← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يستعين (١) بها على قتال البادية، فينفذ إليه ألف رجل من الأرمن، فاستظهر بهم ابن لؤلؤ على محاربة العرب، [ابن مرداس يقنع الملك باسيل بالتخلّي عن مساعدة ابن لؤلؤ] فكتب صالح إلى الملك يتعبّد به ويعدّد ما (٢) لقيه من غدر ابن لؤلؤ دفعة أخرى، مع ظفره به وإبقائه عليه، ولعلم الملك بصحّة ما ذكره صالح (عن ابن لؤلؤ أرسل ف) (٣) استعاد الرجّالة الذين أنفذهم لمعاونته، وأشار على ابن لؤلؤ بأن يفي لصالح بما وافقه عليه، فزاد ذلك في ضعف حال ابن لؤلؤ وقويت نفس صالح بما ظهر له من جميل رأي الملك (فيه) (٤) وأنفذ ابنه إلى حضرته محقّقا لما بذله من عبوديّته وصحيح موالاته، وضاق (٥) ابن لؤلؤ (ذرعا) (٦) من مقاومة صالح له، ونسب جميع ما هو فيه إلى فتح صاحبه المقيم في القلعة، وأنه لقلّة تحفّظه من صالح وتضجّعه في الاحتياط عليه تمّ هربه، وتوّعده (٧) وعوّل على صرفه من القلعة، وأن يردّ ولايتها إلى غيره. [سنة ٤٠٦ هـ .] [فتح يعلن الدعوة للحاكم ولابن مرداس] ولما تحقق فتح (٨) ذلك من رأيه خاف (٩) منه، وحذر أن ينزل غيظه به، جماعة من ثقاته وأصحابه المقيمين معه في القلعة على العصيان معه علي ابن لؤلؤ، وضربت البوقات والطبول على علوّ (١٠) القلعة الثلث الأخير من الليلة التي صبيحتها (١١) يوم السبت لستّ بقين من رجب سنة ستّ وأربعمائة، ونادوا بشعار (١٢) الحاكم وصالح قائلين: حاكم يا منصور، صالح

стр. 317

يا منصور. فظنّ منصور بن لؤلؤ حينئذ أنّ صالحا قد حصل في القلعة، وأن البلد قد أخذ عليه، فخرج من وقته ومعه أخواه وأولاده ومن تبعه من الغلمان على ظهر دوابّهم (١) هاربين من حلب إلى بلد الروم ملتجئين (٢) إلى باسيل الملك، ونهبت دار لؤلؤ ودور إخوته من سكّان حلب (٣) ودور بعض نصارى واليهود. ودخل ابن لؤلؤ ومن معه أنطاكية [يوم الخميس لخمس بقين من رجب من السنة] (٤). واستولى فتح على حلب فاستدعى من عليّ بن أحمد الضيف والي أفامية مبادرته برجاله إلى حلب ليشتدّ منه، فأسرع إجابته، ووصل إلى حلب، ونزل الضيف في دار ابن لؤلؤ في المدينة، وأقام فتح في القلعة على حاله، وأخرج جميع حرم ابن لؤلؤ وحرم إخوته وأولاده (٥) من حلب وسلّمهم إلى صالح لينفذهم إلى ابن لؤلؤ [بأنطاكية] (٦)، فأخذهم إلى الحلّة، وضبط ابنة منصور بن لؤلؤ التي وافقه أن يزوّجه إيّاها ودخل بها، وأنفذ بقيّة الحرم إليه. وتسلّم صالح جميع الأعمال والضياع التي (كان) (٧) تقرّر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه. [الملك باسيل يوصي قطبان أنطاكية بحسن استقبال ابن لؤلؤ] وأرسل (٨) الملك لقطبان (٩) أنطاكية [يأمره] (١٠) بحسن قبول منصور

стр. 318

بن لؤلؤ وإجلاله، وأن لا ينقص من المحافظة والمكارمة (١) مما كان الرسم جاريا به في أيام إمارته بحلب، وأطلق له ولجراياته (٢) ولأنسبائه (٣) جرايات واسعة، ورسم لقطبان (٤) أنطاكية أن يثبّت له جميع ما يرد إليه (٥) من غلمانه وأصحابه وغيرهم من جند المسلمين مستأمنا، ويكونوا في جملته وبرسم خدمته، فأثبت له سبعمائة غلام خيّالة ورجّالة، وأطلق لهم الأرزاق /١٢٦ ب/والجرايات مشاهرة من مال الملك. [الملك باسيل يمنع السفر والمتاجرة إلى الشام ومصر] ومنع الملك السفر والمتاجرة من جميع بلاده إلى شيء من أعمال الشام ومصر. وسأله صالح بن مرداس إطلاق المتاجرة لأصحابه، فأطلقها لهم دون غيرهم، واستدعى الملك أبا الجيش وأبا سالم ابني لؤلؤ وأبا الغنائم وأبا البركات ابني منصور بن لؤلؤ ورتّبهم وولاّهم ولايات جليلة، وأعادهم إليه، [باسيل يقطع العقارات على ابن لؤلؤ وأقاربه] وأقطعه عقارا يستغلّه بأنطاكية، وأقطعه في ظاهرها الضيعة المعروفة بسح الأبلون (٦) وعمّر حصنها، وانتقل إليها ليقرب عليه ما يحتاج إلى معرفته من أمور حلب. [باسيل يأمر ببناء قلعة أنطاكية] وأمر الملك في هذا الوقت أن تبنى (٧) القلعة بأنطاكية. ولحق بعليّ بن أحمد الضّيف والي أفامية بعد حصوله بحلب بعض عساكر المغاربة. وأخذ من فتح متولّي القلعة من المال ما أنفقه فيهم. [الحمدانية والمغاربة يهدّدون بالغارة على حلّة ابن مرداس] واجتمع رأي الحمدانيّة والمغاربة (٨) على الخروج إلى حلّة صالح بن مرداس، وحلّل العرب لنهبها، وأخذ رحالاتهم (٩)، فراسلهم صالح أنه تحت

стр. 319

السمع والطاعة. [البدو يهزمون المغاربة] وسارت حلل العرب تريد قنّسرين (١)، فخرجت المغاربة يطلبون أخذ الهوادج التي فيها الحرم، فتطاردوا طويلا، فحملت البادية على المغاربة (فهزموهم وقتلوا جماعة من وجوه المغاربة) (٢)، واستظهروا عليهم، فكفّوا حينئذ من التولع (٣) بالبادية ومن (٤) الوعيد لهم. [الحاكم يمنع الألقاب لفتح وابن الضيف وابن مرداس] ولقّب الحاكم فتحا «مبارك الدولة» (٥)، ولقّب عليّ بن أحمد الضيف «سديد (٦) الدولة» (٧)، ولقّب صالح بن مرداس «أسد الدولة» (٨)، [الحاكم يعرض على فتح إقطاعه صور وصيدا وبيروت ليترك له حلب] وبذل لفتح أن يعطيه عوضا عن حلب والقلعة إذا سلّمهما إليه: صور وصيدا وبيروت إقطاعا له طول حياته، وأن يكون جميع ما في القلعة له. وعوّل فتح على ذلك، [ابن مرداس يقنع فتحا بالبقاء بحلب] فراسله صالح يشير عليه أن يقيم في القلعة، ويكون هو خارج حلب، وأن يخرج المغاربة من حلب وتتّفق كلمتهما على دفع جميع من يلتمس حلب من سائر الجهات، وعمل (٩) فتح على ذلك، [الحلبيّون يطالبون ببقاء المغاربة ويرفضون البدو] فسمعت أهل حلب واجتمعوا تحت القلعة وقالوا: ما نريد إلاّ المغاربة، ولا رغبة لنا في البادية. وصارت فتنة واستدعى سديد الدولة الضيف (١٠) من الحاكم أن يمدّه بالعساكر ليقوى بها (١١) على صالح بن مرداس، فورد إليه كلّ وال بالشام بالرجّالة، وورد معهم حسّان بن المفرّج بن الجرّاح وعشيرته من العرب [الطائيين] (١٢) وسنان بن سليمان أمير الكلبيّين في عشيرته أيضا، ونزلوا بظاهر

стр. 320

حلب. [الحاكم يمنح فتح الألقاب ويعده بالإحسان] وأرسل الحاكم إلى فتح يمنّيه ويعده (١) بالإحسان والإنعام، وزاده في لقبه «مبارك الدولة وسعدها» (٢) وعزّها. ودار (به) (٣) أصحابه وأشاروا عليه بالتسليم، فأجاب إلى النزول من القلعة، وسلّمها إلى سديد الدولة عليّ بن أحمد الضّيف، وأخذ فتح جميع ما فيها من المال والآنية الذهب والفضّة وغير ذلك من نفيس المتاع والسلاح، وما أمكنه حمله، وسار جميع العسكرية معه، [فتح يقيم بصور] وعدل إلى صور وأقام بها (٤) إلى أيّام الظّاهر بن الحاكم، وأخرج عنها بشناعته (٥) العصيان بعد أن استجرّ (٦) منه على طول المدّة جميع ما كان معه من المال، وباع أيضا ما استصحبه أوّلا فأوّلا، فأخذ منه ثمنه شيئا بعد شيء على سبيل/١٢٧ أ/القرض (للنفقة في) (٧) العساكر، ونقل إلى ولاية بيت المقدس (٨)، [وفاة فتح فقيرا في صور بعد أخذها مع صيدا وبيروت من يده] وأخذ منه صور وصيدا وبيروت وأقام بها مديدة وعزل عنها وأعيد إلى صور، ومات فقيرا. [سنة ٤٠٧ هـ .] [الحاكم يقلّد فاتك غلام وحيد مدينة حلب] وقلّد الحاكم حلب بعد خروج فتح عنها لعزيز الدولة فاتك غلام وحيد (٩) ولقّبه أمير الأمراء وسيّره إليها، ودخل إلى حلب يوم الأحد مستهلّ شهر رمضان سنة سبع وأربعمائة. وسار سديد الدولة الضّيف عنها (١٠).

стр. 321

[المغاربة يهاجمون دير سمعان الحلبي] وقصد المغاربة دير سمعان (١) الحلبي دفعتين وقتلوا وأسروا من وجدوا فيه (وشيخ (٢) الدير) (٣) من الرهبان وغيرهم من النصارى (٤). [فاتك يستولي على حلب ويصالح ابن مرداس ويتّصل بملك الروم] واستقامت الحال بين عزيز الدولة وبين صالح ابن (٥) مرداس، وراسل عزيز الدولة الملك باسيل يبذل (٦) له العبوديّة والموالاة، وأسقط من مكاتبته إليه وإلى من يكاتبه من ولاة الروم المجاورين (له ذكر لقبه، واستطلق منه المتاجرة إلى) (٧) بلد الروم (المجاورين له) (٨)، وتسوّق على الحاكم بذلك، واستولى على حلب وعلى جميع الأعمال المضافة إليها، وصرف من كان بها من ولاة الحاكم، وولّى عليها من قبله (٩). ... [مقتل ملك البلغر] وفي سنة سبع وأربعمائة وثب أحد رؤساء البلغر، يسمّى هرون بملكهم القمطورياس غلام صموئيل (١٠) وقتله وحاز مملكة البلغر. وهرون هذا ممّن كان لأسلافه قدمة (١١) في التملّك عليهم، وراسل إلى باسيل الملك

стр. 322

[الملك البلغريّ الجديد يقدّم ولاءه لملك الروم] وكاتبه يبذل له الطاعة والموالاة ويضمن له أنه يكون (التملّك) (١) متصرّفا في المملكة التي حازها على ما يرضيه، ولا يتخطّأ الأمر فيما يكرهه (٢) ولبث في الملك سنة واحدة، وقتل أيضا من يد بعض أصحابه. وكاتب رؤساء البلغر للملك باسيل يتعبّدون له ويرغبون إليه في أن يتسلّم ما في أيديهم من الحصون والبلاد ويستأذنونه في الورود إلى ما قبله والتصرّف حسب أوامره (٣)، [تبادل الزواج بين الروم والبلغر] فسار الملك (حينئذ) (٤) إلى البلغرية (٥) في شوّال سنة ثمان وأربعمائة، واستقبله جماعة الرؤساء بها وأخرج (٦) أيضا امرأة هرون ملك البلغر وأولاده، وتسلّم حصونهم وأحسن إليهم، ورتّب كلّ واحد منهم على ما يقتضيه استحقاقه، واستبقى الحصون المنيعة، وولّى عليها ولاة من الروم، وأخرب (٧) ما سواها (٨)، وأصلح أمور البلغرية، وقرّر فيها باسليقية، وهم المتولّون لجميع (٩) الأعمال والأموال، وصارت مملكة البلغر مضافة إلى مملكة الروم، وجعلها قطبانية (١٠)، وذلك في السنة الرابعة والأربعين من ملكه [وهي سنة ١٣٣٠، وهي سنة ٤٠٩] (١١). وعاد إلى القسطنطينية وزوّج (١٢) بنات البلغر أولاد الروم وبنات الروم إلى بني البلغر، وخلطهم بهم، وأزال بذلك الضغائن القديمة التي بينهم (١٣)، وتجدّد لهم فيما بعد ما سنشرحه في موضعه. ...

стр. 323

[الحاكم يواصل الركوب ليلا ونهارا] وواصل الحاكم الركوب ليلا ونهارا من غير فتور ولا سكون، واقتصر على نفر يسير من خاصّته يركبون معه. [إسفاف الحاكم وعمل الفسق بحضرته] وعنّ له رأي من السّخف (١) ينافي (٢) ما تظاهر به من الزّهد وهو أن يقصد أحد أسواق مصر في الليل، ويتقدّم إليه شيخ خليع يعرف بالرجاع من السفساف، فيقول له الحاكم: أرني قمرك، فيكشف عن فقحته، ويرسم الحاكم لبعض/١٢٧ ب/ركابيّته من السودان أن يبرز إحليله ويأتيه بمشهد منه ومن الجمع الحاضر، ويتفوّت (٣) إليه ذاك المجرى من الألم الذي يزعم أنه يناله ويقسم عليه أن يأمر الأسود العالي عليه بالرفق وترك العسف له، فيضحك الحاكم من ضجيجه ويطرب له. ولبث على هذا الحال مديدة (٤). ثم (هجره و) (٥) اعتلّ وضعف عن الركوب، فاتّخذ له محفّة (٦) يجلس فيها ويستلقي عليها، ويحملها أربعة من الركابيّة الذين اصطنعهم ويدور الليل والنهار، فلمّا تماثل من مرضه وتراجعت قوّته عاد إلى ركوب الحمار على رسمه، والاختلاط بالعوامّ، وجميع من له إليه حاجة (يلقاه (٧) ويسأله ما يريده، ويستميحه من أراد استماحته، [الحاكم يقضي لأصحاب الحاجات في مواعيد محدّدة] ومن رأى أن يقضي حاجته رسم له اليوم الذي يعاود فيه لقاءه والموضع الذي بنتظره فيه، ويحمل في كمّه لكلّ واحد من أصحاب الحوائج ما التمسه من صلة أو سجل أو توقيع يقضي حاجته، ويدفعه إليه من يده في اليوم والموضع الذي حدّه له (٨).

стр. 324

[الحاكم يفرض الإفراد في الرقاع المرفوعة إليه] وتقدّم ورسم أن يكون عدد أسطر الرقاع التي ترفع إليه إفرادا، وأن يكون وقوف من يسلّم عليه أو يسأله حاجة من جهة اليمين منه خاصّة (١)، وربّى (٢) شعره إلى أن (طال ونزل) (٣) على أكتافه، وامتنع من تقصيصه ومن تقليم أظافره، وغيّر الثياب الصّوف البيض (٤) التي يلبسها بسواد، والعمامة الزرقاء بسواد، وصار يلبس الكسوة الواحدة المدّة الطويلة إلى أن تتلبّد (وتتلكّد) (٥) بما ينالها ويتداولها من العرق الدائم ويعلوها من الغبار المتّصل. وواصل تدوير (٦) الصحارى والفيافي، وقصد الجبل المقطّم والإنفراد بنفسه عمّن معه من الركابيّة، وتأخّرهم على بعد منه (٧) كثير والتمادي في السير وحده إلى حيث يريد، ويعود إلى الموضع (الذي فيه) (٨) الركابيّة المنتظرة له. ويقال إنه كان في انفراده بنفسه في الجبل يتغوّث إلى الله تعالى أن يناجيه ويوحي إليه كما ناجى موسى وأوحى إليه وإلى غيره من أنبيائه. وصارت حاله غير بعيدة من حال بختنصّر ملك بابل الذي حكى دانيال النّبيّ الصّادق عنه أنّ البراري صارت مأوى له كالوحوش، [الحاكم يربّي شعره ويطيل أظافره ويلبس الكساوي الملبّدة] وزادت أظافيره (٩) فشبّهت مخاليب العقاب، وطال شعره كالأسد (١٠) جزاء على إبادته هيكل الربّ الأورشليمي (واستباحته آلة القدس، وتشريده الشعب الإسرائيلي إلى الغربة) (١١). وكان سبب بغيته (١٢) في جميع ما يقصده من هذه الفعال

стр. 325

العجيبة المتضادّة التي تقوم (١) في نفسه ويفعلها شيئا بعد شيء، [المؤلّف يحكم على الحاكم بتشوّش عقله واختلاله] وإن كان ذلك خارجا عمّا نحن بسبيله من التاريخ صنف من سوء المزاج المرضيّ (٢) في دماغه أحدث له ضربا من ضروب المالنخوليا (٣) وفساد الفكر منه منذ حداثته، فإنّ من المتعارف في (٤) صناعة الطب أنه قد يكون فيمن يعتريه هذا المرض أنه يقوم في نفسه أوهام، ويتخيّل أمورا وعجائب، ويكون كلّ واحد منهم لا يشكّ أنه على (٥) [غير] (٦) الصواب فيما يتصوّره في جميع أفعاله، ولا يثنيه عن ذلك ثان ولا يردّه راد، وأن قد يكون منهم من يظنّ بنفسه أنّه نبيّ، ومنهم من يتوهّم أنه هو الإله بنفسه، تعالى كثيرا، ويكون يقوم (٧) من هؤلاء من اختلاط الكلام ظاهرا واختلاله (٨) ما ينكشف حاله عند من يشاهده ويحادثه، وتزول الشبهة فيه في أوّل وهلة، وربّما كان تخليط أحدهم في الكلام مستورا، وتكون هذه التخيّلات والخواطر الرديئة تعرض له في أمور مستورة عن العوامّ، فيكون صورته عندهم صورة العقلاء، وحسن ظنّهم به ونظرهم إليه كنظرهم إلى أفاضل الناس، فإذا أطالوا اختبارهم بان لهم ما انطوى عنهم في نقضهم (٩). وهذه صورة حال الحاكم (١٠) /١٢٨ أ/فإنّ نقضه (١١) كان يتبيّن لمن تطول صحبته له، (وأمّا من هو بعيد منه فإنّ أفعاله كانت توضحه له) (١٢) وقد

стр. 326

[المؤلّف يذكر بعض الأمثلة عن مزاج الحاكم المتقلّب] يستدلّ على حقيقة هذا المرض المستحوذ (١) عليه أنه كان قد عرض له في حداثته تشنّج من سوء مزاج يابس في دماغه، وهو مزاج المرضى الذي يحدث في المالنخوليات (٢) واحتاج في (٣) مداواته منه معما كان يعالج به جلوسه في دهن البنفسج وترطيبه به، وأنّ كثرة سهره أيضا وشغفه بمواصلة الركوب والهيمان الدائم ممّا (٤) يقتضيه هذا السوء [المزاج] (٥) المقدّم ذكره. وإنّ أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن أنسطاس، ﵀، لمّا خدمه استماله إلى أن (تسامح في) (٦) شرب النبيذ وسماع الأغاني بعد هجره لها ومنعه الكافّة منها، فانصلحت أخلاقه، وترطّب مزاج دماغه، واستقام أمر جسمه، ولمّا مات أبو يعقوب وعاد إلى الامتناع من شرب النبيذ ومن سماع الغناء، رجع إلى ما كان فيه، وتزايد الضرر به (٧). وآل أمره إلى ما ذكرناه وإلى ما سنذكره من حاله فيما بعد. ... [عكّاويّ يدّعي إخوّته للحاكم] وورد (٨) من الشام إلى مصر إنسان من أهل عكاء متزيّ (٩) بزيّ الأمراء من ولد المهديّ العلويّ، وجلس في جوار قصر الحاكم يبيع المداد والأقلام، وكان شبيها بالحاكم، فوقف به الحاكم وسأله عن أمره، فذكر له أنه أخوه من جارية أخرجت من القصر حبلى من العزيز بالله وولدته، وتعمّد الحاكم الوقوف به (في الأحايين) (١٠) ومحادثته، ووهب له وأعطاه ما يقوم

стр. 327

بحاله (١)، فلقّبه المصريّون «الشبيه». [موت «الشبيه» أيام الظاهر] ولم يزل لازما (٢) الموضع الذي جلس فيه مواظبا على معيشته تلك بقيّة أيام الحاكم، ولما فقد قبض (٣) عليه واعتقل مدّة، وأحضره الظاهر ليشاهده، فشكا إليه حاله، وأخذ يخاطبه بابن أخي (٤)، فتنكّر عليه وأعاده إلى الاعتقال، ومات بعد أيام يسيرة. ... [الحاكم يستوزر ابن فلاح ثم يقتله] واستوزر الحاكم قطب الدولة عليّ (بن جعفر) (٥) بن فلاح (٦) ولقّبه «وزير الوزراء» ذا الرئاستين الأمير المظفّر قطب الدولة، ورسم له أن يسير (٧) إلى مدينة الإسكندرية، ويدور (٨) الأعمال القريبة المحدثة (٩) بمصر ويشارفها (١٠)، فلما عاد قتله (١١). [الحاكم يقلّد ابن عمّه النظر في الأمور] وأقام الحاكم ابن عمّه الأمير (إبراهيم) (١٢) أبا هاشم الملقّب بوليّ عهد

стр. 328

أمير المؤمنين للنظر (١) في كثير من الأمور (٢). وكان يحضر بحضرة الحاكم الأمير شمس الملك مسعود بن طاهر (٣)، وهو يومئذ متولّي جميع الدواوين والناظر فيها، ويحضر معه من أماثل أصحاب الدواوين، ويؤخذ رأيهم فيما يحتاج إليه. ولم يزل الحال جاريا على هذا إلى أن فقد الحاكم. [ظهور الدرزي] [سنة ٤٠٨ هـ .] وورد إلى مصر في سنة ثمان وأربعمائة داع عجميّ يسمّى محمد بن إسماعيل ويلقّب بالدّرزيّ، (قصد خدمة الحاكم) (٤) وأحسن إليه وأنعم عليه، فدعا الناس إلى أن يعتقدوا أنّ الحاكم هو الله صانع العوالم ومبدع الخلائق، وأعلن دعوته وكاشف بمذهبه، فلم ينكر الحاكم عليه قوله. ولعمري أنه قد كان [من] (٥) تقدّم من آبائه الخلفاء العلويّين منذ أوّل ظهورهم [بالمغرب] (٦) دعوى إلى مذهب غير بعيد من هذا الاعتقاد، وهو أنّهم آلهة حلّوا على الأرض في أشباح بشريّة، ومن/١٢٨ ب/العليّ (٧)

стр. 329

لهم نور لاهوتي (١) حالّ فيهم، ويظهر (٢) في كلّ عصر وزمان في صور شخص من الأشخاص البشريّة، وأنّ الدنيا وملوكها كلا عليهم، وأنّهم بين العالم (٣) لا يستأهلهم. ولم يزالوا يكتمون مذهبهم هذا عن من يخالفهم، ويظهرون لغيرهم من عامّة المسلمين أنّ صاحب الأمر منهم هو إمام الله وخليفته في أرضه وحجّته على خلقه، وأنّ الإمامة أجلّ قدرا من النّبوّة، وأنّها كانت في آدم، وانتقلت إلى نوح، وإلى إبراهيم، وإلى موسى، (وإلى فلان وإلى فلان وإلى فلان) (٤)، ومنه إلى ولده الحسين، وإلى واحد بعد (٥) واحد من ولده مديدا إلى عبد الله المهديّ العلويّ الظاهر بالمغرب [في سنة ٢٦٠ وأصله من المشرق] (٦) ثم إلى واحد بعد واحد من القائمين بالأمر من بعده من ولده، وعلى ذلك يجري الأمر عندهم سرمدا، وأنّه سيقوم منهم من (٧) يملك المسكونة بأسرها ويجمع الأمر على رأيه، ويخلد في ملكه إلى أن يبعث الله من في القبور (٨). [الحاكم يعمد إلى البطش والجور لنشر العقيدة العلوية] فلمّا كان زمان الحاكم عوّل على إظهار مذهبه وإشهار ما كان (٩) آباؤه يسترونه منه ويخفونه، ورأى أن يدرج الناس إلى ما يقصده، وأقام له (من) (١٠) الهيبة في نفوس الكافّة لشدّة سطوته وتسرّعه (١١) إلى سفك الدماء، وأنه لا

стр. 330

يبقى على ما صغر ذنبه (١) وقلّ فضلا (٢) عمّن عظم جرمه وجلّ [واستحلّ] (٣) ما لم يكن لغيره. ولقد كان جماعة يتعمّدون للقائه في أمور تضطرّهم إلى ذلك، فإذا أشرف عليهم سقطوا على الأرض وجلا منه، وفحموا على (٤) خطابه، فاجتذب المسلمين على (٥) أخذ بيعته ولا يبقى من (٦) يرى أسلافه عداوتهم ولعنهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم، وعني بذلك وتشدّد فيه برهة من الزمان، وأظهر بعد حين (٧) سجلاّت قرئت، رسم فيها أن يعلن كلّ واحد من المسلمين ما شاء من الاعتقاد، ويشهر بمحبّة من يرى موالاته من هؤلاء السّلف (٨) وأغلق باب المجلس الذي تقرأ فيه علومهم، ويؤخذ البيعة على من يحضره من المتشيّعين له. واغترّ جماعة بما رخّص لهم فيه، وظنّوا أنّه عن طويّة خالصة، فأظهروا ما في ضمائرهم من الانحراف عمّا دعاهم إليه، والمحبّة لمن يرى بغضته، وعاد بعد هنيئة (٩) ففتح (١٠) المجلس وفكّر ما تقدّم ترخيصه فيه وتتبّع من تجاهر (١١) به وقتله. [ورفع إليه في أثناء ذلك رقعة فيها: بالجور والظلم قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه

стр. 331

إن كنت أوتيت علم غيب ... بيّن لنا كاتب البطاقه] (١) [المؤلّف يشير إلى انخداع الناس بتصرّفات الحاكم] ثم (٢) عاد أيضا بعد زمان غير بعيد ففتح لهم عود التصرّف في مذاهبهم ونحلهم على حسب إيثارهم، وعطف على النصارى واليهود فاضطهدهم في الدخول إلى دين الإسلام، فتابعه منهم من ضعفت نفسه من الصبر على شدّة وعيده وكثرة سخطه، ورخّص لهم بعد حين في النّقلة إلى بلاد الروم والعودة إلى ديانتهم (٣) لما عرف باطنهم في ذلك وتسكّعهم فيه، لأن (٤) كثيرا من مماليكه كانوا من أبناء الروم، وأسلموا في الاضطّهاد، وهم ممّن نسب في الهرب إلى بلاد الروم، وعتق سائر مماليكه، وملّكهم أمور نفسهم والتصرّف فيها فيما (٥) يملكونه واقتنوه من أموالهم وأثاثهم ورباعهم على إرادتهم، وأطلق ذلك لهم من جميع/١٢٩ أ/النّصارى الذين أسلموا والذين هم متمسّكون بدينهم، وأزال التعرّض لهم ولما استصحبوه من أموالهم ورحالاتهم حسبما شرحناه فيما تقدّم. ولمّا استقرّت الأمّة التي تحت قبضته (٦) فوجد الأكثر منها سهلة الإنقياد لما يميلها إليه ويقبلها فيه، قرب في نفسه بلوغ ما اعتمده، فتشوّق بالزّهد

стр. 332

والورع، ورفض اللذّات الجسدانية، واقتصر على مطعمه ومشربه على ما تدعو إليه الحاجة لتماسك (١) الجسم دون الزيادة منه والمغالاة فيه وفي كسوته [على] (٢) الصوف وركوبه الحمير بمراكب حديدية خسيسة، واختلط بالعامّة واجتذب الناس إليه بالعدل وإسقاط المكوس والرسوم الجائرة والهبات والعطايا الجزيلة، وانخدع كثيرون له وانحرفوا إلى متابعته، وتنافسوا في موالاته، ونسبوا كلّ قبيحة يأتيها (٣) في عرض ذلك من القتل والسخف وغيرهما من الأعمال الذميمة إلى أجمل وجوهها، وتأوّلوا فيها ضروبا من جنس التأويل، واحتجّوا بأنّ [في] (٤) جميع ما فعله (٥) أسرار (٦) خفيّة، وأعراض (٧) غامضة لم يجعل للبشر الوقوف عليها ولا الوصول إلى معرفة أسبابها (٨). [الدرزيّ يدعوي الناس إلى مذهبه] ولمّا ظهر الدّرزيّ (٩) ودعا الناس إلى مذهبه (استجاب (١٠) كثير من الرّعاع إليه) (١١) وأوهم الحاكم أن كثيرا من أهل المسكونة يعتقدون فيه كاعتقاده، وما قد دعا الناس إليه وأصغى إلى قوله وغلب هواه فيه على عقله، وأمره أن يحسن الناس (١٢) بالرقاع ويدعوهم بها إلى مذهبه، فكتب رقعة إلى

стр. 333

متولّي الغلمان الأتراك يستدعي مصيرهم إليه ليقفوا على الوحي الوارد إليه (من الله) (١). [الحاكم يظهر الإنكار لدعوة الدرزي] وكتب أيضا إلى جتكين (٢) داعي الدّعاة، وإلى وليّ (٣) عهد المسلمين، (وداعي الدّعاة، والموفّق في الدّين عميد المؤمنين) (٤)، وإلى غيرهم يدعوهم إلى مقالته، فطالعوا الحاكم بما كاتبهم، واستخبروا منه رأيه فيما ذكره لهم، وإن كان عن أمره، فأظهر الإنكار له لما رآه من إعظامهم له ونفورهم منه. [الحاكم يقصر الألقاب على تسعة أنفار في دولته] وأسقط الحاكم بعد ذلك الألقاب والتسمية بالتأمير والتقويد لسائر من بحضرته وفي جميع أعماله، إلاّ تسعة أنفار (٥)، وهم وليّ عهد المسلمين (٦)، وشرف (٧) الدولة صاحب إفريقية (٨)، وثقة الدولة صاحب صقلّية، وولده تاج الدولة، (وشرف الدولة) (٩) أمير الأمراء ذو الكفايتين، وقاضي القضاة أحمد بن محمد بن عبد الله، وداعي الدّعاة جتكين (١٠)، والموفّق في (١١) الدّين عميد المؤمنين عبد الله (١٢) ابن صالح، وحطّ سائر (١٣) واجبات الإمارة والتقويد من الدواوين، وأذاع الناس أنّ (١٤) الدّرزيّ [الذي] (١٥)

стр. 334

أشار عليه بذلك ليجتذب به الجماعة إلى رأيه طوعا وكرها، فامتعض سائر المشارقة وكثير من المغاربة من هذا (ومن شناعته وما يراد منهم) (١)، [مقتل الدرزي على يد غلام تركيّ] وعمل بعض غلمان الأتراك على قتل الدّرزيّ، فوثب إليه وهو في موكب (٢) الحاكم وقتله، ونهبت داره. وافتتنت القاهرة وأغلقت أبوابها، ولبثت الفتنة ثلاثة أيام، وقتل فيها جماعة من الدّرزيّة (٣). وقبض بعد ذلك على التركيّ قاتل الدّرزيّ وقتل (على ذنب خلق له) (٤).

стр. 335

[الحاكم يعيد ألقاب الأمراء والقادة] وأعاد الحاكم الألقاب والتأمير (١) والتقويد. [زيادة النيل وغرق الضياع] وزاد النّيل في سنة ثمان وأربعمائة زيادة كثيرة، وغرق من الضياع كثير بأهلها/١٢٩ ب/، ودخل الماء القاهرة وكاد يغرّقها لو لم يعمل له مزراب (٢) يدفعه، غرم (٣) عليه جملة مال، ودخل الماء بمصر إلى السّوق المعروف بالصّفّين، ووقعت (٤) دور كثيرة (بالقاهرة ومصر، وتساقطت عدّة دور فيهما) (٥)، وأثّر خرابا كثيرا، وهلكت الأشجار والنّصوب (٦)، ونال الناس من ذلك شدّة شديدة، ونسبوا هذا أنه سخط من الله وارد (٧) عليهم من الكفر الذّائع بينهم (٨).

стр. 336

[الحاكم يحظّر الدخول إليه باستثناء أحد عشر رجلا] وأمر الحاكم بعد قتل الدّرزيّ ألاّ يركب معه أحد إلاّ الركابيّة فقط، ولا يدخل إلى قصره من رؤساء دولته سوى أحد عشر رجلا أسماهم، وأن يدخل أيضا الكتّاب والقرّاؤون والأطبّاء والمؤذّنون وخدّام القصر، من غير أن يختلط بهم غيرهم من الناس. [ظهور حمزة بن أحمد ودعوته الدرزية] وظهر بعد الدّرزيّ داع آخر عجميّ يسمّى حمزة بن أحمد (١) ولقّب بالهادي، ونزل (بظاهر) (٢) القاهرة، في الموضع المعروف بمسجد تبر (٣)، [الداعي الجديد يدعو إلى الإباحية وإسقاط التكاليف الدينية] ودعا الناس إلى مقالة الدّرزيّ، ولزم منزله، واصطنع جماعة من الدّعاة رتّبهم في مصر وأعمالها والشامات (وما حولها) (٤)، ودعوا إلى الرخصة والإباحة، وفسحوا في نكاح الأمّهات والأخوات والبنات، وإلى إسقاط جميع التكليفات من الصوم والصلاة والحجّ، واستجاب لهم خلق كثير (٥)، وصار أصحاب

стр. 337

الهادي إذا لقوا أصحاب جتكين (١) داعي الدّعاة لعن بعضهم بعضا، ويكفر كل فريق منهما بالآخر. وكان أصحاب الهادي يلقون الحاكم في كلّ يوم في القرافة (٢) للسلام عليه، [الحاكم يعتني بالدرزي ويستشيره] وهو مع ذلك يعتني بالهادي (٣) ويسأله عن عدد ما حصل في بيته من أهل دعوته، ويظهر منه المشورة بالكثرة. (وظهر مذهب الدّرزيّ واشتهر بين الأنام، وصارت جريدته ستّة عشر ألفا يعتقدون أنّ الحاكم إلاه) (٤). ووافى في بعض الأيام سبعة أنفار من أصحاب الهادي برقعة إلى قاضي القضاة أحمد بن محمد بن عبد الله (٥) وهو في جامع مصر السّفلاني، وحين تصفّحها لقاها (٦) تشتمل على شيء من كفرهم، فتنكّر منها واستعاذ بالله من مضمونها، وأعلم بذلك من حضر واشتاطوا (٧) غيظا، ووثبوا على السبعة الدّعاة (٨) وقتلوهم [عن آخرهم] (٩)، فأنكر الحاكم على قاضي القضاة ما

стр. 338

جرى، وتتبّع فيما بعد جماعة من المصريّين، وقتل منهم سبعين رجلا (١) [الدرزية يلعنون الأنبياء ويضعون كتابهم «الدستور»] وتزايد أمر الدّرزيّة إلى أن لعنوا آدم ونوح وجميع الأنبياء ومحمدا وعليّا، وتغوّطوا (٢) في المساجد، ولطّخوا القبلة بالقذر (٣)، وبالوا على مصاحف القرآن، وعملوا كتابا في معنى القرآن وسمّوه الدستور، واستضاموا من خالفهم في معتقدهم، وتعزّزوا عليهم، وصار متى استعدى على أحدهم أصحاب (٤) السلطان لا يعدى عليه ولا يتعرّض له. [الحاكم يعطّل الخطبة في شهر رمضان والعيدين] وكان الحاكم منذ بدأ أمرهم قد قطع ما جرى به رسمه من صلواته وخطبته [لجمعة] (٥) في الجوامع في أيام الجمع في شهر رمضان وفي العيدين، وعطّل مع ذلك الحجّ إلى مكّة عدّة سنين لتغلّب (٦) العرب وقوّة

стр. 339

أيديهم، والخوف من أخذهم الحجّاج، وانقطع حمل الكسوة التي جرت بها العادة بتجهيزها إلى الكعبة، واستشعر المسلمين (١) بما ظهر من هذه كلّها أنّه لانحرافه عن دين الإسلام وتعمّده تقوية هذا المذهب وإظهاره. [سنة ٤١٠ هـ .] [ظهور الأبيات والقصائد المنسوبة إلى الحاكم التي تخوّف الناس وترهبهم] وظهر في أيدي المصريّين أبيات شعر وقصائد منسوبة إلى الحاكم تتضمّن وعيده لهم/١٣٠ أ/بحريق دورهم، ونهب أموالهم، وسبي حريمهم، وسفك دمائهم، وكثر الإرجاف بهم، فقريء (٢) عليهم سجلّ بتطمينهم (٣) ويزيل (٤) سوء ظنّهم. وتناسخوا أيضا كتابا ذكروا أنه من الحاكم، تاريخه العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشر وأربعمائة، يتضمّن (٥) تفنيدهم على تخلّفهم عن تسليم الحقّ إلى (٦) أهله وتركهم التشاغل بعيوب نفوسهم، واعتراضهم عليه فيما يفعله (٧) ويشير عليهم بالمبادرة إلى الإيمان في أوانه [وقبل فواته] (٨) ويوبّخهم على مخالفتهم إيّاه فيما قصد بهم (٩) إليه ممّا يعود عليهم بالقرب إلى باريهم، ومجاهرتهم له بما أتوه من الخطايا وتظاهروا به من البدع، ويتواعدهم (١٠) بأنّ كلّ عقوبة سيحلّها بهم إن لم يزروا (١١) الشّر ويعملون (١٢) الخير ويعمدوا عليه، ويسلّموا إلى إمام دهرهم، ويولجوا إليه أمرهم. ويذكّرهم بما تقدّم من إنذاره لهم، وتخويفه إياهم على مباينته، ويعد من قبل أوامره واحتذى مرضاته بالإحسان إليهم

стр. 340

والإبقاء عليهم، ويحذّر من صبر على الأفعال المنكرة بخلاء (١) ديارهم، وتعفية آثارهم، وسبي نساءهم (٢) وأولادهم، ونهب أموالهم. وأنّهم حينئذ يطلبون ناصرا فلا ينصرون (٣) ويقسم على من وقع كتابه بيده أن يقرأه على أهله وجيرانه، ويجعلهم على علم من مضمونه. [المسلمون يكفّرون الحاكم ويشتمونه في أشعارهم] وتفاوض (٤) المسلمون بينهم (٥) أنّ قصده سياقتهم (٦) إلى ما دعا إليه الدّرزيّ وأنّ حنقه عليهم إنّما هو لنفورهم منه. وأكثروا الكلام في ذلك، وعملوا أشعارا يكفّرونه فيها يشيرون بها (٧) إليه، وترنّموا بأغاني تتضمّن شتيمة له وألفاظا قبيحة يشيرون (٨) بها إليه، وجميعها تتّصل به [في وقتها] (٩)، فازداد غضبا عليهم. [الحاكم يوزّع السلاح على العبيد والسودان لنهب مصر] وتقدّم في ذي القعدة سنة عشر (١٠) وأربعمائة بأن يفرّق على العبيد السودان من العسكريّة سلاح (١١)، وأوعز إليهم بالنزول إلى مصر، وأن يتعمّدوا حرقها وسبي حريم أهلها وأولادهم، ونهب أموالهم، [الحريق يلتهم شطرا كبيرا من البلد] فبدأوا في طرح النار في طرف مصر في الموضع المعروف بالتّبّانين (١٢)، وتركوا أيديهم (١٣) في النّهب، وامتدّوا فيه إلى أن أتوا على ما في القياسر (١٤) التي يباع فيها

стр. 341

البزّ (١)، وعلى كثير من الحوانيت والمساكن، وأسروا خلقا من النّسوان وافترسوهنّ، وتهارب جماعة منهم إلى الجامع (تحرّما به) (٢) فلم يحمهم، ونهبوا مواضع كثيرة من مصر، وأحرقت النّار شطرا كبيرا من البلد، ولم يتجاسر المصريّون على إطفايها (٣) خوفا من أن يجري عليهم ما هو أعظم وأشدّ (٤). وانتهى إلى الحاكم عظم الحادثة بمصر من الحريق والنهب والأسر، فإنّه لم يؤمن تفاقمه وخروجه إلى ما يصعب تلافيه واستدراكه، [الحاكم يقتل غادي الخادم الذي أراد القضاء على الفتنة] فتقدّم إلى غادي (٥) الخادم الصّقلبيّ بالنزول إلى مصر في جماعة من الجند ليسكّن الفتنة، فنزل وشاهد أمرا فظيعا وحالة قبيحة، فقتل بعضا من العبيد ومن أهل الشرّ (٦) لتوقع الهيبة فيهم، وفرّق جمعهم (٧)، وعاد إلى الحاكم وهو حنق ممّا شاهد، وشرح له قبح النازلة وعظم الحادثة، وقال له في جملة كلامه: لو أنّ باسيل ملك الروم دخل إلى مصر/١٣٠ ب/لما استجاز أن يفعل بها مثل هذا، فنقم عليه الحاكم وقتله، فاستغاث المصريّون إليه في العفو عنهم والتقدّم بإطفاء النّار لئلاّ تهلكهم، فأذن بذلك بعد أن تلف من العقارات والرحالات ما يعظم قدره. [المؤلّف يذكر قول الناس حول سبب حريق مصر] وقال بعض النّاس إنّ السبب في ما أمر به من حريق مصر ونهبها أنّ أكثر تلك الأشعار والقصائد المنسوبة إليه أو كلّها هم نحلوه إيّاها وعملوها على لسانه، وكذلك الكتاب المكتتب عنه، وأنه قصده أن يحقق فيهم ما

стр. 342

تفاءلوا (١) به على أنفسهم، وبعثه عليه أيضا ذكرهم له في أشعارهم [وأغانيهم] (٢) وتشيرهم (٣) له وتلقيبهم (٤) إيّاه. وقال بعضهم: بل هو لحنقه عليهم [لتخلّفهم عن] (٥) المسارعة إلى (٦) الدخول في دعوة الدّرزيّ والهادي. ولعله كان للحالتين جميعا. وقريء عليهم بعد ما جرى من الحريق والنّهب سجلّ بالغم (٧) ممّا نالهم، وأنه لم يكن بأمره ولا جرى باختياره (٨).

стр. 343

وكان (١) وليّ عهد المسلمين عند حصوله بدمشق قد فسح لأهلها في شرب القهوة وسماع الأغاني، فحبّه (٢) أهل دمشق. وأمّا الجند فكانوا ماقتين له لشحّه وقبضه يده على الإنفاق فيهم وتوفيتهم (٣) رسومهم (٤). [أمير الأكراد يغزو الدرزية في وادي التيم] وأذاع بعض الدّرزيّة دعوته في قوم من المسلمين في موضع يعرف بوادي (التّيم) (٥) بين دمشق وصيدا، وأقلب دينهم، وتجاهروا بكفرهم، فغزاهم أمير الأكراد يعرف بابن تالشليل (٦) فقتل منهم وسبى وأحرق وأهلك

стр. 344

خلقا وأباد حضراهم (١)، واستشعر وليّ العهد بعد ما جرى في أمرهم إنكار الحاكم ما فعل بهم، وتحذّر أن يحقد عليه بسببهم، وخاف سطوته، فأنفذ صاحبا له يعرف بابن الخرقاني (٢) إلى حسّان بن المفرّج بن الجرّاح ليقرّر له معه أن يكون من جهته، ومتى (ما) (٣) احتاج إليه في أمر من الأمور، ولم يقعد عنه واستحلفه، فوجد الجند بذلك (السبيل إلى) (٤) زوال أمره والتشفّي منه، فشعّثوا عليه بالعصيان، وقتلوا الخرقاني بدمشق، وقصدوا نهب دار وليّ العهد، فاستغاث بالدمشقيّين والغوطيّين (٥)، فأحاطوا بالقصر الذي ينزله (٦) بظاهر دمشق، فانتشب الحرب بينهم وبين الجند، واندفع الدمشقيّون عنه، ونهب الجند القصر. وكان عند تواصل الأخبار إلى الحاكم بعصيان وليّ العهد وكثرة الأقاويل عليه بذلك قد انتدب صاعد بن عيسى بن نسطورس للخروج إلى الشام، وردّ النظر إليه فيه، وهو ممّن ابتدى (٧) بالإسلام في أوّل الاضطّهاد، وزادت حاله عند الحاكم، إلى أن جعله أميرا عند (٨) الأتراك، ولقّبه: «الأمير (٩) الظّهير شرف الملك تاج المعالي» (١٠)، وخوّله وأعطاه من خزائنه من العدد السّلطانية والآلات الجليلة ما لم يعط لغيره، وتقدّم إليه بالخروج إلى الشام، وبرز إلى عين شمس، وشيّعه الحاكم في تبريزه. وتقدّمت مكاتبة (١١) الحاكم إلى وليّ

стр. 345

العهد يأمره بالحضور إلى مصر. ومع وصول أمره له (١) بذلك بادر بالرحيل لوقته، وسار العسكر معه إلى الرملة، ولما عرف الحاكم امتثاله (٢) لأمره زالت الشبهة عنه من نفسه، /١٣١ أ/وكتب له يرسم له بالرجوع إلى دمشق، وقلّد تقليدا ثانيا، وردّ [صاعد بن] (٣) عيسى بن نسطورس إلى مصر وقتله في الحال (٤). وثار بدمشق بعد مسير وليّ العهد عنها رجل من أهلها يعرف بمحمد بن أبي (٥) طالب الجزّار (٦)، واجتمع إليه جمع كثير من أحداثها ومن رعاع أهل حوران امتعاضا (٧) لوليّ العهد، وحاربوا الجند، وطرح الجند النّار في المدينة، فأحرقت منها قطعة كبيرة. ولمّا عرف محمد بن أبي طالب الجزّار عودة وليّ العهد سار للقائه، واجتمعوا في لدّ. وسار محمد بن أبي طالب إلى دمشق وقد التفّ به، واجتمع إليه خلق كثير، ودخل دمشق بغتة، وراجع الحرب واستظهر على الجند وأخرجهم من المدينة، وأرسل (٨) إليه وليّ العهد في تسكين الفتنة، فلم يطعه، وقتل قاضي دمشق، وتسلّط هو والأحداث عليها، وقتل أيضا جماعة من الناس ونهبهم، وتوقّاه أهل السّلامة وخافوا منه، وغلت الأسعار بقيام الفتنة، فاجتمع على الناس بدمشق الجوع والحريق والنهب والقتل. وكان محمد بن أبي طالب قد سدّ الباب المعروف

стр. 346

بباب شرقي من أبواب المدينة، فوجدوا (١) الدمشقيّون فرصة، وفتحوا الباب، وقبضوا على محمد بن أبي طالب (٢) وقتلوه وصلبوه على باب الجابية، وقتلوا جماعة من الأحداث المطابقين على رأيه. واستقام بعد ذلك أمر دمشق، وصلح حال وليّ العهد، وترك يده حينئذ في مصادرة جماعة من الدمشقيّين والمتّهمين بقيام الفتنة، فتنكّروا عليه سائرهم وبغضوه، واجتمع رأي أهل البلد والجند على الكراهية له. وفقد الحاكم في الحال. [وآل أمر وليّ العهد إلى ما سنذكره فيما بعد] (٣). [سنة ٤١١ هـ] [الروم يتسلّمون حصن الخوابي من ابن خليد] وفي شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة سلم محمد بن خليد (٤) النهراني (٥) إلى الروم الحصن المعروف بالخوابي (٦) في جبل بهراء (٧) ومدينة مرقيّة (٨) على ساحل البحر، وكانت خرابا، فأحسن إليه (باسيل الملك) (٩) وأنعم عليه (١٠).

стр. 347

[الحاكم لا يتجاوب مع وشاية النصارى] ورفع جماعة من المسلمين إلى الحاكم عدّة دفعات أنّ النصارى يجتمعون في بيوتهم ويصلّون ويقدّسون، ويحضر معهم جماعة من [النصارى] (١) الذين أسلموا، ويشاركونهم في أخذ القربان [المقدس] (٢) فلم ينكر ذلك، وأعرض عن سماع كلام السّاعين. [الحاكم يعيد الأوقاف إلى دير طورسينا] ولقيه أنبا سلمون (٣) رئيس دير طورسينا وشكا إليه سوء (٤) حالة رهبان طورسينا وما هم عليه من الضّرّ والفاقة، وتوسّل إليه في إطلاق الأوقاف المقبوضة برسم هذا الدير، ليستعينوا بها على ما هم بسبيله، ويغتنم (٥) دعاهم له ما عاشوا، فأجابه إلى ذلك، وأعاد جميع أوقافهم (٦) إليه. [عود الى سنة ٤١٠ هـ .] [تعيين بطريرك القسطنطينية] وفي سنة عشر وأربعمائة صيّر أسطاث بطريرك (٧) على قسطنطينية (٨) وكان خصيّا، [وفاة بطريرك بيت المقدس] فأقام خمس سنين وستّة أشهر، ومات. [سنة ٤١١ هـ .] [تعيين النّجار الرومي بطريركا على بيت المقدس] وفي هذه السنة أيضا مات ثاوفيلس بطريرك بيت المقدس في شهر رمضان، وتوسّل إلى الحاكم قسّ نجّار من أبناء الروم العبيد يسمّى نقفور ممّن يخدم في قصره برسم النّجارة في أن يؤذن له يصير بطريركا على بيت المقدس، فأجابه إلى ملتمسه. /١٣١ ب/وكان له ابن وبنت، وسار إلى بيت المقدس وصلّي عليه هناك يوم الأحد العاشر من تموز سنة إحدى عشرة وأربعمائة (٩).

стр. 348

[رئيس دير طورسينا يطالب الحاكم بردّ أوقاف الكنائس] ولقي أنبا سلمون رئيس دير طورسينا الحاكم أيضا واذكره (١) بتمادي خراب الكنائس، وأنّ الأوقاف التي كانت برسمها قبض عليها وقد خربت واختلّت، وعرض بالمسألة في الإذن بتجديد عمارة دير القصير (٢)، وأن يرى رأيه بالمسامحة به، وعودة الرهبان إلى سكناه، واجتماع النّصارى فيه للصلاة، ولإطلاق ما برسمه من الأوقاف (فسعفه (٣) بطلبته، وأمر بالمسامحة بما يجب لبيت المال على الأوقاف) (٤) المخصوصة من خراج [وواجب] (٥) [نصّ كتاب الحاكم لرئيس دير طورسينا بردّ أوقاف الكنائس] وكتب له بذلك سجلاّ هذه نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم (٦)، هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، لسليمان بن إبراهيم الراهب، بما رآه من إنعامه عليه، (وإسعافه بما رغب إليه من الإذن له) (٧) في إعادة عمارة الدّير المعروف (بالقصير) (٨) بطرا من جبل فسطاط مصر، إلى (٩) ما كان عليه قبل هدمه، وتمكين الرهبان سكناه والمقام فيه على عادتهم، والجري على ما سلف من (عبادتهم) (١٠) وصلواتهم، وإقامة سنّة ديانتهم، والفسح في اجتماع من يطرقه من أهل ملّتهم (١١)، وإزالة الاعتراضات عنهم، ومنع الأذى والتسلّط عليهم، وكفّ التبسّط (١٢) والحيف لهم، وردّ الأوقاف والأملاك التي كانت محبّسة عليه ومنسوبة إليه، من ضيعة، ومزرعة،

стр. 349

ومينة (١)، وأرض، وحصّة، ودار، وقيسارية (٢) وحمّام، وعرصة، وحانوت، وفاخورة، ونخيل (٣)، وبستان، وشجرة مثمرة، وجنان، بمصر وأعمالها من جميع بلاد المملكة، أقطارها (٤) وأطرافها، وتسليم ذلك إلى هذا الراهب ليتولّى جداه ويحوز نفعه وجناه، ويصرفه في مصالح هذا الدير، والمقيمين فيه، والقاصدين إليه، ويبسط (٥) يده في تدبيره، ومن يسبّبه (٦) في جميعه، وصيانة حقوق بيت المال المسلّمين منه، ويطهّره من درنه والوزر عنه، والمسامحة (٧) بما يجب على ذلك من خراج وعشر وغرم، ورسم في سائر دواوين الحضرة المحلولة والمحبّسة، وإزالة التأوّل عنه والاضرار بسببه والتتبيع (٨) له في هذا الوقت وما يأتي بعده من الأوقات على استقبال تاريخ هذا السجلّ، وفاء بالذّمّة وجزاء على مناصحتهم ومضامنتهم الملّة، لا يغيّره كرّحين، ولا يحيله مرّ الأحقاب (٩) والسنين، فمن قرأه أو قريء من الأولياء والولاة ومتولّي الدواوين والضمناء والمتصرّفين في الأعمال والأحوال فليعلم ذلك من أمير المؤمنين ورسمه، وليعمل عليه وبحسبه. وكتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة/١٣٢ أ/وليقرأ هذا المنشور في (يد) (١٠) متّخذه (١١) حجّة له بمضمونه. ويثبت بحيث مثله إن شاء الله. ووقّع الحاكم في أعلاه (١٢)، عليه بخطّه. الحمد لله رب العالمين.».

стр. 350

وكان بعد وفاة تاوفيلس بطريرك بيت المقدس صيّر الحاكم قسّا نجّارا من أبناء الروم العبيد اسمه نيقيفور ممّن كان يخدم بقصره برسم التجارة بتوسّله إليه بطريركا على بيت المقدس، وكان له ابن وبنت، وسار إليها وصلّي عليه بها يوم الأحد عاشر تموز سنة ١٣٣١ وهي سنة إحدى عشرة وأربعمائة (١)، فعاد الآن إلى مصر وطالع الحاكم باستقامة قوم من المسلمين له ولمن يجتمع من النّصارى للصلاة في عرصة القيامة واعتداءهم (٢) عليه، [بطريرك بيت المقدس يطلب من الحاكم حماية الكنائس ببيت المقدس] والتمس منه سجّلا بالحماية والصّيانة وحفظ الكنايس الباقية ببيت المقدس والديارة التي هي خارجة عنه، وكنيسة لدّ، والإنعام بردّ أوقافها، فكتب له سجلا: [نصّ كتاب الحاكم لبطريرك بيت المقدس بحماية كنائسها] «بسم الله الرحمن الرحيم أمر أمير المؤمنين بكتبة (٣) هذا المنشور لنيقيفور بطريرك بيت المقدس بما رآه من إجابة رغبته وإطلاق بغيته من صيانته وحياطته والذّبّ عنه وعن أهل الذّمّة من نحلته وتمكينهم من صلواتهم على رسومهم في افتراقهم واجتماعهم، وترك الاعتراض لمن يصلّي منهم في عرصة الكنيسة المعروفة بالقيامة وخربتها على اختلاف رأيه ومذهبه، ومفارقته في دينه وعقيدته، وإقامة ما يلزمه في حدود ديانته، وحفظ المواضع الباقية في قبضته داخل البلد وخارجه والدّيارات، وبيت لحم، ولدّ، وما برسم هذه المواضع من الدّور المنضوية إليها، والمنع من نقض المصلّبات بها، والاعتراض لأحباسها المطلقة لها، ومن هدم جداراتها وسائر أبنيتها إحسانا من أمير المؤمنين إليهم، ودفع الأذى عنهم وعن كافّتهم، وحفظا لذمّة الإسلام فيهم، فمن قرأه أو قريء عليه من الأولياء، والولاة، ومتولّي هذه النواحي، وكافّة الحماة، وسائر المتصرّفين في الأعمال، والمستخدمين، على سائر منازلهم، وتفاوت درجاتهم، واستمرار خدمتهم أو تعاقب نظرهم في هذا

стр. 351

الوقت وما يليه، فليعلم ذلك من أمر أمير المؤمنين ورسمه، ويعمل عليه وبحسبه، وليحذر من تعدّى حدّه ومخالفته حكمه، ويتجنّب مباينة نصّه ومجانبة شرحه، وليقرّ هذا المنشور في يده حجّة لمودعه يستعين بها على نيل طلبته وإدراك بغيته إن شاء الله تعالى.». . وكتب في جمادى الأخرى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وفي أعلاه بخطّ الحاكم توقيع. الحمد لله رب العالمين. [قيام مطرانية القاهرة وعمارة كنيسة القنطرة بمصر] وانفتح حينئذ باب رجعة الكنائس وردّ أوقافها إليها، واستطلق أحد أبناء الروم اسمه تاودورس كان قديما قسّا، وصار أخيرا مطرانا على بيسان من عمل بيت المقدس، واستولى على مطرنة القاهرة، وعمّر كنيسة القنطرة بمصر. وتواصلت مسألة أنبا صلمون ومسألة غيره من النصارى إليه في ردّ كنيسة كنيسة من كنائسهم، وعمارتها، وردّ أوقافها. وكتب أنبا صلمون رقاعا عن أهل البلدان البعيدة عن مثل ذلك، فأجاب كلاّ منهم إلى ملتمسه، وأطلق عمارة جميع الكنائس والدّيارات التي يستدعي منه الأذن فيها وفي عمارتها بمصر وفي سائر بلاد مملكته، وكتب لكلّ منهم بذلك سجلا في معنى سجلّ دير القصير، وإعادة أوقافها إليها، إلاّ ما كان من الأوقاف والكنائس قد بيع في وقت القبض عليها في دمشق وفي جميع بلاد الساحل، وأصرف ثمنه في النفقات السلطانية لضيق الأموال وقلّتها، أو ما كان منها قد حصل لمن يتوقّون شرّه من المسلمين. [الحاكم يتسامح مع النصارى للعودة إلى دينهم بعد إعلان إسلامهم] ولمّا تسامح الحاكم بعمارة الكنائس وتجديدها وردّ أوقافها لقيه جماعة من النّصارى الذين كانوا أسلموا في وقت الاضطهاد وطرحوا أنفسهم عليه بين يديه وهم مسترسلون للموت، وقالوا له: إنّ الذي دخلنا فيه من التظاهر بدين الإسلام لم يكن باختيارنا ولا برغبة منّا، فنحن نسأل أن تأمرنا بالعود إلى ديننا إن رأيت ذلك، أو تأمر بقتلنا، فأمرهم للوقت بلباس الزّنانير ولباس السّواد وحمل الصّلبان، وكان كلّ منهم قد أعدّ عدّة غيار ثيابه، وتقدّم إلى أصحاب

стр. 352

الشرطة بحفظهم وكفّ كلّ أحد عن التعرّض لهم، فكثر الراغبون إليه في ذلك حتى صاروا يلقونه أفواجا أفواجا، وكان يطلق ذلك لهم، فعاد منهم عدد كثير، وتوقّفت الرؤساء والصدور منهم عن الرجوع إلى ديانتهم حذرا على نفوسهم من أن يكون إجابة الحاكم لمن فسح له في ذلك على سبيل الحيلة عليهم والخديعة لهم، لاستكشافه ما في ضمائرهم، وظنّا منهم أنه يتتّبعهم فيما بعد ويأتي عليهم فعاجلته المنيّة، وكفي الذين رجعوا منهم إلى النّصرانيّة ما كان أولئك يحاذرونه، وبقي كلّ من الفريقين على حاله. [المؤلّف يعلّق على خطوات الحاكم نحو النصارى] وكان ما أتاه الحاكم في هذا المعنى من تسامحه بعمارة الكنائس وتجديدها وإعادة أوقافها إليها بعد ما تقدّم من مغالاته في هدمها وتأكيده في قلع أساساتها ومحو آثارها، ومن الترخيص للنّصارى الذين تظاهروا بالإسلام في العودة إلى دينهم بعد تسع سنين، منذ تظاهروا بالإسلام مع حظر ذلك في ديانة المسلمين. وفي ناموسهم القتل على فاعله، من آيات الله المعجزة وعجائبه الباهرة الدالّة على عنايته بشعبه، وتحقيقه لسالف وعده إذ يقول إنّني لست أخليكم في كلّ عصر من أركون لكم، فجعل جلّ ثناؤه أركونهم المنقذ لهم ممّا غشاهم وألمّ بهم من كان اضطّهادهم على يده واستضامتهم من قبله. وتخوّفوا أن يعقبهم بإساءته، أو يتخطّى إليهم أحد من الرعيّة بمكروه وجزعوا، فأنهى إليه أنبا صلمون رئيس دير طورسينا ما خالطهم، وقام في نفوسهم، فكتب لهم سجلا يؤمّنهم به هذه نسخته: [نص كتاب الحاكم بتأمين النصارى] «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين ابن الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين، لجماعة النصارى بمصر، عندما أنهوا إليه الخوف الذي لحقهم والجزع الذي هالهم فأقلقهم واستذراءهم (١) بظلّ الدولة، وتحرّمهم بحضور الحضرة، بما رآه وأمر به من تكميل النعمة عليهم بتوخّيه لهم ذمّة الإسلام

стр. 353

وشرعه، من تصيّرهم تحت كنفه بحيث تصفو لهم موارد الطمأنينة، وتضفو (١) عليهم ملابس السكون والدّعة، وإجابتهم إلى ما سألوا فيه من كتب أمان لهم يخلّد حكمه على الأحقاب، ويتوارثه الأخلاف منهم والأعقاب، فأنتم جميعا آمنون بأمان الله ، وأمان نبيّه محمّد خاتم النّبيّين وسيّد المرسلين صلعم وعلى آله الطّاهرين، وأمان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، سلام الله عليه، وأمان الأيمة من آباء أمير المؤمنين، سلام الله عليهم، هذا على نفوسكم ودمائكم وأولادكم وأموالكم وأحوالكم وأملاككهم، وما تحويه أيديكم، أمانا صريحا ثابتا، وعقدا صحيحا باقيا، فثقوا به، واسكنوا إليه، وتحققوا أنّ لكم جميل رأي أمير المؤمنين وعاطفته، وعصرته تحميكم، وعصمته تقيكم، لا يقدم عليكم بسوء أحد، ولا تتطاول إليكم بمضرّة يد إلاّ كانت زواجر أمير المؤمنين مقصّرة من باعه، وعظم إنكاره، مضيّقا فيه من ذراعه، والله عون أمير المؤمنين على ما تعتقدونه من صلاح وإصلاح لسكّان أقطار مملكته، ومن له وسيلة الثواء في كنف دولته، وإياه يستشهد على ما أمضاه من أمانه لكم، وعهده الذي يشرفه طرفكم، وكفى بالله شهيدا. وليقرّر في أيديهم حجّة بما أسبغ من النّعم عليهم، إن شاء الله تعالى». وكتب في شعبان سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوقيعه أيضا بخطّه أعلاه. الحمد لله رب العالمين. [نهاية الحاكم] ومال الحاكم إلى أنبا صلمون منذ أوّل مشاهدته إيّاه، ولقياه له، وشفّعه بجميع ما كان يلتمسه منه، وتقدّم أن لا ينقبض عن مسألته في شيء مما يعود بصلاح أمور النصارى، وأن يلقاه في كلّ يوم في طريقه إلى الصحراء ليسأله عمّا يحتاج إليه، فامتثل أمره، وكثر أنسه به، حتى شنّع عليه كثير من عوامّ المسلمين، لما عرفوه من ميله إليه وتشفيعه إيّاه في ملتمساته، ومشاركته رهبان النصارى في لباس الصوف أنه قد تتلمذ لأنبا صلمون. وكان في كثير

стр. 354

من الأيام في نفوذه إلى البريّة يقصد دير القصير ويشاهد عمارته، ويستحثّ الصّنّاع على الفراغ منه، وأطلق له دنانير تصرف في النفقة عليه، ودفع أيضا إلى الرهبان المقيمين فيه دنانير، ورسم لهم مساعدة البنّائين لتروج عمارته، وكان يعدل أيضا إلى ديارات جدّدها اليعاقبة في ناحية القرافة، وإذا أراد الدخول إلى الجبل والطلوع إلى دير القصير أو غيره من الدّيارات تتأخّر الركابية عنه في الموضع المعروف بالقرافة وإلى الساقية، ويمضي وحده. [قصّة البدويّين السبعة مع الحاكم] وفي بعض الأيام جرى في ذلك على سالف عادته وتبعه صبيّ ركابيّ كان اصطنعه، يعرف بالقرافيّ، وأبعدا جميعا في الجبل، فلقيه سبع (١) نفر من البادية، والتمسوا منه صلة بجفاء في القول وغلظ في اللفظ، وفرية وشتيمة، فقال لهم: ما معي في هذا الموضع ما أدفعه لكم، لكنّني أنفذكم إلى متولّي بيت المال العميد المحسن ابن بدواس (٢) ليدفع إليكم خمسة آلاف درهم. فقالوا: ما نمضي إليه لأنه لا يدفع لنا شيئا، وتردّد الخطاب بينهم وبينه، [إختفاء الحاكم في جبل القرافة] فالتمسوا منه أن ينفذ معهم القرافيّ الركابيّ لينجز لهم المطلق، وسار مع القرافيّ أربعة نفر منهم، وتخلف الثلاثة الباقون في الطريق، وقبض (٣) /١٣٢ ب/أولئك الأربعة الجملة التي رسم دفعها لهم، وعاد القرافيّ يلتمس الحاكم، فأبطأ عليه عودته، فلمّا طال انتظاره له في الموضع الذي جرت عادته بموافاته إليه ساء ظنّه، ودار الجبل يطلبه، فألقى (٤) سايحا (٥) وسأله عنه، وذكر له صفته وصفة الحمار الذي هو راكبه، فأعلمه أنه شاهد في طريقه حمارا معرقبا، وساقه إلى الموضع حتى شاهد الحمار الذي كان معرقبا كما ذكر له.

стр. 355

[أخت الحاكم تطلب من الأمراء والقادة البحث عن أخيها] وتقدّمت السيّدة أخت الحاكم إلى جميع الأمراء والقوّاد وغيرهم من الناس بالركوب إلى الصحراء واستكشاف خبره، وطلعوا إلى دير القصير (١) وفتّشوه لئلاّ يكون مستترا فيه، وفتّشوا أيضا سائر (٢) المواضع التي كان يلمّ بها، فلم يقفوا له على خبر، ووجدوا بعد ذلك ثيابه الصّوف التي كان لابسها في ناحية الجبل وهي مهراة (٣) من ضربات السكاكين وآثار الجراحات مخضّبة بالدّم، ولم توجد جثّته، فاستدلّ الأكثرون أنّ أولئك الثلاثة البوادي المتأخّرين عن اللحاق برفاقهم (٤) وبالقرافيّ الركابيّ لقبض الصّلة المطلقة لجماعتهم عادوا إليه وقتلوه ودفنوه وأخفوا (٥) أثر قبره (٦).
следующие страницы →