Полный текст (927 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
العمى وقتل له من ذكر وكان يحب أن يبكي عليهم فسمع نائحة بالليل فقال لغلام له انظر هل حل النحب، هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي فإن جوفي قد احترق فرجع إليه وقال إنما هي امرأة تبكي على بعير قد أضلته فقال:
(أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود)
(فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود)
في أبيات ومنهم العاصي ولد أبو أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية وغيرهم ولما أمر ﷺ بعظماء القتلى أن يطرحوا في القليب، وفي الصحيح أنهم أربعة وعشرون فطرحوا فيه إلا أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فألقوا عليه ما غيبة من التراب والحجارة فإنه انتفخ في درعه فملأها فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبع أصحابه حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ابائهم فنادى يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعدكم الله حقا فإني وجدت ما وعدني الله حقا، وفي رواية أنه قال: ﵇ يا أهل القليب بيس العشيرة كنتم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فجزاكم الله عني من عصابة شرا وممن أسر وأسلم بعد ذلك خالد بن هشام أخو أبي جهل وسهيل بن عمرو وأبو العاصي بن الربيع وغيرهم ﵃، وممن أخذ أيضا العباس ﵁، ويروى أن هاتفا من الجن مر على مكة في اليوم الذي أوقع المسلمون بقريش وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه:
(أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سبنقض منها ملك كسرى وقيصرا)
(أبادت رجالا من لأي وأبرزت ... خرائد يضرين التراب حسرا)
(فيا ويح من أمسي عدو محمد ... فقد حاد عن قصد الهدى وتحيرا)
فقال قائلهم من الحنيفيون؟ فقالوا هو محمد وأصحابه. يزعمون أنهم على دين إبراهيم ثم لم يبلثوا أن جاءهم الخبر اليقين وكان أول من قدم مكة بمصابهم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي قاله الكلاعي وروى
стр. 212
الطبراني أن أبا اليسر الأنصاري ثم السلمي بفتحتين أسر العباس ﵁ وقيل له وكان جسميا جميلاً كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم ولو شئت لجعلته في كفك؟ فقال ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخندمة وهي كما قال القسطلاني جبل من جبال مكة، وروى البخاري أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يتركوا للعباس فداءه فقال والله لا تذرون منه درهماً وروى ابن إسحاق أنه ﵇ قال يا عباس أفد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عامر، قال إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، قال الله تعالى أعلم بما تقول، إن يكن ما تقول حقاً، فإن الله يجزيك ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا وذكر ابن عقبة أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية ذهباً وقال قتادة كان فداء كل أسير أربعة آلاف واستشهد يومئذ أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين: عبيدة بن الحارث ومهجع بكسر الميم وفتح الجيم مولى عمر وهو أول من قتل من المسلمين وقال ﵇ يومئذ مهجع سيد الشهداء، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وعاقل بن البكيري الليثي وصفوان بن بيضاء القهري وذو الشمالين بن عمد عمرو الخزاعي وستة من الخزرج: عوف بن عفراء وشقيقه معوذ بشد الواو وفتحها على الأشهر وجزم الوقشي بالكسر وحارثة بن سراقة وكان في النظارة فجاءه سهم غرب فوقع في نحره فقتله ويزيد بن الحارث ورافع بن المعلي وعمير بن الحمام بضم الهاء المهملة وخفة الميم بن الجموح واثنان من الأوس: سعد بن خيثمة الشهيد بن الشهيد والصحابي بن الصحابي واستشهد أبوة يوم أحد ومبشر بن عبد المنذر وقتل من الكفار سبعون وأسر منهم سبعون كما في حديث البخاري ومسلم، قال ﷺ في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له، سماهم نتنى لكفرهم، قال الحافظ أي بغير فداء، وقد مات المطعم قبل وقعة بدر وذكر الفاكهاني أن حسان بن ثابت رثاه فجازاه مجازاة له على ما صنع مع النبي ﷺ انتهى،
стр. 213
ونقل ابن إسحاق رثاء حسان وهو:
(عيني ألا ابكي سيد الناس واسجمي ... بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما)
(وبكي عظيم المعشرين كليهما ... على الناس معروفاً له ما تكلما)
(فلو كان مجد يخلد الدهر واحداً ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما)
(أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما)
(فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما)
(لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تذمما)
(فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأكرما)
(وأنأى إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما)
قال الزرقاني ورثاء حسان ﵁ له وهو كافر لأنه تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب في أن فعله مع المصطفى ﷺ من أقوى المحاسن فلا ضير في ذكره به وبنحوه مما ذكره، وقد كفن المصطفى ﷺ عبد الله بن أبي المنافق بثوبه، مجازاة له على ألباس العباس قميصه يوم بدر لما كان في الأسارى وممن أسلم من الأسارى أبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى ابن عمير أخو مصعب واسمه زرارة وقول الزبير بن بكار أنه قتل بأحد كافرا رده ابن عبد البر وقال السهيلي غلط الزبير وقد أسلم يوم بدر والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وعدي بن الخيار والسائب بن أبي حبيش وأبو وداعة السهمي وسهيل بن عمرو أسلموا في فتح مكة وأسلم منهم أيضاً خالد بن هشام وعبد الله بن السائب والمطلب بن حنطب وعبد الله بن أبي بن خلف، وعبد بن زمعة أخو سودة ووهيب بن عمير الجمحي وقيس بن السائب المخزومي ونسطاس مولى أمية بن خلف والوليد بن الوليد نقله الشيخ محمد بن عبد الباقي وكان مع المسلمين يوم بدر من الخيل فرس الزبير بن العوام وفرس مرثد بن أبي مرثد الغنوي وفرس المقداد بن عمرو البهراوي، قاله الكلاعي، وقال في المواهب وكان معهم ثلاثة أفراس: بعزجة فرس المقداد، واليعسوب فرس الزبير، وفرس لمرثد الغنوي، لم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه، وكان معهم سبعون بعيراً انتهى. وبعزجة بفتح الموحدة وإسكان المهملة فزاي فجيم فهاء
стр. 214
تأنيث كما في النور وحرف نساخ الشامية الزاي بالراء، قال السهيلي البعزجة شدة جري الفرس في مغالبة، كأنه منحوت من أصلين من بعج إذا شق وعز أي غلب انتهى ويقال اسمها سبحة بفتح السين وإسكان الموحدة وبالحاء المهملتين وبه صدر الشامي واليعسوب بفتح التحتية فعين فسين مضمومة مهملتين وقيل اسمها السيل وبه صدر الشامي ومرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة فدال مهملة ابن أبي مرثد وكناز بن الحصين بدري بن بدري والغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غنى بن يعصر والمقداد بن عمرو وهو الشهير بابن الأسود، وقال ابن إسحاق أنه ﷺ دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير قال وكان أمامه ﷺ رايتان سوداوان إحداهما مع علي والأخرى مع بعض الأنصار انتهى.
تنبيه:
قال الكلاعي قاتلت الملائكة يوم بدر، وقال ابن عباس ولم تقاتل في يوم سواه، كانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا لا يضربون. انتهى. وفي المواهب، قيل ولم تقاتل الملائكة غير يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا، وبه صرح ابن كثير وهذا يرده حديث مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمينه ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام يقاتلان كأشد القتال، قال النووي، هذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه فهذا صريح في الرد عليه انتهى. وقوله عدد بضم العين جمع عدة كغرف وغرفة، وأجاب البيهقي عن حديث مسلم بما حاصله أن قتال الملائكة ببدر كان عاما عن جميع القوم، وأما في أحد فإنهما ملكان وقتالهما عن النبي ﷺ دون غيره، قاله الزرقاني ومما قيل يوم بدر من الشعر قول حسان:
(عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب)
стр. 215
(تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب)
(فأمسى رسمها خلقاً وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب)
(فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب)
(وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب)
(بما صنع الإله غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب)
(غداة كأن جمعهم جراد ... بدت أركانه جنح الغروب)
(فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب)
(أمام محمد قد آزروه ... على الأعداء في لفح الحروب)
(بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاظي الكعوب)
(بنو الأوس الغطارف آزرتها ... بنو النجار في الدين الصليب)
(فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا في الجبوب)
(وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب)
(يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب)
(ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب)
(فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ... صدقت وكنت ذا رأي مصيب)
القشيب هنا الذي خالطه ما يفسده إما من دنس وإما من قدم، واللقح بالسكون والتحريك مصدر لقح كفرح، وخاظ الكعوب مكتنزها، قويها، والجبوب الأرض أو غليظها أو هو موضع ببدر قاله في القاموس، وكباكب أي جماعات والكبكبة الجماعة قاله أيضا، وقال حمزة بن عبد المطلب ومنهم من ينكرها له:
(ألم تر امرا كان من عجب الدهر ... وللحين أسباب مبينة الأمر)
(وما ذاك إلا أن قوما أفادهم ... فخانوا تواص بالعقوق وبالكفر)
(عشية راحوا يوم بدر بجمعهم ... فكانوا رهونا للركية من بدر)
(وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها ... فساروا إلينا فالتقينا على قدر)
(فلما التقينا لم تكن مثنوية ... لنا غير طعن بالمثقفة السمر)
(وضرب ببيض يختل الهام حدها ... مشهرة الألوان بينة الأثر)
(ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا ... وشيبة قتلاهم تجرجم في الجعفر)
стр. 216
(وعمرو توى فيمن توى من حماتهم ... فشقت جيوب النائحات على عمر)
(جيوب نساء من لؤي بن غالب ... كرام تفرعن الذوائب من فهر)
إلى أن قال:
(وفينا جنود الله حين يمدنا ... بهم في مقام ثم مستوضح الذكر)
(فشد بهم جبريل تحت لوائنا ... لدي مأزق فيه مناياهم تجري)
أفادهم بالفاء المروسة أهلكهم وفاعله تواص وتجرجم بجيمين أي تلقى، قال في القاموس تجرجم سقط وانحدر في البير والحفر البئر لم تطو أو طوي بعضها والأثر ويكسر فرند السيف قاله في القاموس، وقال الفرند بكسر الفاء والراء السيف وجوهره ووشيه انتهى. وقال كعب بن مالك السلمي:
(عجبت لأمر الله والله قادر ... على ما أراد ليس لله قاهر)
(قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا ... بغوا وسبيل الغي في الناس جائز)
(وقد حشدوا واستنفروا من يليهم ... من الناس حتى جمعهم متكاثر)
(وسارت إلينا لا تحاول غيرنا ... بأجمعها كعب جميعا وعامر)
(وفينا رسول الله والأوس حوله ... له معقل منهم عزيز وناصر)
(وجمع بني النجار تحت لوائه ... يمشون في الماذي والنقع ثائر)
(فلما لقيناهم وكل مجاهد ... بأصحابه مستبسل النفس صابر)
(شهدنا بأن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله بالحق الظاهر)
(وقد عريت بيض خفاف كأنها ... مقاييس يزهيها بعينك شاهر)
(بهن أبدنا جمعهم فتبددوا ... وكان يلاقي الحين من هو فاجر)
(فكب أبو جهل صريعا لوجهه ... وعتبة قد غادرنه وهو عافر)
(وشيبة والتيمي غادرن في الوغي ... وما منهما إلا بذي العرش كافر)
قال في القاموس الماذي كل سلاح من الحديد وبهاء الدرع اللينة أو البيضاء ولضرار بن الخطاب الفهري في هذا الروي شعر وهو:
(عجبت لفخر الأوس والحين دائر ... عليهم غدا والدهر فيه بصائر)
(وفخر بني النجار إن كان معشر ... أصيبوا ببدر كلهم ثم صابر)
(فإن تك قتلى غودرت من رجالنا ... فإنا رجالا بعدهم سنغادر)
стр. 217
(وتردي بنا الجرد العناجيج وسطكم ... بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر)
(ووسط بني النجار سوف نكرها ... لها بالقنى والدارعين زوافر)
(فنترك قتلى تعصب الطير حولهم ... وليس لهم إلا الأماني ناصر)
(وذلك أنا لا تزال سيوفنا ... بهن دم ممن يحاربن مائر)
(فإن تظفروا في يوم بدر فإنما ... بأحمد أمسى جدكم وهو ظافر)
(وبالنفر الأخيار هم أولياؤه ... يحامون في اللأواء والموت حاضر)
(يعد أبو بكر وحمزة فيهم ... ويدعى على وسط من أنت ذاكر)
(أولئك لا من نتجت في بيوتها ... بنو الأوس والنجار حين تفاخر)
(ولكن أبوهم من لؤي بن غالب ... إذا عدت الأنساب كعب وعامر)
(هم الطاعنون الخيل في كل معرك ... غداة الهياج الأطيبون الأكابر)
وقال علي رضي الله عن جميعهم ولم ير ابن هشام أحدا يعرفها:
(ألم تر أن الله أبلى رسوله ... بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل)
(بما أنزل الكفار دار مذلة ... فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل)
إلى أن قال:
(تبيت عيون النائحات عليهم ... تجود بأسبال الرشاش وبالوبل)
(نوائح تنعي عتبة الغي وابنه ... وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل)
(وذا الرجل تنعي وابن جدعان فيهم ... مسلية حرا مبينة الثكل)
(ترى منهم في بئر بدر عصابة ... ذوي نجدات في الحروب وفي الحل)
المسلبة التي لبست السلاب وهو خرقة سوداء تلبسها الثكلى، والثكل بالضم فقدان الحبيب، وحشدوا جمعوا، والمعقل المنعة، والمستبسل الذي يوطن نفسه على الموت والضرب، والعناجيج جياد الخيل انتهى. ثم بعد بدر غزوة سليم وهي قرقرة الكدر. ثم غزوة بني قينقاع ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران، فهذه خمس قبل أحد وبعد بدر، ولم أتكلم عليها هنا لئلا يطول الفصل بينما ذكره الناظم، ويأتي الكلام عليها إن شاء الله بعدما ذكر الناظم وبعدها "غزوة أحد " بضم الهمزة والحاء، قال المصباح مذكر مصروف وقيل يجوز تأنيثه باعتبار البقعة فيمنع وليس بالقوى، وهو جبل معروف، بين أوله وبين باب المدينة المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة
стр. 218
أسباع ميل تزيد يسيرا وسمي بذلك لانقاطعه عن جبال أخر هناك، وهو أحمر، ويقال له ذو عينين لمجاورته لجبل يسمى عينين، وفي القاموس وعينين بكسر العين وفتحها مثنى على كل منهما لا بفتح العين وسكون الياء وكسر النون الأولى كما قال المطرزي وعليه فليس بمثنى جبل بأحد وقف عليه إبليس فنادي إن محمد قد قتل، وقال ﵇: أحد جبل يجبنا ونحبه وهو من جبال الجنة، أخرجه أحمد قيل وفيه قبر هارون ﵇ وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث بالاتفاق قاله في المواهب وكان يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه وقيل لسبع ليال خلون منه وقيل في نصفه بعد بدر بسنة وشهر، وسببها أن قريشا لما أصيبوا يوم بدر ورجع أبو سفيان بعيره قال عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن المغيرة وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وحويطب بن عبد العزي وصفوان بن أمية وأسلموا كلهم بعد ذلك، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا، فأجابوا لذلك وفيهم نزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾. وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا لرسول الله ﷺ بخبرهم أي بأن قريشا ومن أطاعها من أهل كنانة اجتمعوا لحربه وبعثه مع رجل من بني غفار وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها فقدم عليه بقباء فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا وسار بهم أبو سفيان حتى نزلوا بعينين وكان رجال من المسلمين قد ندموا على ما فاتهم من مشهد بدر ورأى ﷺ ليلة الجمعة رؤيى فلما أصبح قال إني والله رأيت خيرا، رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت في درع حصينة، قالوا بما أولتها؟ قال فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل، وفي رواية أحمد وأولت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم ورموا بالنبل من فوق البيوت، فقال القوم الذين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، يا رسول الله إنا كنا
стр. 219
نتمنى هذا اليوم أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا، فصلى ﵇ الجمعة ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد في التأهب للقتال وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا بفتح المعجمة ومضارعه بكسرها أي اجتمعوا، وحضر أهل العوالي وهي القرى التي حول المدينة ثم دخل ﵇ بيته ومعه أبو بكر وعمر ﵄ فعمماه وألبساه واصطف الناس ينظرون خروجه ﵇، فقال لهم سعد بن معاذ الذي هو أفضل الأنصار كما قاله البرهان وأسيد بن خضير، بصيغة التصغير فيهما، استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج فردوا الأمر إليه فخرج ﷺ وقد لبس لامته وهي بالهمز وقد يترك تخفيفاً، الدرع وقيل السلاح، وروي أبو يعلى أنه ظاهر بين درعين يوم أحد أي لبس درعاً فوق درع، وتقلد سيفه أي جعل علاقته على كتفه الأيمن وهو تحت أبطه الأيسر فندموا على ما صنعوا، فقالوا ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت، فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وعقد ﵇ ثلاثة ألوية لواء المهاجرين بيد علي وقيل بيد مصعب بن عمير، قال الزرقاني وليس بخلاف حقيقي فإنه كان بيد علي فقال ﵇ من يحمل لواء المشركين؟ فقيل طلحة بن أبي طلحة فقال نحن أحق بالوفاء منهم، فأخذه من علي ودفعه إلى مصعب، أي لأنه من بني عبد الدار بن قصي وكان بكر قصي فجعل إليه اللواء والحجابة والسقاية والرفادة، ولواء للأوس بيد أسيد بن حضير ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة، وفي المسلمين مائة دارع وركب ﷺ فرسه السكب على رواية والأخرى أنه خرج من منزل عائشة على رجليه إلى أحد وخرج السعدان أمامه يعدوان دارعين واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بأهل المدينة وبات بالشيخين تثنية شيخ موضع بين المدينة وأحد سمي بشيخ وشيخه كانا هناك وجعل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة الأنصاري وأدلج ﵇ في السحر، فكان الخارجون معه ظاهراً
стр. 220
وحقيقة ألف رجل، فلما انخزل ابن أبي بالثلاث مائة صاروا سبع مائة وقيل أنهم كانوا تسع مائة وصاروا ستمائة، قال ابن عقبة وليس في المسلمين إلا فرس واحد وقال الواقدي لم يكن معهم إلا فرسه ﵇، وفرس أبي بردة وكان المشركون ثلاثة آلاف رجل، وفيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة من أشرافهم التماسا للحفيظة وأن لا يفروا وهي بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء الغضب للحرم قاله السهيلي، منهن هند بنت عتبة وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، مع زوجها عكرمة بن أبي جهل وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية وريطة بنت منبه السهمية مع زوجها عمرو بن العاصي وسلافة بنت سعد الأنصارية مع زوجها طلحة الحجبي وأسلمن بعد ذلك كلهن وصحبن، وخرجت خناس بنت مالك مع ابنها أبي عزيز أخي مصعب وعميرة بنت علقمة وقد صرح في النور بأنه لا يعلم لهما إسلاما ولم يسم ابن إسحاق من بقي ونقله عنه في الفتح ولم يزد عليه، قاله العلامة الزرقاني قال مؤلفه سمح الله له قوله وخرجت مع ابنها أبي عزيز الخ ... قد مر له ﵁ ونفعنا ببركته أن أبا عزيز أسلم يوم بدر بعد أن أسر أنظره والله أعلم. ولما انخزل ابن أبي بمن معه من المنافقين سقط في أيدي طائفتين من المسلمين وهما أن يقتتلا وهما بنو حارثه من الأوس وبنو سلمة بكسر اللام من الخزرج وفيهما نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال جابر نزلت فينا وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ابن حجر أي لأن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم لكن في آخرها غاية الشرف لهم قال ابن إسحاق ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي الدافع عنهما ما هموا به من القتل، ولما انخزل المنافقون تبعهم عبد الله بن حرام يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم ما ترون، قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم وأبوا إلا الانصراف فقال أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيه ومضى رسول الله
стр. 221
صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فاستسل سيفا فقال ﷺ يا صاحب السيف شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم، ثم قال ﷺ من يخرج بنا على القوم من كثب أي من قرب من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة بعين مهملة ابن قيظي بفتح القاف وسكون التحتية وظاء معجمة وياء مشددة وكان منافقا ضريرا، فلما سمع حس المصطفى ﷺ ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب في وجوههم وذكر أنه أخذ حفنة ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال ﷺ لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر وقد بادر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل النهي فشجه في رأسه ومضي ﷺ حتى نزل الشعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وروي أنه لما وصل إلى أحد صلى به الصبح صفوفا عليهم سلاحهم ثم أصطف المسلمون بأصل أحد واصطف المشركون بالسبخة بفتح المهملة وفتح الموحدة وسكونها وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد سيف الله الذي سله على الكفار بعد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وعلى المشاة صفوان بن أمية وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وأسلموا كلهم، وجعل ﷺ على الرماة بالنبل وهم خمسون: عبد الله بن جبير الأوسي العقبي البدري وهو أخو خوات، وقال لهم إن رأيتمونا تخطفنا الطير بفتح الفوقية وسكون الخاء وفتح الطاء أو بفتح الخاء وشد الطاء وأصله بتاءين أي رأيتمونا قد زلنا عن مكاننا أو أكلتنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، ولابن إسحاق انضحوا الخيل عنا بالنبل لا يأتوننا من خلفنا وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم بهمزة مفتوحة فواو ساكنة أي مشينا عليهم وهم قتلى فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وفي حديث احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا
стр. 222
تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا بفتح التاء والراء أي لا تكونوا مشاركين لنا. زاد في رواية وارشقوهم بالنبل. فإن الخيل لا تقوم على النبل إنا لا نزال غالبين ما ثبتهم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم. وأول من أنشب الحرب أبو عامر الفاسق وهو عبد بن عمرو بن صيفي الأوسي وكان خرج إلى مكة مباعداً للنبي ﷺ وكان يعد قريشاً أن لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس نادي يا معشر الأوس أنا أبو عامر، قالوا لا أنعم الله بك عينا يا فاسق، وبذلك سماه ﷺ ، وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم تراموا بالحجارة حتى ولى أبو عامر وجعل نساء المشركين يضربن الدفوف ويذكرنهم قتلى بدر، وكان أبو سفيان قد قال يا بني عبد الدار إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه، وقالوا ستعلم كيف نصنع وذلك الذي أراد أبو سفيان فاقتتل الناس وحميت الحرب وكان رسول الله ﷺ قد قال في سيف عنده من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال سمي منهم عمر والزبير كما عند ابن عقبة وعلي كما في الطبراني وأبو بكر كما في الينابيع وكان مكتوباً في إحدى صفحتيه:
(في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر)
فأمسكه ﷺ عنهم فقام إليه سماك بن خرشة أبو دجانة بضم الدال المهملة وبالجيم والنون الأنصاري البدري باتفاق، فقال وما حقه يا رسول الله؟ فقال أن تضرب به في وجوه العدو حتى ينحني وروى الدولابي أن لا تقتل به مسلماً، ولا تفر به من كافر، قال أنا آخذه بحقه يا رسول الله. أي بما يقابله من الثمن، وهو الصفة التي ذكرتها، وعند الطبراني قال لعلك إن أعطيتكه أن تقاتل به في الكيول، قال لا فأعطاه إياه وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآه عليه السلام
стр. 223
يتبخر قال إنها لمشية يبغضها الله بضم الياء لا بفتحها وضم الغين لأنها لغة ردية إلا في مثل هذا الموطن أي لدلالتها على احتقار العدو قال الزبير ووجدت أي حزنت أي على نفسي خوفاً أن المنع لسبب منه يقتضيه، فقلت والله لأنظرن ما يصنع به أبو دجانة، فاتبعته فأخذ عصابة له حمراء مكتوباً في أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب وفي الأخرى الجبانة في الحرب عار ومن فر لم ينج من النار فعصب بالتخفيف وبالتشديد بها رأسه فقالت الأنصار أخرج عصابة الموت وهكذا كانت تقول إذا تعصب بها، فخرج وهو يقول:
(أنا الذي عاهدني خليل ... ونحن بالسفح لدي النخيل)
(أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول)
فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله، وفي مسلم عن أنس ففلق أبو دجانة بالسيف هام المشركين ولابن هشام عن ابن الزبير وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته حمل السيف على رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها، ولابن إسحاق قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس حمساً شديداً فصمدت إليه فلما حاملت السيف عليه ولول فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة، وفي رواية أنه لما حمل عليها السيف نادت يا لصخر فلم يجبها أحد وذفف بالذال المعجمة والمهملة وشد الفاء الأولى مفتوحات أسرع في قتله ويحمس بحاء مهملة يروى بالسين من الحماسة وهي الشجاعة وبالشين المعجمة من أحمش النار أوقدها وصمد إليه: قصده، وولولت: قالت يا ويلها هذا قول أكثر اللغويين وقال ابن دريد الولولة رفع المرأة صوتها في فرح أو حزن قاله أبو ذر. وقوله أنا الذي .. أنشده الجوهري بلفظ إني امرؤ عاهدني، والسفح جانب الجبل عند أصله والكيول بفتح الكاف وشد المثناة التحتية مضمومة فواو ساكنة فلام آخر الصفوف، قاله الجوهري وأبو عبيد وغيرهما وقال أبو
стр. 224
ذر في حواشيه الكيول بالتشديد والتخفيف آخر الصفوف في الحرب قاله العلامة الزرقاني وقاتل حمزة ﵁ فأثخن خصوصا في الرؤساء والتقى حنظلة الغسيل بن أبي عامر الفاسق وأبو سفيان بن حرب فعلاه حنظلة فضربه شداد بن أوس بن شعوب الليثي وقتله وأسلم شداد بعد ذلك، فقال ﷺ رأيت الملائكة تغسل حنظلة بالماء المزن في صحاف الفضة بين السماء والأرض، فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي المنافق وكانت عروساً وكان ابتنى بها تلك الليلة فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، فقال ﵇ لذلك غسلته الملائكة وفي الروض أنه ألتمس في القتلى فوجدوه يقطر رأسه ماء وبهذا الحديث تمسك الحنابلة في غسل الشهيد الجنب، قال الزرقاني والجواب للجمهور أن تغسيل الملائكة إكرام له، وهو من أمور الآخرة لا يقاس عليه، ولم يثبت أنه ﷺ أمر بتغسيل أحد ممن استشهد جنباً، ولما اشتد القتال أرسل ﵇ إلى علي أن قدم الراية فتقدم وقال أنا أبو القصم بالقاف والفاء فناداه أبو سعد طلحة بن أبي طلحة أحد بني عبد الدار وهو صاحب لواء المشركين وهو سيد الكتيبة أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال نعم. فخرج إليه فقتله وقيل قتله سعد بن أبي وقاص ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة وهو يقول:
(إن على أهل اللواء حقا ... أن يحسنوا الصعدة أو تندقا)
فحمل عليه حمزة رضي الله فقطع يديه وكتفيه ثم مات والصعدة القناة المستوية تنبت كذلك قاله في القاموس ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ثم حمله الحارث بن طلحة فقتله عاصم أيضاً ثم حمله كلاب ابن طلحة فقتله الزبير ثم حمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله ثم حمله أرطاة بن شرحبيل بضم الشين بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فقتله علي كما قال ابن سعد وغيره وصحح، وجزم ابن إسحاق بأن قاتله حمزة ثم حمله شريح بن فارط فلا يدرى قاتله ثم حمله صواب غلامهم فقيل قتله
стр. 225
علي وقيل سعد وقيل قزمان وهو أثبت الأقوال، وانظر الزرقاني، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بفتح الحاء وضم السين مشددة المهملتين أي استأصلوهم قتلا بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر فولى الكفار لا يلوون على شيء ونساءهم يدعون بالويل، قال الزبير والله لقد رأيتني أنظر إلي خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير وأصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنوا منهم أحد وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم بجيم وضاد معجمة أي أزالوهم ونحوهم ووقعوا ينتهبون واشتغلوا عن الحرب، قال ابن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل طريحا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته إلى قريش فلاثوا به أي استداروا حوله ولما انهزم المشركون قال أصحاب عبد الله بن جبير وهم الرجالة: الغنيمة الغنيمة بالنصب على الأغراء، ظهر أصحابكم أي غلبوا فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا والله لناتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة مكانه وقال لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ فقالوا لم يرد هذا قد انهزم المشركون، فانطلقوا ينتهبون وخلوا الخيل وقد كانت حملت على المسلمين قبل ذلك ثلاث مرات ذلك تنضحها الرمات بالنبل فترجع مفلولة قال الزبير ولما مالت الرمات وخلوا ظهورنا للخيل أوتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم ويقال أن الصاروخ هو الشيطان وفي البخاري عن عائشة لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة فصاح إبليس أي عباد الله يعني المسلمين أخراكم أي احترزوا من جهة أخراكم وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى من ورائه فرجعت أولاهم فاجتلدت أي اقتتلت مع أخراهم لظنهم أنهم من العدو فوقع القتل في المسلمين بعضهم مع بعض وكان ممن قتل خطئنا اليمان والد حذيفة فقال حذيفة غفر الله لكم وترك ديته لهم وقالت نسيبة بفتح النون وكسر السين أم عمار شهدت العقبة
стр. 226
وأحدا مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب بحاء مهملة وكسر الموحدة وعبد الله وشهدت بيعة الرضوان وجرحت في يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة وقول الشامي نسيبة بالتصغير على المشهور إنما هو في نسيبة أم عطية كما في الفتح وغيره بنت كعب المازنية لما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي، قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت من أصابك بهذا؟ قالت ابن قمئة أقمأه الله لما ولى الناس أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله عليه درعان وترس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه تقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل ورمي سعد بن أبي وقاص دون النبي ﷺ ، قال سعد فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول أرم فداك أبي وأمي ورمى رسول الله ﷺ عن قوسه حتى اندقت سيتها وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهشم وجرح عشرين جراحة أو أكثر وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما قاله الكلاعي وقال في المواهب وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله ﷺ حتى قتل قتله ابن قمئة أي بفتح القاف وكسر الميم بعدها همزة واسمه عبد الله كما قاله ابن هشام قاله الزرقاني فصاح ابن قمأة لظنه الخائب ولله الحمد: إن محمدا قد قتل، لأنه كان إذا لبس لامته يشبه النبي ﷺ كما قال بعضهم، وجزم ابن هشام بأن الصارخ بذلك هو ازب العقبة وفي حديث مرفوع أنه ﵇ قال هذا ازب العقبة وجزم ابن سعد بأن الذي صرخ بذلك إبليس تصور في صورة جعال ويقال له جعيل بن سراقة الضمري والغفاري، قال في الاستيعاب وكان رجلا صالحا دميما أسلم
стр. 227
قديما وشهد معه ﵇ أحد انتهى. فصرخ ثلاثا إن محمدا قد قتل، ولم يشك فيه أنه حق، وكان جعال إلى جنب أبي بردة بن نيار وخوات بن جبير فقاتل أشد القتال، قال الزرقاني وهذا ليس بخلاف محقق فالثلاثة صاحوا ابن قمأة لظنه والأزب وإبليس لمحاولة ما لم يصلا إليه انتهى. قوله أزب العقبة، قال السهيلي قيده هنا بكسر الهمزة وسكون الزاي وابن ماكولا قيده بفتح الهزمة انتهى. وظاهر سكون الزاء وخفة الباء مع كسر الهمزة وفتحها ومقتضى القاموس أن مفتوحها بفتح الزاء وشد الموحدة وجعلهما بعض المتأخرين قولين انظر الزرقاني. والذي في القاموس هو ما نصه: وأزب العقبة في زبب ووهم من ذكره هنا يعني في أزب وقال في زبب والأزب من أسماء الشيطان ومنه حديث ابن الزبير مختصرا أنه وجد رجلا طوله شبران فأخذ السوط فأتاه فقال من أنت؟ فقال أزب. قال وما أزب؟ قال رجل من الجن. فقلب السوط فوضعه في رأس أزب حتى باص وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة انتهى. وقوله باص أي استتر وهرب، كذا بالهامش المطبوع وهو بموحدة بعدها ألف فصاد مهملة انتهى. قال الحافظ بن حجر، والواقع أن المسلمين صاروا ثلاث فرق، فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قد قتل، فصارت غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر في القتال إلى أن يقتل وهم أكثر الصحابة وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ثم تراجعت إليه الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي، ولما غاب النبي ﷺ عن أعينهم لشدة ما دهشهم وقال رجل منهم أن محمدا قد قتل ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليستأمن لنا من أبي سفيان قال رجال منهم قد تمكن الإيمان منهم إن كان محمد رسول الله ﷺ قد
стр. 228
قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء، منهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك وفي الصحيح عن أنس قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر لك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرؤ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال الحافظ وأو للتقسيم لا للشك انتهى. وروي ابن إسحاق أن أنس بن النضر جاء إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار وقد القوا ما بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل ﷺ ، قال فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل العدو فقاتل حتى قتل. وثبت النبي ﷺ بإجماع ولم تزل قدمه شبرا واحدا ومازال يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا ويرمى بالحجر وروى البيهقي عن المقداد فو الذي بعثه بالحق مازالت قدمه شبرا واحدا وإنه لفي وجه العدو، قال في المواهب وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلاً سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر وسبعة من الأنصار، وفي البخاري لم يبق معه ﵊ إلا أثني عشر رجلا انتهى. وسمي ابن سعد مع أبي بكر عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعدا وطلحه والزبير وأبا عبيدة والأنصار أبو دجانة والجباب بن المنذر وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمت وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وقيل سعد بن عبادة ومحمد مسلمة بدل الأخيرين، ذكره الواقدي وذكر غيره في المهاجرين عليا وكأن من لم يذكره لأنه كان حامل اللواء بعد مصعب فلا يحتاج إلى أن يقال ثبت، وفي مسلم عن
стр. 229
أنس أفرد ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقول طلحة وسعد أنه لم يبق معه غيرهما رواه البخاري أي من المهاجرين وعند الحاكم أن المقداد ممن ثبت فيحتمل أنه حضر بعد تلك الجولة وللنسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة وهو كحديث أنس إلا أنه زاد ثلاثة فلعلهم جاؤا بعد ويجمع بينه وبين حديث غير طلحة وسعد بأن سعدا جاءهم بعد ذلك وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا كما في مسلم عن أنس فقال ﷺ من يردهم عنا فهو رفيقي في الجنة؟ فقام رجال من الأنصار فاستشهدوا كلهم، فلم يبق غير طلحة وسعد ثم جاء من جاء انتهى من الزرقاني ... قال الكلاعي واستشهد خمسة وستون رجلا أربعة من المهاجرين وسائرهم من الأنصار وقتل الله من المشركين إثنين وعشرين رجلاً انتهى. وفي المواهب وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون ويقال اثنان وعشرون انتهى. قال الزرقاني منهم حملة اللواء من بني عبد الدار بن قصي وهم عشرة بغلامهم وفي الزرقاني روي سعد بن منصور عن أبي الضحى قتل يوم أحد سبعون أربعة من المهاجرين: حمزة ومصعب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وسائرهم من الأنصار وبهذا جزم ابن إسحاق وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال أصيب يوم أحد أربعة وستون من المهاجرين ستة وكان الخامس سعدا مولى حاطب بن أبي بلتعة والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس وذكر الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون وعن مالك خمسة وسبعون من الأنصار خاصة أحد وسبعون وروى الترمذي والنسائي أن جبريل قال للنبي ﷺ خيرهم في أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم قالوا الفداء ويقتل منا انتهى. قوله قابل هكذا في النسخ ولعله سقط من قلم الناسخ في والأصل في قابل كذا بهامش المطبوع ولما أراد أبو سفيان الانصراف إلى مكة قال
стр. 230
أفي القوم محمد ثلاث مرات فنهاهم ﷺ أن يجيبوه، ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات لا تجيبوه ثم قال أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات فلما لم يجبه أحد قال لأصحابه أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال كذبت يا عدو الله، والله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقى لك ما يسؤك، وفي البخاري في المغازي أبقى لله عليك وفي لفظ لك ما يحزنك، بالتحتية المضمومة وسكون الحاء المهملة بعدها نون أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة، قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال، أي بكسر المهملة وتخفيف الجيم أي دول مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، قال عمر لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان إنكم لتزعمون ذلك لقد خبنا إذا وخسرنا فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له هلم إلي يا عمر فقال ﷺ لهمر ائته فانظر ما شأنه، فقال أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن. قال أنت عندي أصدق من أبي قمأة وأبر انتهى. وإنما أجاب عمر أبا سفيان بعد نهيه ﵇ حماية للظن بأن رسول الله ﷺ قتل قاله القسطلاني. قال الزرقاني عقبه في فتح الباري عن ابن عباس عند أحمد والحاكم أن عمر قال يا رسوله الله ألا أجيبه قال بلى، فكأنه نهى عن إجابته في الأولى وأذن فيها في الثالثة انتهى. وتوجه ﷺ يلتمس أصحابه فاستقبله المشركون فروا وجهه الشريف فأدموه وكسروا رباعيته بفتح الراء وهي السن التي بين الثنية والناب والمراد أنها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها وهي اليمنى السفلى كما في سيرة ابن هشام ولما جرح ﷺ أخذ شيئا فجعل ينشف دمه فيه ليمنعه من النزول على الأرض ويقول لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء وفي الينابع لو وقع منها يعني قطرات الدم شيء على الأرض لم ينبت عليها نبات ثم لم يكتف ﷺ بإزالة ما ينزل
стр. 231
عليهم من العذاب حتى قال اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قال في الشفاء انظر ما في هذا القول من غاية الصبر والحلم وقد أظهر فيه سبب الشفقة والرحمة بقوله ﵇: لقومي. ثم اعتذر عنه بجهلهم فقال: فإنهم لا يعلمون. والذي كسر رباعيته ﷺ عتبة بن أبي وقاص أخو سعد رماه بأربعة أحجار فكسر حجر منها رباعيته فقال سعد ما حرصت على قتل رجل قط حرصى على قتل أخي عتبة لما صنع برسول الله ﷺ ولقد كفاني منه قول رسول الله ﷺ اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله، وروي عبد الرزاق أنه ﷺ دعى فقال اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا. وقال حسان فيه:
(إذ الله جازى معشرا بفعالهم ... ونصرهم الرحمن رب المشارق)
(فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق)
(بسطت يمينا للنبي تعمدا ... فأدميت فاه قطعت بالبوارق)
(فهل لا ذكرت الله والمنزل الذي ... تصير إليه عند إحدى البوائق)
وفي هذا أنه مات كافرا، وفي الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطاً لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن مندة بفتح الميم وسكون النون كما في الزرقاني واستند لقول سعد في ابن أمة زمعة عهد إلى عتبة أخي أنه ولده وليس فيه ما يدل على إسلامه وقد شدد أبو نعيم في الإنكار على ابن مندة وبالجملة ليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر فلا معنى لإيراده في الصحابة انتهى نقله الزرقاني. وفي المواهب ومن ثم لم يولد من نسله ولد يبلغ الحنث إلا وهو أبخر أي منتن الفم أو أهتم: أي مكسور الثنايا من أصلها، يعرف ذلك في عقبه. وقال في الخميس أبخر أي عطشان لا يروى، وروي ابن الجوزي والخطيب عن الحافظ الفريابي قال بلغني أن الذي كسر رباعيته صلى
стр. 232
الله عليه وسلم لم يولد له صبي فنبتت له رباعية وجرح عتبة أيضا شفته السفلى والذي شجه في جبهته كما لابن هشام هو عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب جد الإمام الفقيه من قبل أبيه وأسلم بعد ذلك قاله أبو عمر تبعا للزبير بن بكار وذكر البلاذري أنه مات في أيام عثمان وأما جده من قبل أمه وهو أخو هذا واسمه عبد الله أيضا فمن السابقين ذكره الزهري والزبير والطبري فيمن هاجر إلى الحبشة ومات بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، والذي جرحه في وجنته الشريفة وهي بتثليث والأشهر الفتح ما ارتفع من لحم الخد هو عبد الله بن قميئة كسفينة كما في القاموس والصحاح وسماه بعضهم عمرا فقال خذها وأنا ابن قميئة فقال ﷺ وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه أقمأك الله بفتح الهمزة في أوله وفي آخره أخرى أي صغرك وذلك. فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعة قطعة، وروي ابن عائذ أنه انصرف ذلك اليوم إلى أهله فخرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل فأخذ يعترضها ويشد عليه تيسها فنطحه نطحة رداه من شاهق الجبل فتقطع وهو منقطع ودخلت حلقتان في وجنته حين جرحه من المغفر، تثنية حلقة بسكون اللام والمغفر بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس قاله القسطلاني فعض عليهما أبو عبيدة بن الجراح وانتزعهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة العض ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ثم ازدرده فقال ﷺ من مس دمي دمه لم تمسه النار، وروي عبد الرازق عن الزهري قال ضرب وجه النبي ﷺ يومئذ سبعين ضربة بالسيف ووقاه الله تعالى شرها، قال في المواهب يحتمل أنه أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة أي على عادة العرب في ذلك ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق الأوسي يكيد بها المسلمين فأخذ علي بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوي قائما وجرح طلحة يومئذ تسعا وثلاثين أو خمسا
стр. 233
وثلاثين وشلت يده وقاية لرسول الله ﷺ . وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد يقول ذلك اليوم كله لطلحة، وروي النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر أدرك المشركون النبي ﷺ فقال من للقوم فقال طلحة أنا فذكر قتل الذين كانوا معهما من الأنصار قال ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال حس، فقال ﷺ لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، حتى تلج بك في جو السماء، ورمي يومئذ أبو رهم بضم الراء كما في الزرقاني كلثوم بن الحصين الغفاري بسهم فوقع في نحره فبصق عليه ﷺ فبرئ وسمي المنحور وهي معجزة باهرة. ولما انقطع سيف عبد الله بن جحش أعطاه ﷺ عرجون نخلة فعاد في يده سيفا فقاتل به حتى قتل، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، ودفن هو وخاله حمزة في قبر واحد وأمه أميمة بنت عبد المطلب واختلف في إسلامها وقتله أي أبا الحكم علي بن أبي طالب وكان ذلك السيف يسمى العرجون ولم يزل يتوارث حتى بيع بمائتي دينار من بقا التركي أحد أمراء المعتصم إبراهيم بن هارون الرشيد وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته وقيل في يده فأتى بها رسول الله ﷺ فأخذها ﷺ بيده وردها في موضعها، وقال اللهم اكسه جمالا، وفي رواية اللهم اجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وروي الأصمعي أن رجلا من ولده قدم على عمر بن عبد العزيز، فقال ممن الرجل؟ فقال:
(أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد)
(فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدى)
فقال عمر:
(تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوا لا)
فقال عمر بمثل ذا فاليتوسل. ووصله وأحسن جائزته.
стр. 234
وقوله ويا حسن ما خذ هكذا رواه الأصمعي وأنشده اليعمري ويا حسن ما رد، وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد التحدث بقتله كعب بن مالك الخزرجي ثم السلمي العقبي، قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر أي تضيئان ومن رواه تزران فمعناه تتوقدان وفي الصحاح زرت عينه تزر بالكسر زريرا وعيناه تزران إذا توقدتا، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين هذا رسول الله ﷺ فأشار لي ﷺ أن اصمت أي اسكت فلما سمعوا ذلك وعرفوه نهضوا إليه ونهض معهم نحو الشعب، فلما أسند أي صعد، قاله في النور، رسول الله ﷺ في الشعب وكأن معناه لما دخلوا به في الشعب صعدوا به في الصخرة فاستندوا إلى جانب من الجبل بدليل رواية ابن إسحاق نهض ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها وكان قد بدن وظهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطيع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها قال الزبير سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ أوجب طلحة قال البرهان بدن بفتح الدال المهملة أي أسن أو ثقل من السن وأوجب طلحة يعني أحدث شيئا يستوجب به الجنة، وجواب لما قوله أدركه أبي بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجي، فاعترضه رجال من المؤمنين فقال النبي ﷺ هكذا أي خلوا طريقه فلما دنا تناول الحربة من الحارث بن الصمة فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله ﵇ فطعنه رسول الله ﷺ في عنقه، وفي لفظ في ترقوته، وفي لفظ فخدشه في عنقه خدشا غير كبير وقع بها عن فرسه مرارا وجعل يخور كما يخور الثور ولم يخرج له دم، فكسر ضلعا بكسر الضاد وفتح اللام وتسكن من أضلاعه فلما رجع إلى قريش قال قتلني والله محمد، فقالوا ليس عليك بأس ما أجزعك؟ فقال واللات لو كان هذا الذي بي بربيعة ومضر لماتوا أجمعين، وفي رواية بجميع الناس لقتلهم، أليس قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله
стр. 235
لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبالفاء وهم قافلون إلى مكة، كذا رواه أبو نعيم والبيهقي. وعن الواقدي أن ابن عمر كان يقول مات أبي ببطن رابغ فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى أي بفتح الهاء وكسر الواو وشد التحتية، أي حين طويل، وقيل خاص بالليل، وعليه فقوله من الليل صفة لازمة إذا نار تأجج فهبتها وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجذبها بذال معجمة أي يسحبها يصيح العطش بالرفع والنصب وإذا رجل يقول لا تسقه هذا قتيل رسول الله ﷺ هذا أبي بن خلف انتهى. والشعراء بشين معجمة مفتوحة فعين ساكنة فراء فألف تأنيث ذباب أزرق أو أحمر له لذع وروي تطاير الشعراء أي بضم الشين وسكون العين جمع شعراء، ولما انتهى ﷺ إلى فم الشعب ملأ علي بن أبي طالب ﵁ درقته من المهراس بكسر الميم وسكون الهاء وبالراء وسين مهملة آخره والمهراس صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء تجعل إلى جانب البئر ويصب فيها الماء لينتفع به الناس، وقيل هو اسم ماء بأحد؛ فجاء به إليه ﷺ ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهذا وقع قبل انصراف الكفار، فلما انصرفوا كما في الطبراني أتت فاطمة في النسوة فجعلت تغسل وعلي يسكب وهو ﷺ يقول: اشتد غضب الله على من دمي بفتح الميم المشددة وجه نبيه وصلى ﷺ الظهر يومئذ قاعدا من الجراح وصلى المسلمون خلفه قعودا. وفي البخاري أنها لما غسلته ازداد الدم فأخذت قطعة من حصير فأحرقتها بالنار وللطبراني حتى صار رمادا وكمدته بشد الميم أي ألصقته به فاستمسك الدم ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يقال مثل بفتح الميم والثاء المخففة يمثل بضم الثاء مثلا بفتح الميم وسكون الثاء أي نكل والاسم المثلة بالضم ومثل بالقتيل جدعه وكثير من الناس يشدد مثل وكأنه إذا أريد التكثير يجوز ذلك يجدعن بفتح الياء وإسكان
стр. 236
الجيم وخفة الدال وكأنه إذا أريد المبالغة يجوز التشديد أي يقطعن الآذان والأنف بفتح الهمزة الممدودة وضم النون وبقرت عن كبد حمزة ﵁ فلاكتها فلم تستطيع أن تسيغها فلفظتها ثم علت هند على صخرة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:
(نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر)
(ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكر)
(شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري)
(فشكر وحشي علي عمري ... حتى ترم أعظمى في قبر)
فأجبتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب أخت مسطح:
(خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر)
(صحبك الله غداة الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر)
(بكل قطاع حسام يفر ... حمزة ليثي وعلي صقري)
(إذ رام شيب وأبوك غدر ... فخضبا منه ضواحي النحر)
(ونذرك السوء فشر نذر .... )
قال في الاكتفاء هذا قول هند والكفر يحنقها والوتر يقلقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها ثم أن الله تعالى هداها للإسلام وعبادة الله تعالى وترك الأصنام وأخذ بحجزتها عن النار ودلها على دار الإسلام فصلحت حالها وتبدلت أقوالها. ولما انصرف أبو سفيان نادى إن موعدكم بدر العام القابل، فقال ﷺ لعمر بن الخطاب قل نعم هو بيننا وبينكم موعد، ثم بعث ﵇ عليا أو سعد بن أبي وقاص ويحتمل أنه بعثهما معا وقال اخرج في آثار القوم فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم. قال على أو سعد فخرجت في آثارهم فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة. قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
стр. 237
كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ﴾. قذف الله في قلوبهم الخوف فانهزموا إلى مكة من غير سبب، قاله الكشاف انتهى المراد من خبر غزوة أحد وتليها غزوة حمراء الأسد قال أبو عبيد وهي تأنيث أحمر مضاف إلى أسد وهي اسم مكان على ثمانية أميال وقيل عشرة على يسار الذاهب من المدينة إلى ذي الحليفة، قال في المواهب وكانت صبيحة يوم أحد، قال الزرقاني وهو يوم السبت فهذه الغزوة يوم الأحد لست عشرة ليلة أو لثمان خلون من شوال على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة والخلاف عندهم كما سبق في أحد ذكر الواقدي أنه ﷺ باتت وجوه الأنصار على بابه خوفا من كرة العدو فلما طلع الفجر وأذن بلال للصلاة جاء عبد الله بن عمرو المزني فأخبره ﷺ أنه قد أقبل من أهله حتى إذا كان بملل كجبل بميم ولامين موضع قرب المدينة إذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون ما صنعتم شيئاً أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبيدوهم فقد بقى منهم رؤؤس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يقول لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا بمهملة وموحدة أي غضبوا وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، فقال ﷺ أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده لقد سومت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب ودعا ﷺ أبا بكر وعمر فذكر لهما ما أخبر به المزني فقالا يا رسول الله أطلب العدو لا يقحمون على الذرية أي يدخلون فلما انصرف من صلاة الصبح أمر بلالا أن ينادي إن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم وأن لا يخرج معنا أحد إلا من خرج معنا أمس أي من شهد أحدا ولعل حكمة ذلك أنه أراد إظهار الشدة للعدو فيعلمون من خروجهم مع كثرة جراحاتهم أنهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول، وقال الحافظ بن كثير والمشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة قتل منهم سبعون وبقي الباقون. قال الشامي والظاهر
стр. 238
أنه لا تخالف بين قول عائشة الذي في البخاري ومسلم، لما انصرف المسلمون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير زاد الطبراني عن ابن عباس وعمر وعثمان وعلي وعمار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود وبين قول أهل المغازي لأن معنى قولها فانتدب منهم سبعون أنهم سبقوا غيرهم ثم تلاحق الباقون انتهى. ودعا ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى علي ويقال إلى أبي بكر وستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وذكر ابن سعد أنه ﷺ ركب فرسه وهو مجروح فبعث ثلاثة من أسلم طليعة في آثار القوم فلحق منهم اثنان بالقوم في حمراء الأسد فبصروا بالرجلين فقتلوهما ومضوا ومضى ﷺ ودليله ثابت بن الضحاك حتى عسكر بحمراء الأسد فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد وأقام ﵇ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد فكبت الله بذلك عدوهم. قال في الاكتفاء وتكلم جابر بن عبد الله بن حرام لما أذن مؤذنه لطلب العدو وأن لا يخرج معنا إلا أحد حضر يومنا بالأمس فقال يا رسول الله كان أبي خلفني على أخوات لي سبع، وقال يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل لهن ولست الذي أثيرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج مرهبا انتهى. وقوله سبع وفي رواية تسع بمثناة فوقية أوله وهو الصحيح قاله الزرقاني وشهد معه ﷺ يومئذ أخوان من بني عبد الأشهل فرجعا جريحين قال أحدهما فلما أذن مؤذنه ﷺ بالخروج قلت لأخي أو قال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا وكنت أيسر جرحا وكان إذا عقب حملته عقبة ومشي عقبة حتى
стр. 239
انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون انتهى. ومر برسول الله ﷺ بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي فعزاه بمصاب أصحابه وهو يومئذ مشرك وأسلم بعد، كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي كما في الزرقاني. وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ بتهامة ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بالروحاء وقد أجمع الرجعة هو وأصحابه وقالوا أصبنا في أحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبد قال ما وراءك؟ قال محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيئا لم أر مثله قط، قال ويلك ما تقول؟ قال ما أرى أن نرتحل حتى ترى نواصي الخيل قال لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال فإني أنهاك عن ذلك! والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا، قال وما قلت؟ قال قلت:
(كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل)
(تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل)
(فظلت أعدو أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول)
(فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالخيل)
إلى آخرها ... فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة انتهى. والتنابلة القصار، وتغطمطت لفظ مستعار من الغطمطة وهي غليان القدر، ولما رجع ﷺ إلى المدينة أصاب قبل وصوله إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة وكان لجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله ﷺ فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاثة أيام قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعث ﷺ زيدا بن حارثة
стр. 240
وعمار بن ياسر فقال لهما إنكما ستجدانه بموضع كذا فوجداه ووثقاه وقتلاه صبرا بأمر من رسول الله وأصاب أبا عزة بعين مهملة مفتوحة فزاي مشددة فهاء تأنيث عمرو بن عبد الله الجمحي وكان أسره ببدر ثم من عليه، فقال يا رسول الله أقلني، فقال والله لا تسمح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: قال ﷺ إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه ثم بعد حمراء الأسد غزوة بني النضير ويأتي الكلام عليها إن شاء الله عند ذكر الناظم لها، ثم بعد ذكر غزوة بني النضير غزوة ذات الرقاع كما لابن إسحاق وغيره، وفي الاكتفاء أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادي ثم غزي نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان وهي غزوة ذات الرقاع انتهى المراد منه. والرقاع بكسر الراء بعدها قاف فألف فعين مهملة جمع رقعة بالضم كبرمة وبرام وهي غزوة محارب وغزوة بني ثعلبة وغزوة بني أنمار وغزوة صلاة الخوف لوقوعها فيها وغزوة الأعاجيب لما وقع فيها من الأمور العجيبة، فقول البخاري وهي غزوة محارب بن خصفة من بني ثعلبة بن غطفان وهم، لاقتضائه أن ثعلبة جد لمحارب وليس كذلك، فصوابه كما عند ابن إسحاق وغيره وبني ثعلبة بواو العطف فإن غطفان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة هو ابن سعد بن قيس عيلان ومحارب بضم الميم هو ابن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء ابن قيس عيلان، فمحارب وغطفان ابنا عم وبنو ثعلبة بمثلثة وعين مهملة من غطفان لأن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بفتح الموحدة وكسر المعجمة وسكون التحتية فضاد معجمة ابن ريث بفتح الراء وسكون التحتية فمثلثة ابن غطفان قاله العلامة الزرقاني. وقال في الفتح والذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة قال الزرقاني كما صنع البخاري وبه جزم أبو معشر، قال مغلطاي وهو من المعتمدين في السير انتهى.
стр. 241
وفي المواهب سميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم قاله ابن هشام وقيل شجرة في ذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع، قال شارحه قيل لأن هذه الشجرة كانت العرب تعبدها وكل من كان منهم له حاجة يربط بها خرقة وقيل الأرض التي نزلوها فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة فسميت بذلك وقال الواقدي لجبل هناك فيه بقع وقال الداودي سميت بذلك لوقوع صلاة الخوف فيها لترقيع الصلاة فيها. وأصح من هذه الأقوال أنها سميت بذلك للفهم الخرق فيها على أرجلهم لما نقبت بفتح النون وكسر القاف أقدامهم، أي رقت وقرحت من الحفاء كما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁، وكان من خبر هذه الغزوة أنه ﵇ غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة وبني أنمار لما بلغه أنهم جمعوا الجموع إليهم فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم على قول ابن سعد وابن حبان أو في جمادي على ما تقدم وهو لابن إسحاق في أربعمائة من أصحابه، وقيل سبعمائة وقيل ثمانمائة واستعمل على المدينة عثمان بن عفان وسار حتى وصل واد الشقرة بضم الشين المعجمة وسكون القاف فأقام يوما وبث سراياه فرجعوا من الليل ولم يروا أحدا فسار حتى نزل نخلا بالخاء المعجمة، موضع من أراضي غطفان وهو من المدينة على يومين وهو بواد يقال شدخ بشين معجمة بعدها مهملة ساكنة فخاء معجمة فلم يجد في مجالسهم إلا نسوة فأخذهن وهربوا في رؤوس الجبال كذا قال ابن سعد وقال ابن إسحاق لقي جمعا منهم ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس حتى صلى ﷺ بالناس صلاة الخوف وكانت غيبته ﵇ في هذه الغزوة عن المدينة خمس عشرة ليلة وبعث جعال بن سراقة بشيرا بسلامته وسلامة المسلمين. وعن جابر كنا مع النبي ﷺ بذات القاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها له ﷺ فنمنا نومة فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة وهو نائم فاخترطه يعني سله من غمدة فقال له تخافني؟ قال لا: قال فمن يمنعك مني؟ قال الله يمنعني منك، فسقط
стр. 242
السيف من يده. فأخذه ﵊ فقال من يمنعك مني؟ فقال كن خير آخذ. قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ ! قال الأعرابي أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال فخلى سبيله فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس، وذكر الواقدي في نحو هذه القصة أن هذا الإعرابي دعثور بضم الدال المهملة وسكون العين المهملة وضم المثلثة وسكون الواو وراء مهملة وأنه أسلم ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير. وفي رواية ابن إسحاق أنه اسلم بعد وأنه رمي بالزلخة بضم الزاء وشد اللام بعدها خاء معجمة فهاء تأنيث وهي وجع الصلب حين هم بقتله ﷺ فندر، بنون ودال وراء مهملتين، السيف أي سقط من يده وسقط هو إلى الأرض فلم يستطع القيام وقال البخاري عن مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر اسم الرجل غورث بن الحارث بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء فمثلثة وقيل بضم أوله، وحكي الخطابي فيه غويرث بالتصغير ووقع عند الخطيب بالكاف بدل الثاء وقال في المواهب وتقدم في غزوة غطفان وهي غزوة ذي أمر بناحية نجد مثل هذه القصة لرجل اسمه دعثور وأنه قام على رأسه ﷺ فقال من يمنعك مني اليوم؟ فقال ﵊: الله! فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، وأنه أسلم. قال في عيون الأثر والظاهر أن الخبرين واحد اختلف الرواة في اسمه فبعضهم سماه دعثورا وبعضهم سماه غورث وقال غيره من المحققين الصواب أنهما قصتان في غزوتين قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمر وفيه التصريح بأنه أسلم ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير وقصة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث وليس في قصته تصريح وبإسلامه انتهى. وفي انصرافه ﵇ من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله فلا يكاد يسير فنخسه النبي ﷺ بعصي نخسات ولمسلم وأحمد فضربه برجله ودعا له فانطلق متقدما بين يدي الركاب ولأبي نعيم أنه نفث في ماء ثم مرج من الماء في نحره ثم ضربه بالعصي
стр. 243
فوثب فقال اركب! قلت إني أرضى أن يساق معنا، قال اركب فركبت فو الذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكفه عنه ﷺ إرادة أن لا يسبقه ثم قال أتبيعنيه فابتاعه بأوقية وقال لك ظهره إلى المدينة، فلما وصلها أعطى الثمن وأرجح ووهب له الجمل، ثم بعد ذات الرقاع غزوة بدر الصغرى لعدم وقوع حرب فيها فهي صغرى بالنسبة لبدر الكبرى وتسمى بدر الموعد للمواعدة مع أبي سفيان عليها يوم أحد وهي الثالثة، فقد مر أن أبا سفيان قال يوم أحد الموعد بيننا وبينكم بدر من العام القابل فقال النبي ﷺ لعمر قل نعم هو بيننا وبينكم موعد ولما قدم ﷺ المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادي الأولى وجمادي الأخيرة ورجبا ثم خرج في شعبان سنة أربع إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله ومعه كما رواه الحاكم ألف من أصحابه وخمسمائة معهم عشرة أفراس فرس رسول الله ﷺ وفرس لأبي بكر وفرس لعمر وفرس للزبير وفرس لسعيد بن زيد وفرس للمقداد وفرس لأبي قتادة وفرس للحباب وفرس لعباد بن بشر فهذه تسعة ولم يسم العاشر واستخلف ابن رواحة على المدينة وحمل اللواء على بن أبي طالب فأقاموا ثماني ليال على بدر ينتظرون أبا سفيان وخرج أبو سفيان في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا كذا عند الواقدي حتى نزلوا مجنة بميم فجيم فنون مشددة مفتوحات ويجوز كسر الميم سوق بقرب مكة من ناحية مر الظهران بفتح الميم وشد الراء وفتح الظاء المشالة وإسكان الهاء واد بين مكة وعسفان، ويقال حتى نزل عسفان ثم رجع فقال يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا، فرجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق، وهو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ويتزود به ملتوتا بماء أو عسل أو سمن وأتى مخشى بن عمر الضمري رسول الله ﷺ ببدر وهو الذي كان وادعه على بني ضمرة في غزوة
стр. 244
ودان فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ فقال نعم يا أخا بني ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال لا والله ما لي بذلك منك من حاجة. ومر به ﷺ وهو هناك معبد الخزاعي فقال وناقته تهوي وقد رأى مكان رسول الله ﷺ :
(قد نفرت من رفقتي محمد ... وعجوة من يثرب كالعسجد)
(تهوى على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعد)
(وماء ضجنان لها ضحى الغد .... )
قول كالعسجد في هامش منسوب للسهيلي أنه حب الزبيب وقديد كزبير موضع وضجنان كسكران جبل قرب مكة وقال ابن رواحة في ذلك ويقال إنها لكعب بن مالك.
(وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا)
(فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا)
(تركنا بها أصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا)
(عصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم الشيء الذي كان غاويا)
(فإني وإن عنفتموني لقائل ... فدي لرسول الله أهلي وماليا)
(أطعناه لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل باديا)
وقال حسان بن ثابت:
(دعوا فلجات الشام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك)
(بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصار حقا وأيدي الملائك)
(إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنا لك)
(أقمنا على الرس النزوع ثمانيا ... بأرعن جرار عظيم المبارك)
(بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوالك)
(ترى العرفج العادي تدمى أصوله ... مناسم أخفاف المطي الرواتك)
(فإن نلق في تطوافنا والتماسنا ... فراة ابن حيان يكن رهن هالك)
في القاموس الفلج محركة النهر الصغير، انتهى. وفي هامش منسوب للسهيلي أن أبا حنيفة رواه بالحاء، وقال الفلحة
стр. 245
المزرعة والأوارك التي اشتكت من أكل الأراك والبئر النزوع القريبة القعر وجيش أرعن كثير له فضول والجرار الثقيل السيل لكثرته والكميت الذي أصاب حمرته قنوء والجوز الوسط والقب الضوامر والحارك أعلى الكاهل والمشرف المرتفع والعرفج شجر والعادي القديم، والرواتك المتقاربة الخطو انظر القاموس. ثم بعد غزوة ذات الرقاع غزوة دومة الجندل وهي بضم الدال من دومة وهي مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وبعدها من المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة سميت بدومي بن اسماعيل كان نزلها قاله القسطلاني في المواهب. قوله بضم الدال قال الزرقاني في شرحه عند أهل اللغة وأصحاب الحديث يفتحونها كذا في الصحاح. وقال اليعمري بضم الدال وفتحها. وقال ابن القيم بضم الدال وأما بفتحها فمكان آخر، وقال بعضهم دومة الجندل بالضم والفتح، وأما المكان الآخر الذي باليمن فبالفتح فقط، قيل كان منزل أكيدر أولا دومة الحيرة وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل فأعادوا بناءها وغرسوا الزيتون وسموها دومة الجندل تفرقة بينها وبين دومة الحيرة وكان أكيدر يتردد بينهما انتهى. وكانت على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة فتكون سنة خمس قاله في المواهب. وسببها أنه ﵇ بلغه أن بها جمعا يظلمون من مر بهم وأنهم يريدون الدنو من المدينة وهي طرق من أفواه الشام وقيل له ﵇ لو دنوت إليها لكان ذلك مما يفزع قيصر وكان بها سوق عظيم وتجار فخرج ﷺ لخمس ليال بقين من ربيع الأول في ألف من أصحابه فكان يكمن النهار ويسير الليل بضم الميم وفتحها واستخلف على المدينة سباع بكسر السين المهملة فموحدة فألف فعين مهملة ابن عرفطة بضم العين والفاء الغفاري ويقال له الكناني وكان دليله مذكور العذري ونكب عن طريقهم وقال له لما دنا من دومة يا رسول الله إن سوائمهم ترعى عندكم فأقم حتى أطلع لك قال نعم
стр. 246
فخرج العذري طليعة وحده ووجد آثار النعم والشاء فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فلما دنا منهم لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا فرقا للرعب منه (صلى الله تعالى عليه وسلم) ونزل ﵇ بساحتهم فأقام بها وبث السرايا وفرقها ولم يصيب منهم أحدا ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر فتكون غيبته عن المدينة خمسا وعشرين ليلة ولعله جد في السير لما مر أن بعد دومة من المدينة خمسة عشر انتهى من المواهب وشرحها. وفي الاكتفاء بعد أبيات حسان ما نصه: ثم انصرف رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وهي سنة أربع من مقدمة المدينة ثم غزا دومة الجندل ثم رجع قبل أن يصلها ولم يلق كيدا (صلى الله تعالى عليه وسلم) انتهى بحروفه.
تنبيه:
ذكر الكلاعي غزوة الخندق عقب غزوة دومة والذي في المواهب ذكر غزوة المريسيع قبل الخندق تبعا لابن سعد وقال أنها كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. قال الزرقاني ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق ورجحه الحاكم وهو الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق ورجحه، وقال أي ابن حجر بعد كلام، فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق لأنها كانت في شوال سنة خمس أيضا انتهى المراد من كلام الزرقاني. وسأتكلم عليها إن شاء الله عند قول الناظم الآتي بني المصطلق لأنها هي المريسيع غزوة الخندق وتسمى الأحزاب. أما تسميتها بالخندق فلأجل الخندق أي الحفر الذي حفر حول المدينة في شاميها من طرق الحرة الشرقية إلى طرق الحرة الغربية وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من الكفار عليها وهم قريش وغطفان وسليم واليهود
стр. 247
حتى بلغوا عشرة آلاف وانزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِرْ ... إلى قوله: قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ وكان من سببها أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) لما أجلى بني النضير خرج نفر من اليهود منهم سلام بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره ورجح الحافظ التخفيف مستندا لوقوعه في أشعار العرب، كقول أبي سفيان:
(سقاني فرواني كميتا مدامة ... على ظمئ مني سلام ابن مشكم)
ابن مشكم بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف وسلام بن أبي الحقيق بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى وحيي بضم الحاء مصغرا بن أخطب بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة كما في الزرقاني وكنانة بن الربيع النضيريون وهوذة بفتح الهاء وسكون الواو فذال معجمة فهاء تأنيث ابن قيس وأبو عمار الوائليان فقدموا على قريش ودعوهم إلى حربه ﵇، وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش إنكم أهل الكتاب الأول والعلم فما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه. وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... إلى قوله تعالى: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه وتواعدوا على وقت يخرجون فيه ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان ودعوهم إلى حربه ﵇ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك وجعل اليهود لغطفان نصف تمر خيبر كل عام تحريضا لهم على الخروج، فخرجت قريش في أربعة آلاف وحملوا اللواء على عثمان بن أبي طلحة وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن بدر الفزاري في فزارة كسحابة قبيلة وكانوا ألفا وكتبوا إلى حلفائهم من أسد فخرج طليحة الأسدي فيمن تبعه من أسد والحارث المري بضم الميم وشد الراء في قومه وكانوا أربعمائة وهو أحد الفرسان المشهورين وأسلم بعد تبوك في وفد قومه وخرجت أشجع
стр. 248
يقودهم مسعود بن رخيلة بضم الراء وفتح الخاء المعجمة في أرعمائة وأسلم مسعود بعد، وكانت عشرة آلاف وكان عناج الأمر إلى أبي سفيان، انتهى من المواهب وشرحها. وعناج الأمر ككتاب ملاكه وكان المسلمون ثلاثة آلاف وهذا هو الصحيح المشهور وقيل في عدد الجميع غير ذلك. قال الزرقاني كان لقريش ألفا بعير وخمسمائة بعير ويقودون ثلاثمائة فرس ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران يقودهم سفيان بن عبد شمس في سبعمائة وكان حليفا لحرب بن أمية وخرج غير وذكر ابن سعد أن المسلمين كان معهم ستة وثلاثون فرسا وأن قريشا لما تهيأت للخروج أتى ركب خزاعة النبي ﷺ في أربع ليال حتى أخبروه فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم أيبرز من المدينة أم يكون فيها ويحاربهم عليها؟ فأشار سلمان بالخندق فأعجبهم ولم يكن الخندق من شأن العرب ولكن من مكائد الفرس أي حيلهم التي يتوصلون بها إلى مرادهم ولذا أشار به سلمان، فقال رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) وضرب الخندق على المسلمين أي جعل على كل عشرة وأربعين ذراعا، روى الطبراني أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) خط الخندق من أحمر الشيخين تثنية شيخ ضد شارب وهما أطمان تثنية أطم بضمتين طرق بني حارثة حتى بلغ المواحج فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال شيخنا لعلها حاصلة من ضرب قدر من الطول في العرض والحاصل من ذلك في العمق وليس المراد أن لكل عشرة وأربعين طولا لزيادة ذلك على مسافة عرض المدينة بكثير لكثرة الصحابة الحافرين. قلت وفي رواية خط (صلى الله تعالى عليه وسلم) الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع انتهى. وعمل ﵇ فيه بنفسه وعمل فيه المسلمون فدأب ودأبوا أي جدوا وتعبوا حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة أي أصابه بالعين فلبط بضم اللام وكسر الموحدة وبطاء مهملة أي صرع فجأة فقال (صلى الله تعالى عليه وسلم) مروه فليتوضأ
стр. 249
وليغتسل به سلمان وليكفي الإناء خلفه ففعل فكأنما حل من عقال وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا. فقال (صلى الله تعالى عليه وسلم) سلمان منا أهل البيت. وفي البخاري عن أنس خرج رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون بكسر الفاء في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجره بكسر الجيم وسكون الهاء، فقالوا أي الطائفتان مجيبين له:
(نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا)
وقوله اللهم الخ ... هو من قول ابن رواحة فتمثل به ﵇، فقال الداوودي إنما قال ابن رواحة لاهم بلا ألف ولا لام فأورده بعض الرواة على المعنى، قال الحافظ وحمله على ذلك ظنه أنه يصير غير موزون وليس كذلك بل يكون دخله الخزم وقوله فاغفر الخ ... غير موزون ولعله ﵇ تعمد ذلك ولعل أصله فاغفر للأنصار وللمهاجرة باللام في المهاجرة، وعن طاووس زيادة في آخر هذا الرجز، والعن عضلا والقارة هم كلفونا ننقل الحجارة، قال الحافظ وأوله غير موزون أيضا ولعله والعن إلهي عضلا والغارة انتهى. وعضلا بالتحريك ابن الهون بن خزيمة كما في القاموس، وفي البخاري عن البراء بن عازب قال لما كان يوم الأحزاب وخندق (صلى الله تعالى عليه وسلم) رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول:
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا)
(فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا)
(إن الأولى قد رغبوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا)
ويمد بها صوته أي بقوله أبينا. وقوله قد رغبوا أي رغبوا العدو على قتالنا، وفي رواية بالعين المهملة أي رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا،
стр. 250
وقوله أبينا أي أبينا الفرار فهو بالموحدة كما رجحه عياض وبالفوقية أي أتينا وأقدمنا على العدو، وروى البيهقي عن سلمان أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) حين ضرب في الخندق قال باسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا فحبذا ربا وحب دينا. قال في النهاية يقال بديت بالشيء بكسر الدال أي بدأت به، ووقع في الخندق أمور من أعلام نبوءته (صلى الله تعالى عليه وسلم) منها ما في الصحاح عن جابر قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤا النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقام وبطنه معصوب بحجر من الجوع ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا بفتح الذال المعجمة أي شيئا فأخذ النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) المعول بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو أي المسحاة فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم في الشك من الراوي والمعنى أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك وأهيم بمعنى أهيل وعند أحمد والنسائي عن البراء بن عازب لما كان حين أمرنا رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول جمع معول وهو الفأس العظيمة التي ينقر بها قوى الصخر كما في الجوهري فاشتكينا ذلك للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فجاء وأخذ المعول من يد سلمان فقال بسم الله ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها بشين معجمة أي قطع فخرج نور أضاء ما بين لابتي المدينة وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فبرقت برقة من جهة فارس أضاء ما بين لابتيها فقال الله أكبر أعطيت مفاتيج فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، وفي رواية والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا بالنصر فسر المسلمون ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كان مصباحا في جوف ليل مظلم، فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر
следующие страницы →