← История

История · id 14512

تاريخ الأنطاكي

الأنطاكي، يحيى بن سعيد

Полный текст (538 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الحروب بينهم في أيام متفرّقة. ووافى (١) صالح بن مرداس (٢) من فلسطين، [ابن مرداس ينهب بلاد الساحل وينزل على حلب] وقد نهب في طريقه كثيرا من أعمال الساحل وأتى عليها، وقصد حلب في خيل كثير يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة، ونزل على باب الجنان (٣)، والتمس أن يخرج إليه القاضي والعدول، فلم يتّفقوا على (٤) الخروج نحوه، فانصرف عنهم وعاد [ثاني يوم] (٥) بالخيل والظّعن، ونزل على [باب] (٦) حلب، واتّصلت (٧) الحرب بينهم مدّة نيّف و (٨) خمسين يوما، وقتل من الفريقين جماعة كثيرة (٩). واتّهم (١٠) موصوف والي القلعة أبا (١١) المرجّا (١٢) بن المستفاد الحمداني،

стр. 387

[الأمير ابن ثعبان يحتمي بدار فاتك بقلعة حلب] وهو يومئذ أوجه (١) من بقي بحلب من الحمدانية (٢) بالإنحراف على السلطان. فدبّر على قتله، فبلغه ذلك، فاجتمع إليه جماعة من الغلمان الحمدانية وأهل البلد، وقالوا له: أنفسنا دونك ونحن بأجمعنا لك (وبين يديك) (٣)، ومتصرّفون في (٤) أمرك ونهيك. فلبس هو والجماعة السلاح، وركب في (٥) وقته إلى الباب المعروف بباب قنّسرين من أبواب (مدينة) (٦) حلب، وفتح الباب وخرج إلى صالح، وأخذ الأمان لجماعة أهل المدينة (٧) /١٣٦ ب/ودخل صالح (إليها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من السنة) (٨). وطلع (الأمير) (٩) ابن ثعبان (١٠) إلى دار كان عزيز الدولة فاتك قد عمّرها، متّصلة بالقلعة وحصّنها، ونصب (١١) صالح القتال على القلعة

стр. 388

(من (١) يوم الأربعاء خامس يوم فتح فيه حلب) (٢) وتقدّم إلى أهل حلب بقتال من في القلعة، وتهدّدهم متى قصّروا في ذلك، ونصب المنجنيقات والعرّادات عليها، وقاتلها قتلا شديدا، (٣) وقتل من الفريقين عدد متوافر، ونقب في سور الدّار، وألهب النار (في وسط النقب، فسقط حائط) (٤) الدار مع برج هناك. [٤١٦ هـ .] [حسّان بن الجرّاح يوقع بالدزبري مرة أخرى] وزحف صالح ودخل الدار (يوم السبت لعشر خلون من المحرّم سنة ستّ عشرة وأربعمائة) (٥)، وهدم سورها، وأباح للناس نهب ما فيها، وقتل المغاربة الذين في القلعة جماعة من النّهّابة بالعرّادات، ونزلوا [على السور] (٦) ونهبوا من الدّور القريبة ما قدروا عليه. وحفر سرداب (٧) إلى الجبّ المعيّن في فصل (٨) القلعة وقطع بحبال (٩) الدلاء وطرح فيه (١٠) الحجارة والجيف وغيرها (١١). وأوقع حسّان بن الجرّاح (بمنتخب الدّولة نوشتكين البربري الذي كان يدبّر ولاية) (١٢) فلسطين وقعة أخرى، واستظهر حسّان عليه أيضا استظهارا

стр. 389

قويّا، [ابن مرداس يطلب مساعدة قطبان أنطاكية في قتال قلعة حلب] واستدعى من صالح (بن مرداس) (١) المبادرة نحوه، فدعته الضرورة إلى أن سار إليه. (واستدعى من قسطنطين الدلاسينوس قطبان (٢) أنطاكية رجالا) (٣) يستعين بهم على قتال من في القلعة (٤). فأخذ إليه ثلاثمائة رجل وركّبهم على ناحية من سور المدينة، وطالع قطبان (٥) أنطاكية باسيل (٦) الملك بذلك، فأنكره عليه، ورسم له استعادة (٧) الرّجالة، فأنفذهم صالح إليه. [ابن مرداس يولّي أبا المرجّا حلب ويسير إلى فلسطين] وولّى صالح أبا المرجّا سالم بن مستفاد حلب، وعوّل عليه وعلى كاتبه أبي منصور (٨) سليمان بن طوق في قتال القلعة. وسار هو إلى فلسطين (٩)

стр. 390

(يوم الثلاثاء لثلاث خلت من ربيع الأول منها) (١). وأرسل (٢) الذين في القلعة إلى سالم (٣) بن مستفاد وسليمان بن طوق في الصلح (يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الآخر) (٤) والتمسوا منه أشياء، فلم ير إجابتهم إليها (٥). [المحاصرون في قلعة حلب يظهرون الصلبان وينادون لباسيل ملك الروم] فلمّا كان آخر نهار ذلك اليوم نصبوا الصّلبان على سور القلعة وصاحوا: «باسيل (٦) يا منصور»، وحطّوا الصّلبان بعد إشهارها (٧)، وبقوا يصيحون ليلتهم تلك إلى الغداة (٨)، وأعادوا نصب الصّلبان (٩) في صباح يومهم، ولعنوا الظاهر، ودعوا لباسيل الملك، وبقيت الصّلبان منصوبة على حالها (إلى يوم الجمعة ثالث يوم أشهروها فيه، وأضافوا إليها صليبا آخر كبيرا) (١٠) [أهل حلب ينفرون لتشديد الحصار على القلعة] ونفر الناس في هذا اليوم إلى القلعة بالسلاح بعد خروجهم من صلاة الجمعة، وتحاربوا بقية يومهم وثانيه وثالثه، ونفر الناس إلى القلعة نفرا ثانيا أيضا، وحملوا المصاحف على أطراف القبطاريات (١١) في الأسواق، ونودي بالنفير (١٢). وزحف الجماعة بأسرهم إلى القلعة لابسين السلاح، واستأمن من المغاربة الذين في القلعة جماعة، وخلع عليهم، وطيف (١٣) بهم المدينة، وطرحت الثياب الدّيباج (والسّقلاطون والفخريات) (١٤)، والعمائم

стр. 391

والمناديل، وبذر (١) المال [والكسوة] (٢) مقابل القلعة، وبذل ذلك لمن ينزل مستأمنا (٣). [المصالحة بين المتحاربين على شروط] وجرت بعد ذلك مراسلة بين موصوف، وبين ابن مستفاد، وبين أبي منصور كاتب صالح، فاستقرّ الحال بينهم على شروط نظّمها (٤) /١٣٧ أ/ موصوف كتبت بينهم، فأنفذ (٥) موصوف قوما من المغاربة (وغيرهم) (٦) واستحلفوا أبا المرجّا بن مستفاد وأبا منصور على الوفاء بما تقرّر. ... (واتّقد (٧) كوكب عظيم بحلب ليلة الخميس لخمس بقين من شهر

стр. 392

ربيع الآخر سنة ستّ عشرة وأربعمائة، وسمع في إثره (١) صوت دويّ كرعد قويّ) (٢). ... [الفتنة تعود إلى حلب والقبض على أعيانها] وكان في القلعة زمام للمصامدة (٣) أسود يسمّى أبا جمعة، فنزل إلى الحمّام، ولمّا عاد ليطلع إلى القلعة منع من ذلك، فصعد تحت السور من ناحية السّدّ (٤). وأجفل (٥) الناس نافرين إلى القلعة، وتسلّقوا في الليل في السّدّ (٦) من كلّ ناحية، وأصعدوا (٧) المصامدة الذين في القلعة أبا جمعة زمامهم، وقدّمت السلالم، وطلع الناس، فلما شاهد موصوف الحال رمى المفاتيح من طاقة عنده، ففتحوا الباب ودخلوا القلعة (يوم الأربعاء مستهلّ جمادى الأولى سنة ستّ عشرة وأربعمائة) (٨)، ونزلوا (٩) المغاربة وغيرهم منها، ونهبت دورهم، وقبض على موصوف، وعلى الأمير ثعبان بن محمد [بن ثعبان] (١٠)، وعلى ابن هلال (١١) الدّاعي، وعلى قاضي حلب أبي أسامة، واعتقلوا في المدينة مدّة ثلثة أشهر، ثم رفعوا إلى القلعة وحبسوا (في الحبس

стр. 393

الذي كان الأصفر فيه) (١) وأطلق (٢) جميع المغاربة الذين كانوا في القلعة بأهاليهم وأنسبائهم، وساروا إلى ناحية القبلة، ولما حصلوا في كفرطاب تخطّف العرب أكثر ما كان معهم، ممّا سلم لهم (٣). [ابن مرداس يقتل موصوفا الخادم وأبا أسامة القاضي] وعاد صالح من فلسطين إلى حلب (ودخلها) (٤) [يوم السبت لثمان خلون من شعبان منها] (٥)، وأحضر موصوفا الخادم ثاني يوم وصوله ليلا، وانفرد به وأعاده إلى محبسه (٦)، وقتله بعد ذلك مع أبي أسامة (٧) القاضي،

стр. 394

[ابن مرداس يطلق سراح الأمير ثعبان وأبا هلال الداعي] وأطلق الأمير ثعبان بن محمد بعد أن أخذ منه مالا وافقه عليه، (وأطلق أبا هلال الدّاعي (١)). [سنان بن عليّان يحاصر دمشق ويخرب داريّا] وحاصر سنان بن عليّان دمشق، وجرى بينه وبين أهلها حروب شديدة. وأخرب داريّا (٢) وأعمالها، وأتى عليها، وبنى الدمشقيّون سور مدينتهم (٣) وحصّنوها (٤).

стр. 395

[ابن مرداس يملك حمص وبعلبك وصيدا وحصن ابن عكار] وملك صالح بن مرداس (١) حمص، وبعلبكّ، وصيدا، وحصن (ابن) (٢) عكّار (في ناحية طرابلس) (٣) معما (٤) كان في يده (من الرحبة) (٥) ومنبج، وبالس، ورفنيّة (٦). [الظاهر يزيد في ألقاب ابن مرداس] وأنفذ بعد ذلك كاتبه أبا منصور [سليمان بن طوق] (٧) إلى الظاهر، وعاد إليه بزيادة في ألقابه (٨) وخلع جليلة وأطواق (٩) ذهب له ولأولاده،

стр. 396

وكان من أمره في إثر هذا ما سيأتي ذكره (١). ... [وفاة باسيل ملك الروم] وتوفّي (٢) باسيل ملك الروم في (تسع ساعات من نهار) (٣) يوم الأحد ثاني عشر كانون الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وثلاثين، وهو لثماني عشرة ليلة خلت من شوّال سنة ستّ عشرة وأربعمائة. وكان مدّة ملكه تسعا وأربعين سنة وأحد عشر شهرا، وعمره يومئذ ثمان وستّون سنة (٤). (وفي يوم وفاته صيّر الكسيوس (٥) رئيس دير الاصطوديون بطريركا على القسطنطينية) (٦) وقبل نياحه (٧) بأيام أحضر أخاه قسطنطين من البلاط الذي برسمه خارج القسطنطينية، ووصّى إليه بما رآه في كلّ باب، وأن لا يكفّن بشيء من الملابس الملكيّة. (وقوّم ما كفّن به نيّف وعشرون دينارا حسبما أوعز به) (٨)، وأن لا يدفن مع الملوك، وتكون مقبرته في دير صغير عيّن هو عليه وسمّاه خارجا عن القسطنطينية على/١٣٧ ب/اسم القدّيس مار (٩) يوحنّا الإنجيلي ويشرك بالغرباء، وكان قد أعدّ لنفسه جرنا من رخام فائق الحسن في كثرة تلوينه (١٠) (وتنبيت نقوشه) (١١)، ونصّبه في كنيسة

стр. 397

الأبوصطوليّين (١) مع أجرنة الملوك السّالفين. ولمّا انثنى (٢) رأيه عن أن يدفن هناك فيه، بقي الجرن (بحاله) (٣) إلى أن دفن فيه أخوه قسطنطين الملك. ولم يزل جميع أيام ملكه مقتصرا في مطعمه ومشربه وزيّه (٤)، لازما الحمية طول حياته، ناظرا بنفسه في سائر أمور مملكته (٥)، ما جلّ منها وما صغر، وخلّف من المال العين (الصامت) (٦) ستّة آلاف قنطار (ذهب مسكوكة) (٧). وكان جميع ما وجده من المال حين (احتوى على الملك) (٨) أربعة قناطير (لا غير) (٩). [قسطنطين يخلف أخاه باسيل على العرش] وملك بعده أخوه قسطنطين، ودعي له بالملك منفردا (سحر يوم الاثنين) (١٠)، وأطلق جميع من في الحبوس من الموافقين (للفقاس أيضا وللأكسفاوس على العصيان) (١١) وغيرهم من ذوي الجرائم، ورتّب الناس على طبقاتهم، وأسقط عن أهل بلد الروم المطالبات وما يستخرج منهم (زائدا) (١٢) عن الإرتفاع (١٣) وما يخرب من الضّياع الملكية (التي تجاور كلّ قوم منهم إلى) (١٤) أن تعود عمارتها. وهمّ بعض أصحابه بإعمال الحيلة

стр. 398

عليه، وتمليك أحد أولاد (١) الفقاس، ولم يكن بقي منهم غيره، فعرف حالهم وكحّلهم وكحّل جماعة غيرهم ممّن أساء بهم الظّنّ (٢). ... [سنة ٤١٧ هـ .] [زلزال يضرب القسطنطينية] (وفي السنة الثانية من ملكه حدث بمدينة القسطنطينية (٣) زلزلة مهولة في اليوم الرابع من كانون الأول، الموافق لسنة سبع عشرة وأربعمائة، وسقط منها (٤) أبنية كثيرة) (٥). ... [قسطنطين يبطش بالمتآمرين لخلعه] وكان باسيل الملك قبل وفاته (بمدّة) (٦) قد أطلق (بقراط) (٧) بن جرجس ملك الأبخاز (وهم الكرج) (٨) وأعاده إلى أبيه، وبعد وصوله توفّي أبوه في أيام قسطنطين الملك. وملك بعده بقراط ابنه هذا، وهو يومئذ حدث دون البلوغ (٩)، ودبّرت أموره أمّه ابنة سنحاريب (١٠) الذي سلّم أسفرجان إلى باسيل الملك، فحسّن أصحابه له استرجاع الحصون التي سلّمها أبوه إلى باسيل الملك والتعرّض لها. [قسطنطين يخرّب بلاد الأبخازية] فسيّر الملك قسطنطين غلامه نيقولا

стр. 399

البراكيمونس (١) بالعساكر إلى الأبخازية (في السنة الثالثة من ملكه) (٢)، فأخربها وأحرقها، وقتل منها وسبى ما يعظم مقداره، واعتصم الباقون بجبال منيعة ومواضع حصينة لم تصل الجيوش إليها (٣)، [بقراط ملك الأبخاز ووالدته يقدّمان الطاعة لملك الروم] فخرج إليه جماعة من رؤسائهم برسالة (٤) الملكة ابنة سنحاريب وولدها بقراط بالتنصّل ممّا جرى، والاعتذار فيه، وبشرط (٥) العبوديّة الصحيحة (٦) (والموالاة الخالصة لقسطنطين الملك، ولزومهم الطريقة المرضيّة، وألاّ يعود أحد من جهتهم إلى ما يكره) (٧)، فاستقرّ الحال بينه وبينهم على ما وقع الرضاء به، وعاد نيقولا البراكيمومنس (٨). [اعتلال الملك قسطنطين] واعتلّ الملك قسطنطين وأيس من نفسه، فأشار عليه خواصّه بأن ينتدب للملك بعده من يراه، ويزوّجه إحدى بناته، وكان له ثلاث بنات، الكبيرة (٩) منهنّ راهبة، فوقع اختيارهم على رومانوس البطريق (الأرجيروبولاوس) (١٠) للقرابة الواصلة بينه وبين أسلافه، (والنّسب الجامع لهما) (١١)، [قسطنطين يزوّج ابنته لرومانوس البطريق] وذلك أنّ أبويهما جميعا أبناء خالات، (إذ (١٢) كان قسطنطين ابن لاون جدّ باسيل، وقسطنطين الملك والأرجيروبولاوس جدّ رومانوس هذا سلفين ومتزوّجين بابنتي رومانوس الشيخ الذي كان قديما بربكار (١٣). وفي الآخر شارك

стр. 400

قسطنطين ابن لاون في الملك على ما شرحنا حاله فيما تقدّم من كتابنا. [رومانوس يطلّق امرأته ليتزوّج ابنة قسطنطين] وكانت زيجة الأرجيروبولاوس بابنة رومانوس الشيخ قبل استيلائه على الملك، ومشاركة قسطنطين ابن لاون فيه. ولمراعاة قسطنطين الملك هذه الحال الجامعة بينه وبين رومانوس الأرجيروبولاوس رفعه منذ أول ما أفضى إليه الملك، بعد موت باسيل أخيه، ونقله من الأبروطسبتارية إلى البطرقة، ومن قضاء القضاة إلى أن صيّره ايبرخس القسطنطينية، وهو خليفة الملك في النظر في أمور المدينة، وبعد ذلك جعله أقنوما للكنيسة العظمى آجيا صوفيا (١) فاستدعاه الملك (قسطنطين الآن في مرضه، وهدّده بالكحل، وأظهر له أنّ ذلك لأمر اتّصل به وأنه ممّن يطمع نفسه بالملك، وقد شرع في التماسه، ثم نفاه إلى خارج القسطنطينية (وفي اليوم الرابع أعاده) (٢) وهو تامّ العزيمة، على أن يفوّض إليه الملك بعده، ويزوّجه بابنته الوسطى إيريني (٣) إذ هو أحقّ بالملك من غيره من الناس للقرابة التي بينهما. وكان رومانوس المذكور متزوّجا (ففسح (٤) الأكسيوس بطريرك (٥) القسطنطينية لقسطنطين الملك في (تطليق رومانوس من امرأته للصلاح) (٦) العائد على جميع ما تضمّنه مملكة الروم (٧). [سنة ٤١٩ هـ .] [قسطنطين يرغم امرأة رومانوس على الترهّب] (وحسم طمع كلّ من تطمح نفسه إلى المملكة، ويروم) (٨) المنازعة فيها بعد وفاة قسطنطين الملك، فأحضر (الملك امرأة رومانوس، وهي لا

стр. 401

تعلم ما في نفسه) (١) ولا ما (٢) عوّل عليه في أمر رجلها، وأعلمها أنه يريد [أن] (٣) يكحّله للأمر الذي أوهم أنه قد بلغه عنه، أنه قدم عليه، فإن اختارت أن يبقي عليه تحلق شعرها وتترهّب باختيارها، ويعطيها بعد ذلك ديرا برسم الرهبانيات تستغل منه ثلاثة قناطير دنانير في كلّ سنة، فلإشفاقها على زوجها من الكحل، لأنّ كلّ واحد منهما كان مشغوفا بالآخر أزعنت (٤) إلى ما التمسه، وأجابت إلى الرهبانية. فأمر الملك للوقت بحلق رأسها، وترهّبت، [زواج رومانوس بإيريني] وسلّم إليها الدير الذي أوعدها به، ثم أحضر زوجها رومانوس المذكور وأعلمه بما انتدبه له، وأنه قد رأى أن يزوّجه بابنته إيريني (٥) ويردّ إليهما الملك بعده، وعرف ما جرى لامرأته الأولى. وفي الحال جعله قيصرا، وزوّجه بابنته إيريني (٥) الوسطى، وصلّى البطريرك ألكسيوس عليهما في تلك الليلة، وسلّمها إليه، وذلك في يوم الخميس سابع تشرين الثاني سنة ١٣٤٠ وهو لستّ عشرة ليلة خلت من شوّال سنة تسع عشرة وأربعمائة. ونفذت كتب قسطنطين الملك إلى جميع أهل مملكته بما فعله من زيجة ابنته إيريني (٥) برومانوس الأرجيروبولاوس، وتفويضه الملك إليهما بعده للقرابة الجامعة لهما. [وفاة الملك قسطنطين] وبعد خمسة أيام توفّي قسطنطين الملك، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشر تشرين الثاني من السنة، وله في الملك بعد وفاة باسيل أخيه سنتان وأحد عشر شهرا، وعمره تسع وستّون سنة (٦).

стр. 402

تملّك رومانوس الأرجيروبولاوس على الروم [رومانوس يزوّج ابنة أخيه ملك الأبخاز لتوثيق العلاقات] ودعي لرومانوس (١) ولزوجته بالملك، ورأى أن يتمّم المسالمة مع بقراط ملك الأبخاز، على ما قرّره نيقولاس البراكيمومنس، إذ هم نصارى مستقيمو الأمانة، والديانة تقتضي مؤالفتهم وإزالة الوحشة بينه وبينهم، وأكّد الحال معهم على أن زوّج ابنة أخيه باسيل الأرجيروبولاوس إلى بقراط ملك الأبخاز، ووردت والدته ابنة سنخاريب (٢) والكاثوليكس، أعني الجاثليق، وهو رئيس كهنة بلاده، وجماعة من رؤسائهم إلى مدينة القسطنطينية، وعقدوا ذلك، وأخذوا العروس إلى زوجها بقراط. واستقامت الحال بين الروم والأبخاز (٣). [رومانوس يدعو مطارنة اليعاقبة لاتّباع مذهب الملكية] ورقي إلى رومانوس الملك بأنّ لليعقوبيّين بطركا يسمّى يوحنّا، يقيم في بلد مرعش، يسمّى ببطريرك أنطاكية، ويسيم (٤) مطارنة وأساقفة للمدن، فأنفذ أشخصه وأشخص معه ستّة من مطارنته وأساقفته وتقدم إلى ألكسيوس بطريرك القسطنطينية في أن يحضرهم بمشهد ممّن اتّفق عنده من المطارنة والأساقفة الأرثودكسيّين (٥)، ويخاطبه في الرجوع عن اعتقاده والاعتراف بالسبعة المجامع المقدّسة، وقبول من قبلته ودفع من دفعته. واستدعى نيقولاوس بطريرك أنطاكية للحضور معه، ومشاركته في الخطاب له، لأنّه كان

стр. 403

يومئذ بالقسطنطينية، فأبى ذلك الأرطوقي (١)، وجرى بين ألكسيوس البطريرك وبين من اجتمع معه من أصحابه خطاب في هذه المعاني، [عصيان بطرك اليعاقبة على الملك ونفيه وهربه إلى ديار الإسلام] ولم يذعن يوحنّا بطرك اليعاقبة للإنثناء عن رأيه، واجتمع خلق من العوامّ وهمّوا بالإيقاع به، فدفعوا عنه. ولما أيس الملك من عودته عن اعتقاده نفاه إلى كفربا بالمغرب. واعترف من الستّة الأساقفة والمطارنة المشخصين معه ثلاثة، وثبت ثلاثة على ما هم عليه، فحبسوا في الحبس ومات يوحنّا هذا بعد ثلاث سنين من نفيه، وأقام اليعاقبة لهم بعد موته بطركا غيره، فلما عرف رومانوس الملك حاله أنفذ من يحضره، فهرب إلى ديار بكر من بلاد الإسلام (٢). ... [حسّان بن المفرّج يواصل العيث في الشام] وتتابعت إعاثة حسّان بن المفرّج بن الجرّاح في الشام، وتواصل إفساده فيه، وحربه لأصحاب السلطان، وقصده البلاد في أوقات إدراك الغلاّت وحيازته إياها، ودخوله في الشتاء إلى البرّيّة وتزايد أمره. [سنة ٤١٩ هـ .] [وفاة سنان بن عليّان] ومات سنان بن عليّان أمير العرب الكلبيّين في جمادى الأخرى سنة ٤١٩ (٣)، [الظاهر يصطنع رافع بن أبي الليل لقتال حسّان] ودخل ابن أخيه رافع بن أبي الليل بن عليّان إلى الظّاهر، فاصطنعه وعقد له الإمارة على الكلبيّين، وعوّضه إقطاعات سنان عمّه، وسيّر معه عسكرا، وانضافت إليه العساكر المقيمة في الشام، واجتذب أيضا جماعة من العرب، وقصدوا بأجمعهم حرب حسّان بن المفرّج بن الجرّاح (٤). وورد إليه

стр. 404

صالح بن مرداش (١) وبنو كلاب لمعاونته، واتّفقا على لقائهم. [سنة ٤٢٠ هـ .] [موقعة الأقحوانة ومقتل ابن مرداس] تصافّوا للحرب في بلد طبريّة على نهر الأردن، في موضع يعرف بالأقحوانة (٢) يوم الأربعاء لخمس بقين من ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة، وانتشب الحرب بين صالح وبينهم، وحسّان بن الجرّاح وعشيرته بمعزل عنه، فطعن أحد القوم صالحا وهو لا يعرفه، فسقط عن فرسه، وعرفه بعد ذلك رافع ابن أبي الليل، فقطع رأسه وبادر به إلى البربريّ (٣) صاحب عسكر السلطان، [انهزام حسّان وعودة بعلبك وحمص وصيدا ورفنية وحصن عكار للظاهر] ومع علم حسّان والعرب بقتل صالح انهزموا بأسرهم إلى الجبال، وقتل منهم جماعة (٤). ولمّا عرف أصحاب المقيمون في بعلبك،

стр. 405

وحمص، وصيدا، ورفنية، وحصن ابن (١) عكّار قتله تخلّوا عن جميعها، واستعادها أصحاب السلطان. [نصر وثمال ابنا صالح يستوليان على حلب وأعمالها والرحبة وبالس ومنبج] واستولى نصر وثمال ابنا صالح على حلب وأعمالها، وعلى الرّحبة، وبالس، ومنبج (٢). [قطبان أنطاكية يهاجم حلب وينهزم] وكان وقتئذ بأنطاكية قطبان خادم يسمّى ميخائيل ويعرف بالأسقنديلس، فجمع جيوش الروم القريبة منه، وسار من أنطاكية قاصدا لمقاتلة بلد حلب بغير أمر الملك إليه بذلك، وتلاقاه ابنا صالح ولاطفاه، فلم يرجع عن رأيه في حرب بلدهما، وقاتل بعض حصونها، فكبست العرب معسكره بغتة يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الأخرى من السنة، وهو نازل في قيبار (٣) على غير استعداد للقاء، وقتل من الفريقين جماعة، وانهزم عسكر الروم إلى موضع قريب من منزل العسكر، فاستعطفه ابنا صالح واصطلحا في إثر ما جرى، واستقامت الحال بينه وبينهما (٤).

стр. 406

[الملك رومانوس ينكر على قطبان أنطاكية محاربته حلب] وأنكر عليه رومانوس الملك حربه لبلد ابني صالح وتعرّضه لهما، فصرفه عن ولاية أنطاكية، وسخط عليه، وتنكّر الملك أيضا على ابني صالح وحقد عليهما، وكان أمره معهما على ما سيأتي ذكره الآن. [٤٢١ هـ .] [الملك رومانوس يحشد الجيوش لمقاتلة بني مرداس بحلب] وأثار الحقد الذي كان كامنا في نفس رومانوس الملك على ابني صالح قصده حلب وغزوها، فبرز من القسطنطينية يوم الثلاثاء آخر آذار من سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعين، وهو لسبع بقين من ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وسار إلى القلميل وجمع العساكر، وحشد فيها لفيفا كثيرا وعددا متوافرا ممّن لا خبرة لهم بالحروب ولا دربة للّقاء التماسا للكثرة. وقرّب إليه جماعة من أهل عسكره أخذه لحلب، وصغّروا في نفسه حال العرب، فاغترّ بكلامهم، وصدّق مقالهم لموافقته لهواه، وصرف سمعه عن سماع مشورة المتنصّحين له بخلافه، وأغفل ما اقتضته السياسة من التحفّظ والتّيقّظ والاستظهار في كلّ باب بما يقتضيه الصواب، وأعدّ بأنطاكية الآلات والعدد التي يقاتل بها الحصون. وأنفذ إليه نصر وثمال ابنا صالح هدية قبل انفصاله عن القسطنطينية، ولقيه رسولهما في الطريق فأبى قبولها، واستصحبه معه في جميع طريقه. [حسّان بن الجرّاح يؤيّد خروج رومانوس لحرب بني مرداس] واتّصل بحسّان ابن الجرّاح ما عزم عليه الملك من الغزو إلى بلد الشام، فأنفذ إليه جماعة من أهله برسالة ومكاتبة يقوّي عزمه على ما همّ به ويبذل له الخدمة في غزاته، والمسير بين يدي جيوشه بعشيرته وأصحابه إلى حيث اتّجه. [بنو مرداس يراسلون الملك لثنيه عن حربهم] وأنفذ أيضا نصر وثمال ابنا صالح مع آل جرّاح ابن عمّهما مقلّد بن كامل بن مرداش (١) يبذلان مثل ذلك عن نفوسهما وعن عشيرتهما وأصحابهما، وأن يعطي جميعهم رهائنهم على مناصحتهم إيّاه

стр. 407

وصحّة وفائهم له بما بذلوه، ووفد جميعهم إلى الملك. وكان قبل موافاتهم قد أنفذ رسولا قاضيا إلى ابني صالح برسالة ومكاتبة تتضمّنان إشفاقه من حيلة تتمّ عليهما لحداثة سنّهما في خروج حلب من أيديهما، كما خرجت من أيدي غيرهما، ويملكها أعداؤهما، ويلتمس منهما أن يسلّماها إليه، ويعوّضهما عنها من البلاد والأموال ما يزيد على اقتراحهما ويوفي على ما في نفوسهما، وتأكّد في تعجيل الجواب. ووافى القاضي الرسول إلى حلب، وقد اشتهر الخبر بها بقصد الملك، وحشد إلى المدينة خلق من عملها، وخرج ابنا صالح وأصحابهما وسائر من في بلدهما حاملين السلاح للقائه. ونفر العوامّ والرعاع في وجهه، ووقف ابنا صالح على ما تحمّله الرسول إليهما، فاستوحشا وساءت ظنونهما، واعتقلا الرسول ودافعا عن إعادته بالجواب عمّا ورد معه انتظارا لما يرد إليهما من جواب الملك عن المكاتبات والمراسلات النافذة إليه مع مقلّد ابن عمّهما، ومع آل جرّاح، وطمعا في رجوعه عن رأيه في حربهما وقصد بلدهما، وعدوله إلى بلد الشام. [الملك رومانوس يطلق آل الجرّاح ويحتاط على مقلّد بن مرداس] ووصل الملك إلى أنطاكية في الأثر يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من السنة، ونزل بين النهرين، وعوّل على إطلاق مقلّد وآل جرّاح، وتسيير جميعهم إلى أصحابهم، فانتهى إليه ما جرى على رسوله من الحلبيّين، فأنعم على آل جرّاح وأحسن إليهم وأطلقهم، وأنفذ معهم إلى صاحبهم في جملة ما أنفذه مطردا ملكيّا، ورسم له أن يقيم بحيث هو، وإذا عرف قربه منه نشر مطرده، ولقيه أين يأمره، وأخّر مقلّدا والرسول الوارد بالهدية بأنطاكية محتاطا عليهما، مقابلة على ما فعله ابنا صالح برسوله، ولبث الملك في ظاهر أنطاكية سبعة أيام. [المرض يستولي على عساكر الملك رومانوس بظاهر أنطاكية] ونال أهلها فيها ضنك شديد، وسار متوجّها إلى حلب يوم الإثنين سابع وعشرين تمّوز، وهو لسبع بقين من رجب، وقد استولى على عسكره المرض لشدّة الحر وحمرة القيظ. وأخرج نصر وثمال ابنا صالح حريمهما وأسبابهما من القلعة بحلب

стр. 408

إلى البريّة، [الملك رومانوس يستظهر على بني مرداس وينزل تبّل] وعاد ثمال إلى حلب لحفظ القلعة، وتوجّه نصر أخوه في عشيرته وأصحابه ومن انضاف إليه نحو عسكر الملك، فلقوه في ناحية قيبار، فتبادروهم وطاردوهم، فاستظهر الروم عليهم، [العرب ينزلون الهزيمة بالروم عند أعزاز] ونزل الملك بجيوشه على تبّل (١) من بلد أعزاز، في موضع قريب من الجبل لا ماء فيه، وضرب حول عسكره خندقا عظيما، ودارت الرّجالة بالتراس بجميع الخندق، حسب ما جرت به عادة الروم في عساكرهم، وحازت العرب المواضع التي فيها الماء واتّسعوا بها. وأنفذ الملك طائفة من عسكره إلى حصن أعزاز لمشاهدته وتمييزه، والعودة إليه بذكر حاله، لينفذ إليه من المقاتلة والآلات التي يقاتل بها الحصون ما ينبغي. وتبع ذلك الطائفة المتقدّرة، وجماعة من متعلّقة العسكر ولفيفه. فطاردهم العرب بعد منصرفهم من على أعزاز، فانهزم المتعلّقة، وانهزم بانهزامهم أكثر المقاتلة، وثبت بعضهم، وقاتلوا، وقتل من الفريقين جماعة، وأسرت العرب من الروم المنهزمين عددا كثيرا، وعاد الباقون إلى معسكرهم في يومهم ذلك، وهو يوم السبت ثامن آب، وخامس شعبان من السنة، وتبعهم العرب وداروا بالعسكر، وضعفت نفوس من فيه باستظهار العرب عليهم، وبهزيمة أصحابهم، وبفقد من قتل منهم وأسر. وضيّق العرب على من يروم الخروج من العسكر، وناوشوا من في أطرافه من الرجّالة أصحاب التراس، وحملوا عليهم، وتخطّوا (٢) الخندق، وهجموا على السّوق الذي في العسكر ونهبوه وعادوا. وتخاذل (٣) الروم عن دفعهم وحربهم، فتأكّد طمع العرب فيهم، وانضاف إلى ذلك استضرارهم بقلّة الماء، وتحقّق الملك حينئذ أنّ الوقت كان غير موافق للغزاة، وأنّ الحال قد كانت تقتضي لو أنّ

стр. 409

الأمر جرى على غير ما هو، وعوّل على الرحيل يوم الأحد غد ذلك اليوم الذي انهزم فيه أصحاب السريّة، وأحرق المنجنيقات والعرّادات التي أشخصها. ثم رجع عن رأيه عن المسير، وأقام في الموضع الذي هو فيه (١). ولمّا كان يوم الاثنين ثانيه، وهو العاشر من آب، والسابع من شعبان، تمّ عزمه على العودة إلى بلده، وأمر الناس بالرحيل، وأخذوا فيه، وحملوا

стр. 410

ثقلهم، [الأرمن يثيرون الفتنة في جيش رومانوس] واضطرب العسكر اضطرابا عظيما، وكان معهم جماعة كثيرة من الأرمن، فوضعوا أيديهم في النّهب، وزادت الفتنة، وتفرّقت الرجّالة الموكّلون بالخندق لكثرة الزّحام، وشغلوا بالتماس خلاص نفوسهم عن ردم الخندق، فتساقط فيه من الدّوابّ المحمّلة كثير، واختلط العرب بالروم في موضع العسكر، [الروم ينهزمون إلى بلد قورس] واستمكن طمعهم فيهم، وأخذ الروم الطريق إلى الجبل منهزمين، وطلعوا فيه، وحصلوا في بلد قورس (١) عمل الروم، ولحق بعضهم بعضا، ولم يبق مع الملك إلاّ قليل منهم، وانضاف إلى الباقين معه جماعة من الرجّالة الرماة، فحموهم، فهابهم العرب وكفّوا عن تتّبعهم، وتوفّروا على النّهب وطلب الغنيمة، وأخذوا ما يجلّ قدره، فكان منذ اليوم الذي رحل فيه الملك عن أنطاكية متوجّها إلى بلاد الشام، وإلى اليوم الذي وصل فيه عائدا من تبلّ إلى بلاد الروم خمسة عشر يوما. وكان جميع من فقد من عسكر الروم من الرؤساء المشهورين ثلاثة أنفار، قتل أحدهم على أعزاز يوم الوقعة، وهو أدونهم منزلة. والإثنان الآخران أسرا في ذلك اليوم، واشتريا أنفسهما من العرب وتخلّصا، وتخلّص أكثر الأسرى المأخوذين، ولم يفقد من سائرهم إلاّ نفر يسير، وقتل في ذلك اليوم أيضا جماعة من العرب وغيرهم، من جملتهم أميران من جلّ العرب وأماثلهم. [رومانوس يدخل القسطنطينية ويوصي قائده بالاستعداد لحرب حلب] وأقام الملك في بلاد الروم بعد عودته نيّفا وأربعين يوما، ودخل القسطنطينية حذرا من حادث يجري بها، لغيبته عنها في إثر ما اتّفق عليه، وخلّف سيمون الأبروطوبستيار الخادم مع العساكر، ورسم له الاستعداد والتأهّب للغزو إلى بلاد حلب عند برد الهواء وكثرة المياه. [نصر بن صالح يستولي على حلب ويعوّض أخاه الرهبة وبالس ومنبج] ولما عاد الملك من ناحية بلاد حلب إلى بلاده سار نصر وثمال ابنا صالح لإحضار حرمهما من الحلّة إلى حلب، وسبق نصر بأهله وحرمه إليها،

стр. 411

واستولى عليها وعلى القلعة، ودفع أخاه ثمالا عنها، وعوّضه عن حلب بوساطة من توسّط بينهما الرحبة، وبالس، ومنبج، وأعمالها (١). [نصر يكتب لرومانوس بإظهار الطاعة ويوسّط قطبان أنطاكية] ثم إنّ نصر بن صالح كتب إلى الملك يتعبّد له ويستعطفه، ويعتذر إليه، ويسأله أن لا يبعده عن عبوديّته، وأن يجريه على ما كان أبوه عليه وغيره ممّن ملك حلب، مع من تقدّمه من أسلافه الملكين الماضيين باسيل وقسطنطين، ويبذل الخدمة له والمسير قدّام جيوشه وعساكره برجاله وأصحابه إلى حيث اتّجه من بلاد الشام بغير مؤنة ولا كلفة يلزمها له والمجاهرة بطاعته وموالاته، وأن يجعله في حلب كأحد ولاته الذين في بلاد مملكته، وأنه يسير تحت طاعته وإجابته، فيما يعوّل عليه فيه من خدمه. وسأل القاضي رسول الملك المعتقل عنده بحلب الشفاعة له والمكاتبة عنه بهذا المعنى. وورد إلى أنطاكية في الحال قطبان عليها نيقيطا (٢) الخادم البطريق الرقطر، وسأله أيضا الشفاعة له، وتوسّط حاله مع الملك (٣)، واستقرّت الحال في ذلك على ما سيأتي ذكره. [ابن مشرّف الرادوفي يستولي على جبل الروادف] وكان نصر ابن مشرّف الرادوفي قد استولى على جميع المسلمين الساكنين جبل الرواديف (٤) وما يليه، فيما هو تحت أيدي الروم، وعلى ما في ذلك الجبل من الضياع، واستفحل أمره، [القبض على الرادوفي وحبسه] وحمل إلى أنطاكية مقبوضا عليه، وحبس مديدة واستتيب، وشرط عليه التصرّف بحسب ما يقتضيه منه لهم

стр. 412

الطاعة والعبودية، وأطلق وعاد إلى ما هو بسبيله، وقبض عليه دفعة ثانية في أيام ميخائيل القطبان الأسقندليس، وحبسه مدّة أخرى، [استتابة الرادوفي وإطلاقه وحبسه مرّة أخرى] وبذل له خدما مرضيّة، وأن لا يعود إلى حال تكره منه، واستحلفه وأخذ منه ولده رهينة على سلوكه الطريقة المأثورة، وتنصّح إليه بأنّ في آخر عمل الروم من جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمسقة، وهي موضع يصلح بأن يكون فيه حصن منيع، يحفظ به جميع العمل ممّن يروم الفساد فيه من المسلمين أصحاب الحصون القريبة منه، ويضيّق به على حصونهم تضييقا شديدا، وأنهم قد عوّلوا على بنائه، وإن تم لهم ذلك ملكوا الجبل، واستضرّت جميع حصون الروم المجاورة له، [الرادوفي يحسّن لقطبان أنطاكية بناء حصن المسقة] وذكر أنهم لا يمكّنون الروم من عمارته، وسأله أن يأذن له بمسابقتهم إلى بنائه ويساعده على عمارته للروم، وتكون له بذلك خدمة تظهر بها مناصحته وصحيح موالاته. فأجابه إلى ما التمسه وكتب له بذلك سجلاّ، ولم يحدث فيه حدثا في مدّة مقامه بأنطاكية، وبعد انصرافه عن ولايتها وافق نصر بن مشرّف المذكور قوما من المسلمين بالاجتماع في الموضع المذكور، وأظهر للروم أنّ اجتماعهم إنّما هو لعمارة الحصن، فسار إلى هناك جماعة من الروم لدفّعهم عمّا زعم أنهم قصدوه. ومع وصولهم إلى جبله أوهمهم نصر المذكور أنه قد صرف المسلمين بعشيرته ورجاله، بعد أن وافقهم على أن يعمّر الحصن لنفسه دونهم ودون الروم. [الرادوفي يخدع الروم فيساعدوه على بناء الحصن] والتمس من الروم أن يمدّوه ما يحتاج إليه في عمارته من الآلات والعدد والصنّاع والرجال بسرعة قبل أن يتجدّد للمسلمين رأي، وأنه يسلّمه إليهم بعد ذلك. واستوقفهم عن طلوع أحد منهم إلى ناحيته لئلاّ يستريب بهم المسلمون فيفسد عليه ما قرّره، وأظهر أنّ جميع غرضه فيما يأتيه في ذلك التقرّب إليهم، وما يرجوه من حسن المكافأة عن خدمته هذه، فاغترّ الروم بقوله وأحسنوا الظنّ به، وأذعنوا له في جميع ما التمسه منهم، ولم يمنعوه شيئا استدعاه. ولما دار عليه الحصن وأقام بابه، وصار به منعة لمن يتحصّن به، اضطّهدوه في تسليمه إليهم أو طلوعهم إليه، فدافعهم عنه واحتجّ عليهم فيه بضروب من الحجج، واعتضد بالمغاربة

стр. 413

واستند إليهم، [الرادوفي يبني حصن المنيقة وحصن بنكسرائيل] وشرع في عمارة حصن آخر في جبل آخر بين هذا الحصن المعروف بالمنيقة (١) وبين حصن جبله يعرف بنكسرائيل (٢)، فدفعه الروم عنه وبنوا فيه حصنا منيعا جدّا، ورتّبوا فيه رجالا، وشحنوه بالغلاّت، وأصلحوا فيه صهاريج للماء، وأوقعوا بنصر بن مشرّف، وقتلوا جماعة كثيرة من أصحابه، وأتوا عليهم، [الروم يوقعون بالرادوفي ويستولون على بنكسرائيل] وأعدّوا في حصن بنكسرائيل خوابي كثيرة للماء إلى أن تمتليء الصهاريج التي فيه من ماء المطر في حينه، وعوّل في حفظه على إنسان متخلّف جدّا. ولمّا عاد رومانوس الملك من الغزاة التي قصدها على تلك الصورة استحكم طمع ابن (٣) مشرّف، وواصل الغارات على ما يليه من أعمال الروم، وأهمل المقيم في حصن بنكسرائيل الاهتمام بالاحتكار من الماء، واقتصر هو والمقيمون فيه على الاستعمال من تلك الخوابي مع قرب الماء منهم، وضجّعوا (٤) في ملء ما يتفرّغ منها، وألمّ بالمقيم فيه أحد المسلمين الموافقين لنصر بن مشرّف وأظهر له من الخدمة والمناصحة والملاطفة ما يغرّه على الأمن به، والاستركان إليه، والثقة به في الدخول إلى الحصن والخروج منه، والوقوف على أموره، وفرغ جميع ما في الحصن من الماء، فتنصّح هذا الرجل إلى نصر بن مشرّف، وأخبره بذلك، فبادر برجاله ولفيفه وحاصره. فدعت الضرورة للمقيمين فيه إلى تسليمه إليه لشدّة العطش، وملكه ولجميع من فيه. [بنو الأحمر يبنون حصن بلاطنس] وبنى قوم آخرون من أهل الجبل يعرفون ببني الأحمر، حصنا آخر بين اللاذقية وبلد برزويه يعرف بابلاطنس (٥)، [بنو غنّاج وغيرهم يبنون الحصون في الجبال المحاذية للروم] وبنى قوم من أهله يعرفون ببني

стр. 414

غنّاج حصنا أيضا، وتشبّه بهم آخر من عشيرتهم يعرف بابن الكاشح، وعمّر حصنا آخر أيضا، فصارت خمسة حصون يقوّي بعضها بعضا، واستولوا على جميع الجبل وما يليه. واتّفق جماعتهم على قصد أعمال الروم المجاورة لهم والغارات عليها، وتفاقم أمرهم. [الرادوفي يستنهض والي طرابلس وقاضيها لمنازلة مرقيّة] ونفق نصر بن مشرّف على الظاهر صاحب مصر وعلى المسلمين، وكبر فعله عندهم. واستنهض والي طرابلس وقاضيها (١) إلى منازلة مرقية ومقاتلتها، وأطمعهم في أخذها، وسار إليها فيمن اجتمع معهما وانضاف إلى رجالهما من المقيمين في الحصونة، وحاصروها وقاتلوها أيّاما كثيرة (٢). [قطبان أنطاكية ينجد مرقيّة ويهاجم عرقة] وورد إلى أنطاكية نيقيطا البطريق الرقطر قطبانا عليها، فسار في إثر وصوله إلى ناحية مرقية لنجدة المقيمين فيها ودفع المسلمين عنها، ومع وقوفهم على توجّهه نحوهم رحلوا، ووصل القطبان إليها، وجدّد ما أخربوه من الحصن، وشحنة بالرجال والغلاّت والآلات، وقصد عرقا (٣)، وسبى منها عددا كثيرا، واستاق منها مواشي كثيرة العدد، وأخرب وأحرق، وعاد إلى أنطاكية، وعدل في طريقه إلى ضيعة من أعمال حلب تعرف بكورين، كان أهلها يكثرون العيث فيما يجاورهم من أعمال الروم، فاجتاحها، [الروم يستولون على ربض أعزاز] ووافى سيمون الأبروطوسبيتار بالعساكر لغزو أعزاز. واجتمع مع نيقيطا قطبان (٤) أنطاكية على ذلك، وسارا إليها ونازلاها في كانون الأول سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وأربعين، وهو ذو الحجّة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وملك الروم الربض وما فيه وأخربوه، وأسروا جماعة منه، وقاتلوا الحصن وهتكوه،

стр. 415

واستظهروا على من فيه، وقد كان اجتمع فيه وانحشد عدد كثير من الناس، وضاق بهم المقام، وعوّلوا على التماس الأمان لنفوسهم، والخروج عن الحصن وتسليمه إلى الروم. وتسرّع جماعة من أهل العسكر فأحرقوا وأخربوا تبّل وما يليها من بلد أعزاز، وأتوا على جميعها، وقطعوا أشجارها، ورأى سيمون الأبروطوسبتيار ونيقيطا القطبان الإكتفاء بما جرى دون بلوغ الغاية والعودة إلى بلدهما. واتّصل بهما أنّ بالقرب منهما واد قد انحشد إليه واجتمع فيه آلاف من النساء والصبيان وغيرهم من أهل الضياع والقرى، وإن قصدهم العسكر أخذهم، فعدلا عنهم ولم يضرّا بشيء آخر من بلدان ابن صالح إبقاء عليه لما تقدّم من مكاتباته التي يلتمس فيها استعطاف الملك والتوسّل إليه في اصطناعه، وألاّ يبعده من موالاته والعبودية له. وشرع نيقيطا قطبان أنطاكية حينئذ في إصلاح حاله مع الملك، وتوسّط هو والرسول المقيم بحلب حاله، وقرّرا مسالمة وهدنة مؤبّدة ومالا يحمله ابن صالح إلى الملك في كلّ سنة خمسمائة ألف درهم صرف ستّين درهما بمثقال ذهب، حسب صرف الوقت بحلب، ويحمل المال في نجمين (١) من السنة. وكتب بذلك وثيقة على نسختين، وكتب ابن صالح خطّه، وأشهد على نفسه في إحداها لتكون في ديوان الملك، ووقّع الملك بخطّه في النّسخة الأخرى، وأنفذ معها صليبا ذهبا مرصّعا إلى ابن صالح أمانا بالوفاء بالشرط (٢). [سنة ٤٢٢ هـ .] [تبادل المحبوسين بين ابن مرداس والملك رومانوس] وأطلق من أنطاكية مقلّد بن كامل بن مرداش (٣) وجميع من معه، وأطلق ابن صالح أيضا القاضي رسول الملك المقيم كان بحلب وسائر أصحابه. واستقامت الحال بين الجهتين، وذلك في شهر أيّار سنة ١٣٤٢ وهو جمادى الأولى سنة ٤٢٢، وقبل الملك هديّة ابن صالح التي كان أنفذها إليه متقدّما،

стр. 416

وأجازه عنها. [قطبان أنطاكية يفشل في استمالة العرب للطاعة] واجتهد نيقيطا الرقطر قطبان أنطاكية في إصلاح نصر بن مشرّف، وبني الأحمر، وبني أبي غنّاج، ورجوعهم إلى الطّاعة، وتسليمهم الحصون التي في أيديهم، ووعدهم بالإحسان إليهم والإنعام عليهم بما يصلح حالهم طول الدّهر. فلم يذعنوا إلى ذلك ولا رغبوا فيه، [قطبان أنطاكية يتسلّم حصن بلاطنس وغيره من الحصون] فلمّا قرّر الهدنة مع نصر بن صالح وسيّر إليه ابن عمّه مقلّدا، وعاد القاضي الرسول من حلب سار بعد يومين من وصوله لقتال حصونهم، فنزل على حصن ابلاطنس (١) الذي أنشأه ابن الأحمر، وشرع في مقاتلته، فسلّمه إليه بالأمان على أن ينصرف هو وجميع من في الحصن إلى بلد المسلمين، فأجابه إلى ذلك، وتسلّم الحصن، وسيّر معه قوما أوصلوه إلى المأمن. وشحن الحصن بالرجال والعدد، ورسم للمقيمين فيه الزيادة في تحصينه، وإتمام ما يحتاج إليه من عمارته، ورحل عنه إلى حصن بني أبي غنّاج، فسلّموه إليه أيضا على ذلك الشرط، فأخربه إلى الأرض إذ لا فائدة فيه. ثم ملك أيضا حصن ابن الكاشح وأخربه، وسار إلى حصن المنيقة ونازله وقاتله، فلم يتمّ له أخذه، ورأى معاودته بما يقتضيه قتاله من الآلات والعدد أولى، ورحل عنه إلى عرقا (٢)، وسبى فيها أيضا جماعة، واستاق مواشي كثيرة، وانكفأ إلى أنطاكية (٣). وأمّا حسّان بن المفرّج بن الجرّاح فإنه لما عاد إليه وفوده من حضرة الملك وهو على أنطاكية، وأشهر المطرد الملكي الذي أنفذه إليه تسوّق على أضداده بخروج الملك إلى بلد الشام، ومسيره بين يدي جيوشه، وتواعدهم

стр. 417

بتمليكه بلاده. وقد كان رافع بن أبي الليل استوحش من المغاربة أيضا لأنهم كانوا قبضوا على أكثر ما سوّغوه إياه من الإقطاع ونافروه. فظاهر حسّان بن الجرّاح، واتّفق معه على معاداتهم، ووقع بينهما وبين البربريّ (١) صاحب جيوش المغاربة وقعة عظيمة في ناحية بصرى (٢) بعد عودة الملك بمدّة شهرين، [تحالف حسّان بن الجرّاح وابن أبي الليل ضدّ المغاربة] واستظهر العرب عليهم وعاد المغاربة عليهم، فاندفع حسّان والعرب إلى مساكنهم في البريّة، واحتوى المغاربة على ما كان لحسّان من الإقطاع والأعمال، وأقطعوها لعرب آخرين تقوّوا بهم على حربه. ولما عاد الملك من الغزاة كتب في الحال كتابا إلى حسان بن الجرّاح يذكر فيه السبب في سرعة عودته، وأنه لقوّة الحرّ وعوز الماء، وأنه على المعاودة، ويبعثه على التمسّك بما بذله من الموالاة والعبوديّة، وأنفذه مع رسول قاصد، فتأخّر وصوله إليه مدّة طويلة لصعوبة الطريق وخطره، وألفاه في طرق السّماوة (٣) من ناحية تدمر، وهو موغر الصدر شديد الحنق على البربريّ لطرده إياه عن دياره وضيق الأمر به، فحسّن له الرسول الوارد إليه القرب من بلد الروم، وكان هو متوقّعا وصول كتاب الملك ورسوله إليه كموقع الماء البارد من الظّاميء العطشان، [المغاربة ينتصرون على ابن الجرّاح والعرب في وقعة بصرى] فسار في جميع أهله وعشيرته بجميع حللهم ومواشيهم وبيوتهم، وسار معه رافع ابن أبي الليل أيضا، ووردا إلى بلاد حلب في زهاء نيّف وعشرين ألف إنسان، واستشعر الحلبيّون أنّ الملك استدعى آل جرّاح تعمّدا لتدبير بلادهم، وليجعلهم حربا لهم، ويشدّ منهم ويطردوا بني كلاب، [ابن الجرّاح يدخل بلاد الروم بدعوة من الملك رومانوس] ودخل آل جرّاح وآل رافع إلى بلاد الروم من عمل أنطاكية، ووصّل الملك لحسّان بن الجرّاح دفعات بصلات جارية، واستدعى علاّقا (٤) ابنه إليه، فدخل في

стр. 418

جماعة من أصحابه، [رومانوس يجزل الصّلات لابن الجرّاح ويعيّن ابنه بطريقا] فأحسن الملك إليهم إحسانا كثيرا وأنعم عليه إنعاما جزيلا، وجعله بطريقا وأعاده إلى أبيه (١). ... [وفاة الخليفة العباسي القادر بالله] وفي شهر ذي الحجّة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة كانت وفاة القادر (٢) بالله أحمد ابن المقتدر خليفة بغداد، وله في الخلافة إحدى وأربعون سنة وأربعة أشهر، ولم تكن هذه المدّة لأحد من الخلفاء قبله، وبويع بعده لولده أبي جعفر عبد الملك، ولقّب القائم بأمر الله. ... [قطبان أنطاكية يستولي على رفنية] وعاد نيقيطا الرقطر قطبان أنطاكية غازيا إلى حصن المنيقة، وقصد أولا رفنيّة، لأنّ منها تمتار أهل الحصون الإسلامية الغلاّت ويتقوّون بها على قتال الروم. ففتح أبرجتها وعدّتها ستّة، وملك جميعها، وأخذ جميع من فيها بالأمان من القتل، وكان عددهم زهاء عشرة آلاف إنسان، وأخرب سائر الأبرجة إلى الأرض، [القطبان يفتكّ رئيسا للروم من حصن صافيتا] وسار وقدّامه المأسورون إلى بلد الروم، ونازل حصن صافيتا من عمل المسلمين في جبل نهري، واستخلص منه رئيسا كان المسلمون أسروه، وبذل في نفسه جملة كثيرة، فانتزعه منه قهرا مخلوعا عليه من المقيم في الحصن ومحسنا إليه. [استيلاء القطبان على حصن المنيقة] ثم نازل حصن المنيقة، وكان بين يدي

стр. 419

الحصن واد عميق يحول بينه وبين نزول العساكر عليه، ويمنع القتال له، فردمه بالشجر العظام والعيدان الطّوال والحجارة والتراب، إلى أن ساوى الأرض، ونصب عليه المنجنيقات، وقاتله ونقب فيه نقوبا، وطرح الفصيل وبعض الأبرجة، وفتحه قهرا بعد منازلته إيّاه ثلاثة عشر يوما. وكان فتحه يوم الأربعاء أول كانون الأول سنة ١٣٤٣، وهو النصف من ذي الحجّة سنة ٤٢٢، وأسر منه ثمانمائة وعشرة أنفس، منهم حرمة نصر ابن مشرّف وأربع بنات له، وجماعة من أهله. وكان هو قد خرج عن الحصن عند ورود العسكر. [القطبان يحرق حصن أفامية] وألقى القطبان بعد أن ملك الحصن النّار في ذلك الوادي الذي ردمه، فاحترقت الأخشاب التي فيه، وتكلّست الحجارة. وعمّر بذلك الكلس ما تخرّب من الحصن، وأوثقه، وحرّر الوادي، وأشحن الحصن بالرجال والعدد والميرة، وانصرف عنه. وعبر بحصن بنكسرائيل وخاطب أهله في تسليمه إيّاه، وأن يطلق من أسره من حصن المنيقة من حرمهم وأهاليهم ووعدهم بالإحسان إليهم، فأبوا وتجلّدوا، فانصرف عنهم لما نال أهل العسكر من التعب وقوّة الشتاء، وتواعدهم بالعودة إليهم، وتوجّه نحو أنطاكية. وكان أهل حصن أفامية يجمعون جموعا في ضيعة كبيرة آهلة في عملهم تعرف بجريرين ويغيرون منها على ما يليهم من بلد الروم، فعدل القطبان إليها في طريقه، وقصدها في جماعة انتخبهم من العسكر، وسبى منها جماعة كثيرة وأحرقها. [القطبان يسلّم جريرين لنصر بن صالح وتضرّر أهل أفامية بذلك] ثم دخل أنطاكية ورسم لنصر بن صالح صاحب حلب بالقبض على جريرين المذكورة، فأضافها إلى عمله وبلاده، وامتثل ما أمره به، واستضرّ أهل حصن أفامية بخروجها عن أيديهم ضررا عظيما (١). ...

стр. 420

[الملك رومانوس يتسلّم الرّها من رئيسها] وفي شهر تشرين الأول سنة ١٣٤٣، وهو ذو القعدة سنة ٤٢٢، وهي آخر السنة الثالثة من ملك رومانوس ملك الروم مدينة الرّها بتسليم سليمان بن الكرجي المقيم بها إيّاها إليهم، بتلطّف جرجس المانياكس استراتيغوس سميساط وحصل فيها. وسار سليمان المذكور إلى حضرة رومانوس الملك بالقسطنطينية، واستصحب معه الكتاب الوارد من أبجر ملك الرّها إلى السيّد المسيح، وجواب السيّد المسيح له. وكان كلّ واحد منهما في ورقة طومار (١) مكتوبين بالسرياني. وخرج الملك وألكسيوس البطريرك وجميع أهل المملكة لاستقبالهما، وتسلّمهما الملك بخشوع وخضوع تعظيما لكتاب السيّد المسيح، وأضافهما إلى الآثار المقدّسة التي في بلاط الملك. وعني رومانوس الملك بترجمتها من السرياني إلى اليوناني، وترجمها لنا إلى العربيّ الناقل الذي تولّى نقلهما إلى اليوناني على هيئتهما ونصّهما. ... [القتال بين المسلمين والروم في الرّها] ولمّا تسلّم الروم مدينة الرّها والقلعة ودخلوها، امتدّت إليهم سفهاء المسلمين وتواثبوا عليهم، فدعت الروم الضرورة إلى أن يدفعوا عن نفوسهم، والتحمت الفتنة بين الفريقين، واجتمع المسلمون وتواثبوا عليهم، فطلع جند الروم إلى القلعة وتحصّنوا بها، وهاج المسلمون على النصارى الذين بينهم في الرّها، وقتلوا منهم جماعة، فتحصّن النصارى في الكنيسة، وقاتلهم المسلمون وقتلوا وأسروا منهم جماعة كثيرة، وأحرقوا باب المدينة وأخذوا حديده، وأخربوا موضعا في السّور. ونفر إليها خلق كثير من المسلمين، وتعلّم الروم المقيمون في القلعة القتال منهم، وأظهروا لهم التخشّع والخوف منهم، فاطمأنّ المسلمون واسترسلوا، فخرج الروم إليهم وكسروهم، وقتلوا

стр. 421

منهم عددا كثيرا، [الروم يهزمون المسلمون ويعمّرون ما خرب من سور الرّها] وولّى جماعتهم منهزمين، وعمّر الروم ما خرب من سور المدينة وأعادوا إليها أبوابها، ورتّبوا فيها من الرجال، وأعدّوا سائر ما يحتاج إليه من السلاح والميرة وغير ذلك. [الروم يهزمون العرب والعجم والأكراد ثانية عند الرّها] وعاد إليهم نفر من المسلمين أكثر عددا من النفر الأول، مجتمع من العرب والعجم والأكراد والحاضرة من أماكن بعيدة وقريبة، وحاصروا المدينة، وقاتلوا الروم، فاستظهر الروم عليهم وقتلوا منهم، ونكبوا عدّة كبيرة، فولّوا منهزمين خازين. [المسلمون يأخذون الأسرى من سميساط] وقصد جماعة منهم من بعد منصرفهم عن الرّها بلد سميساط لخلوّه من عسكر الروم، واجتماعهم في الرّها، فأتوا عليه وأسروا منه وقتلوا جماعة، وعبروا بالأسارى في الفرات، فغرق أكثرهم وهلك (١). [بنو نمير يستولون على حصون الجزيرة] وكان بنو نمير قد استولوا على جميع حصون الجزيرة، وحصل كلّ منها في يد أمير من أمرائهم، وتغلّب على حرّان بعض الأشراف، فاستعانوا بأحداثها وتقوّوا بهم على غيرهم. واستضاموا أهل المدينة ونهبوهم، وأفسدوا أحوالهم، وخرج أكثرهم عنها هاربين، وأخذوا أيضا مجمعا للصابئة، وهو

стр. 422

الهيكل الذي على اسم القمر، ولم يكن بقي لهم في المسكونة هيكل سواه، وجعلوه معقلا، [إسلام أكثر الصابئة على يد بني نمير] وأسلم كثيرون ممّن في حرّان من الصابئة، وكانوا جماعة وافرة العدد مخافة منهم. [اجتماع الدرزية في جبل السّمّاق واستضامتهم المسلمين] وكان قد اجتمع في جبل السّمّاق (١) من بلد الروم جماعة من الدّرزيّة، وجاهروا بمذهبهم، وأخربوا ما عندهم من المساجد، وتحصّن دعاتهم وكثير من عوامّهم في مغاور شاهقة منيعة، وقصدهم وانضوى إليهم خلق من أهل نحلتهم، وتوفّر عددهم، واستضاموا المسلمين المجاورين لهم من أهل بلدان حلب والذين هم بينهم، ووعدوا أنفسهم وأطمعوا عوامّهم بقوّة أيديهم وكثرة استيلائهم على البلاد والأعمال القريبة والبعيدة. [سنة ٤٢٣ هـ .] [الروم يقبضون على دعاة الدروز ويقتلون أتباعهم في المغاور] ورأى نيقيطا الرقطر قطبان أنطاكية مبادرتهم قبل تفاقم أمرهم وتخطّيهم إلى الفساد والعيث. ورسم لمن يجاورهم من طرامخته قصدهم برجالهم وأصحابهم، فتلطّفوا في أن قبضوا على دعاتهم وأماثلهم وقتلوهم، وحاصروا باقيهم في تلك المغاور، ونصبوا عليها القتال اثنين وعشرين يوما إلى أن التمسوا الأمان، وخرجوا منها هاربين، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وتتبّع الروم المسلمين في أعمالهم منهم، وأخذوهم واضمحلّوا ودثروا (٢). ...

стр. 423

[تعيين بطريرك أنطاكية] وفي هذه السنة صيّر إيليّا بطريركا على أنطاكية، وصلّي عليه بالقسطنطينية يوم السبت الكبير، وهو أول نيسان من سنة ألف وثلاثمائة وثلاث وأربعين للإسكندر، وهو لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها، وكان راهبا في دير ببلد نيقوميدية، أقام سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام وتنيّح. ... [تردّد الرسائل للمسالمة بين الظاهر ورومانوس] وتردّد بين البربريّ أمير جيوش الظاهر خليفة مصر، ويلقّب أمير الجيوش المظفّر، وهو يومئذ بدمشق، وبين نيقيطا قطبان أنطاكية مكاتبات ومراسلات في عقد الهدنة، والمسالمة بين الظّاهر وبين رومانوس الملك، كان ابتداؤها أنّ مع حصول حسّان بن الجرّاح في طرف بلد الروم أطمع البربريّ نفسه في فرصة ينتهزها فيه، فسار إلى ناحية أفامية، وكتب إلى من كان يتظاهر في أمراء بني كلاب بالموالاة والتصنّع للظاهر في أن يلقوه في جميع من يمكنهم من العرب، وقدّم البربريّ أمامه سريّة كبيرة، [أنوشتكين يغير على حلل آل جرّاح بأطراف بلاد الروم] ودخلت إلى طرف بلد الروم، وكبست بغتة حلل آل جرّاح بين قسطون (١) وبين حصن إنّب (٢)، لأنّ حللهم كانت فيه متفرّقة في عدّة مواضع، وأخذ أصحاب السريّة جماعة منها واستاقوهم، وكان رافع بن أبي الليل قريبا منهم، فلحقهم في نفر

стр. 424

يسير من عشيرته ومن الطّائيّين، واستظهر عليهم، وخلّص الغنيمة عن آخرها، وقتل وجرح منهم جماعة وعادوا منهزمين. ووصل البربريّ في الحال، وعرف ما جرى، وضرب خيامه في قسطون، وبقي بقيّة يومه، ولمّا جنّ الليل رحل إلى أفامية ولم يلقه ولا ورد إليه أحد من بني كلاب، وذلك لأنّ نصر بن صالح استصلحهم واجتذبهم إليه حذرا من مكيدة يقصد بها البربريّ مدينة حلب. وتهدّد من ينحرف عنه منهم باستعانته عليهم بالروم وقبضه إقطاعهم وقصده إيّاهم. واستراب البربريّ بتأخّرهم عنه، وتحذّر أن يتّفقوا مع الطّائيين من آل جرّاح على إساءة يوقعونها به، فرحل عن أفامية ثاني يوم وصوله إليها مسرعا إلى دمشق، وعند مسيره عنها كتب إلى نيقيطا القطبان يذكر له أنه ورد إلى أفامية ليصلح أمورها، وأنه لم يتعرّض لشيء من أعمال الروم بسوء حسبما لم تزل أوامر الظاهر ترد إليه وإلى غيره من ولاته وأصحاب أطرافه، من حفظ مجاورة الروم، وترك الفساد في شيء من أعمالهم، وأطلق قوما من الأرمن كان أصحابه أخذوهم في الطريق. [أنوشتكين يكاتب قطبان أنطاكية] ثم تواصلت المكاتبة بينهما بعد سبي رفنيّة وأخذ حصن المنيقة في توسّط المهادنة، [الاتفاق على اجتماع رسولي الظاهر ورومانوس على حدود الدولتين] واستقرّت الموافقة على أن ينفذ الظّاهر رسولا من جهته إلى رومانوس الملك، ويعدل إلى البربريّ بدمشق، وينفذ الملك أيضا رسولا، ويرد إلى القطبان بأنطاكية، ويجتمع الرسولان جميعا في ناحية أنطرسوس في آخر حدّ الروم وأول بلد المسلمين، ويسير كلّ واحد منهما إلى مقصده. وسيّر الظاهر رسولين وجيهين إلى دمشق، وأنفذ الملك رسولين إلى أنطاكية، ولعلم نصر ابن مشرّف أنّ نيقيطا القطبان تامّ العزيمة على المسير إلى حصن بنكسرائيل الباقي الآن في يده لمقاتلته وأخذه، توسّل في أن يكون هذا الحصن من جملة ما يقع عليه المهادنة والموادعة، ولا تتعرّض الروم له بحرب ولا بقتال. فالتمس البربريّ ذلك من القطبان، وتشدّد فيه، وجزم في أنه لا يتخلّى عنه بوجه ولا بسبب، إذ قد سلّمه نصر ابن مشرّف إلى السلطان، وصار له دونه. فأجابه القطبان بأنّه لا يقرّر المسالمة إلاّ بعد أن

стр. 425

يملك هذا الحصن، إمّا بتسليمه إليه اختيارا، أو بأخذه إيّاه بالحرب كرها، وحقّق عنده أنه سائر لمنازلته وقتاله ليرى رأيه في إتمام ما شرعا فيه من الهدنة على هذه الشريطة، أو الرجوع عنها والاستعداد للحرب. [قطبان أنطاكية يرفض التنازل عن الحصن ويحاصره] وسار القطبان في الحال إلى الحصن بجيوشه، ونازله واحتاط بجميع عسكره سورا ارتفاعه خمسة أذرع، وعرضه أربعة أذرع، مرصوفا بالحجارة والخشب والتراب. وحفر خارجا منه خندقا دائرا به، ونصب على الحصن القتال بالمنجنيقات، ولأنّ الحصن كان شاهقا ومؤسّسا على صخرة رافعة أصلح مقابله بنيّة مرصوفة أيضا بالحجارة والخشب والتراب اليابس، طولها زهاء ثلاثمائة ذراع، وعرضها ستّة وثلاثون ذراعا، شبيهة بالمزلقان إلى أن تعلو على الحصن، لتطلع المقاتلة عليها، ويحاربوا من في الحصن مواجهة. [فشل المناورات في إبعاد قطبان أنطاكية عن الحصن] وأطمع نصر بن مشرف للبربريّ في عسكر الروم، وأوهمه أنه إن قصده المسلمون رحل عن الحصن ولم يثبت عليه. فأنفذ عسكرا كبيرا من المشارقة والمغاربة والعرب إلى رفنيّة. وكاتب جماعة من أمراء بني كلاب يستدعي مجيئهم إلى العسكر والكون معه، فلم يلمّ به أحد منهم، ونزل العسكر تحت حصن أبي قبيس (١)، وأظهروا أنّهم على نيّة القصد لحصن إنّب ومنازلته طمعا في أن يرحل القطبان من على حصن بنكسرائيل، ليدفعهم عن حصن إنّب، فلم ينزعج لذلك، ولا اكترث بهم. وتردّد نصر ابن مشرّف نحو العسكر في جماعة معه، وأشرف عليه من أعلى الجبل دفعات، أملا أن يتمّ له شيء، فخاب ظنّه، وعاد في كلّ منها خازيا. [فشل السّرايا التي خرجت للعرب أمام الروم والأرمن] وتسرّعت أيضا سريّة من العسكر الوارد من جهة البربريّ، وسارت إلى ناحية جبلة، لتخطف من يخرج من العسكر الروميّ، ولقيها بعض أهل عسكرهم، وأوقع بها وأسر رئيسها وقوما آخرين معه، وولّى أقواهم على أعقابهم خازين، وأسرى أيضا في الحال سريّة أخرى من العرب الواردين في عسكرهم، وغيرهم من الأتراك والغلمان إلى
следующие страницы →