فلمّا وصلت إليهم كتبه قبلوها [ورجعوا عن ذلك وصاموا يوم الجمعة

стр. 268

غد ذلك اليوم ورفعوا اللحم عنه تلك الليلة] (١)، واتّفق أهل أنطاكية على ما اتّفق عليه أهل مصر. وعيّد اليهود المقيمون بالشام وبمصر يوم السبت الخامس من نيسان، وهو الرابع من رجب. وكان فصح جميع النصارى في ساير الأمكنة] (٢) في يوم الأحد وهو السادس من نيسان والخامس عشر من رجب، إلاّ قوم من اليعاقبة (٣) من أهل صعيد مصر، فإنّهم فصحوا (٤) في (٥) الأحد الذي يليه. [المؤلّف يعد بوضع مقالة يبيّن فيها الشبهة حول موعد الفصح] وأنا مزمع أن أعمل مقالة مفردة أبيّن فيها الوجه الذي دخلت منه هذه الشبهة، وكيف ينبغي أن يتحذّر منها، وأنبّه على السنين التي يتّفق فيها، وكنت عزمت على أن أورد من كتابي في هذا الموضع (٦) هذا أجمل (٧) ما أريد أضمّنه تلك المقالة، فرأيت أنّ ذلك خارجا عن الغرض الذي أيّاه قصدت. [ولولا أن ما ذكرته من هذا داخل في جملة الحوادث التي ينبغي أن تسطّر في التواريخ والسير لتخطيته، وأنا أرشد من يحب يقف على معرفة استخراج فصح النصارى وصومهم بشرح طويل إلى المقالة الثانية من كتاب سعيد بن بطريق البطريرك الذي تأليفنا هذا تال له ومضاف إليه، فإن تلك المقالة بأسرها قد أفردها في معرفة أصل حساب فصح اليهود وكيف يستخرج منه فصح النصارى وصومهم، لاسيما النسخة الثانية التي غيّرها وقرّر الأمر عليها، فإنها تتضاعف وتزيد على مقدار النسخة الأولا (كذا) التي غيّرها وبدّلها] (٨).

стр. 269

فلنرجع الآن إلى ما كنّا فيه من التاريخ. وانتهت زيادة النّيل في سنة سبع (١) وتسعين وثلاثمائة إلى أربعة عشر ذراع وستّة عشر إصبع (٢)، وانصرف (٣)، فاضطربت الأسعار بمصر من الحنطة وسائر الحبوب [والأقوات] (٤) وتزايدت (٥). [اضطراب الأسعار بمصر] واقترن بغلو (٦) السّعر أمراض حادة (٧) ألمّت بالناس وعلل وأوبئة ألقت خلقا من أهل مصر (٨). [سنة ٣٩٨ هـ .] [المطر والبرد والسيل الجارف بمصر] وحدث بمصر مطر عظيم، وسقط برد كثير في الليل في شهر (٩) رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ولم يزل إلى وقت مغيب الشّفق. وبعد رقدة من الليل نزل من الجبل سيل عظيم إلى القاهرة، وطرح بالحارة المعروفة كانت بالروم، ثم عرفت (١٠) بالكتاميين زهاء ثلاثمائة دار، ومات تحت الردم عدد متوافر من الناس، وطرح أبنية من قصر الخلافة ومواضع عدّة من حارة عبيد الشرا. [وقتل أيضا من الناس عدد كثير] (١١). وكان رسم النّصارى في بيت المقدس جاريا في كلّ عام بحمل شجرة [عزيمة] (١٢) من شجر الزيتون في عيد الشعانين من الكنيسة (المعروفة) (١٣)

стр. 270

بالعازرية إلى كنيسة القيامة وبينهما مسافة بعيدة، وأن يشقّ بها شوارع المدينة بالقراءة (والصلوات، حاملين) (١) الصّليب (مشهورا) (٢) ويركب والي البلد في جميع مواكبه معهم ويذبّ عنهم. [الحاكم يضع يده على أوقاف الكنائس والأديرة بمصر] وكان الرسم بمصر وسائر البلاد أيضا أن تزيّن الكنائس في هذا العيد بأغصان الزيتون [في هذا اليوم] (٣) وقلوب النخل، ويفرّق منها على الناس [في هذا اليوم] (٤) على سبيل التبرّك (٥) بها، فمنع الحاكم في هذه السنة أهل بيت المقدس من رسمهم ذلك، وأمر أن لا يعمل ذلك في شيء من أعمال مملكته في ذلك اليوم، ولا يحمل ورقة من ورق (٦) الزّيتون ولا من سعف النّخل في كنيسة من [سائر] (٧) الكنائس، ولا يلحظ شيء منها في يد مسلم ولا نصرانيّ [ولا غيرهما من جميع الناس] (٨) (وحظّر عليهم أشدّ تحظير) (٩). ووضع اليد في يوم السبت العاشر من/١١٩ أ/ [هذه] (١٠) السنة على أوقاف الكنائس والديارات الحديثة والعتيقة بمصر خاصّة دون غيرها من البلدان، وجعلها باسمه [وذلك يوم السبت لعشر خلون من رجب سنة ٣٩٨] (١١). ...

стр. 271

[عزّل القائد ابن جوهر وتعيين الدويداري] [وعزل قائد القوّاد الحسين بن جوهر عن النظر في تدبير الأمور، ونصب لذلك صالح بن علي [الدويداري في (١) شعبان سنة ٣٩٨] (٢) ولقّبه [في شهر رمضان سنة ٣٩٩] (٣) بثقة الثقات السيف والقلم (٤)] (٥). ... [الحاكم يعاقب الكتّاب بالقتل والتعذيب لسعاية بعضهم] وسعى بعض الكتّاب بكاتب يعرف بمنصور بن عبدون (٦) النّصرانيّ، وكان متولّي (٧) ديوان الشام، وبجماعة من كتّاب دواوين مصر، ونفر من الكتّاب المسلمين، وطولبوا بحساب ما كانوا يتولّونه، وصودروا، وتقدّم الحاكم بمعاقبة النّصارى منهم خاصّة، وعلّق جماعة منهم بأيديهم، وأخذ جميع ما كان لهم، ولبثوا أياما معلّقين في برد الهواء وحرّ الشمس وإهطال المطر، إلى أن مات عدّة منهم تحت العذاب. ثم أسلم نفر منهم وأطلقوا وعفي عن باقيهم بالإسلام، وأزيلت المطالبة لهم، وجدّ في تخليتهم منصور بن عبدون من غير أن يكون أسلم (٨). ... [نقض ماء النيل وانقطاع سير المراكب] (ونقص ماء النيل نقصا فاحشا حتى انقطع سير المراكب في البحر الشرقيّ من تنّيس ومن المحلّة، وصار مخائض تخوضة الدوابّ، وتغيّرت رائحته، حتى كان الناس يستقون (٩) ما يشربونه من بحر الجيزة (١٠) [خارج المختارة مقابل بولاق] (١١).

стр. 272

[سنة ٣٩٩ هـ .] [توقّف ماء النيل واضطراب الأسعار وانتشار الوباء بمصر] وتوقّف ماء (١) النّيل أيضا في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وانصرف من غير أن يتمّ مقدار الحاجة إليه، فتزايد اضطراب الأسعار بمصر وعزّت الأقوات، وتظاهر قوم بأكل الكلاب والميتة، وعظم حال الوباء، ولم يزل إلى آخر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٢)) (٣). ... [الحاكم يأمر بتمييز النصارى واليهود في الحمّامات] وأمر الحاكم في هذه السنة أن يتميّز النصارى في الحمّامات من المسلمين بصليب يعلّقون (٤) في رقابهم، وأن يتميّزوا (٥) اليهود بجلجل مكان الصّليب، فلبثوا بذلك مدّة، ثم زال (٦). [الحاكم يهدم كنيسة السيدة بدمشق] وكتب إلى دمشق بهدم كنيسة السيدة [الكاثوليكي] (٧) وهي [كنيسة] (٨) كبيرة حسنة فهدمت [في رجب من السنة] (٩). [الحاكم يسمح بصلاة القنوت والضحى ويمنع سبّ السلف والصحابة] وأمر في شهر رمضان من السنة بأن تصلّى صلاة القنوت (١٠) التي ذكرناها أنها قطعت في سنة سبعين وثلاثمائة، وأن يجري فيها على الرسم القديم، وأن تصلّى صلاة الضّحى أيضا من شاء (١١)، وقد كان منع منها أيضا، وأن لا يسبّ أحدا من السّلف والصحابة الذين كان أمر بإثبات أسمائهم واللعن لهم، وأن يحلف كلّ إنسان بما أراد وأحبّ من الأيمان بهواء

стр. 273

القوم، ثم منع جميع ذلك بعد مدّة يسيرة، وقتل جماعة ممن تعرّض لهم (١). [الحاكم يهدم كنيسة مريم بمصر] وهدم كنيسة مريم القنطرة بمصر يوم (٢) الأحد في (٣) ذي الحجة من السنة، [وتقصّى هدمها] (٤) ونهب ما كان فيها من الرحالات (٥)، وكان بها مقابر كثيرة ومدافن للنّصارى، ففتح السودان والعبيد والرعاع جميعها، ونبشوا الموتى المدفونين فيها، وطرحت عظامهم، فأكلت الكلاب لحم من كان قريب العهد منهم. وكان بجوار هذه الكنيسة بيعة [وكنيسة] (٦) لليعقوبية على اسم مار قزما، فامتد (٧) إليها اليد أيضا ونقضت (٨). ... وقبض الحاكم على سائر عقار والدته وأخته وعمّاته وحرمه/١١٩ ب/ وخواصّه من النّساء، وأملاكهنّ وسائر إقطاعهنّ من الدّور والأجنة والحمّامات التي بمصر والقاهرة وقبضه (٩) إليه. [الحاكم يأمر بهدم كنيسة القيامة وكنيسة ماري قسطنطين] وكتب إلى الشام إلى باروخ (١٠) بالرملة بهدم كنيسة القيامة (١١) وإزالة أعلامها (وتقصّى قلع آثارها المكرّمة) (١٢)، فأنفذ باروخ يوسف ابنه والحسين

стр. 274

ابن ظاهر الوزّان وأنفذ معهما أبا الفوارس الضيف (١)، واحتاطوا على ما فيها من الآلات، وأنزلت بأسرها إلى القرار، إلاّ ما تعذّر هدمه [واستصعب قلعه] (٢). وهدم الأقرانيون وكنيسة ماري قسطنطين وسائر ما اشتمل عليه حدودها، (واستقصي في إزالة الآثار المقدّسة) (٣). [سنة ٤٠٠ هـ .] [اقتلاع المقبرة المقدّسة وهدم دير السري] وجهد ابن أبي ظاهر في قلع المقبرة [المقدّسة] (٤) ومحق (٥) أثرها، فنقر أكثرها وقلعه. وكان في الجوار منها دير للنساء يعرف بدير السرّي (٦) فهدم أيضا (وكان ابتداء نقضها يوم الثلاثاء لخمس (٧) خلون من صفر سنة أربعمائة. وتركت اليد على سائر أملاكها وأوقافها، وقبض على جميع آلاتها وصياغها) (٨). ... [صرف صالح بن عليّ عن النظر وردّ ابن عبدون] وصرف صالح بن عليّ عن النظر في الأمور [في يوم الاثنين لأحد عشر ليلة بقيت من صفر من السنة] (٩) وردّ [النظر] (١٠) إلى منصور بن عبدون الكاتب النّصراني الذي كان صودر (١١)، ولقّب بعد مدّة من نظره الكافي،

стр. 275

وألزم صالح بن عليّ داره عند عزله، فلبث لازما (١) لها ثمانية أشهر [وأيام] (٢) وكان قد كتب له أمانا وكيدا على نفسه، وغدر (٣) به وقتله [في شوّال من السنة] (٤). [عادة النصارى في ليلة الحميم بمصر] (٥) وكان رسم النّصارى قد جرى بمصر في ليلة الحميم أن يركب متولّي الشرطة السفلانيّة (٦) في أوّل الليل في موكب كبير بزيّ مجمّل (٧) ويوقد بين يديه الشمع الموكبيّ والمشاعل [شي كثير] (٨) ويطوف الشوارع وينادي في الناس أن لا يختلطوا (٩) المسلمون مع النصارى في تلك الليلة ولا ينكّدون (١٠) عليهم عيدهم. وذلك أنّ النّصارى كانوا سحر تلك الليلة يخرجون إلى شاطىء النّيل ويغطس كثير منهم فيه. وكان رسم الملكيّة خاصة في تلك الليلة يخرجون من الكنيسة القاثوليكي (١١) التي بقصر الشمع المعروفة بكنيسة ميكائيل (١٢) في جمع

стр. 276

متوافر بالقراءة الملحّنة، وبالنغمات المعلنة، والصّلبان المشهورة ووقيد الشمع (١) إلى شاطىء النيل بباعوث، ويصلّون، معلنا كلّ طريقهم، ويخطب الأسقف المرأس عليهم (على الشاطىء) (٢) بالعربيّ، ويدعون للسلطان ولمن شاؤوا (٣) من خواصّه، ويرجعون إلى بيعتهم (على تلك الهيئة) (٤)، ويتمّمون بها صلواتهم. وحضرهم الحاكم في كثير من الأعوام متنكّرا وشاهدهم، وكان لأهل مصر وأهل الملك (٥) والمذاهب بمصر في هذا العيد من الطّيبة والفرح ما لا يكون لهم في غيره من أيام السنة وأعيادها، فمنع الحاكم الكلّ في سنة أربعمائة من جميع ذلك، وألاّ يتعرّض أحد من سائر الناس كافّة إلى فعل شيء من ذلك في تلك الليلة، (وذلك إلى اليوم) (٦)، وأن يعرض عنه ويصرف عن ذكره، ويجري مجرى سائر الأيام، ولا يستعدّ له ولا يحفل به. [هدم دير القصير بالجبل المقطّم وكنيسة دمياط] ورسم أيضا في يوم الثلاثاء في ثامن (٧) شهر رمضان سنة أربعمائة بهدم دير القصير (٨) وهو دير للملكيّة في الجبل المقطّم مبنيّ على قبر القدّيس أرسانيوس، ولينهب جميع ما فيه، وكان أرسانيوس بطريرك الإسكندرية يومئذ مقيما فيه متعبّدا، وأخرج عنه مع كلّ من كان يسكنه (٩) من الرهبان. وكان أرسانيوس البطريرك قد أحاط على الدّير سورا منيعا وعمّره وجدّده، وأنشأ فيه (١٠) أبنية كثيرة، فهدم جميعها وخرّب الدير. وكان للنّصارى الملكيّة في

стр. 277

ظاهره مقابر ومدافن/١٢٠ أ/لموتاهم، ففتح الرعايا والعبيد جميعها، ونبشوا من كان فيها، وأخذوا أيضا توابيتهم، وطرحوا أعضاءهم (١)، وكان أمرا فظيعا لم يشاهد مثله، ولا جرى في السالف شبهه، فانتهى ذلك إلى الحاكم فأمر بعد الفوت بالكفّ عن فتح القبور، وترك التعرّض للموتى. وأنفذ أيضا (٢) إلى دمياط، فهدم كنيسة مرتمريم المعروفة بكنيسة العجوز. (وشرع في (٣) خرابها يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة) (٤). وكان أيضا بها مدافن كثيرة لنصارى (٥) البلد الملكية، فنبشوا (٦)، وأخربت البيعة خرابا عظيما وأزيلت آثارها جملة، ووضعت اليد على آلاتها وسائر أوقافها. ولم يكن في كثير من البلاد التي في مملكة الإسلام على ما قيل بيعة مثلها [بعد كنيسة القيامة ببيت المقدس] (٧)، بناية حسنة، وعمارة طائلة، وآلة وآنية من ذهب وفضّة، وآلات وعقار كثير، وبني مكانها محرس (٨) وعمل فيه مسجد. ... [مقتل أرسانيوس بطريرك الإسكندرية] وقتل أرسانيوس بطريرك الإسكندرية سرّا عشيّة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة أربعمائة [وهو لأربع خلون من شهر تموز سنة ١٣٢٩ للإسكندر] (٩) وله في الرئاسة عشرة سنين [وأحد عشر يوما شمسية] (١٠). وكان قد سلك في آخر أيامه طريقة حسنة، وأخذ نفسه بالصلاة والصوم والتعبّد والنّسك، وأخذ من ذلك مأخذا عظيما) (١١).

стр. 278

[تزايد قتل الحاكم لرجال دولته] وتزايد الحاكم في القتل لسائر من في دولته، وبذل سيفه في مقدّمي أهل المملكة [ومتحيّزيها] (١) من الكتّاب والقوّاد والجند والرعايا، وقطع أيديهم (٢)، وأفرط في ذلك، فاختلّت بلاده وفني رؤساء رجاله، فتخوّف الحسين بن جوهر قائد القوّاد على نفسه، ولم يكن بقي من رؤساء دولته من له ذكر ونباهة (اسم) (٣) غيره، فهرب وأخذ معه أولاده (وصهره عبد العزيز بن محمد بن النعمان (٤) وولديه. وكان عبد العزيز قد تولّى قاضي القضاة، ثم صرف بمالك بن سعيد (٥) بن مالك) (٦) وقصدوا جميعا بني قرّة في ناحية الإسكندرية وانضووا (٧) إليهم وتحرّموا بهم، وحملوا معهم ما اتّجه لهم حمله سرّا من مال عين، فأحسنوا قبولهم وأقاموا عندهم، ووضعت (٨) اليد على سائر أملاكهم بمصر وغيرها

стр. 279

وإقطاعاتهم [وقبضت] (١) ونقل جميع ما في دورهم واحتيط عليه. وقد كان بلغهما دفعة أخرى قبل ذلك أنّ الحاكم يريد قتلهما، فهربا جميعا [وهرب معهما أولادهما يوم الأربعاء لأحد عشر ليلة خلت من جمادى الآخر] (٢) (في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة) (٣) وقصدوا الجبل المقطّم وأقاموا فيه ثلاثة أيام، فاشتدّ بهم الضرّ، وأشرفوا على الهلكة من الجوع والعطش، فعادوا وقصدوا قصره متحرّمين (٤) به (بدلجة عميقة) (٥) [من ليلة السبت لأربع عشر ليلة خلت منه] (٦) وألقوا نفوسهم على بابه، فاستدعاهم إليه فاستنطقهم، فعرّفوه أنّ خوفهم ووجلهم من القتل حملهم على الهرب التماسا للنجاة، [الحاكم يؤمّن الهاربين ويكتب لهم أمانا] فطمّنهم وأصرفهم إلى دورهم، وخلع عليهم خلعا من خاصّ كسوته [وملابسه] (٧) وكتب لهم أمانا على أنفسهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم وجميع أسبابهم، وقريء لهم في قصر الخلافة بمحضر من أهل مملكته (٨). ولما هرب قائد القوّاد وأولاده في هذه الدفعة الثانية أيقن جميع من بقي في الدولة بالهلكة/١٢٠ ب/، فاتّصل ذلك بالحاكم، فكتب لكلّ طائفة من الناس أمانا مجدّدا، وقرئت في قصره، وطمّن الكافّة وأمّنهم (٩) بعفوه (١٠).

стр. 280

وتقدّم في الحال بالمعاودة إلى صلاة القنوت والضّحى، وأن يسقط (١) من الأذان عند الصلاة (حيّ على خير العمل) ولم تكن هذه الزيادة تعهد (٢) في السالف في الأذان، وإنّما جوهر عند دخوله إلى مصر أضافها (٣). [سنة ٤٠١ هـ .] [عزل ابن عبدون وقتله وكذلك ابن القصوري] (وعزل الكافي منصور بن عبدون عن النظر في الأمور، وقتله بعد مدّة يسيرة من عزله (٤)، وردّ الأمور إلى أحمد بن القصوري (٥) في ذلك اليوم بعينه، وهو [يوم الخميس] (٦) رابع المحرّم سنة إحدى وأربعمائة، وقتله أيضا في اليوم التاسع (٧) من نظره، [ابن نسطورس يتولّى النظر في الأمور] ونصّب مكانه زرعة بن عيسى بن نسطورس النّصرانيّ، ولقّبه بعد أيام من نظره: الشافي) (٨). وأمّا الحسين بن جوهر فلما تطاول مقامه ومقام من هرب معه عند بني قرّة راسلهم الحاكم بالرجوع إلى حضرته، ووعدهم بالإحسان إليهم، وأعطاهم أمانا ثانيا (على أنفسهم وسائر أسبابهم) (٩) يثقون به، (وكتب لهم سجلاّ قريء في ذلك الوقت بقصره على رؤوس الملأ، وأشهد الحاكم على

стр. 281

نفسه فيه بالوفاء بمضمونه قاضي (١) القضاة مالك بن سعيد بن مالك وجماعة من الأشراف) (٢) فأجابوا إلى الرجوع، ودخلو إلى مصر [في المحرّم سنة ٤٠١] (٣) (وتلقّاهم (٤) سائر أهل المملكة بإذنه، وكتب لهم أيضا أمانا مجدّدا، وضمّنه يمينا مشدّدة، وعهودا مؤكّدة، وأشهد على نفسه بما ثبّت فيه قاضي القضاة مالك بن سعيد وجماعة من شهوده العادلة، وأعاد إليهم سائرة [المأخوذة] (٥) منهم. [الحاكم يغدر بابن جوهر والقاضي عبد العزيز وغيرهما] وأنفذ الحسين بن جوهر نسخة الأمان إلى مكّة وعلّق بها على الكعبة، تحريصا له على الوفاء بمضمونه، ولم يجد ذلك عليهم نفعا، وغدر بهم في الشهر بعينه من السنة، وقبض على الحسين بن جوهر وعلى عبد العزيز بن النعمان، وقد ركبا إلى القصر واتّصل بأولادهما ذلك، فاستتر جعفر بن الحسين بن جوهر وطلب فلم [يوجد] (٦) ومنعت الطرقات وجهرت (٧)، واستقصى البحث عنه فلم يظفر به، فلمّا آيس منه حضر قاضي القضاة مالك بن سعيد واستحلف (٨) الحسين بن جوهر وعبد العزيز أنهما لا يهربان ولا يتغيّبان ولا يستتران ولا يخرجان (٩) عن البلد، وأيّ وقت استدعيا يحضرا، وأطلق سبيلهما. وظهر جعفر من الاستتار (١٠)، فخلع عليه وطمّنه وآنسه. ولما كان يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب الحسين وعبد العزيز إلى القصر على عادتهما، فقبض عليهما

стр. 282

وقتلا) (١)، وقتل معهما (٢) إسماعيل بن صالح أخا الفضل [بن صالح] (٣) وكان الفضل أيضا قد قتل قبلهما بمدّة مقدارها تسعة (٤) أشهر (٥). وهرب جعفر وأبو جعفر ولدا (٦) الحسين بن جوهر وأخ صغير لهما دون البلوغ (٧) يسمّى جوهر إلى الشام في وقت تغلّب ابن الجرّاح عليه، على أن يقصدوا باسيل الملك، [ميخائيل البطريق يرفض إلتجاء أحفاد جوهر إلى أنطاكية] وكتبوا إلى والي أنطاكية ميخائيل البطريق المعروف بالقطانيوس يستأذنوه (٨) بالمجيء إلى أنطاكية، فرسم/١٢١ أ/لهم التوقّف إلى أن يستأذن الملك فيهم، ولم يتّسع لهم الوقت للصبر، فعزموا على التوجّه إلى العراق، فظفر بهم وقتلوا، وذلك أنّهم كانوا قصدوا حسّان بن المفرّج (٩) بن الجرّاح، فسألوه أن يسيّرهم (١٠)، [الحاكم يرشو حسّان بن المفرّج لقتل أحفاد جوهر] وبذل له الحاكم على القبض عليهم مائتي ألف دينار، فقال لهم على سبيل المكيدة: جدّوا لأنفسكم، وسيّرهم إلى أن نزلوا في موضع يعرف بالسّويداء من أعمال دمشق [على يوم منها] (١١) وتنصّح بهم إلى مختار الدولة أبي (١٢) عبد الله بن نزّال (أن يسرع) (١٣) إليهم فقبض عليهم وقتلهم بدمشق، وحملت رؤوسهم إلى مصر في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة (١٤).

стр. 283

[إلزام النصارى واليهود بتغيير الزنانير الملوّنة] وأمر في المحرّم سنة إحدى وأربعمائة أن تؤخذ الذمّة من النّصارى واليهود بتغيير الزنانير الملوّنة التي يلبسونها، والاقتصار على لبس الزنانير السّود فقط (١) دون غيرها من الألوان والعمائم السّود (٢). وجدّد التحذير والمنع من عمل النبيذ ومن شربه سرّا (٣) وجهرا في شهر رمضان سنة إحدى وأربعمائة (٤)، وتقدّم بكسر ما عند الناس (منه) (٥) من الجرار والظروف والقراع (٦) والدّنان وسائر الملاهي (وآلات الموسيقى) (٧) وحذّر من استبقاء شيء من جميع (٨) ذلك والتعرّض لعمله والعمل (٩) به، وتوّعد (١٠) فيه بشديد العقاب، وكسر في الطرقات شيء كثير من النبيذ، وأحرقت آلات الملاهي، وامتثل ذلك في سائر مملكته. وحظّر على النّصارى تقديمه في سائر مملكته، ومنع من التقريب به في قرابينهم (١١). وصاروا (١٢)

стр. 284

النصارى يقرّبون عوضا من الخمر ماء قد نقع فيه زبيب أو عود الكرم (١). [الحاكم يعطّل المطابخ ويقتصر على طعام والدته] وعطّل المطابخ والموائد التي كانت تقام برسمه في كلّ يوم وكذلك السّماطات التي كانت تعمل في الأعياد الجامعة، واقتصر فيما يأكله على ما يجيئه في كلّ يوم من عند السيدة والدته (مقتصرا) (٢). ... [الحاكم يأمر بتغريق مركب حملت هدية من الفاكهة من طرابلس] ووصل من طرابلس الشام (٣) حمايم تحمل هديّة من فاكهة يابسة ورطبة، وغير ذلك من المأكولات، فأمر أن تغرّق جميعها في النيل في الموضع المعروف بالمقس، وقتل النّواتية (٤) الذين كانوا فيها (٥). [الحاكم يبطل ما يعمل برسمه من الكسوة في تنّيس ودمياط] وبطل ما كان يستعمل برسمه من الكسوة في (٦) تنّيس ودمياط. [و] (٧) أمّر الحاكم باروح (٨) التركي الملقّب علم الدولة على سائر جيوشه، ولقّبه أمير الأمراء، وولاّه الشام وسيّره إليها (٩)، وحمل باروح معه زوجته، وهي ابنة الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس (١٠)، وحملا معهما (جميع) (١١) رحالاتهما وما يقتنيانه من نفيس المتاع، وسار في صحبته قافلة التجار بأموال لهم واسعة، ورحالات كثيرة، فاعترضهم في طريقهم ظاهر غزّة المفرّج (١٢) بن دغفل بن الجرّاح وأولاده، فأوقع بهم، وحاز سائر ما كان

стр. 285

معهم، وأخذ باروخ أسيرا وقتله (١). [ابن الجرّاح يدخل الرملة ويبيح للعرب نهبها] وسار ابن الجرّاح إلى الرملة ودخلها، وأباح للعرب نهبها، وأخذ رحالات الناس، وقبض على من كان بها وصادرهم وأخذ أموالهم، وافتقر جماعة من الناس [فيها] (٢) هناك، [ابن الجرّاح يقيم الدعوة لأبي الفتوح أمير مكة ويضرب له السّكّة] وأقام الدعوة لأبي الفتوح (٣) الحسن (٤) بن جعفر الحسني أمير مكة يومئذ، وأسماه أمير المؤمنين ولقّبه الراشد لدين الله، وضرب له السّكّة، [استحواذ العرب على الشام وحصارهم لحصون السواحل] واستحوذت العرب على الشام وملكوه (٥) من الفرما إلى طبريّة، وحاصروا حصون السّواحل مدّة طويلة، ولم يمكنهم أخذ شيء منها (٦). [المفرّج بن الجرّاح يلزم النصارى ببناء كنيسة القيامة] وألزم المفرّج بن الجرّاح/١٢١ ب/النّصارى ببنيان (٧) كنيسة القيامة ببيت المقدس، وصيّر من عملها أسقفا (٨) كان على مدينة جبال (٩) (اسمه أنبا) (١٠) ثاوفيلس، أقام ثمان سنين ومات. وعاضد المفرّج بن الجرّاح على بناء كنيسة القيامة، وأعاد فيها مواضع بحسب إمكانه وقدرته (١١). [استحواذ العرب على الشام وحصارهم لحصون السواحل] واستدعى ابن الجرّاح أبا الفتوح الحسني من مكة، فسار إلى الشام ووصل إلى الرملة [يوم السبت لست بقين من صفر سنة ٤٠٣] (١٢) ودخلها
следующие страницы →