← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نفسه فيه بالوفاء بمضمونه قاضي (١) القضاة مالك بن سعيد بن مالك وجماعة من الأشراف) (٢) فأجابوا إلى الرجوع، ودخلو إلى مصر [في المحرّم سنة ٤٠١] (٣) (وتلقّاهم (٤) سائر أهل المملكة بإذنه، وكتب لهم أيضا أمانا مجدّدا، وضمّنه يمينا مشدّدة، وعهودا مؤكّدة، وأشهد على نفسه بما ثبّت فيه قاضي القضاة مالك بن سعيد وجماعة من شهوده العادلة، وأعاد إليهم سائرة [المأخوذة] (٥) منهم. [الحاكم يغدر بابن جوهر والقاضي عبد العزيز وغيرهما] وأنفذ الحسين بن جوهر نسخة الأمان إلى مكّة وعلّق بها على الكعبة، تحريصا له على الوفاء بمضمونه، ولم يجد ذلك عليهم نفعا، وغدر بهم في الشهر بعينه من السنة، وقبض على الحسين بن جوهر وعلى عبد العزيز بن النعمان، وقد ركبا إلى القصر واتّصل بأولادهما ذلك، فاستتر جعفر بن الحسين بن جوهر وطلب فلم [يوجد] (٦) ومنعت الطرقات وجهرت (٧)، واستقصى البحث عنه فلم يظفر به، فلمّا آيس منه حضر قاضي القضاة مالك بن سعيد واستحلف (٨) الحسين بن جوهر وعبد العزيز أنهما لا يهربان ولا يتغيّبان ولا يستتران ولا يخرجان (٩) عن البلد، وأيّ وقت استدعيا يحضرا، وأطلق سبيلهما. وظهر جعفر من الاستتار (١٠)، فخلع عليه وطمّنه وآنسه. ولما كان يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب الحسين وعبد العزيز إلى القصر على عادتهما، فقبض عليهما

стр. 282

وقتلا) (١)، وقتل معهما (٢) إسماعيل بن صالح أخا الفضل [بن صالح] (٣) وكان الفضل أيضا قد قتل قبلهما بمدّة مقدارها تسعة (٤) أشهر (٥). وهرب جعفر وأبو جعفر ولدا (٦) الحسين بن جوهر وأخ صغير لهما دون البلوغ (٧) يسمّى جوهر إلى الشام في وقت تغلّب ابن الجرّاح عليه، على أن يقصدوا باسيل الملك، [ميخائيل البطريق يرفض إلتجاء أحفاد جوهر إلى أنطاكية] وكتبوا إلى والي أنطاكية ميخائيل البطريق المعروف بالقطانيوس يستأذنوه (٨) بالمجيء إلى أنطاكية، فرسم/١٢١ أ/لهم التوقّف إلى أن يستأذن الملك فيهم، ولم يتّسع لهم الوقت للصبر، فعزموا على التوجّه إلى العراق، فظفر بهم وقتلوا، وذلك أنّهم كانوا قصدوا حسّان بن المفرّج (٩) بن الجرّاح، فسألوه أن يسيّرهم (١٠)، [الحاكم يرشو حسّان بن المفرّج لقتل أحفاد جوهر] وبذل له الحاكم على القبض عليهم مائتي ألف دينار، فقال لهم على سبيل المكيدة: جدّوا لأنفسكم، وسيّرهم إلى أن نزلوا في موضع يعرف بالسّويداء من أعمال دمشق [على يوم منها] (١١) وتنصّح بهم إلى مختار الدولة أبي (١٢) عبد الله بن نزّال (أن يسرع) (١٣) إليهم فقبض عليهم وقتلهم بدمشق، وحملت رؤوسهم إلى مصر في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة (١٤).

стр. 283

[إلزام النصارى واليهود بتغيير الزنانير الملوّنة] وأمر في المحرّم سنة إحدى وأربعمائة أن تؤخذ الذمّة من النّصارى واليهود بتغيير الزنانير الملوّنة التي يلبسونها، والاقتصار على لبس الزنانير السّود فقط (١) دون غيرها من الألوان والعمائم السّود (٢). وجدّد التحذير والمنع من عمل النبيذ ومن شربه سرّا (٣) وجهرا في شهر رمضان سنة إحدى وأربعمائة (٤)، وتقدّم بكسر ما عند الناس (منه) (٥) من الجرار والظروف والقراع (٦) والدّنان وسائر الملاهي (وآلات الموسيقى) (٧) وحذّر من استبقاء شيء من جميع (٨) ذلك والتعرّض لعمله والعمل (٩) به، وتوّعد (١٠) فيه بشديد العقاب، وكسر في الطرقات شيء كثير من النبيذ، وأحرقت آلات الملاهي، وامتثل ذلك في سائر مملكته. وحظّر على النّصارى تقديمه في سائر مملكته، ومنع من التقريب به في قرابينهم (١١). وصاروا (١٢)

стр. 284

النصارى يقرّبون عوضا من الخمر ماء قد نقع فيه زبيب أو عود الكرم (١). [الحاكم يعطّل المطابخ ويقتصر على طعام والدته] وعطّل المطابخ والموائد التي كانت تقام برسمه في كلّ يوم وكذلك السّماطات التي كانت تعمل في الأعياد الجامعة، واقتصر فيما يأكله على ما يجيئه في كلّ يوم من عند السيدة والدته (مقتصرا) (٢). ... [الحاكم يأمر بتغريق مركب حملت هدية من الفاكهة من طرابلس] ووصل من طرابلس الشام (٣) حمايم تحمل هديّة من فاكهة يابسة ورطبة، وغير ذلك من المأكولات، فأمر أن تغرّق جميعها في النيل في الموضع المعروف بالمقس، وقتل النّواتية (٤) الذين كانوا فيها (٥). [الحاكم يبطل ما يعمل برسمه من الكسوة في تنّيس ودمياط] وبطل ما كان يستعمل برسمه من الكسوة في (٦) تنّيس ودمياط. [و] (٧) أمّر الحاكم باروح (٨) التركي الملقّب علم الدولة على سائر جيوشه، ولقّبه أمير الأمراء، وولاّه الشام وسيّره إليها (٩)، وحمل باروح معه زوجته، وهي ابنة الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس (١٠)، وحملا معهما (جميع) (١١) رحالاتهما وما يقتنيانه من نفيس المتاع، وسار في صحبته قافلة التجار بأموال لهم واسعة، ورحالات كثيرة، فاعترضهم في طريقهم ظاهر غزّة المفرّج (١٢) بن دغفل بن الجرّاح وأولاده، فأوقع بهم، وحاز سائر ما كان

стр. 285

معهم، وأخذ باروخ أسيرا وقتله (١). [ابن الجرّاح يدخل الرملة ويبيح للعرب نهبها] وسار ابن الجرّاح إلى الرملة ودخلها، وأباح للعرب نهبها، وأخذ رحالات الناس، وقبض على من كان بها وصادرهم وأخذ أموالهم، وافتقر جماعة من الناس [فيها] (٢) هناك، [ابن الجرّاح يقيم الدعوة لأبي الفتوح أمير مكة ويضرب له السّكّة] وأقام الدعوة لأبي الفتوح (٣) الحسن (٤) بن جعفر الحسني أمير مكة يومئذ، وأسماه أمير المؤمنين ولقّبه الراشد لدين الله، وضرب له السّكّة، [استحواذ العرب على الشام وحصارهم لحصون السواحل] واستحوذت العرب على الشام وملكوه (٥) من الفرما إلى طبريّة، وحاصروا حصون السّواحل مدّة طويلة، ولم يمكنهم أخذ شيء منها (٦). [المفرّج بن الجرّاح يلزم النصارى ببناء كنيسة القيامة] وألزم المفرّج بن الجرّاح/١٢١ ب/النّصارى ببنيان (٧) كنيسة القيامة ببيت المقدس، وصيّر من عملها أسقفا (٨) كان على مدينة جبال (٩) (اسمه أنبا) (١٠) ثاوفيلس، أقام ثمان سنين ومات. وعاضد المفرّج بن الجرّاح على بناء كنيسة القيامة، وأعاد فيها مواضع بحسب إمكانه وقدرته (١١). [استحواذ العرب على الشام وحصارهم لحصون السواحل] واستدعى ابن الجرّاح أبا الفتوح الحسني من مكة، فسار إلى الشام ووصل إلى الرملة [يوم السبت لست بقين من صفر سنة ٤٠٣] (١٢) ودخلها

стр. 286

راكبا فرس (١) بسرج ولجام حديديّ، ونزل بدار الإمارة بها، وأنشأ كتابا قريء على الناس بأن لا يقبّل (٢) له أحد جملة (٣) الأرض، وأنّ هذا شيء ينفرد به الله . وجاب معه أموالا كثيرة من الحجاز، فأكلته العرب وحجزت عليه ولم يعطوه بحقّه الذي أهّلوه له، وأشرف على ضعف أمره. [أبو الفتوح يعود إلى مكة ويدعو للحاكم] وقد كان الحاكم بذل فيه أموالا جسيمة لحسّان بن المفرّج من أبيه أن يتمّ ذلك على أبي الفتوح، فأشار عليه [بالمسير] (٤) وأنفذ معه غلاما من خواصّ غلمانه يعرف بأبي الغول إلى أن أوصله إلى مأمنه، فلمّا عاد إلى مكّة أقام بها الدّعوة إلى الحاكم على الرسم السّالف، بعد أن كان قد أقامها لنفسه، وكتب إلى الحاكم يعتذر ويغتفر، فقبل عذره ووصله وأحسن إليه (٥). [تغلّب بني الجرّاح على الشام ونزوح النصارى منه] وحصل الشام في أيدي بني الجرّاح، وأقاموا متغلّبين عليه (٦) إلى المحرّم سنة (أربع و) (٧) أربعمائة، وعظمت مصادرتهم للناس مرّة بعد أخرى وتعسّفهم إيّاهم، فهرب من النّصارى المقيمين بالشام خلق كثير، وتوجّه جميعهم إلى بلاد الروم، وقصد أكثرهم اللاّذقية وأنطاكية وقطنوهما (٨). ...

стр. 287

[سنة ٤٠٢ هـ .] [الحاكم يستتيب المغنّين ويحذّر من بيع الزبيب والعسل] وأمر (١) الحاكم في [جمادى الأولى] (٢) سنة اثنتين وأربعمائة بنفي سائر المغنيّين (٣) وأصحاب الملاهي، [وتسييرهم في البلاد] (٤)، فاجتمعوا واستغاثوا إليه، وسألوه عفوه عنهم، فاستتيبوا واستحلفوا (٥) أن لا يتعاطوا ذلك فيما بعد، ولا يتعرّض أحد إلى شيء منه (٦). وحذّر على الزبيب والعسل، ووضع اليد عليهما، وأخرجهما (٧) شيء (٨) بعد شيء، وبيع (٩) العسل (١٠) خمسة أرطال فنازل، والعسل ثلاثة أرطال وما دونهما لمن يقتات منها (١١)، وأقيم مع البيّاعين لهم أمناء لمراعاة (١٢) ذلك، فانتهى إليه أنهما يبتاعان (١٣) ويعمل منهما المسكر المنهيّ عنه، فزاد في التحذّر عليهما ومنع من بيعهما جملة، ثم أمر بحرق الزبيب، وأحرق منه بمصر زهاء خمسة آلاف قنطرة (١٤) وعدّل وغرّق العسل أيضا، وأريق في النيل ومنع من جلبهما وإظهار شيء منهما [في المستأنف] (١٥) ولمّا أدرك العنب وأخذ الناس في ابتياعه واعتصاره سرّا أمر أيضا بتغريقه في النيل، ومنع من بيعه وأكله (١٦).

стр. 288

[سنة ٤٠٣ هـ .] [وفاة ابن نسطورس وتعيين ابن طاهر للنظر في الأمور] ومات الشافي زرعة بن عيسى بن نسطورس النصراني في [يوم الاثنين لاثني عشر ليلة خلت من صفر] (١) سنة ثلاث وأربعمائة (٢)، وكان حسن السيرة، محمود الطريقة، محبوبا من سلطانه وسائر جنده وكتّابه، ونصب في النظر للأمور بعده الحسين بن طاهر (٣) الوزّان يوم الثلاثاء حادي عشر [ليلة بقيت من شهر] (٤) ربيع الأول من السنة، ولقّبه بعد ذلك بأمين الأمناء، وقتل يوم الإثنين حادي عشر [ليلة خلت من] (٥) جمادى الآخرة سنة خمس وأربعمائة (٦).

стр. 289

[إلزام النصارى واليهود بلبس السواد] وتقدّم الحاكم [لثمان خلون من شهر ربيع الآخر] (١) في [يوم الجمعة] (٢) سنة ثلاث وأربعمائة أن تلبس/١٢٢ أ/النصارى واليهود دون الخيابرة طيالسة سود [حالكة] (٣) وعمائم سود، ويعلّقون في أعناقهم صلبان خشب مضافا إلى الزّنّار (٤) [و] (٥) ألاّ يركبوا الخيل، ويركبوا بركب خشب وسروج ولجم من سيور سود، لا يرى عليها شيء من الحلية، وأثر فضّة، ولا يستخدموا مسلما، فأخذوا بذلك في سائر أعمال مملكته، ولبسوا صلبانا طولها فتر، وغيّرها عليهم بعد شهر، وجعلها قدر شبر في شبر (٦). [إستبدال الكتّاب النصارى بالمسلمين] وتقدّم [في الحال] (٧) بإثبات أسماء سائر المسلمين المتعطّلين والمنصرفين من الكتّاب الذين يصلحون للخدمة في دواوينه وأعماله، ليتّخذ منهم من يستبدل به عوض النّصارى، وكان سائر كتّابه، وأصحاب خدمته، وأطبّاء مملكته نصارى، إلاّ نفر يسير من الكتّاب. وكثرت الشناعات السيّئة فيهم والأراجيف المفزعة، فاجتمع سائر من بمصر من [النصارى] (٨) الكتّاب والعمّال والأطباء وغيرهم مع أساقفتهم وكهنتهم، وتوجّهوا إلى قصره في يوم

стр. 290

الخميس ثاني عشر ربيع الآخر من السنة، وكشفوا (عن) (١) رؤوسهم من (٢) باب القاهرة، ومشوا حفاة باكين مستغيثين إليه يسألونه العفو والصّفح، ولم يزالوا (٣) في طريقهم يقبّلون التّراب، إلى أن وصلوا إلى قصره وهم على تلك الحال، فأنفذ إليهم أحد أصحابه وأخذ منهم ورقة (٤) كانوا كتبوها يلتمسون فيها عفوه عنهم وإزالة سخطه، فأعاد (٥) إليهم الرسول وردّ عليهم ردّا جميلا، وخاطب الحسين بن ظاهر الوزّان شيوخهم في هذا المعنى بخطاب لطيف، ووعدهم بما وثقت به نفوسهم، واطمأنّت إليه قلوبهم، فاستشعروا صلاح حالهم وحسن النّيّة فيهم، وأخذوا يعلّلون نفوسهم بمنشور يقرأ لهم بأمنهم وطمأنيّتهم (٦). [الأمر بتعظيم الصلبان في أعناق النصارى] فلمّا كان يوم الأحد النصف من شهر ربيع الآخر من السنة أمروا أيضا بتعظيم الصلبان التي في أعناقهم، وأن يجعل طولها (٧) ذراع ملكي (٨) في عرض مثله، وأن يكن فتحها ثلثي شبر، وسمكها إصبع، وقصد بذلك إضجارهم، لاسيما خواصّه من كتّاب دواوينه، و (من) (٩) المتصرّفين في خدمته (الذين لم يكن يجد منهم بدلا) (١٠). ومن العجب العجيب أنه كان قد أمر في صفر سنة اثنين (١١) وأربعمائة ألاّ يظهر صليب، ولا يقع عليه عين، ولا يضرب بناقوس، فنزعت الصلبان

стр. 291

من الكنائس وطمس آثارها من ظاهر البيع و (الكنائس) (١) والهياكل. ثم أمر في هذا الوقت بإظهار الصّليب هذا الظهور. ولم يكن اليهود لبسوا مع الغيار السواد شيئا من الخشب، فنودي [فيهم في الحال] (٢) أن يعلّقوا في رقابهم أيضا أكر خشب من (٣) خمسة أرطال إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه سالفا، وتهدّد (٤) النّصارى وفزّعهم (٥)، وكثرت الأراجيف والشناعات فيهم، [النصارى يظهرون الإسلام واليهود يمتنعون عن ذلك] فأسلم كثير من شيوخ الكتّاب والمتصرّفين وغيرهم من النّصارى، وتبعهم خلق كثير من عوامّهم، وأسلم أيضا جماعة من اليهود، وتزايدت (٦) الأراجيف فيمن بقي من النصارى لم يسلم، (ونودي عليهم) (٧) بأن تقطّع أعضاؤه (٨) ويباح للعبيد (٩) والأولياء ماله وعياله. وأوقع الطّلب/١٢٢ ب/والتوكّل على من يغيب، واستتر من الكتّاب والمتصرّفين (١٠) جماعة، ونهبت دور من المحتجبين منهم، وقبضت أملاكهم، وأسلم أكثرهم، واقتدى بعضهم ببعض، وتلاحقوا فلم يبق منهم إلاّ نفر معدودين، ولم تزل الطرقات أياما عدّة لم ير فيها نصرانيّ. وتمسّك أكثر اليهود، ولم يسلم [منهم] (١١) إلاّ نفر يسير، وكذلك النّصارى الذين في بقيّة البلاد تمسّكوا أيضا بأديانهم، ولم يسلم في بقيّة أعمال المملكة إلا نفر يسير، إلاّ [أنّ] (١٢) أهل مصر خاصّة- [الأمر بهدم الكنائس وحيازة ما فيها] وكان حالهم

стр. 292

[على] (١) ما ذكرنا-لمشاهدة الحال وقربهم منها، وتحقّق أيضا سوء النيّة فيهم وأنّه في عرض ما جرى لهم (٢) في تلك الأيام أقطع سائر الكنائس والديارات (٣) العتيقة والحديثة بمصر، وسائر أعمال مملكته للعسكريّة ووهبها لهم، فكانت ألوفا كثيرة بجميع آلاتها وصياغاتها ورحالاتها ليهدموها ويأخذوا أنقاضها، فهدم جميعها وعمل اليسير منها مساجد، وسجّل إلى سائر أعماله بأن تمحى معالم الكنائس من على وجه الأرض وتزال آثارها، ففعل ذلك، وقلعت أساساتها من الأرض، وأخرج عظام الموتى من الكنائس في عدّة بلدان ووقد بها الناس [في مواقد] (٤) الحمّامات، وأحرقت المصاحف والكتب الموجودة في الكنائس، واستخرج من المتولّيّين (٥) أمرها من النصارى في كلّ بلدة ما دفع إلى الفعلة والنّقّاضين الذين أخربوا الكنائس، وأتى على جميع ما في أعمال مملكته منها، إلاّ الدّير المشهور قديما بالإسقيط الذي في مريوط (٦) من أعمال الإسكندرية المعروف بدير أبي مقار، والديّورة (٧) المجاورة له، فإنّه بلغه أنّ القبيلتين (٨) من العرب المعروفتين (٩) ببني قرّة وبني كلاب يدفعون عنه ولا يمكّنون (أحدا) (١٠) منه لمنافع لهم فيه، فأمسك عنه (على) (١١) كره منه. وأقطع كنائس القلزم، ودير رابة (١٢)، ودير طورسينا لإنسان من العرب يعرف بابن غياث، وأوعز إليه بهدم

стр. 293

دير طورسينا (وبنائه مسجدا) (١) وهدم [بعض] (٢) كنائس القلزم، وحاز آلات جميعها، وهدم إحدى كنيستي دير راية، وأخذ أيضا رحله وآلاته، وسار إلى دير طورسينا ليمتثل فيه ما رسم له، وكان في طورسينا يومئذ رجل كاتب ترهّب فيه وسكنه عن قريب، يسمّى سلمون (٣) بن إبراهيم من وجوه أهل مصر ذو شيخوخة وحكمة (٤) وعقل وسياسة، فخرج إليه وأحسن لقاءه، وأعلمه أنه (٥) أسقفه ورهبانه مساعدوه على ما يلتمسه (٦) وغير مانعين له منه، وسلّم إليه جميع [الآلات التي برسم] (٧) الدير وصياغاته من ذهب وفضّة، ولطف في مخاطبته، وأبان له أنّ هدمه يصعب عليه وعلى غيره لحصانته ووثيقة (٨) بنائه، وأنّه يحتاج في ذلك إلى إنفاق جملة كثيرة (من المال) (٩) تفوق ما يحصل له منه، فالتمس عن (١٠) الاندفاع (عنه، وترك) (١١) التعرّض له جملة مال، وتقرّر الحال معه على ما رضي به (وقام (١٢) له بذلك، وانصرف عنه من غير أن يتعرّض له) (١٣).

стр. 294

[منع تقبيل الأرض والخضوع أمام الحاكم] ومنع الحاكم [في رجب سنة ٤٠٣] (١) عن تقبيل التراب بين يديه وبوس اليد والارتماء (٢) بالسجود له إلى الأرض، وعن مخاطبته/١٢٣ أ/ بمولانا، وأن تكون المخاطبة والسلام عليه مقصورا على «أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته» (٣)، [الحاكم يركب الحمار ويلبس الصوف ويصطنع الركابية] وأظهر الزّهد، ولبس الصّوف على ظاهر جسده والفوطة على رأسه، ثم صار يلبس عمامة صوف سوداء، وجعل سائر لباسه الصوف، وربّى شعره، واقتصر عن ركوب الخيل، وبقي يركب الحمير بسرج ولجام حديديّ مختلطا بالناس بلا مظلّة وبغير طرّادين بين يديه، ولا أحد يحجب الناس ولا يمنعهم (٤) عنه، ويأخذ رقاعهم ويقضي حوائجهم، (ويصل من يستميحه منهم) (٥) وأكثر الصدقات على الفقراء [والمتصدّقين] (٦)، واصطنع عددا كثيرا من الركابية وأفاض عليهم وأحسن إليهم (٧). وكان قد استدعى جماعة ممن يقرأون القرآن وألزمهم

стр. 295

قصره (١)، وأجرى عليهم الأرزاق والجرايات الواسعة السنيّة [والإقطاعات الجليلة] (٢). [نصب شاهدين في الشرطة بمصر] ونصب في الشرطة بمصر وفي كلّ بلد شاهدين من الشهود عدلين (٣). وتقدّم ألاّ يقام على كلّ ذي جريرة ومرتكب جريمة حدّ إلاّ بعد أن يصحّ عند ذينك (٤) الشاهدين أنّه مستوجب لذلك فيقام عليه الحدّ اللازم لمثله، ويطلق سبيله، وأن لا يقطع جناية [واحد] (٥) ولا يؤخذ على جرم دينار ولا درهم، (ومن لم) (٦) يقم بما يدّعي به عليه ويقرف [به بيّنة] (٧)

стр. 296

عندهما (١)، ويصحّ ما نسب إليه لم يتعرّض له، وكذلك في الأحكام وسائر المطالبات. وأظهر من العدل ما لم يسمع بمثله. ولعمري إنّ أهل مملكته لم يزالوا في أيامه آمنين على أموالهم غير مطمئنّين (٢) على نفوسهم، ولم تمتدّ يده قطّ إلى أخذ مال أحد، بل كان له جود عظيم، وعطايا جزيلة، وصلات واسعة. ولقد قتل من رؤساء دولته وأهل مملكته ممّن لهم الأموال العظيمة ما لا يقع عليه إحصاء لكثرته، فلم يتعرّض لأخذ مال أحد (منهم) (٣) لنفسه، لاسيما من كان منهم له وارث، ومن لا وارث له كانت تركته (٤) تستوهب منه، فيهبها على الأكثر. وأسقط جميع الرسوم والمكوس التي جرت العادة بأخذها، وتقدّم إلى كلّ من قبض منه شيء من العقار والأملاك بغير واجب أو في مصادرة في أيامه وأيام (أبيه و) (٥) جدّه أن يطلق له (ما قبض منه) (٦) واسترجع جماعة كثيرة من العقارات ومن الديون المنكسرة التي كانت لهم على خزائنه، وهم مويئسون (٧) منها جملة كثيرة، وكذلك أقطع ووهب جلّ (٨) الضياع والأعمال والعقارات والأملاك السلطانية أولا فأولا لمن كان يلتمسها منه، حتى أنه لم يبق منها إلى حين فقده إلاّ قليل. واجتذب أكثر أهل الأماكن البعيدة إلى موالاته [ومشايعته] (٩). ودعي له بالكوفة. وبلغت دعوته إلى أبواب بغداد [وفي بلاد الري

стр. 297

جميعها] (١)، وأخذ الأموال الجزيلة السنيّة إلى من في العراق من الولاة والخوارج ليجتذبهم إليه (٢). ولقيه بعض التجار العراقيين مستعديا إليه يذكر أن كان له بضاعة، وحملها في المواضع المخوفة، وسلك بها بين البادية وقطّاع الطرقات وسلمت له، وأنه أصيب بها في بلده، وسأله أن يخلفها عليه عاجلا (٣) إن رأى، أو يكتب له تذكرة ليخلفها عند دخوله إلى بغداد وملكه لها. وكان متحقّقا أنه يملكها وغيرها من الممالك الخارجة الآن عن قبضته، فأعجب بقوله، وأطلق له ما ذكرناه وأخذ منه مالا عينا (٤) مبلغه آلاف دنانير] (٥). (وأمر في شوّال من السنة بإزالة السبّ واللعن (٦) عن أبي بكر وعمر وسائر الصحابة والسلف، ورحم (٧) عليهم ووصف مناقبهم وما توجبه الشريعة من إجلالهم وتبجيلهم) (٨).

стр. 298

[سنة ٤٠٤ هـ .] [نفي المنجّمين والعفو عنهم] وتقدّم في المحرّم سنة (أربع و) (١) أربعمائة بنفي سائر المنجّمين وأصحاب الأحكام، فتجمّعوا بأسرهم واستغاثوا إليه، فاستتابهم (٢) واستحلفهم ألاّ يتعرّضوا لعلم أحكام النّجوم ولا يباشروها، ولا ينظروا فيه، ومن كان منهم له عليه رزق أجراه عليه ولم يمنعه إيّاه (٣). [الحاكم يعتق مماليكه ويحرّرهم] وفي هذا الشهر أيضا من السنة عتق سائر مماليكه/١٢٣ ب/بأسرهم من الإناث والذكور، وحرّرهم جميعا لوجه الله تعالى، وملّكهم أمر نفوسهم (والتصرّف فيما يملكونه واقتنوه منه ومن أبيه، وفوّض إليهم التصرّف في جميعه بحسب اختيارهم) (٤). وقد كان قبل ذلك أخرج من قصره جماعة من حظاياه وأمّهات أولاده، مع كثرة شغفه (كان) (٥) بالجماع، بل وغرّق بعضهنّ في صناديق اتّخذها لهنّ وسمّرت عليهنّ وثقّلت بحجارة وألقيت في النيل. وأخذت السيّدة إليها أمّ ولده مع ولدها أبي الحسن عليّ خوفا عليهما منه، ولم يزالا في قصرها بعيدين عنه إلى حين فقده (٦).

стр. 299

[الحاكم يسمح للنصارى بالتوجّه إلى بلاد الروم] وانتهى إليه أنّ جماعة من النّصارى قد استوحشوا وخافت نفوسهم من المقام في بلاده واستثقلوا الغيار، وأنّهم يتسلّلون إلى بلاد الروم سرّا ويبذلون لأصحاب المراكز والطرقات مالا (١) حتى يطلقوهم، فأذن [لهم] (٢) في صفر من السنة بعينها لجماعة النصارى واليهود بسجلّ قريء بالتوجّه إلى بلد الروم بأهلهم وأموالهم وما تحويه أيديهم، والتصرّف في ذلك على حسب اختيارهم آمنين مطمئنّين (٣) إحسانا إليهم ورفقا بهم من غير إكراه لأحد منهم على المسير، بل جعل الاختيار في ذلك إليهم، وكتب بذلك إلى سائر أعماله ومملكته، فامتثل، وانتقل من الشام ومصر وغيرها (٤) من النّصارى الذين ثبتوا على دينهم، ومن الذين أسلموا خلق كثير ظاهرا مكشوفا بعد أن باعوا أملاكهم ورحالاتهم التي ثقل عليهم حملها، ولم يعترضوا في ذلك (٥) ولا فتّش عليهم، فتوجّهوا إلى اللاّذقية وأنطاكية، وإلى غيرهما من بلاد الروم (٦). ... [إخراج الجيوش لقتال المفرّج بن دغفل] فأمّا (٧) المفرّج بن دغفل بن الجرّاح فأقام محتويا على الشام [متملّكا له] (٨) سنتين وخمسة أشهر، ولم يسيّر إليه الحاكم في مدّتها لا جيشا ولا عسكرا إلى المحرّم سنة أربع وأربعمائة، فسيّر للقائه عليّ بن فلاح الملقّب قطب الدولة في جيش كبير جمع فيه معظم رجال مملكته، وكوتبت الجيوش التي (٩) كانت بدمشق والسواحل بلقائه [أيضا] (١٠)، وسارت العساكر من الجهتين نحوه، [موت المفرّج بن دغفل] فاتّفق في الحال أن مات المفرّج بن دغفل بن الجرّاح، فلمّا

стр. 300

اتّصل بأولاده قصد العساكر إليهم انطردوا مع العرب إلى البريّة وتخلّوا عن الرملة وغيرها من البلاد التي غلبوا عليها، [قطب الدولة علي بن فلاح يدخل الرملة] ودخل قطب الدولة عليّ بن فلاح للرملة. وهرب [أنبا] (١) فيلوثاوس (٢) البطريرك من بيت المقدس. [عودة بطريرك بيت المقدس بعد استتاره] وأقام [به] (٣) مستترا مدّة، ثم عاد إلى القدس ولقي من قطب الدولة جميلا (٤). ... [ولاية العهد لأبي القاسم عبد الرحيم] وولّى الحاكم عهده لأبي القاسم عبد الرحيم (٥) بن الياس بن أحمد بن المهديّ بالله أمير المؤمنين وجعله الخليفة من بعده، وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعمائة، ودعي له على المنابر في سائر أعمال المملكة، ونقش اسمه على السّكّة وعلى طرز الاستعمال والبنود، وأخذت له البيعة على جميع الأولياء والجند، وحمل [إليه] (٦) مراكب الخلافة وكساءها [وجوارها] (٧) وسائر آلاتها إلاّ المظلّة، وأذن بالتزيّي (٨) بذلك، وكان وليّ العهد يركب مراكب الخلافة المرصّعة وكساءها (٩) /١٢٤ أ/عليه وجوارها، والحاكم يركب على حمار، لابس (١٠) ثياب صوف بيض، ثمّ سود، وفوطة زرقاء، وعمامة سوداء على رأسه، ومركب حديديّ تحته (١١).

стр. 301

[إلزام النساء منازلهنّ] وأمر الحاكم بلزوم النساء منازلهنّ، ومنع من خروج الحراير منهنّ والإماء من الشابّات (١) والعجائز إلى الطريق، والظّهور بوجه من الوجوه، وحذّر عليهنّ في ذلك أشدّ تحذيرا (٢)، وإذا دعت الضّرورة إلى حضور (٣) غاسلة أو قابلة لمن تلد أو تموت أو غيرهما، ممّن تسافر وتضطرّ الخروج من منزلها، استؤذن في ذلك برقعة ترفع إليه، فيوقّع على ظهرها بخطّه إلى متولّي الشرطة، فيندب (٤) من يثق به إلى أن تخرج المرأة المستطلعة (٥) من موضعها [فيوصلها] (٦) إلى حيث مقصدها، ولم يزلن محصورات على هذه الصفة إلى سنة تسع وأربعمائة (٧).

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 303

[الحاكم يقطع يد خادمه عين ولسانه] وكان (١) الحاكم قد قرّب عين (٢) الخادم الأسود، ثم نقم عليه فقطع يده اليمنى، واختص به بعد ذلك أعظم تخصيص، ولقّبه قائد القوّاد وأستاذ الأستاذين، وكنّاه وقدّمه على جميع أهل دولته ورؤساء مملكته، وكثر ميله إليه وشغفه به، وقلّده من جليل الولايات، وسوّغه من نفيس العقارات السلطانية والإقطاعات السنيّة [وحمل إليه من الآلات المستحسنة ما يعظم مقداره] (٣)، وبعد مديدة (٤) تنكّر عليه أيضا، وقطع لسانه (٥).

стр. 304

[الحاكم يقطع يدي كاتبه الجرجرائي] وقطع يدي كاتبه علي بن أحمد الجرجرائي (١) من المعتصمين (٢)، وأعقب ما فعله بعين الخادم من قطع لسانه بالزّيادة في عطاياه والإنعام عليه والتقدّم له [ممّا يتضاعف على ما تقدّم منه إليه] (٣). [الحاكم يأنس بقاضي القضاة وطبيبه ثم يقتلهم] وأنس أيضا بقاضي القضاة مالك بن سعيد (٤). وبأمين (٥) الأمناء الحسين بن طاهر (٦) الوزّان. وبغياث بن سباع الطبيب (٧)، وجماعة من أهله من ولد المهديّ، وأمرهم بملازمته في أوقات ركوبه وخلواته ومال إليهم وأنعم عليهم، وقدّمهم (٨) تقدّما حسنا، ثم قتلهم واحد (٩) بعد واحد حسب ما جرت به

стр. 305

العادة مع من يستخصّه ويقرّبه، وقتل رؤساء دولته من الأمراء والقوّاد، وأماثل الكتّاب ومن اصطنعه من الركابيّة (١) جماعة يطول الشرح بتعديدهم (٢)، [الحاكم يقتل ركابيّا له في السوق] حتى أنّه عرض له دمّل وتألّم منه، وحضر بعض عوامّ الجرائحيين من الأطبّاء، فوضع عليه بعد استحكام نضج المادّة (٣) فيه ما فتحه، فوجد خفّة وسكونا، فاغتاظ على الطبيب الجرائحي الذي كان يتولّى علاجه من ابتداء المرض وقتله، وقتل معه غيره ممّن كان يخدمه في الوقت من الأطبّاء (٤). وأيضا (٥) في أحد (٦) الليالي (جاز) (٧) على دكّان إنسان يخلع الشّواء (٨) ويبيعه، فأخذ ساطوره وقتل به أحد من كان يدور به من الركابيّة المحظوظين (٩) عنده على باب شرطة مصر السفلى، قريبا من دكّان الشّوّاء، وسار في شأنه، وبقي الركابيّ المقتول في موضعه، لا يتجاسر أحد على أن يدنو (١٠) منه بقيّة تلك الليلة [وبعض نهار صباحها] (١١) ثمّ أنفذ الحاكم كفنا جليلا وطيبا كثيرا، ورسم غسله وتحنيطه وتكفينه ودفنه، ورحم عليه، وبنى على قبره قبّة. [سنة ٤٠٥ هـ .] [تقليد قضاء القضاة لأحمد بن محمد] وقلّد قضا (١٢) القضاة بعد قتله مالك بن سعيد (١٣) لأحمد بن محمد بن

стр. 306

عبد الله (١) في [يوم الأحد لتسع بقين م] (٢) شوّال (٣) سنة خمس وأربعمائة. [توظيف العدول للشهادة] فلقي الحاكم قوم/١٢٤ ب/من المصريّين، فسألوه أن يؤهّلهم للعدالة، فأذن لهم بذلك، وتشبّه بهم غيرهم في لقائه وسؤاله كمسألتهم، فأجابهم إلى مسألتهم، وعدل ألف (٤) ومائتين ونيّفا (٥) عليها، فأعلمه [بعد] (٦) بذلك قاضي القضاة أحمد بن محمد أنّ كثيرا من أولئك العدول لا يستحقّون العدالة ولا يوثق بهم في الشهادة (٧). فأذن له بتصحّفهم (٨) وإقرار من رأى (٩) إقراره منهم، وعدّل [قوما] (١٠) ثقات غيرهم (١١) يزيدون على عددهم (١٢). [ردّ النظر إلى ابني أبي سيّد] وردّ النظر في الأمور بعد قتله أمين الأمناء الحسين بن طاهر (١٣) إلى

стр. 307

الحسين (١) وعبد الرحيم (٢) ابني أبي سيّد (٣) يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان من السنة، فأقاما ينظران شهرين، وقتلهما يوم الخميس النّصف من شوّال من السنة (٤). [الحاكم يقتل ابن الفرات بعد انتدابه للنظر] وانتدب لتدبير الأحوال والنظر في الأموال الفضل (٥) بن جعفر بن الفرات [بيوم السبت مستهلّ ذي القعدة منها] (٦)، فأقام خمسة أيام وقتله [في اليوم السادس من نظره] (٧) وبقي بغير واسطة مدّة أربعة أشهر، وصار أصحاب الدواوين يدخلون إلى حضرته ويستأذنون فيما يحتاجون إليه، ويأمرهم في كلّ باب بما يريد. [سنة ٤٠٦ هـ .] [ولاية النظر لوليّ العهد] ثم استناب في ذلك ولي (٨) العهد عبد الرحيم ابن الياس (٩) [على استقبال يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر سنة ٤٠٦] (١٠) فأقام ناظرا إلى أن خرج إلى الشام (١١).

стр. 308

وكان الحاكم قد أغلق باب المجلس الذي يؤخذ (١) فيه البيعة على شيعته، ويقرأ عليهم [فيه] (٢) في كلّ أسبوع من علومه. ولبث مغلقا مدّة. [تلقيب ختكين بداعي الدعاة] ولقّب ختكين (٣) الضّيف بداعي الدّعاة، وردّ إليه أمر المجلس وأن (٤) يجري فيه الأمر على سالف الرسم، وزاد في لقبه بعد ذلك «الصادق الأمين» [المأمون ولقّب الحاكم ساير أهل دولته من الأمراء والقوّاد وأكثر الكتّاب] (٥). ... وكان لؤلؤ غلام (ابن) (٦) حمدان وولده منصور بن لؤلؤ قد استوليا على حلب بعد موت أبي الفضائل (٧) بن سعد الدولة بن حمدان (٨)، وضيّق منصور بن لؤلؤ على ابني أبي الفضائل (٩) تضييقا كثيرا إلى أن افتديا بالخروج من حلب (١٠) وقصدا الحاكم (١١).

стр. 309

[أبو الهيجاء يهرب إلى باسيل ملك الروم] وهرب أبو (١) الهيجاء بن سعد الدولة من حلب أيضا في زيّ النّساء، والتجأ إلى باسيل ملك الروم (٢). [عود إلى سنة ٣٩٩ هـ .] [وفاة لؤلؤ وتقرير إمارة حلب لولده مرتضى الدولة] ومات لؤلؤ في المحرّم سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (٣)، وتقرّرت (٤) الإمارة لولده [مرتضي الدولة أبي نصر] (٥) منصور بن لؤلؤ، وكرهه كثير من الحلبيّين ورغبوا في أبي الهيجاء، وكذلك أمراء بني كلاب المدّبرين بلد حلب، [الروم يساعدون أبا الهيجاء في استعادة حلب] واستنهضه صهره الماجسطرس الملقّب ممهّد الدولة أبو منصور أحمد بن مروان صاحب ديار بكر، (وهو ابن أخت نادا (٦) الكردي) (٧) للخروج من بلد الروم إلى حلب، وسأل الملك إطلاق أبي الهيجاء وذكر له أنه يعاضده على استرجاع الإمارة ولا يكلّف ملكه نجدة (٨)، لا برجال ولا بمال، فأذن الملك لأبي الهيجاء في التصرّف بحسب اختياره، فسار إلى ميّافارقين، فينفذ معه (حموة) (٩) ابن (١٠) مروان صاحبا له في دون المائتي فارس، وسار إلى الجزيرة، ولقيه جماعة أمراء بني كلاب وضمنوا له أن يشدّوا معه ويعاضدون إلى أن يتمّ له ما قصده. وخافه منصور ابن لؤلؤ

стр. 310

فاستصلح بني كلاب وشرط لهم (أن يعطيهم) (١) الإقطاعات الكثيرة ويجعلهم مشاركيه ومساهميه (٢) في الضياع والأعمال/١٢٥ أ/التي في ظاهر البلد، واستنجد أيضا بالمغاربة، والتمس منهم المبادرة (٣) بعسكر يرد إليه وبذل (لهم) (٤) أن يسلّم إليهم قلعة حلب، [قاضي طرابلس ابن حيدرة يدخل حلب ويهزم أبا الهيجاء] فأسرع إليه عليّ بن عبد الواحد بن حيدرة قاضي طرابلس في عسكر منيع-وهو يومئذ المستولي (على) (٥) النظر في طرابلس وفي سائر الحصون-فاتّفقت موافاته إلى حلب مع نزول أبي الهيجاء بالقرب منها، فأطلع به منصور بن لؤلؤ إلى القلعة وسأله أن يكتب إلى الحاكم منها على جناح الطير (٦)، فاستعجل عليّ بن (٧) حيدرة في الخروج إلى لقاء أبي الهيجاء ومن معه، فبادرهم وقد عوّلوا (٨) على الجلوس (٩) على الطعام، ومع موافاته تفرّقت بنو كلاب حسب ما استقرّ بينهم وبين منصور بن لؤلؤ سرّا، فانهزم أبو الهيجاء ونهبت خيامه وأخذ جميع ما كان معه، وعاد إلى ناحية ملطية، [باسيل الملك يسمح لأبي الهيجاء بالعودة إلى بلاده] واستأذن الملك باسيل في العودة إلى حضرته، (فتنكّر الملك عليه) (١٠) وتدارى به، وعوّل (على) (١١) أن يصرفه من بلاده، فاتّصل ذلك بابن لؤلؤ وتوسّل إلى الملك في أن يعيده إلى مستقرّه من حضرته لئلاّ يمضي إلى بلاد المسلمين وتجتمع إليه جموع أخر ويضرّ به، فأذن الملك حينئذ لأبي الهيجاء في الرجوع إلى القسطنطينيّة، وأحسن إليه

стр. 311

وأنعم عليه، فلم يزل مقيما بها إلى أن مات (١). [سنة ٤٠٢ هـ .] [ابن لؤلؤ يدفع القاضي ابن حيدرة عن حلب] فأمّا عليّ بن عبد الواحد بن حيدرة فدفعه ابن لؤلؤ عن حلب، فعاد إلى طرابلس بمن ورد معه، والتمس أيضا بنو كلاب من (منصور بن) (٢) لؤلؤ ما

стр. 312

أشرطه لهم ووعدهم به من الإقطاع والإحسان (١) وغيره، فدافعهم عنه [بنو كلاب يحاصرون ابن لؤلؤ في حلب] فتسلّطوا على بلد حلب، وقاتلوا ابن لؤلؤ وضيّقوا عليه تضييقا شديدا، وعجز عن مقاومتهم، وأظهر (٢) لهم رغبته في استقامة الحال بينهم وبينه، واستدعى دخول أمرائهم ومقدّميهم إلى حلب ليحضروا طعامه ويوقّع لهم بالإقطاعات، فدخل منهم زهاء سبعمائة رجل (٣) (فيهم جميع) (٤) أمراء بني كلاب وذو (٥) الرئاسة والشجاعة منهم، [لؤلؤ يغدر بالكلابيين] وتقدّم بأن يعدّ [لهم] (٦) طعام (٧) وينضّد سماط (٨) ليحضروه، ومع حضورهم داره طالبوه أن يقدّم إنجاز أمورهم ويريح عليهم (٩) من التوقيعات، فقبض بالحال على جميعهم وأمر ببذل السيف فيهم، فقتل في الوقت جماعة منهم، وحمل أمراءهم إلى القلعة، وحبسهم فيها متفرّقين مثقلين بالحديد، وأودع الحبوس (١٠) باقيهم، وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة. [سنة ٤٠٣ هـ .] [قتل ابن لؤلؤ جماعة من وجوه الاعراب] وجفلت (١١) بقيّة (١٢) البادية بالبيوت من ظاهر حلب، ولبثت العرب المقبوض عليهم في الحبوس سنتين، وقتل ابن لؤلؤ جماعة من وجوههم، ومات كثير منهم في (١٣) الضيقة والضرّ. واصطنع قوما منهم وأطلقهم في شوّال سنة ثلاث وأربعمائة.

стр. 313

[سنة ٤٠٥ هـ .] [صالح بن مرداس ينجح في التخلّص من معتقله بقلعة حلب] وكان في جملة الأمراء المحبوسين في القلعة صالح بن مرداس (١) فتعمّد منصور ابن لؤلؤ في كثير من (٢) أوقات شربه وسكره إيقاع المكروه به لحنقه عليه لطول إساءته (٣) وشجاعته، فقصد صالح بن مرداس (٤) إلى أن خلخل حجرا من حائط محبسه فقلعه (٥) /١٢٥ ب/، وقلع بعده حجرا بعد حجر على ممرّ (٦) الأيام، إلى أن صار له موضع يمكنه الخروج منه، وعاقه في عرض ذلك إحدى حلقتي (٧) القيد الذي في رجله ففكّها وتصعّب عليه (٨) إخراج (٩) رجله الأخرى، فشدّ القيد في وسطه، وخرج من ذلك النّقب في الليل، وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى ظاهرها [ليلة الجمعة مستهلّ المحرّم سنة خمس وأربعمائة] (١٠)، وسار ليلته، فلمّا أصبح استتر في مغارة في جبل جوشن، وكثر الطّلب له والبحث عنه، فلم يقع له على خبر، ولحق بأهله [بالحلبة] (١١)، واجتمع مع عشيرته وقويت نفوسهم بخلاصه (١٢).

стр. 314

[الحرب بين ابن مرداس وابن لؤلؤ] وبعد ستة أيام من هروبه أسر غلاما لابن لؤلؤ، وكان ابن لؤلؤ قد أعطاه سيف صالح الذي كان متقلّده يوم القبض عليه، فاسترجع سيفه منه (وأخذه صالح إليه) (١) واجتمع إليه بقيّة عشيرته من بني كلاب وشدّ (منهم) (٢) وجمع شملهم، فانقاد جميعهم إلى رأيه، ونزل بالحلل بالقرب من حلب، فانتشبت الحروب (٣) بينه وبين ابن لؤلؤ، وخرج بعض أصحاب ابن (٤) لؤلؤ في جماعة من الغلمان [في يوم الخميس لخمس خلون من صفر] (٥)، وأوقع بالعرب ونهب من الحلل رحالا كثيرة، وأسر من الرجال والنساء والصبيان خمسين نفسا، وعاد في يومه إلى حلب فاغترّ (٦) ابن لؤلؤ بذلك، وجمع جنده وألزم من أمكنه من السّوقة والأوباش، ومن النصارى واليهود للمسير معه إلى أرض تلّ حاصد (٧) لقتال صالح، وخرج بعد المغرب ليلة الخميس ثاني عشر صفر من السنة، وخرج معه أخواه أبو الجيش وأبو سالم ابنا لؤلؤ فلما أصبح لقي العرب ووقع القتال بينهم [يوم الخميس] (٨)، فانهزم أخواه وجماعة معهم (٩)، وأسرعوا الدخول إلى حلب، وانهزم أيضا بقيّة النّاس [ابن لؤلؤ يقع في أسر ابن مرداس] وأخذهم السيف، فقتل منهم تقدير ألفي رجل، وأسر منصور بن لؤلؤ وسالم بن مستفاد وجماعة من وجوه القوّاد والغلمان. وكان بين هروب (صالح من

стр. 315

حبس ابن لؤلؤ إلى أن) (١) أسره إحدى وأربعين يوما. [شروط ابن مرداس لإطلاق سراح ابن لؤلؤ] وجرت المراسلة بين أبي الجيش بن لؤلؤ وبين صالح في أمر أخيه منصور، فتردّد الخطاب بينهما، واستقرّ الأمر على أن يدفع لصالح خمسين ألف دينار عينا ومائة (وعشرين) (٢) رطل بالحلبيّ فضّة (٣) آنية، وخمسمائة قطعة ثياب (من أصناف مختلفة) (٤)، وإطلاق جميع من في الحبوس ومن في قبضته من بني كلاب وحرمهم، وشرط عليه أن يطلّق امرأتين من بني كلاب كان منصور بن لؤلؤ تزوّجهما بعد قبضه عليهم. واستثنى (٥) صالح بأن يزوّجه منصور بن لؤلؤ بابنته، وأن يعطيه أيضا، ويعطي بني كلاب نصف بلاد حلب إقطاعا، ولا يقضي لأحد منهم حاجة إلاّ بكتاب صالح. فلمّا استقرّت الموافقة بينهم أطلقه صالح، [عودة الحرب بين ابن مرداس وابن لؤلؤ] ودخل منصور بن لؤلؤ إلى حلب يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة خمس وأربعمائة، وعاد إلى إمارته، وباع كلّ واحد من العرب من حصل في يده من الأسارى بما اتّفق له، ولم يف (٦) ابن (٧) لؤلؤ بعد حصوله في حلب بما وافق صالح عليه من إعطائه وإعطاء بني كلاب نصف بلد حلب، ولا بزيجته بابنته، فعاد صالح إلى (٨) محاربته، وضيّق على أهل حلب/١٢٦ أ/، ومنع من دخول الميرة وغيرها إليها (٩). [ابن لؤلؤ يستعين بالملك باسيل] والتمس ابن لؤلؤ من الملك باسيل أن يعضّده برجّالة (نائشة) (١٠)

стр. 316

يستعين (١) بها على قتال البادية، فينفذ إليه ألف رجل من الأرمن، فاستظهر بهم ابن لؤلؤ على محاربة العرب، [ابن مرداس يقنع الملك باسيل بالتخلّي عن مساعدة ابن لؤلؤ] فكتب صالح إلى الملك يتعبّد به ويعدّد ما (٢) لقيه من غدر ابن لؤلؤ دفعة أخرى، مع ظفره به وإبقائه عليه، ولعلم الملك بصحّة ما ذكره صالح (عن ابن لؤلؤ أرسل ف) (٣) استعاد الرجّالة الذين أنفذهم لمعاونته، وأشار على ابن لؤلؤ بأن يفي لصالح بما وافقه عليه، فزاد ذلك في ضعف حال ابن لؤلؤ وقويت نفس صالح بما ظهر له من جميل رأي الملك (فيه) (٤) وأنفذ ابنه إلى حضرته محقّقا لما بذله من عبوديّته وصحيح موالاته، وضاق (٥) ابن لؤلؤ (ذرعا) (٦) من مقاومة صالح له، ونسب جميع ما هو فيه إلى فتح صاحبه المقيم في القلعة، وأنه لقلّة تحفّظه من صالح وتضجّعه في الاحتياط عليه تمّ هربه، وتوّعده (٧) وعوّل على صرفه من القلعة، وأن يردّ ولايتها إلى غيره. [سنة ٤٠٦ هـ .] [فتح يعلن الدعوة للحاكم ولابن مرداس] ولما تحقق فتح (٨) ذلك من رأيه خاف (٩) منه، وحذر أن ينزل غيظه به، جماعة من ثقاته وأصحابه المقيمين معه في القلعة على العصيان معه علي ابن لؤلؤ، وضربت البوقات والطبول على علوّ (١٠) القلعة الثلث الأخير من الليلة التي صبيحتها (١١) يوم السبت لستّ بقين من رجب سنة ستّ وأربعمائة، ونادوا بشعار (١٢) الحاكم وصالح قائلين: حاكم يا منصور، صالح

стр. 317

يا منصور. فظنّ منصور بن لؤلؤ حينئذ أنّ صالحا قد حصل في القلعة، وأن البلد قد أخذ عليه، فخرج من وقته ومعه أخواه وأولاده ومن تبعه من الغلمان على ظهر دوابّهم (١) هاربين من حلب إلى بلد الروم ملتجئين (٢) إلى باسيل الملك، ونهبت دار لؤلؤ ودور إخوته من سكّان حلب (٣) ودور بعض نصارى واليهود. ودخل ابن لؤلؤ ومن معه أنطاكية [يوم الخميس لخمس بقين من رجب من السنة] (٤). واستولى فتح على حلب فاستدعى من عليّ بن أحمد الضيف والي أفامية مبادرته برجاله إلى حلب ليشتدّ منه، فأسرع إجابته، ووصل إلى حلب، ونزل الضيف في دار ابن لؤلؤ في المدينة، وأقام فتح في القلعة على حاله، وأخرج جميع حرم ابن لؤلؤ وحرم إخوته وأولاده (٥) من حلب وسلّمهم إلى صالح لينفذهم إلى ابن لؤلؤ [بأنطاكية] (٦)، فأخذهم إلى الحلّة، وضبط ابنة منصور بن لؤلؤ التي وافقه أن يزوّجه إيّاها ودخل بها، وأنفذ بقيّة الحرم إليه. وتسلّم صالح جميع الأعمال والضياع التي (كان) (٧) تقرّر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه. [الملك باسيل يوصي قطبان أنطاكية بحسن استقبال ابن لؤلؤ] وأرسل (٨) الملك لقطبان (٩) أنطاكية [يأمره] (١٠) بحسن قبول منصور

стр. 318

بن لؤلؤ وإجلاله، وأن لا ينقص من المحافظة والمكارمة (١) مما كان الرسم جاريا به في أيام إمارته بحلب، وأطلق له ولجراياته (٢) ولأنسبائه (٣) جرايات واسعة، ورسم لقطبان (٤) أنطاكية أن يثبّت له جميع ما يرد إليه (٥) من غلمانه وأصحابه وغيرهم من جند المسلمين مستأمنا، ويكونوا في جملته وبرسم خدمته، فأثبت له سبعمائة غلام خيّالة ورجّالة، وأطلق لهم الأرزاق /١٢٦ ب/والجرايات مشاهرة من مال الملك. [الملك باسيل يمنع السفر والمتاجرة إلى الشام ومصر] ومنع الملك السفر والمتاجرة من جميع بلاده إلى شيء من أعمال الشام ومصر. وسأله صالح بن مرداس إطلاق المتاجرة لأصحابه، فأطلقها لهم دون غيرهم، واستدعى الملك أبا الجيش وأبا سالم ابني لؤلؤ وأبا الغنائم وأبا البركات ابني منصور بن لؤلؤ ورتّبهم وولاّهم ولايات جليلة، وأعادهم إليه، [باسيل يقطع العقارات على ابن لؤلؤ وأقاربه] وأقطعه عقارا يستغلّه بأنطاكية، وأقطعه في ظاهرها الضيعة المعروفة بسح الأبلون (٦) وعمّر حصنها، وانتقل إليها ليقرب عليه ما يحتاج إلى معرفته من أمور حلب. [باسيل يأمر ببناء قلعة أنطاكية] وأمر الملك في هذا الوقت أن تبنى (٧) القلعة بأنطاكية. ولحق بعليّ بن أحمد الضّيف والي أفامية بعد حصوله بحلب بعض عساكر المغاربة. وأخذ من فتح متولّي القلعة من المال ما أنفقه فيهم. [الحمدانية والمغاربة يهدّدون بالغارة على حلّة ابن مرداس] واجتمع رأي الحمدانيّة والمغاربة (٨) على الخروج إلى حلّة صالح بن مرداس، وحلّل العرب لنهبها، وأخذ رحالاتهم (٩)، فراسلهم صالح أنه تحت

стр. 319

السمع والطاعة. [البدو يهزمون المغاربة] وسارت حلل العرب تريد قنّسرين (١)، فخرجت المغاربة يطلبون أخذ الهوادج التي فيها الحرم، فتطاردوا طويلا، فحملت البادية على المغاربة (فهزموهم وقتلوا جماعة من وجوه المغاربة) (٢)، واستظهروا عليهم، فكفّوا حينئذ من التولع (٣) بالبادية ومن (٤) الوعيد لهم. [الحاكم يمنع الألقاب لفتح وابن الضيف وابن مرداس] ولقّب الحاكم فتحا «مبارك الدولة» (٥)، ولقّب عليّ بن أحمد الضيف «سديد (٦) الدولة» (٧)، ولقّب صالح بن مرداس «أسد الدولة» (٨)، [الحاكم يعرض على فتح إقطاعه صور وصيدا وبيروت ليترك له حلب] وبذل لفتح أن يعطيه عوضا عن حلب والقلعة إذا سلّمهما إليه: صور وصيدا وبيروت إقطاعا له طول حياته، وأن يكون جميع ما في القلعة له. وعوّل فتح على ذلك، [ابن مرداس يقنع فتحا بالبقاء بحلب] فراسله صالح يشير عليه أن يقيم في القلعة، ويكون هو خارج حلب، وأن يخرج المغاربة من حلب وتتّفق كلمتهما على دفع جميع من يلتمس حلب من سائر الجهات، وعمل (٩) فتح على ذلك، [الحلبيّون يطالبون ببقاء المغاربة ويرفضون البدو] فسمعت أهل حلب واجتمعوا تحت القلعة وقالوا: ما نريد إلاّ المغاربة، ولا رغبة لنا في البادية. وصارت فتنة واستدعى سديد الدولة الضيف (١٠) من الحاكم أن يمدّه بالعساكر ليقوى بها (١١) على صالح بن مرداس، فورد إليه كلّ وال بالشام بالرجّالة، وورد معهم حسّان بن المفرّج بن الجرّاح وعشيرته من العرب [الطائيين] (١٢) وسنان بن سليمان أمير الكلبيّين في عشيرته أيضا، ونزلوا بظاهر

стр. 320

حلب. [الحاكم يمنح فتح الألقاب ويعده بالإحسان] وأرسل الحاكم إلى فتح يمنّيه ويعده (١) بالإحسان والإنعام، وزاده في لقبه «مبارك الدولة وسعدها» (٢) وعزّها. ودار (به) (٣) أصحابه وأشاروا عليه بالتسليم، فأجاب إلى النزول من القلعة، وسلّمها إلى سديد الدولة عليّ بن أحمد الضّيف، وأخذ فتح جميع ما فيها من المال والآنية الذهب والفضّة وغير ذلك من نفيس المتاع والسلاح، وما أمكنه حمله، وسار جميع العسكرية معه، [فتح يقيم بصور] وعدل إلى صور وأقام بها (٤) إلى أيّام الظّاهر بن الحاكم، وأخرج عنها بشناعته (٥) العصيان بعد أن استجرّ (٦) منه على طول المدّة جميع ما كان معه من المال، وباع أيضا ما استصحبه أوّلا فأوّلا، فأخذ منه ثمنه شيئا بعد شيء على سبيل/١٢٧ أ/القرض (للنفقة في) (٧) العساكر، ونقل إلى ولاية بيت المقدس (٨)، [وفاة فتح فقيرا في صور بعد أخذها مع صيدا وبيروت من يده] وأخذ منه صور وصيدا وبيروت وأقام بها مديدة وعزل عنها وأعيد إلى صور، ومات فقيرا. [سنة ٤٠٧ هـ .] [الحاكم يقلّد فاتك غلام وحيد مدينة حلب] وقلّد الحاكم حلب بعد خروج فتح عنها لعزيز الدولة فاتك غلام وحيد (٩) ولقّبه أمير الأمراء وسيّره إليها، ودخل إلى حلب يوم الأحد مستهلّ شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة. وسار سديد الدولة الضّيف عنها (١٠).
следующие страницы →