← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه: (لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي) (ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد) (هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد) (وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتدي) (وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد) (نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد) (وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد) (ليهنأ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته، من يسعد الله يسعد) وفي المواهب وشرحها أخرج ابن سعد وأبو نعيم إن أم معبد قالت بقيت الشاة التي لمس ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، وأجدبت الأرض إلى الغاية حتى أوت الوحوش إلى الإنس، وإلى عمر أن لا يذوق لحمًا ولا سمنًا ولا لبنًا حتى يحي الناس، أي يأتيهم الحيا، ويمتد المطر، فاستسقى بالعباس، قالت أم معبد وكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا، وما في الأرض لبن قليل ولا كثير، قال هشام راويه وأنا رأيتها وأنها لتادم أم معبد، وجميع حرمها أي أهل ذلك الماء، وذكر الزمخشري عن هند بنت الجون قالت نزل رسول الله ﷺ خمية خالتي أم معبد، فقام من رقدته، فدعاء بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ عوجسة إلى جانب الخيمة، فأصبحت كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع ، ولا ظمأن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها. انتهى المراد منهما. وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب أن أباه عازبًا سأل أبا بكر ﵄: كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ ، قال ارتحلنا من مكة فأحيينا

стр. 177

يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل رأى من ظل نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله ﷺ فروة وقلت اضطجع يا رسول الله، فاضطجع ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أريد، يعني من الظل، فقلت لمن أنت، قال لفلان رجل من قريش، فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم، قلت هل حالب أنت لي، قال نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت ومعي لرسول الله ﷺ أدوات على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وقد استيقظ فقلت يا رسول اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت قد آن الرحيل يا رسول الله ﷺ ، فارتحلنا. انتهى المراد من الاكتفاء. ثم لما رحلوا من عند أم معبد كما عند مغلطاي تعرض لهم يوم الثلاثاء، وحكي الجوهري فتحهما، المدلجي بضم الميم وكسر اللام من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني والحجازي، أسلم على يده ﷺ بالجعرانة مصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب، وسبب تعرضه لهم ما في البخاري عنه، قال جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة قد رأيت آنفًا إسودة بالسواحل، أراها محمدًا ﷺ وأصحابه، قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له إنهم ليسوا هم، ولكنت رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم أثبت ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن

стр. 178

تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت الحديث، وفيه أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه واستسقم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيًا، وقرب حتى سمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين، فسقط عنها ثم خلصها، واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فأخذ المائة ناقة، وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب قد لحقنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال ﷺ ما يبكيك؟ ، فقلت: أنا والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك. وعند الإسماعيلي وغيره، فقال ﷺ اللهم اكفناه بما شئت، وفي حديث أنس عند البخاري: اللهم أصرعه، فصرعه فرسه، وللطبراني أن فرسه وقعت لمنخريها، وللإسماعيلي فساخت في الأرض إلى بطنها، فطلب الأمان، زاد ابن إسحاق فقال أنا سراقة أنظروني أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني ما تكرهونه، وللإسماعيلي قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما، فدعا له ﷺ ، وللإسماعيلي وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك، فقال لا حاجة لنا في إبلك ودعا لي، وذكر ابن سعد أنه لما رجع قال لقريش قد عرفت نظري بالطريق، وبالأثر وقد استبرأت لكم فلم أر شيئًا فرجعوا، وروي أن سراقة قال يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن النبي ﷺ : (أبا حكم والله لو كنت حاضرًا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه) (علمت ولم تشك بأن محمدًا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه) (عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه) (بأمر يود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرا يسالمه)

стр. 179

وسراقة هذا أظهر الله فيه علمًا من أعلام نبوته ﷺ ، ففي الحديث أنه ﵇ قال له كيف بك إذا لبست سواري كسرى، وذكر ابن المنير أنه قال له ذلك لما لحقهما في الهجرة فعجب من ذلك، فلما أوتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته، دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين، ومما وقع لهم في الطريق ما أخرجه البيهقي عن ابن بريدة قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي ﷺ حملني الطمع، فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال من أنت، قلت بريدة، فالتفت ﷺ إلى أبي بكر وقال برد أمرنا وصلح، فقال ممن أنت، قلت من أسلم، قال سلمنا، ثم قال ممن قلت من بني سهم، قال خرج سهمك يا أبا بكر، فقال بريدة للنبي ﷺ من أنت، قال أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعًا، ولما بلغ المسمين بالمدينة خروج رسول الله ﷺ من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، بفتح المهملة وشد الراء، أرض ذات حجارة سود كانت بها وقعة يزيد المشهورة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم طلع رجل من اليهود على أطم، بضم الهمزة والطاء من أطامهم، والأطم الحصن، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه عليهم ثياب بيض يرفعهم السراب، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، بفتح القاف وسكون التحتية بنت كاهل بن عذرة والدة الأوس والخزرج، وهذا جدكم، بفتح الجيم وشد المهملة، أي حظكم ومطلوبكم، وصاحب دولتكم قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة سراعًا بسلاحهم إظهارًا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه ﷺ بقدومه عليهم، ويظهر له صدقهم في مبايعتهم إياه، فنزل بقباء على بني عمرو ابن عوف على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، وقام أبو بكر للناس

стр. 180

يتلقاهم، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر يظنه رسول الله ﷺ ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك، ولا ينافي ما هنا من إصابة الشمس له ﷺ ما مر من إظلال الغمامة له؛ لأن ذلك قبل البعثة كما صرح به القسطلاني وغيره، وأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة على ما في الصحيحين عن أنس واثنين وعشرين ليلة على ما ذكره موسى بن عقبة، من رواية محمد بن بريدة وحكاه الزبير بن بكار عن قوم من بني عمرو بن عوف وقيل ثلاثًا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وأسس ﷺ مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء وسلم مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في أرض بني سالم بن عوف فصلاها بمسجدهم في بطن وادي رانوناء براء مهملة، ونون كعاشوراء واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة بتصغير غب كما ضبطه صاحب المغانم المطابة في فضائل طابة، وهو المجد صاحب القاموس واسم الوادي ذو صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهي أول جمعة صلاها ﵇، وأول خطبة خطبها في الإسلام، وقيل كان يصلي في مسجد قباء مدة إقامته، ثم بعد صلاة الجمعة ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم راحلته متوجهًا إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر خلفه إكرامًا له، وإلا فقد كان له راحلة كما مر، وأبو بكر شيخ كان قد أسرع إليه الشيب، والنبي ﷺ لا شيب فيه، وأبو بكر يعرف لأنه كان يمر عليهم تاجرًا، ورسول الله ﷺ لا يعرف لعدم تردده إليهم، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك؟ ، فيقول هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق الحسية وإنما يعني سبيل الخيرات، وكان ﷺ كلما مر على دار من دور الأنصار اعترضه رجالهم يدعونهم إلى المقام معهم، ويقولون له يا رسول الله هلم إلى القوة والمنعة والمنعة

стр. 181

بالتحريك مشترك بين العز والجماعة اللذين يحمونه، وإن سكنت النون فبمعنى العز فقط، وسمي ممن قال له ذلك عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم بن عوف وزياد بن لبيد وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وفي رجال من بني ساعدة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرجي، وأبو سليط وسليط بن القيس في رجال من بني عدي بن النجار، وهم أخواله ﷺ ؛ لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو منهم، ويقول ﵇ لكل منهم خلوا سبيلها يعني ناقته، فإنها مأمورة، حتى أتت دار مالك بن النجار فبركت على باب مسجده ﷺ ، وهو يومئذ مربد، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء فدال مهملة، الموضع الذي يجفف فيه التمر لسهل، وسهيل بني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء، كما عند ابن إسحاق وأبي عبيد، ويقال إنهما في حجر سعد بن زرارة، أي بالألف أحد سباق الأنصار، وفي رواية أبي ذر وحده سعد بلا ألف، والأول هو الصواب، قال الحافظ سعد تأخر إسلامه. انتهى، وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: ولم يذكره كثيرون؛ لأنه ذكر في المنافقين، وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبي أيوب، قال في الفتح وأسعد أثبت، وقد يجمع باشتراكهم وبانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدًا بعد واحد. انتهى من الزرقاني. وقال الكلاعي فلما بركت ولم ينزل عنها ﷺ وثبت ومشت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جيرانها به، فنزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ . انتهى المراد منه. وفي حاشيته منسوبًا للسهيلي، فسر ابن قتيبة تلحلح أي بتقديم اللام بأن معناه لزم مكانه وأنشد:

стр. 182

(أنا من إذا قيل انفروا قد أتيتم ... أقاموا على أثفالهم وتلحلحوا) وأما تقديم الحاء فمعناه زال عن موضعه، وهذا الذي قاله قوي من جهة الاشتقاق، ولكن الرواية في سيرة ابن إسحاق بتقديم الحاء، وهو خلاف المعنى. انتهى. قال في المواهب وشرحها بعد أن ذكر بروكها أولا بالمربد ثم ثارت، وهو ﷺ عليها ومشت حتى بركت على باب أبي أيوب خالد بن زيد بن كلب من أكابر الصحابة من بني مالك بن النجار شهد بدرًا، والمشاهد ثم ثارت أي قامت وباركت في مبركها الأول عند المسجد، وألقت جيرانها بالأرض، وهو بكسر الجيم باطن العنق أو مقدمه من المذبح، وأرزمت بهمز فراء ساكنة فزاي مفتوحة أي صوتت من غير أن تفتح فاها، قاله أبو زيد، وقال صاحب العين معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح انتهى. وروي رزمت بلا ألف أي نامت من الإعياء والهزال، ونزل عنها رسول الله ﷺ واحتمل أبو أيوب رحله بإذنه ﷺ وأدخله بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دور بني النجار أفضل دور الأنصار، والناقة المذكورة هي القصواء والجداء، وهل هما اثنتان أو واحدة لها لقبان؟ خلاف، وفي الألفية عضباء جدعاء هما القصواء، وقال الشهيلي والصحيح أن العضباء غير القصواء، قال أبو أيوب لما نزل على رسول الله ﷺ كنت في العلو، فلما خلوت على أم أيوب قلت لها رسول الله ﷺ أحق بالعلو منا تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فبتنا تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب بحالة هنيئة، بل بشر ليلة، فلما أصبحت قلت يا رسول الله ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال لم يا أبا أيوب؟ قال قلت أنت أحلق بالعلو منا نزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، قال ﷺ الأسفل أرفق بنا، فقلت لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى تحول إلى العلو، وأبو أيوب في السفل، وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا رد فضله علينا تيممت أنا وأم

стр. 183

أيوب موضع يده نبتغي بذلك البركة، وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب بناه له ﵊ تبع الأول ابن حسان الحميري، وكان ممن تدين بالزبور وبين موته ومولد النبي ﷺ ألف سنة لما مر بالمدينة، روى ابن عساكر أنه قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب وكان في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، ولما نزلها جمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد ﷺ ، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلاً، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابًا للنبي ﷺ فيه إسلامه، ومنه شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم، فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم وأمره أن يدفعه إلى محمد ﷺ إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولد ولده أبدًا إلى حين خروجه، فتداول الدار التي بنى تبع للنبي ﷺ لينزلها إذا قدم المدينة الأملاك إلى أن وصلت إلى أبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج رسول الله ﷺ أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلما رأه ﷺ قال له أنت أبو ليلى، ومعه كتاب تبع الأول، وقال وأهل المدينة الذين نصروه عليه وسلم من ولد أولئك العلماء، فعلى هذا فالمصطفى ﷺ إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، وفرح أهل المدينة بقدومه ﷺ ، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وصعدت ذات الخدور على الأجاجير، بجيمين جمع أجار، وفي لغة الأناجير بالنون، وهي السطوح، عند قدومه ﵇ يهنئنه ويقلن: (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ... وجب الشكر علينا ما دعا لله داع) زاد رزين:

стр. 184

(أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع) قال القسطلاني في المواهب أنشئ هذا الشعر عند قدومه ﵇ المدينة، رواه البيهقي، وأبو بكر المقري، بضم الميم وسكون القاف كما في الزرقاني عن ابن عائشة، وذكره الطبري، وقال خرجه الحلواني. انتهى، وسميت ثنية الوداع لأنه ﵇ ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره، يعني غزوة تبوك كما في الزرقاني، أيضًا فودعه عندها وهذان يعطيان أن التسمية حادثة وقيل لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديمًا، فدل على أنه اسم قديم، وقال ابن بطال سميت بذلك لأنهم كانوا يشيعون الحاج إليها، ويودعونه عندها، وإليها يخرجون عند التلقي، قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داوود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس كلهم يتلقونه من ثنية الوداع، وهذا صريح في أنها من جهة الشام لا من جهة مكة، قال ولهذا قال والدي عبد الرحيم في شرح الترمذي كلام ابن بطال، وهم وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة انتهى. ونحوه في الفتح كما للزرقاني، قال القسطلاني وسبقه إلى ذلك ابن القيم، أي في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، فقال هذا وهم؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك، لكن قال ابن العراقي ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع، انتهى. قال الزرقاني قال الخميس يشبه إن هذا هو الحق، ويؤيده جميع الثنيات، قال ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن: (نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار)

стр. 185

فقال محمد ﷺ : أتحببنني أي بضم التاء، من أحب وبفتحها وكسر الموحدة من حب؟ ، قلن نعم يا رسول الله، فقال ﵇ يعلم أن قلبي محبكم بالميم، يعني معشر الأنصار، وفي رواية فقال والله وأنا أحبكن، فتفرق الناس في الطرق ينادون فرحًا جاء محمد، جاء رسول الله ﷺ ، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهي أوبؤ أرض الله، وعك بالبناء للمجهول، أي حم أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة، وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: (كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله) قوله مصبح أي مصاب بالموت صباحًا، وشراك النعل سيره الذي على ظهر القدم، والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك النعل إلى الرجل، وذكر ابن شيبة أن هذا الرجز لحنظلة ابن سيارة، قاله يوم ذي قار وتمثل به الصديق ﵁، وكان عامر يقول: (لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه) (كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي أنفه بروقه) والطوق الطاقة، والروق القرن، يضرب مثلاً في الحث على حفظ الحريم، ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة، وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى بالبناء للفاعل أو المفعول يرفع عقيرته، أي صوته بالبكاء ويقول: (ألا ليت شعري هل أبيتين ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل) (وهل أردن يومًا مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل) وقوله بواد يعني واد مكة، والإذخر بكسر الهمزة، وسكون الذال، وكسر الخاء المعجمتين حشيش مكة الخ، والرائحة الطيبة وجليل نبت ضعيف يحشى به البيوت، وهو الثمام، ومياه بالهاء، ومجنة بفتح الميم والجيم، والنون المشددة وتكسر الميم، موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية وشامة وطفيل بفتح المهملة وكسر الفاء عينان بقرب مكة، كما ارتضاه الخطابي، وقواه السهيلي، وقيل جبلان، وزعم في القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين وأن الصواب بالباء، وأشار الحافظ لرده، فقال زعم بعضهم أن الصواب بالموحدة بدل الميم والمعروف بالميم

стр. 186

انتهى. من الزرقاني. تنبيه: أصل العقيرة الساق المقطوعة، وأصل هذا كما قال الأصمعي أن رجلاً انعقرت رجله فرفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب فهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، وهذان البيتان ليسا لبلال، بل تمثل بهما، وإنهما لبكر بن غالب الجرهمي، أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكة، ولما أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بذلك قال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححهما لنا، وانقل حماها إلى الجحفة، قوله حبب إلينا المدينة الخ ... فاستجاب الله دعاءه، فكانت أحب إليهم من مكة، كما جزم به السيوطي، وقوله اللهم بارك لنا الخ ... قد أجاب الله دعاءه فطيب الله هواها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، قال الشامي: ويكفي المد منها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها، والجحفة بضم الجيم وسكون المهملة قرية جامعة نحو خمس مراحل من مكة، وظهرت فيها معجزة عجيبة، فهي من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد من مائها إلا حم ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط وكانت يومئذ مسكن اليهود والذي نقل عن المدينة شدتها وسلطانها وكثرتها، بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليها شيئًا. (ثم بها أقام) أي ثم بعد نزوله ﷺ بالمدينة أقام بها، أي لم يزل ساكنها (حتى احتضرا) أي توفي ﷺ بها، أي المدينة، والفعل مبني للمفعول، والمحتضر بفتح الضاد الذي حضره أجله أو حضرته الملائكة لنزع روحه، قال الشادلي المحتضر بفتح الضاد وكسرها الميت؛ لأن أجله حضره، قال العدوي في حاشيته هذه العلة تناسب الفتح، وفي زروق والمصباح بفتح الضاد، ولم يذكروا الكسر، أو لأن الملائكة تحضره لنزع روحه، أو لحضور أجله غالبًا، قال وهذه العلل كلها تناسب

стр. 187

الفتح اسم مفعول، وإما بالكسر اسم فاعل فهو من قام به الاحتضار. انتهى المراد منه. وعلى هذا الأخير فيصح كون الفعل في كلام الناظم مبنيًا للفاعل، والأول سالم من الإسناد، فهو حسن في ضبطه والله أعلم. (بها فكانت أشرف البقاع) قوله فكانت الخ .. مسبب عن قوله ثم بها أقام حتى احتضرا بها، واسم كان ضمير يعود على المدينة المنورة، وأشرف بالنصب خبره والبقاع البلاد، يعني أن المدينة إنما كانت أفضل من جميع البلاد لسكنى النبي ﷺ فيها حيًا وميتًا، وإلى ما ذكر ذهب عمر بن الخطاب ﵁ وأكثر أهل المدينة ومالك وأصحابه سوى من ياتي ذكره، واختاره بعض الشافعية، وذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب واختاره ابن عبد البر وابن رشد وابن عرفة والأدلة كثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، واختار السيوطي الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة في الحجج المبينة، وجزم في خصائصه بأن المختار تفضيل المدينة، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح الموطأ، ولما كانت التربة التي ضمت أعضاءه ﷺ خارجة عن هذا الخلاف، بل هي أفضل من جميع بلاد الله تعالى حتى من الكعبة ومن السماء بل ومن العرش، كما نقله السبكي، أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: (أما ضريحه) ﷺ أي قبره الشريف، (ف) هو أفضل من جميع البقاع، (بالإجماع) من جميع الأمة، قال الشيخ عبد الباقي، عند قول الشيخ خليل، والميدنة أفضل ثم مكة على قول مالك، وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم أعضاءه ﷺ ، وهو مراد من عبر بغيره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة، ومن السماوات والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور، فلا يتكرر مع الكعبة، فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقًا، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر

стр. 188

الشريف، فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم مسجده عند الجمهور، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي، وقيل رجع عن ذلك، قال أبو هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، وعن عمر ﵁ قال لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه، والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها، ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره ما يمس أعضاءه كما مر، لا أعم، وإن كان لغي الماس حرمة أيضًا كجلد المصحف، وقال الدماميني والروضة تنضم أيضًا لموضع القبر، بالإجماع على تفضله بالدليل الواضح، إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، كما قال عبد الباقي ويلي مكة بيت المقدس فهو أفضل، ولو من المساجد المنسوبة له ﷺ ، كمسجد قباء. انتهى المراد منه. وقال الإمام الحطاب عند قوله والمدينة أفضل الخ ... هذا هو المشهور، وقيل مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض، ونقل الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد في المسجد النبوي، كما تضاعف في القديم منه، وقال مالك لما سئل عن الصلاة فيما زيد منه، قال ما أراه ﵇، أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا، إلا لما سيكون بعده من مسجده؛ لأن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى. وقال الشبراخيتي والمدينة عندنا وجميع السلف ومنهم عمر ﵁ أفضل، انتهى. نقله الوالد حفظه الله تعالى في اللوامع، وفي شرح الزرقاني للمواهب عن البروماوي الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل سواها من الأرض والسماء ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك. انتهى، يعني وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضيل في الموضعين أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا

стр. 189

التفضيل بين الأزمان، وموضع القبر الشريف العمل فيه حرام، فيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه العلامة القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر لا لكثرة الثواب وإلا لزم أن لا يكون جلد المصحف، بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة، وأسباب التفضيل أعم من الثواب، وقال السبكي قد يكون للتفضيل لكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر، وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الملائكة والرحمة وله عند الله من المحبة، لساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة، وقال السمهودي والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة، هي غير متناهية لدوام ترقياته ﷺ وهو منبع الخيرات، وفي الشفاء ومن إعظامه ﵇ إكرام مشاهده وأمكنته، ولهذا كان مالك ﵀ لا يركب بالمدينة دابة ويقول أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة، وأفتى مالك فيمن قال تربة المدينة ردية أن يضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه، وكان له قدر، وقال ما أحوجه إلى ضرب عنقه، وروي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيًا منشدًا: (ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤاد لعرفان الرسوم ولا لبا) (نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا) ولما أشرف بعض المريدين على مدينة الرسول ﷺ أنشأ يقول متمثلاً: (رفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطع دونه الأوهام) (وإذا المطي بنا بلغن محمدًا ... فظهورهن على الرجال حرام) (أقربتنا من خير من وطئ الثرا ... فلها علينا حرمة وذمام) قال القاضي وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملتن تربتها على جسد سيد البشر، صلى

стр. 190

الله عليه وسلم، وانتشر عنها من دين الله ما انتشر، إلى أن قال تعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها، وتقبل ربوعها، وجدرانها، وللمؤلف يعني نفسه: (يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخص بالآيات) (عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات) (وعلي عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدرات والعرصات) (لأعفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات) (لولا العوادي والأعادي زرتها ... أبدًا ولو سحبا على الوجنات) (لكن سأهدي من حفيل تحيتي ... لقطين تلك الدار والحجرات) (أزكى من المسك المفتق نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات) (وتخصه بزواكي الصلوات مع ... ونوامي التسليم والبركات) قوله درة بكسر الدال وتشديد الراء آلة التعزيز، وقوله قدرًا أي جاها وعظمة، وقوله منشد الإنشاد قراءة شعر نفسه، أو غيره، والبيتان لأبي الطيب المتنبي، والرسم أثر الدار والفؤاد القلب، واللب العقل، والأكور جمع كور بالضم رحل الناقة بإكافه كالسرج بآلته للفرس، وقوله بان أي ظهر رسمه، والإلمام: النزول وكرامة نصب على العلة، وركبا حال أي كرامة، أن ننزل به راكبين كذا في ابن سلطان وغيره، قال مؤلفه سمح الله له، ولم يتعرض لقوله عنه وعلى تفسير بان بظهر فعنه يبدل منه قوله أن نلم بدل اشتمال أي لأجل إكرامنا له عن أن نلم به راكبين، ويحتمل عندي معنى أظهر من هذا، وهو أن يكون بان بمعنى بعد، وضميره للنبي ﷺ ، ويعني ببينه عن الرسم انتقاله أي بالوفاة إلى دار كرامته ﷺ ، أي نزلنا عن الرحال إكرامًا لمن ارتحل عن تلك الدار أن ننزل به راكبين هذا ما ظهر لي، والله أعلم بالصواب. وقوله لاح أي لمع وتقطع بصيغة المضارع مجهولاً أو بحذف إحدى

стр. 191

التاءين أو بصيغة الماضي معلومًا، أي تضمحل لديه الأفهام بسطوع نوره، والرحال بالمهملة جمع رحل البعير، وفي نسخة بالجيم، وذمام بكسر أوله، أي عهد وأمان، والأبيات لأبي نواس يمدح بها الأمين كذا بخط السخاوي، وجدير أي حقيق ولائق، وعمرت بصيغة المجهول مخففًا ومشددًا، والروح أي أرواح الأنبياء المرسلين، والروح الأمين وضجت صوتت والمعنى ارتفعت الأصوات في عرصاتها جمع عرصة، وهي كل بقعة بين الديار واسعة وليس بها بناء، وأن تعظم بفتح الهمزة مبتدأ خبره جدير بالمقدم، وتتنسم أي تستنشق، وفي نسخة تشم بشد الميم، وفي أخرى تشم نفحاتها أي روائحها الطيبة ولوعة أي شدة محبة والصبابة بالفتح رقة الشوق، وعن النخعي كان يعجبهم أن يكون للغلام صبوة؛ لأنه إذا تاب فربما كان ارعواؤه باعثًا له عند شدة اجتهاده وكثرة نومه على ما فرط من عمله، وأبعد له عن أن يعجب بحاله؛ ولأن المجاز قنطرة الحقيقة، والرياء قنطرة الإخلاص، والعوادي جمع عادية، وهي العوائق التي تصرف عن الشيء والأعادي جمع عدو، والوجنة أعلى الخد، وهي بفتح الواو، وتكسر وتضم، وسحبًا من قولهم سحبته أي جررته، وأهدى بضم الهمزة، وحفيل تحيتي أي تحيتي الحافلة أي الكثيرة الكاملة، والمفتق بفتح التاء المشددة، أي المشقق، ويقال فتق المسك إذا خلط به ما يزكي رائحته، قال ابن سلطان في شرح الشفاء، وللشيخ الصالح أبي عمران: (دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى لقياها) (وعلى الجفون متى هممت بزورة ... يابن الكرام عليك أن تغشاها) (فلأنت أنت إذا حللت بطيبة ... وظللت ترتع في ظلال رباها) (مغنى الجمال مني الخواطر والتي ... سلبت عقول العاشقين حلاها) (لا تحسب المسك الذكي كتربها ... هيهات أين المسلك من رياها) (طابت فإن تبغي التطيب يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها) (وأبشر ففي الخبر الصحيح مقرر ... إن الإله بطيبة سماها) (واختصها بالطيبين لطيبها ... واختارها ودعى إلى سكناها) (لا كالمدينة منزل وكفى بها ... شرفًا حلول محمد بفناها)

стр. 192

(خلصت بهجرة خير من وطئ الثرى ... وأجلهم قدرًا فكيف تراها) (كل البلاد إذا ذكرن كأجرف ... في اسم المدينة لاحظت معناها) (حاشى مسمى القدس فهي قريبة ... منها ومكة إنها إياها) (لا فرق إلا أن ثم لطيبة ... مهما بدت يجلو الظلام سناها) (جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاط ذات المصطفى وحواها) (ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكى مأواها) (فلهذه ظهرت مزية طيبة ... وغدت وكل الفضل في مغناها) قال أبو العباس القلشاني ولقد أحسن فيها كل إحسان لاسيما قوله في آخرها: (كيف السبيل إلى تقضى مدح من ... قال الإله له وحسبك جاها) (إن الذين يبايعونك إنما ... فيما يقول يبايعون الله) انتهى ما ذكر القلشاني منها. ولما كان بعد قدومه ﷺ بخمسة أشهر كما في المواهب تبعًا لابن عبد البر، وقيل بثمانية وقيل بتسعة آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة والتوارث، واستمر ذلك إلى أن نزل بعد وقعة بدر حين أعز الله الإسلام، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، فانقطعت المؤاخاة في الميراث، وبقيت في التوادد والمناصرة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، قال العز بن عبد السلام هو خبر بمعنى الأمر، أي لينصر بعضهم بعضًا، وقوله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن" خبر أيضًا بمعنى الأمر. تتمة: قال الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح المواهب: روى أبو داوود عن جبير بن مطعم مرفوعًا لا حلف في الإسلام، وأي حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، وروى أحمد والترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه أوفو بحلف الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام، قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة

стр. 193

والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على القتال والغارات فذلك الذي نهى عنه بقوله لا حلف في الإسلام، وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام فذلك الذي قال فيه، وأي حلف في الجاهلية الخ ... يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق انتهى. (ومدة اللبث بها في العدة ... عشر سنين يا لها من مدة) قوله ومدة مبتدأ خبره قوله عشر، والليث بفتح اللام، ويضم ويحرك المكث لبث كسمع، قاله في القاموس، وقوله يا لها تعجب، أي يا قوم أعجبوا تلك المدة من مدة، يعني أن المدة التي أقام ﷺ بها، أي المدينة المشرفة، عشر سنين، وهذا عليه اتفاق العلماء، وفي الشمائل عن ابن عباس ﵄ قال مكث النبي ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، قال البيجوري في شرحه قوله مكث بفتح الكاف وضمها أي لبث بعد البعثة، وقوله ثلاث عشرة سنة يوحى إليه أي باعتبار مجموعها؛ لأن مدة فترة الوحي ثلاث سنين من جملتها وهذا هو الأصح الموافق لما رواه أكثر الرواة، وروي عشر سنين، وهو محمول على ما عدى مدة فترة الوحي، وروي أيضًا خمس عشرة سنة في سبعة منها، يرى نورًا ويسمع صوتًا ولم ير ملكًا، وفي ثمانية منها يوحى إليه، وهذه الرواية مخالفة للأولى من وجهين الأول في مدة الإقامة بمكة بعد البعثة، ويمكن الجمع بحمل هذه الرواية على حساب سنة البعثة، وسنة الهجرة، والثاني في زمن الوحي، ويمكن الجمع بأن المراد بالوحي إليه في ثلاث عشرة أعم من كون الملك مرئيًا أو لا، وفي الثمانية خصوص الوحي مع رؤيته فلا تدافع، وقوله بالمدينة عشرًا، أي عشر سنين باتفاق، فإنهم اتفقوا على أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، كما اتفقوا على أنه ﷺ أقام بمكة قبل البعثة أربعين، وإنما اختلفوا في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، والصحيح أنه ثلاث عشرة سنة، فيكون عمره الشريف ثلاثًا وستين انتهى. وفي الشمائل أيضًا عن معاوية ﵁ قال: مات رسول الله

стр. 194

صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر، قال البيجوري قوله وأبو بكر وعمر مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك، أما أبو بكر فمتفق عليه، وأما عمر فقيل مات هو ابن إحدى أو ست أو سبع أو ثمان وخمسين سنة، ولم يذكر عثمان ﵁، وقد قتل وهو ابن اثنتين وثمانين، وقيل ثمان وثمانين سنة، ولم يذكر عليًا، والأصح أنه قتل وهو ابن ثلاث وستين، وقيل خمس وستين، وقيل سبعين. (لقد غزى عشرين بعد خمس* فيها) ضمير فيها للمدة التي أقام ﷺ بالمدينة، ومعنى كلامه أنه ﷺ غزا بنفسه الشريفة في العشر سنين التي أقام بالمدينة خمسًا وعشرين غزوة، (أولها) غزوة ودان بفتح الواو وشد المهملة فألف فنون، قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع، وقيل واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة، قاله الزرقاني وهي غزوة الأبواء، قاله ابن أبي جمرة والقسطلاني والكلاعي وغيرهم، خرج لها ﷺ في ستين رجلاً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، وحمل اللواء وكان أبيض حمزة بن عبد المطلب، وكان خروجه في صفر لاثنتي عشرة ليلة خلت منه على رأس اثنتي عشر شهرًا من مقدمة المدينة يريد قريشًا، وبنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فخرج حتى بلغ ودان ففاته عير قريش، ووادعه أي صالحه بنو ضمرة بفتح المعجمة وسكون الميم، ابن بكر على أن لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعًا، ولا يعينون عليه عدوًا، وعقد معه ذلك سيدهم مخْشي، بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمة مع ياء مشددة، ابن عمرو الضمري، وقيل عمارة بن مخشي بن خويلد، ومخشي بن عمر، وقال البرهان لا أعلم له إسلامًا، وقال الشامي لم أر من ذكر له إسلامًا، فرجع إلى المدينة بعد خمسة عشر يومًا، ولم يلق كيدًا، والأبواء بفتح الهمزة وسكون الموحدة، والمد قرية من عمل الفرع، والصحيح أنها سميت بذلك لتبوئ السيول لها، وليس بين ما في سيرة ابن إسحاق من أن أول غزواته ودان وبين ما نقله عنه البخاري، أن أولها

стр. 195

الأبواء اختلاف؛ لأنهما مكانان متقاربان، بينهما ستة أميال، أو ثمانية، ولهذا وقع في حديث الصعب بن جثامة وهو بالأبواء أو بودان. انتهى من المواهب وشرحها، وقوله لقد غزا يقال غزا غزوًا ومغزًا، والمغازي جمع مغزا، والواحدة غزوة، وغزاة وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة، قال الزرقاني جرت عادة المحدثين، وأهل السير غالبًا بأن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثًا، وما ذكره الناظم من عدد الغزوات خلاف ما اقتصر عليه القسطلاني، فإنه قال في المواهب، وكان عدد مغازيه ﵇ التي خرج فيها بنفسه سبعًا وعشرين، وقال الزرقاني عقبه كما قاله أئمة المغازي موسى ابن عقبة، وابن إسحاق، وأبو معشر، والواقدي، وابن سعد، وجزم به الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم، وقال ابن إسحاق في رواية عنه: ستًا وعشرين، وقيل غزا خمسًا وعشرين، وعن ابن المسيب أربعًا وعشرين، وقال المحب الطبري جملة المشهور منها: اثنتان وعشرون، ويمكن الجمع بأن من عددها دون سبع وعشرين نظرًا إلى شدة قرب بعض الغزوات من غيره، فجمع بين غزوتين فعدهما غزوة واحدة، فضم للأبواء بواطا، إذ الأبواء في صفر، وبواط في ربيع الأول، وضم حمراء الأسد لأحد لكونها صبيحتها، وقريظة للخندق لأنها ناشئة عنها، وتلتها ووادي القرى لخيبر لوقوعها في رجوعه من خبير، والطائف لحنين لانصرافه منها إليها، فبهذا تصير اثنتين وعشرين، وإلى هذا أشار الحافظ، قاله العلامة الزرقاني، وقال ابن أبي جمرة إن عدة غزواته ﷺ سبع وعشرون على ما ذكره ابن إسحاق، وابن عقبة، وقال غيرهما خمس وعشرون، وفي صحيح مسلم عن جابر أنه ﷺ غزا إحدى وعشرين غزوة، وفي الصحيحين عن زيد بن أرقم أنه ﷺ غزى تسع عشرة غزوة. انتهى المراد منه. قال الزرقاني عن الحافظ من قال تسع عشرة فلعله أسقط الأبواء

стр. 196

وبواطا، وكان خفي عليه ذلك لصغره. انتهى، ثم بعد ودان وهي غزوة الأبواء غزوة بواط بفتح الموحدة عند الأصيلي والمستملى من روات البخاري، والعذري من روايه مسلم، وصدر في الفتح، فتبعه السيوطي والقسطلاني في المواهب قائلين وقد تضم وهو صريح في قلته، مع أنه الأعرف كما في المطالع، واقتصر عليه في المقدمة، والقسطلاني في الشرح وصاحب القاموس، وواه مخففة فألف فطاء مهملة، جبل من جبال جهينة، قرب ينبع على أربعة برد من المدينة، غزاها ﷺ في مائتين من المهاجرين يتعرض عير قريش عدتها ألفان وخمسمائة بعير فيهم أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مقدمه كما قاله ابن إسحاق، وقال أبو عمرو وتلميذه ابن حزم في ربيع الآخر، حتى بلغو بواطا من ناحية رضوى بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة مقصور جبل، قال في السبل على أربعة برد من المدينة، وبه يفسر قول المجد على أبراد، فرجع ولم يلق كيدًا، أي حربًا، قاله الإمام الزرقاني وبعضه من المواهب. فائدة: ذكر الشامي وغيره أنه في هذه الغزوة حمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وفي العيون سعد بن معاذ وناقضه البرهان، والأقرب أنه ابن أبي وقاص للتصريح بأن الذين خرجوا من المهاجرين، نعم قيل إنه استخلف على المدينة سعد بن معاذ، قال الزرقاني قال شيخنا فعله التباس في الاستخلاف بالحمل، وقيل استخلف عليها السائب بن عثمان بن مظعون انتهى. ثم بعد بواط العشرية بضم العين المهملة وإعجام الشين مصغرًا، وآخره هاء، قال في المواهب لم يختلف أهل المغازي في ذلك الضبط، قال الزرقاني قال في المشارق وهو المعروف، قال الحافظ وهو الصواب. انتهى. ثم قال في المواهب وفي البخاري العشير والعسيرة بالتصغير

стр. 197

والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية بالمهملة وبالهاء انتهى. قال الزرقاني ولأبي ذر العسير بالمهملة، أو العشير بالمعجمة، والتصغير فيهما، وفي نسخة عن الأصيلي العشير بفتح العين، وكسر الشين المعجمة بغير هاء. انتهى. وخرج إليها ﷺ في جمادي الأولى على رأس ستة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل في جمادي الأخيرة في خمسين ومائة رجل، وقيل في مائتين حكاهما ابن سعد، وزاد من قريش من المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحدًا على الخروج، ومعهم ثلاثون بعيرًا يتعقبونها، وحمل اللواء وكان أبيض حمزة أسد الله وأسد رسوله يطلب عير أبي سفيان في خروجها إلى الشام، أي العير التي كانت بسببها وقعة بدر، ويقال إن فيها خمسين ألف دينار، وألف بعير، ولا يرد على هذا أن العير هي الإبل التي تحمل الميرة، لقول المصباح أنها غلبت على كل قافلة فوجدوا العير قد مضت قبله بأيام، قال أبو عمر فأقام هناك جمادي الأولى، وليال من جمادي الأخيرة، ووادع أي صالح في هذه السفرة بني مدلج من كنانة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا، والعشيرة موضع بناحية ينبع، قاله في القاموس، وفي الكلاعي حتى نزل على العشيرة من بطن ينبع. انتهى. فائدة: نسخة الموادعة بينه ﷺ وبين بني ضمرة الواقعة في غزوة ودان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم أن لا يحاربوا في دين الله ما بل البحر صوفة، وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصر أجابوه عليهم بذلك ذمة الله وعهد رسوله، واستعمل في خروجه ذلك على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ﵁ ثم بعد العشيرة غزوة بدر الأولى وذلك أنه ﷺ لما رجع من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العش كما عند ابن إسحاق وقال ابن

стр. 198

حزم أنها بعد العشيرة بعشرة أيام، فأغار كرز بضم الكاف وسكون الراء وبالزاء آخره، ابن جابر الفهري، وكان من رؤساء المشركين ثم أسلم وصحب واستشهد في غزوة الفتح على سرح المدينة، وهو بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات الإبل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة، كما في النور والسبل، ولعل المراد بالمواشي المال السائم، وإن كانت المواشي كما في القاموس الإبل والغنم، وفي العيون السرح ما رعوا من نعمهم، فخرج ﷺ في أثره حتى بلغ سفوان، وهو بفتح السين المهملة وفتح الفاء وبالنون بعد الألف موضع من ناحية بدر، هكذا في النهاية، وتبعه السمهودي فقال سفوان بفتحات واد من ناحية بدر، وقيل الفاء ساكنة، وحمل اللواء، وكان أبيض كما في الشامية علي بن أبي طالب ﵁، ففاته كرز فرجع ولم يلق كيدًا، وكرز هذا هو الذي استنقذ لقاح النبي ﷺ بعد ذلك من العرينيين، وجيء بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، وهذه الغزوات الأربع التي ذكرت قبل ما سمي الناظم رحمه الله تعالى، فلهذا ذكرناها هنا، ويليها غزوة بدر الكبرى، والكبرى نعت لغزوة لا لبدر، وتسمى العظمى والثانية، وبدر القتال وبدر الفرقان، قاله الزرقاني ولما كانت الغزوات التي غزاها ﷺ بنفسه الشريفة، منها ما اتفق فيه قتال، ومنها ما لم يتفق فيه قتال، أشار المؤلف إلى بيان ذلك فقال (وفي سبع بغير لبس* قاتل) المجرور السابق متعلق بقوله قاتل، وفاعل قاتل ضمير يعود على النبي ﷺ واللبس والاختلاط يعني أنه ﷺ قاتل في سبع من الغزوات التي غزاها بنفسه الشريفة، وسيبينها الناظم قريبًا، والمراد بقتاله فيها ﵇ قتال أصحابه للكفار فيها بحضرته، وأما هو ﵇ فلم يعلم أنه قاتل بنفسه إلا في أحد، ولم يتقل أحدًا إلا أبي بن خلف، فقتله في أحد، قال في المواهب وقاتل في تسع منها بنفسه، بدر وأحدًا والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف، قال الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرحها قال ابن تيمية لا

стр. 199

يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أحد، ولم يقتل أحدًا إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم قاتل في كذا أنه بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا إطلاع له على أحواله ﵇. انتهى. ثم قال الزرقاني ففي قوله يعني القسطلاني بنفسه شيء، وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه لكونه سببًا في قتالهم، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منهم ولا منه، قال في النور قد يرد على ابن تيمية حديث: "كنا إذا لقينا كتيبة أو جيشًا أول من يضرب النبي ﷺ "، ويمكن تأويله، ثم قال القسطلاني وهذا يعني عده لغزوة الفتح على قول من قال فتحت مكة عنوة، قال الزرقاني وهم الجمهور، وأما على قل الأقل فتحت صلحًا، فيكون القتال في ثمان، وقال الزرقاني أيضًا قال ابن عقبة قاتل في ثمان، وأهمل عد قريظة؛ لأنه ضمها للخندق، لكونها كانت إثرها، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين وأحدًا، لكونها كانت في أثرها، هكذا في فتح الباري، وإنما كان لا ينفي أنه قاتل في جميعها غايته أن على عد الاثنتين واحدة بالاعتبار المذكور يكون قاتل في موضعين منها انتهى. والحديث الذي ذكر أنه يرد على ابن تيمية ذكره في الشفا، ونسبه ابن سلطان لأبي الشيخ، وقال ابن سلطان إن النسفي قال في تفسيره لم يقتل رسول الله ﷺ بيده غيره، يعني أبيا، انتهى كلامه. ثم بين الناظم رحمه الله تعالى أسماء الغزوات التي قاتل فيها ﵇ فقال: (بدر أحد والخندق* بني قريظة بني المصطلق* وغزوة الطائف مع حنين) قوله بدر وما بعده بالجر بدل من قوله سبع المتقدم يعني أن هذه الغزوات السبع هي التي وقع فيها القتال من أصحابه بحضرته ﷺ على ما قال الناظم، وهي غزوة بدر وهي قرية مشهورة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة قاله النووي نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها وقيل بدر بن الحارث ابن كلدة حافر بئرها، وقيل بدر اسم البئر التي بها سميت البير بدًار لاستدارتها كبدر السماء، أو لصفاء مائها ورؤية

стр. 200

البدر فيها، وغزوة أحد وغزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وغزوة بني المصطلق، وتسمى غزوة المريسيع، وغزوة الطائف، وغزوة حنين، ها أنا أذكر إن شاء الله طرفًا من جميعها على وجه الاختصار حذرًا من التطويل الممل لأن الناظم لم يذكرها إلا بما مر فأقول ومن الله تعالى أسأل الإخلاص والقبول. أما غزوة بدر فهي أعظم غزوات الإسلام وأفضلها، قال ابن عبد البر وليس في غزواته ﷺ ما يصل إليها في الفضل، ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان فيها نقله الزرقاني، وفي الحديث لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم، وفيه أن جبريل جاءه فقال ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة، هذا كله في البخاري، وقد قال العلماء الترجي في كلام الله ورسوله للوقوع على أن أحمد وأبا داوود وغيرهما، رووه بلفظ إن الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وروى مسلم أنه ﷺ قال لا يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية، وكان خروجه ﷺ إليها يوم السبت كما جزم به مغلطاي، وعند ابن سعد يوم الاثنين، وقالا معًا لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان زاد مغلطاي على رأس تسعة عشر شهرًا، فقال ابن هشام لثمان خلون منه، واستحلف أبا لبابة الأوسي واليًا على المدينة، وذلك لما سبع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عير عظيمة لقريش، فندب المسلمين إليهم، وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها، لعل الله ينفلكموها فخف بعض الناس وثقل بعض إذ لم يظنوا أنه ﷺ يلقى حربًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار حتى أصاب خبرًا باستنفار رسول الله ﷺ له ولغيره فاستأجر ضمصمًا بفتح المعجمتين بعد كل ميم قاله الزرقاني بن عمرو الغفاري بكسر المعجمة وتخفيف الفاء والظاهر هلاكه على كفره، قاله في النور ليخبر قريشًا بذلك ويستنفرهم إلى أموالهم فخرج

стр. 201

ضمضم، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب، قد رأت قبل قدوم ضمضم بثلاث رؤيا أفزعتها، فقالت للعباس يا أخي لقد رأيت رؤيا تخوفت على قومك من أن يصيبهم منها شر فاكتم عني ما أحدثك، فقال لها ما رأيت؟ قالت رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته آلا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعون فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها ثم أرسل صخرة فأخذها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل، انقضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها فلقة منها، فقال لها والله إن هذه لرؤيا حق، وأنت فاكتميها، فذكرها العباس للوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان صديقًا له واستكتمه، فذكرها الوليد لأبيه عتبة وفشى الحديث، قال العباس فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال قلت وما ذاك؟ ، قال الرؤيا التي رأت عاتكة، وقد زعمت في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن ك حقًا فسيكون وإن تمض الثلاث، ولم يكن نكتب عليكم كتابًا، إنكم أكذب بيت في العرب، قال العباس فما كان مني إليه كبير، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، وقالت أأقررتم هذا الخبيث أن يقع في رجالكم؟ ، ثم تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت، فقلت وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنه، قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا مغضب أرى أنه قد فاتني أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشى نحوه أتعرضه ليعود فأقع به إذ خرج يشتد، وإذا هو قد سمع ما لم أسمع ضوت ضمضم بن عمرو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيرهه قد جدعه وحول رحله وشق قميصه، وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث، قال فشغلني وشغله ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعًا، وقالوا يظن محمد وأصحابه أن تكون

стр. 202

كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث رجلا مكانه، واللطيمة العير تحمل المسك، ولما أجمعوا السير ذكروا حربا كانت بينهم وبين بكر بن كنانة وقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا فتبدي لهم إبليس في صورة سراقة المدلجي وقال إني لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا وكان البدريون من الصحابة ثلاثة عشر وثلاث مائة على ما رواه أحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس وهو المشهور عند ابن اسحاق وللبيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاث مائة وخمسة عشر، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داوود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنهم ثلاث مائة وتسعة عشر بفوقية فسين مهملة فجمع الحافظ بينه وبين الأول كما في الزرقاني بأنه ضم إليهم من استصغر ولم يأذن له في القتال كابن عمر والبراء وأنس وجابر وحكى السهيلي أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجن كانوا أسلموا قال الزرقاني معه بعض كلام المواهب وإذا تحرر هذا فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال وإنما عدة من استمر معه حتى شهد القتال ثلاث مائة وخمسة رجال كما قاله ابن سعد لم يعد النبي ﷺ فيهم قال ابن سعد المهاجرون منهم اربعة وستون وسائرهم من الأنصار وثمانية رجال منهم لم يحضروها حسا ولكنهم بدريون حكما لأنهم إنما تخلفوا للضرورات ولذا أعطاهم النبي ﷺ ما يخصهم من الغنيمة وأخبرهم أن لهم أجر من شهدها فكانوا كمن حضرها فعدوا في أهلها، وهم عثمان تخلف على زوجته رقية بنت النبي ﷺ بإذنه في مرض موتها فقال له النبي ﷺ كما في البخاري إن لك لأجر رجل ممن شهدها وسهمه وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان عير قريش هؤلاء مهاجرون ومن الأنصار أبو لبابة استخلفه على المدينة وعاصم بن عدى على أهل العالية والحارث حاطب على بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم والحارث بن الصمت

стр. 203

وقع للروحاء فكسر فرد هؤلاء من الروحاء وخوات بن جبير أصابه حجر في سلقه فرده من الصفراء، وذكر الواقدي فيهم سعد بن مالك الساعدي والد سهل بن سعد، قال تجهيز ليخرج ليدر فمات فضرب له بسهمه وأجره، ثم ان رسول الله ﷺ لما بلغ بير أبي عنية كواحدة العنب المأكول وهي على ميل من المدينة عرض أصحابه فرد من استصغر وسار حتى بلغ الروحاء بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة قرية على نحو أربعين ميلا من المدينة، وفي مسلم على ستة وثلاثين ميلا فنزل سجسجا بفتح السين المهملة وسكون الجيم بعدهما مثلهما وهي بئر الروحاء قال السهيلي سميت بذلك لأنها بين جبلين وكل شيء بين شيئين سجسج فلما سار من الروحاء وقرب من الصفراء، أتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم من رسوليه اللذين أرسلهما يتجسسان خبر أبي سفيان وهما بسبس بموحدتين مفتوحتين ومهملتين أولاهما ساكنة ولجميع رواة مسلم بسيسة بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية وفتح السين فتاء تأنيث والأول هو المعروف والأصح كما قاله الذهبي وكذا ابن اسحاق والدارقطني وابن عبد البر وابن ماكولا والسهيلي قال في الإصابة وهو الصواب وهو ابن عمرو الجهني حليف الخزرج وعدي بن ابي الزغباء الجهني أيضا حليف بني النجار فمضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلي تل قريب من الماء وأخذا يستسقيان فسمعا جاريتين تقول إحداهما لصاحبتها إن أتاني العير غدا أعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه في طلب العير وفي حرب النفير أي خيرهم بين طلب العير وحرب القوم النافرين لقتالهم وقال ان الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريش وكانت العير أحب إليهم كما قال تعالى: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ وذات الشوكة الطائفة التي فيها السلاح كذا في المواهب وشرحها ان الرسولين هما اللذان أتيا بخبر النفير قرب الصفراء وظاهر الكلاعي أن الخبر أتاه بعد ذلك فإنه

стр. 204

قال بعد فأتيا رسول الله ﷺ فأخبراه ثم تقدم أبو سفيان العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي هل أحسست أحدا؟ قال لا إلا أني قد رأست راكبين أناخا إلي هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذا من أبعار بعيريهما ففتته فإذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فأسرع إلي أصحابه فضرب وجه عيره عن الطريق وترك بدرا بيساره ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى أتى واديا يقال له ذفران فنزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فأخبر الناس واستشارهم فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن انتهى المراد منه. وفي القاموس وذفران بكسر الفاء واد قرب واد الصفراء وتصحيف لدقران وقوله فأحسن أي جاء بكلام حسن، قال الزرقاني ولم أر من ذكره، ثم قام عمر فقال وأحسن وذكر ابن عقبة انه قال يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته وأعد لذلك عدته وعزها بالنصب أو بالرفع مبتدأ حذف خبره أي ثابت لم يتغير، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له ﵇ خيرا ودعا له بخير ويعني ببرك الغماد مدينة الحبشة، قاله القسطلاني وقال الزرقاني هو بفتح الموحدة عند الأكثر وهو المعروف في الرواية، وفي رواية بكسرها والراء ساكنة وحكى عياض عن الأصيلي فتحها قال الننوي وهو ضعيف والغماد بكسر المعجمة وتخفيف الميم قال الحازمي موضع على خمس ليال من مكة إلي جهة اليمين وقال البكري هي أقاصى هجر وحكى ابن فارس ضم الغين والفزاز فتحها وقال ابن دريد بقعة في جهنم، وخفي عليه أن ذلك بطريق المبالغة لا الحقيقة، والأولى تفسره بأنه

стр. 205

أقصى معمور الأرض كما هو أحد معانيه ثم قال ﷺ أيها الناس أشيروا على وإنما يريد الأنصار، لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برؤاء من ذمامك حتى تصل إلي دارنا وكان ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة له سعد بن معاذ الذي هو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين كما صرح به البرهان والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، فقال أجل، قال قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر أي طلبت أن نقطع عرضه فخضته لخضناه معك ما تخلف منل رجل واحد وما نكره أن نلقى عدونا إنا لصبر عند الحرب صدق اللقاء ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله، فسر ﵇ بقول سعد، ثم قال سيروا على بركة الله وأبشروا بأن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأ، ى أنظر الآن إلي مصارع القوم، قال عمر إن النبي ﷺ ليرينا مصارع أهل بدر يقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا فما أخطأ أحدهم أي ما تنحى عن موضع يده ﵇، قال ابن سيد الناس روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك المذكور عن سعد معاذ سعد بن عبادة سيد الخزرج وإنما يعرف ذلك عن سعد بن معاذ قال الحافظ ويمكن الجمع بأنه ﷺ استشارهم مرتين الأولى بالمدينة والثانية بعد أن خرج قال ابن سيد الناس واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن اسحاق في البدريين وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي فيهم اه وأشار في الفتح إلي أنه ليس بخلاف حقيقي لأنه قال لم يشهد سعد بن عبادة بدرا وإن عد منهم لكونه ممن ضرب له بسهمه وأجره وفي العيون أيضاً روينا عن ابن سعد أنه كان يتهياً للخروج ويحض الأنصار على الخروج فنهش فقال ﷺ لئن كان سعد لم يشهدها

стр. 206

فلقد كان عليها حريصا، قاله الزرقاني، ثم ارتحل ﵇ من ذفران بفتح المعجمة وكسر الفاء ونزل قريبا من بدر، ونزل قريش بالعدوة القصوى من الوادي أي البعدي من المدينة وهي بضم العين وكسرها وبهما قرئ في السبع وقرئ شاذا بفتحها جانبه وحافته ونزل المسلمون على كثيف أعفر وألقى الله الأمنة والنوم على المسلمين وأصبح بعضهم جنبا وألقى الخوف على المشركين حتى ضربوا وجوه خليهم إذا صهلت لشدة الخوف ونزل ﷺ أدنى ماء من القوم قم أمر بالقلب فغورت بالمعجمة وشد الواو أي دفنت وبالمهملة معناه عند ابن الأثير عليه فملئ ماءا ثم قذفوا فيه الآنية وبني لرسول الله ﷺ عريش وهو شبه الخيمة يستظل به فكان فيه ولما عدل ﷺ صفوف أصحابه وأقبلت أصحابه وأقبلت قريش وراءها قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة، فخرج الأسود بن عبد الأسد فقال أعاهد لأشربن من حوضهم أو لأهد منه أو لأموتن دونه فتبعه حمزة رضى الله عنه فضربه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما ثم اقتحم الحوض زاعما أن تبر يمينه فقتله حمزة في الحوض ثم خرج بعده عتبه بن ربيعة بين ابنه الوليد وشيبة بن ربيعة ودعا إلي المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار وهم عوف بالفاء وسماه بعضهم عوذا بالذال والأول أصح ومعوذا ابنا الحارث النجاريان وأمهما عفراء الصحابية النجارية أيضا ولها خصوصية لا توجد لغيرها كما في الإصابة لأنها لها سبعة أولاد شهدوا بدرا كلهم وهم بنو الحارث معاذ وأخواه السابقان وأبناء البكيري الليثي اياس وعاقل وخالد وعامر تزوجت أباهم بعد الحارث قاله الزرقاني وخرج مع ابني عفراء عبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم؟ قالوا نحن رهط من الأنصار، فقالوا ما لنا بكم من حاجة. وفي رواية فقال عتبة أكفاء كرام إنما نريد قومنا، ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا فقال ﷺ قم

стр. 207

يا عبيدة بن الحارث قم يا حمزة قم يا على فلما دنوا منهم قالوا من أنتم؟ لأنهم كانوا متلثمين فلا يرد أنهم كانوا يعرفونهم فتسموا لهم فقالوا نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وكان أسن الثلاثة وبارز حمزة شيبة وقيل ان شيبة هو الذي قام لعبيدة وعلى الوليد فقتل على الوليد وقتل حمزة شيبة وعبيدة ومن بارزه، ضرب كل منهما صاحبه ضربة أثخنه بها فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات لما رجع بالصفراء فمال حمزة وعلى على من بارزة عبيدة فأعاناه على قتله فهو قاتله بإعانتهما، وفي رواية هما اللذان قتلاه أي عجلا قتله، وإلا فعبيدة كان أثخنه، قاله الزرقاني وحمل عبيدة إلي رسول الله ﷺ ومخ ساقه يسيل فقال أشهيد أنا يا رسول الله؟ قال نعم، قال وددت والله أن أبا طالب كان حيا ليلعلم أننا أحق منه بقوله ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل، ثم أنشأ يقول: (فإن يقطعوا رجلي فإني مسلم ... أرجى بها عيشا من الله عاليا) (وألبسني الرجمن من فضل منه ... لباسا من الإسلام غطى المساويا) رواه أبو داوود ولما قتل المبارزن تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وأقبل نفر من قريش حتى أتوا حوض رسول الله ﷺ فقال دعوهم فما شرب منه يومئذ رجل إلا قتل إلا حكيم بن حزام فأسلم قال ﷺ لأصحابه إذا اكثبوكم فارموهم واستبقوا انبلكم والمعنى إذا قربوا منكم وأمكنوكم فارموهم واستبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم لا تصيبوا غالباً، قاله ابن السكيت ورسول الله ﷺ في العريش ومعه الصديق وليس معه فيه غيره وسعد بن معاذ متوحشا سبفه في نفر من الأنصار على باب العريش يحرسونه وهو ﵇ يناشد ربه إنجاز ما وعده من النصر، وفي الصحيح أنه ﷺ أخذته سنة في العريش ثم استيقظ متبسما فقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع بفتح النون وسكون القاف أي الغبار، وفي رواية هذا جبريل ءاخذ

стр. 208

برأس فرسه عليه أداة الحرب، ثم خرج من باب العريش وهو يتلو سيهزم الجمع ويولون الدبر، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلي المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا دخل العريش واستقبل القبلة ومد يديه وجعل يهتف اللهم أنجز لي ما وعدتني. وقوله ألف هذا أولى للصواب لصحته، وكونه عن عمر وافقه عليه ابن مسعود وهما بدريان وقال موسى بن عقبة تسعمائة وخمسون مقاتلا ويمكن الجمع بأن الخمسين باقي الألف غير مقاتلين، قاله الزرقاني وروي أن جبريل نزل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رؤوسهم عمائهم بيض وقد أرخوا أطرافها بين أكتافهم وقوله بيض أي من نور كما في الرواية إذا لم يكن عليهم شيء من العمائم المعروفة، وعن على كانت سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض أي النور المرئي للناظر مثل الصوف الأبيض، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال حدثني رجل من بني غفار قال البرهان لا أعرف اسمه وهو مذكور في الصحابة قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا على جبل يشرف على بدر ونحن مشركان ننظر الوقعة على من تكون الدبرة فتنهب مع من ينهب، فبينما نحن في الجبل إذ دنت سحابة فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانشق قناع قلبه فمات، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت والحمحمة صوا دون الصهيل وأقدم بقطع الهمزة من الإقدام كما رجحه ابن الأثير وصوبه الجوهري وصححه النووي أو بهمزة وصل مضمومة وضم الدال بمعنى التقدم وقدمه ابن قرقول او بكسر الهمزة وفتح الدال واقتصر عليه البارع قال أبو ذر كلمة يزجر بها الخيل وحيزوم بحذف حرف النداء فيعول من الحزم وتطلق على الصدر قال الشامي فيجوز أنه سمى به لأنه صدر خيل الملائكة ومتقدم عليها والدبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة ويجوز فتحها وفي السبل بفتحتين وتسكن الهزيمة في القتال وحيزوم اسم

стр. 209

فرس جبريل قال البرهان وله فرس أخرى ويحتمل أن أحدهما اسم والآخر لقب الحياة وهي التي قبض السامري من أثرها قاله الزرقاني وفي حاشية عليه انظر ما مرجع ضمير التثنية، وحاصل ما ذكره على ما يظهر أن البرهان يقول أن لجبريل فرسين أحدهما حيزوم والآخر الحياة ويحتمل أنه فرس واحد يسمى بحيزوم ويلقب بالحياة، وعن سهل بن حنيف بضم الحاء مصغر لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلي المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وما ذاك إلا من الملائكة قال السبكي والحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع ان جبريل قادر على أن يدفع الكفار بأجمعهم بريشة من جناحه كما روي أنه رفع مدائن قوم لوط وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل من الأرض السفلى على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها وقلبها، أن ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه وتكون الملائكة مددا لهم على عادة الجيوش ولما التقى الجمعان أخذ ﷺ بأمر جبريل ملئ كف من الحصباء فرمي به في وجوههم، وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه منها شيء فانهزموا فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر منهم من أسر فممن قتل عدو الله أبو جهل، فرعون هذه الأمة، أقبل يرتجز ويقول: (ما تنقم الحرب العوان منى ... بازل عامين حديث السن) (لمثل هذا ولدتني أمي) وكان أول من ضربه فيما ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أحد بني سلمة قال سمعت القوم يقولون وأبو جهل في مثل الحرجة، أبو الحكم لا يخلص إليه، فصمدت نحوه وضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما اذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها، قال محمد بن عبد الباقي في رواية ابن وهب أنه جاء النبي ﷺ يحملها فبصق عليها فلصقت

стр. 210

بكسر الصاد والحرجة بفتح الحاء المهملة وسكون الراء والجيم فهاء تأنيث شجر ملتف قاله في النهاية وفي حواشي أبي ذر الشجرة الكبيرة الأغصان، وأطنت قدمه أسرعت قطعها وقال بعد كلام في من قتله والحاصل أن معاذا ابني عفراء بلغا به بضربهما إياه منزلة المقتول حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح وفي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فكالمه ثم ضرب عنقه بسيف نفسه لكن في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وأنه ﷺ نظر في سيفيهما وقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو وقال ابن عبد البر وعياض أصح منه حديث الصحيحين عن أنس أي وعبد الرحمن أيضا أن قاتله ابنا عفراء وجمع الحافظ باحتمال أن معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو وضربه بعد ذلك معوذ بن عفراء حتى أثبتع ثم حز رأسه ابن مسعود انتهى. وسبقه إليه النووي فقال اشترك الثلاثة في قتله لكن ابن الجموح اثخنه أولا فاستحق السلب، انتهى المراد منه. وممن قتل أمية بن خلف أسره عبد الرحمن بن عوف وأراد استبقاءه لصداقة كانت بينهما فنظره بلال وكان أمية يعذبه بمكة فقال بلال يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لانجوت إن نجى فثبروه بأسيافهم وقيل قتله بلال وهنأه الصديق بقوله: (هنيئا زادك الرحمن فضلا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال) ومنهم أهل المبارزة المار ذكرهم، ومنهم العاصي بن هشام أخو أبي جهل ومنهم أبو قيس بن الوليد أخو خالد وقيس بن الوليد أخو خالد وقيس بن الفاكه بن المغيرة وحنظلة بن أبي سفيان والأسود بن عبد الأسد، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهمي والعاصي بن قيس بن عدي السهمي ومسعود بن أبي أمية أخو أم سلمة وعمرو بن عثمان عم طلحة بن عبيد الله بن عثمان وطعيمة بن عدي وثلاثة أولاد للأسود بن مطلب، زمعة وعقيل ابناه والحارث ابن زمعة وهو ابن ابنه وهو أي الأسود أحد المستهزئين كان دعا عليه النبي ﷺ بالعمى وثكل الولد فسبق له

стр. 211

العمى وقتل له من ذكر وكان يحب أن يبكي عليهم فسمع نائحة بالليل فقال لغلام له انظر هل حل النحب، هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي فإن جوفي قد احترق فرجع إليه وقال إنما هي امرأة تبكي على بعير قد أضلته فقال: (أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود) (فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود) في أبيات ومنهم العاصي ولد أبو أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية وغيرهم ولما أمر ﷺ بعظماء القتلى أن يطرحوا في القليب، وفي الصحيح أنهم أربعة وعشرون فطرحوا فيه إلا أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فألقوا عليه ما غيبة من التراب والحجارة فإنه انتفخ في درعه فملأها فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبع أصحابه حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ابائهم فنادى يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعدكم الله حقا فإني وجدت ما وعدني الله حقا، وفي رواية أنه قال: ﵇ يا أهل القليب بيس العشيرة كنتم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فجزاكم الله عني من عصابة شرا وممن أسر وأسلم بعد ذلك خالد بن هشام أخو أبي جهل وسهيل بن عمرو وأبو العاصي بن الربيع وغيرهم ﵃، وممن أخذ أيضا العباس ﵁، ويروى أن هاتفا من الجن مر على مكة في اليوم الذي أوقع المسلمون بقريش وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه: (أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سبنقض منها ملك كسرى وقيصرا) (أبادت رجالا من لأي وأبرزت ... خرائد يضرين التراب حسرا) (فيا ويح من أمسي عدو محمد ... فقد حاد عن قصد الهدى وتحيرا) فقال قائلهم من الحنيفيون؟ فقالوا هو محمد وأصحابه. يزعمون أنهم على دين إبراهيم ثم لم يبلثوا أن جاءهم الخبر اليقين وكان أول من قدم مكة بمصابهم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي قاله الكلاعي وروى

стр. 212

الطبراني أن أبا اليسر الأنصاري ثم السلمي بفتحتين أسر العباس ﵁ وقيل له وكان جسميا جميلاً كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم ولو شئت لجعلته في كفك؟ فقال ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخندمة وهي كما قال القسطلاني جبل من جبال مكة، وروى البخاري أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يتركوا للعباس فداءه فقال والله لا تذرون منه درهماً وروى ابن إسحاق أنه ﵇ قال يا عباس أفد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عامر، قال إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، قال الله تعالى أعلم بما تقول، إن يكن ما تقول حقاً، فإن الله يجزيك ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا وذكر ابن عقبة أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية ذهباً وقال قتادة كان فداء كل أسير أربعة آلاف واستشهد يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين: عبيدة بن الحارث ومهجع بكسر الميم وفتح الجيم مولى عمر وهو أول من قتل من المسلمين وقال ﵇ يومئذ مهجع سيد الشهداء، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وعاقل بن البكيري الليثي وصفوان بن بيضاء القهري وذو الشمالين بن عمد عمرو الخزاعي وستة من الخزرج: عوف بن عفراء وشقيقه معوذ بشد الواو وفتحها على الأشهر وجزم الوقشي بالكسر وحارثة بن سراقة وكان في النظارة فجاءه سهم غرب فوقع في نحره فقتله ويزيد بن الحارث ورافع بن المعلي وعمير بن الحمام بضم الهاء المهملة وخفة الميم بن الجموح واثنان من الأوس: سعد بن خيثمة الشهيد بن الشهيد والصحابي بن الصحابي واستشهد أبوة يوم أحد ومبشر بن عبد المنذر وقتل من الكفار سبعون وأسر منهم سبعون كما في حديث البخاري ومسلم، قال ﷺ في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له، سماهم نتنى لكفرهم، قال الحافظ أي بغير فداء، وقد مات المطعم قبل وقعة بدر وذكر الفاكهاني أن حسان بن ثابت رثاه فجازاه مجازاة له على ما صنع مع النبي ﷺ انتهى،

стр. 213

ونقل ابن إسحاق رثاء حسان وهو: (عيني ألا ابكي سيد الناس واسجمي ... بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما) (وبكي عظيم المعشرين كليهما ... على الناس معروفاً له ما تكلما) (فلو كان مجد يخلد الدهر واحداً ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما) (أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما) (فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما) (لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تذمما) (فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأكرما) (وأنأى إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما) قال الزرقاني ورثاء حسان ﵁ له وهو كافر لأنه تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب في أن فعله مع المصطفى ﷺ من أقوى المحاسن فلا ضير في ذكره به وبنحوه مما ذكره، وقد كفن المصطفى ﷺ عبد الله بن أبي المنافق بثوبه، مجازاة له على ألباس العباس قميصه يوم بدر لما كان في الأسارى وممن أسلم من الأسارى أبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى ابن عمير أخو مصعب واسمه زرارة وقول الزبير بن بكار أنه قتل بأحد كافرا رده ابن عبد البر وقال السهيلي غلط الزبير وقد أسلم يوم بدر والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وعدي بن الخيار والسائب بن أبي حبيش وأبو وداعة السهمي وسهيل بن عمرو أسلموا في فتح مكة وأسلم منهم أيضاً خالد بن هشام وعبد الله بن السائب والمطلب بن حنطب وعبد الله بن أبي بن خلف، وعبد بن زمعة أخو سودة ووهيب بن عمير الجمحي وقيس بن السائب المخزومي ونسطاس مولى أمية بن خلف والوليد بن الوليد نقله الشيخ محمد بن عبد الباقي وكان مع المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام وفرس مرثد بن أبي مرثد الغنوي وفرس المقداد بن عمرو البهراوي، قاله الكلاعي، وقال في المواهب وكان معهم ثلاثة أفراس: بعزجة فرس المقداد، واليعسوب فرس الزبير، وفرس لمرثد الغنوي، لم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه، وكان معهم سبعون بعيراً انتهى. وبعزجة بفتح الموحدة وإسكان المهملة فزاي فجيم فهاء

стр. 214

تأنيث كما في النور وحرف نساخ الشامية الزاي بالراء، قال السهيلي البعزجة شدة جري الفرس في مغالبة، كأنه منحوت من أصلين من بعج إذا شق وعز أي غلب انتهى ويقال اسمها سبحة بفتح السين وإسكان الموحدة وبالحاء المهملتين وبه صدر الشامي واليعسوب بفتح التحتية فعين فسين مضمومة مهملتين وقيل اسمها السيل وبه صدر الشامي ومرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة فدال مهملة ابن أبي مرثد وكناز بن الحصين بدري بن بدري والغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غنى بن يعصر والمقداد بن عمرو وهو الشهير بابن الأسود، وقال ابن إسحاق أنه ﷺ دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير قال وكان أمامه ﷺ رايتان سوداوان إحداهما مع علي والأخرى مع بعض الأنصار انتهى. تنبيه: قال الكلاعي قاتلت الملائكة يوم بدر، وقال ابن عباس ولم تقاتل في يوم سواه، كانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا لا يضربون. انتهى. وفي المواهب، قيل ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا، وبه صرح ابن كثير وهذا يرده حديث مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمينه ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام يقاتلان كأشد القتال، قال النووي، هذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه فهذا صريح في الرد عليه انتهى. وقوله عدد بضم العين جمع عدة كغرف وغرفة، وأجاب البيهقي عن حديث مسلم بما حاصله أن قتال الملائكة ببدر كان عاما عن جميع القوم، وأما في أحد فإنهما ملكان وقتالهما عن النبي ﷺ دون غيره، قاله الزرقاني ومما قيل يوم بدر من الشعر قول حسان: (عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب)

стр. 215

(تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب) (فأمسى رسمها خلقاً وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب) (فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب) (وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب) (بما صنع الإله غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب) (غداة كأن جمعهم جراد ... بدت أركانه جنح الغروب) (فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب) (أمام محمد قد آزروه ... على الأعداء في لفح الحروب) (بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاظي الكعوب) (بنو الأوس الغطارف آزرتها ... بنو النجار في الدين الصليب) (فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا في الجبوب) (وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب) (يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب) (ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب) (فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب) القشيب هنا الذي خالطه ما يفسده إما من دنس وإما من قدم، واللقح بالسكون والتحريك مصدر لقح كفرح، وخاظ الكعوب مكتنزها، قويها، والجبوب الأرض أو غليظها أو هو موضع ببدر قاله في القاموس، وكباكب أي جماعات والكبكبة الجماعة قاله أيضا، وقال حمزة بن عبد المطلب ومنهم من ينكرها له: (ألم تر امرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر) (وما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر) (عشية راحوا يوم بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر) (وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر) (فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر) (وضرب ببيض يختل الهام حدها ... مشهرة الألوان بينة الأثر) (ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا ... وشيبة قتلاهم تجرجم في الجعفر)
следующие страницы →