Полный текст (927 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فخرج العذري طليعة وحده ووجد آثار النعم والشاء فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فلما دنا منهم لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا فرقا للرعب منه (صلى الله تعالى عليه وسلم) ونزل ﵇ بساحتهم فأقام بها وبث السرايا وفرقها ولم يصيب منهم أحدا ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر فتكون غيبته عن المدينة خمسا وعشرين ليلة ولعله جد في السير لما مر أن بعد دومة من المدينة خمسة عشر انتهى من المواهب وشرحها. وفي الاكتفاء بعد أبيات حسان ما نصه: ثم انصرف رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وهي سنة أربع من مقدمة المدينة ثم غزا دومة الجندل ثم رجع قبل أن يصلها ولم يلق كيدا (صلى الله تعالى عليه وسلم) انتهى بحروفه.
تنبيه:
ذكر الكلاعي غزوة الخندق عقب غزوة دومة والذي في المواهب ذكر غزوة المريسيع قبل الخندق تبعا لابن سعد وقال أنها كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. قال الزرقاني ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق ورجحه الحاكم وهو الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق ورجحه، وقال أي ابن حجر بعد كلام، فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق لأنها كانت في شوال سنة خمس أيضا انتهى المراد من كلام الزرقاني. وسأتكلم عليها إن شاء الله عند قول الناظم الآتي بني المصطلق لأنها هي المريسيع غزوة الخندق وتسمى الأحزاب. أما تسميتها بالخندق فلأجل الخندق أي الحفر الذي حفر حول المدينة في شاميها من طرق الحرة الشرقية إلى طرق الحرة الغربية وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من الكفار عليها وهم قريش وغطفان وسليم واليهود
стр. 247
حتى بلغوا عشرة آلاف وانزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِرْ ... إلى قوله: قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ وكان من سببها أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) لما أجلى بني النضير خرج نفر من اليهود منهم سلام بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره ورجح الحافظ التخفيف مستندا لوقوعه في أشعار العرب، كقول أبي سفيان:
(سقاني فرواني كميتا مدامة ... على ظمئ مني سلام ابن مشكم)
ابن مشكم بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف وسلام بن أبي الحقيق بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى وحيي بضم الحاء مصغرا بن أخطب بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة كما في الزرقاني وكنانة بن الربيع النضيريون وهوذة بفتح الهاء وسكون الواو فذال معجمة فهاء تأنيث ابن قيس وأبو عمار الوائليان فقدموا على قريش ودعوهم إلى حربه ﵇، وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش إنكم أهل الكتاب الأول والعلم فما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه. وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... إلى قوله تعالى: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه وتواعدوا على وقت يخرجون فيه ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان ودعوهم إلى حربه ﵇ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك وجعل اليهود لغطفان نصف تمر خيبر كل عام تحريضا لهم على الخروج، فخرجت قريش في أربعة آلاف وحملوا اللواء على عثمان بن أبي طلحة وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن بدر الفزاري في فزارة كسحابة قبيلة وكانوا ألفا وكتبوا إلى حلفائهم من أسد فخرج طليحة الأسدي فيمن تبعه من أسد والحارث المري بضم الميم وشد الراء في قومه وكانوا أربعمائة وهو أحد الفرسان المشهورين وأسلم بعد تبوك في وفد قومه وخرجت أشجع
стр. 248
يقودهم مسعود بن رخيلة بضم الراء وفتح الخاء المعجمة في أرعمائة وأسلم مسعود بعد، وكانت عشرة آلاف وكان عناج الأمر إلى أبي سفيان، انتهى من المواهب وشرحها. وعناج الأمر ككتاب ملاكه وكان المسلمون ثلاثة آلاف وهذا هو الصحيح المشهور وقيل في عدد الجميع غير ذلك. قال الزرقاني كان لقريش ألفا بعير وخمسمائة بعير ويقودون ثلاثمائة فرس ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران يقودهم سفيان بن عبد شمس في سبعمائة وكان حليفا لحرب بن أمية وخرج غير وذكر ابن سعد أن المسلمين كان معهم ستة وثلاثون فرسا وأن قريشا لما تهيأت للخروج أتى ركب خزاعة النبي ﷺ في أربع ليال حتى أخبروه فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم أيبرز من المدينة أم يكون فيها ويحاربهم عليها؟ فأشار سلمان بالخندق فأعجبهم ولم يكن الخندق من شأن العرب ولكن من مكائد الفرس أي حيلهم التي يتوصلون بها إلى مرادهم ولذا أشار به سلمان، فقال رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) وضرب الخندق على المسلمين أي جعل على كل عشرة وأربعين ذراعا، روى الطبراني أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) خط الخندق من أحمر الشيخين تثنية شيخ ضد شارب وهما أطمان تثنية أطم بضمتين طرق بني حارثة حتى بلغ المواحج فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال شيخنا لعلها حاصلة من ضرب قدر من الطول في العرض والحاصل من ذلك في العمق وليس المراد أن لكل عشرة وأربعين طولا لزيادة ذلك على مسافة عرض المدينة بكثير لكثرة الصحابة الحافرين. قلت وفي رواية خط (صلى الله تعالى عليه وسلم) الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع انتهى. وعمل ﵇ فيه بنفسه وعمل فيه المسلمون فدأب ودأبوا أي جدوا وتعبوا حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة أي أصابه بالعين فلبط بضم اللام وكسر الموحدة وبطاء مهملة أي صرع فجأة فقال (صلى الله تعالى عليه وسلم) مروه فليتوضأ
стр. 249
وليغتسل به سلمان وليكفي الإناء خلفه ففعل فكأنما حل من عقال وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا. فقال (صلى الله تعالى عليه وسلم) سلمان منا أهل البيت. وفي البخاري عن أنس خرج رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون بكسر الفاء في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجره بكسر الجيم وسكون الهاء، فقالوا أي الطائفتان مجيبين له:
(نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا)
وقوله اللهم الخ ... هو من قول ابن رواحة فتمثل به ﵇، فقال الداوودي إنما قال ابن رواحة لاهم بلا ألف ولا لام فأورده بعض الرواة على المعنى، قال الحافظ وحمله على ذلك ظنه أنه يصير غير موزون وليس كذلك بل يكون دخله الخزم وقوله فاغفر الخ ... غير موزون ولعله ﵇ تعمد ذلك ولعل أصله فاغفر للأنصار وللمهاجرة باللام في المهاجرة، وعن طاووس زيادة في آخر هذا الرجز، والعن عضلا والقارة هم كلفونا ننقل الحجارة، قال الحافظ وأوله غير موزون أيضا ولعله والعن إلهي عضلا والغارة انتهى. وعضلا بالتحريك ابن الهون بن خزيمة كما في القاموس، وفي البخاري عن البراء بن عازب قال لما كان يوم الأحزاب وخندق (صلى الله تعالى عليه وسلم) رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول:
(اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا)
(فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا)
(إن الأولى قد رغبوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا)
ويمد بها صوته أي بقوله أبينا. وقوله قد رغبوا أي رغبوا العدو على قتالنا، وفي رواية بالعين المهملة أي رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا،
стр. 250
وقوله أبينا أي أبينا الفرار فهو بالموحدة كما رجحه عياض وبالفوقية أي أتينا وأقدمنا على العدو، وروى البيهقي عن سلمان أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) حين ضرب في الخندق قال باسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا فحبذا ربا وحب دينا. قال في النهاية يقال بديت بالشيء بكسر الدال أي بدأت به، ووقع في الخندق أمور من أعلام نبوءته (صلى الله تعالى عليه وسلم) منها ما في الصحاح عن جابر قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤا النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقام وبطنه معصوب بحجر من الجوع ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا بفتح الذال المعجمة أي شيئا فأخذ النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) المعول بكسر الميم وسكون العين وفتح الواو أي المسحاة فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم في الشك من الراوي والمعنى أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك وأهيم بمعنى أهيل وعند أحمد والنسائي عن البراء بن عازب لما كان حين أمرنا رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول جمع معول وهو الفأس العظيمة التي ينقر بها قوى الصخر كما في الجوهري فاشتكينا ذلك للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) فجاء وأخذ المعول من يد سلمان فقال بسم الله ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها بشين معجمة أي قطع فخرج نور أضاء ما بين لابتي المدينة وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فبرقت برقة من جهة فارس أضاء ما بين لابتيها فقال الله أكبر أعطيت مفاتيج فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، وفي رواية والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا بالنصر فسر المسلمون ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كان مصباحا في جوف ليل مظلم، فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر
стр. 251
أبواب صنعاء من مكاني الساعة. قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار افتحوا ما بدى لكم، والذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا (صلى الله تعالى عليه وسلم) مفاتيحها قبل ذلك. ومن أعلام نبوءته (صلى الله تعالى عليه وسلم) ما في الصحيح من تكثير الطعام القليل فيه وهو صاع من شعير وعنز صغير فدعي بالقوم وهم ألف فبصق في العجين والبرمة قال جابر أقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وإن برمتنا كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو ومنها حفنة التمر التي جاءت بها ابنة بشير بن سعد أخت النعمان بن بشير لأبيها وخالها ابن رواحة ليتغذيا به، فقال (صلى الله تعالى عليه وسلم) هاتيه فصبته في كفيه فما ملأهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم قال لإنسان أصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغذاء فاجتمعوا عليه فجعلوا يأكلون وجعل يزيد حتى صدروا عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب وقوله هم ألف قال الشامي أراد به الآكلين فقط لا عدة من حضر الخندق كما في الزرقاني قال في المواهب وقد وقع عند ابن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق أي مدة حفره قريبا من عشرين ليلة وعند الواقدي أربعا وعشرين وعند ابن سعد ستة أيام، قال السمهودي وما لابن سعد هو المعروف، قال والذي لابن عقبة والروضة والنووي إنما هو في مدة الحصار لا في عمل الخندق وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوما ولما فرغ (صلى الله تعالى عليه وسلم) من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة بين الجرف وزغابة، قال السهيلي بزاء مفتوحة وغين منقوطة وقيل بضم الراء وعين مهملة اسم موضع في عشرة آلاف منهم من أحابيشهم أي حلفائهم من التحبيش وهو التجميع لتجمعهم على أنهم يد واحدة أو لتحالفهم بذنبة حبشي جبل بأسفل مكة ونزلت غطفان ومن تبعهم بذنبة نقمي إلى جانب أحد وهو بفتح النون والقاف وفتح الميم مقصور، قال الصاغاني موضع من أعراض المدينة انتهى.
стр. 252
فائدة:
قال في القاموس وزغابة بالضم موضع قرب المدينة لكن في هامش المطبوع أنه فيه نظر انتهى.
فالصحيح ما للسهيلي وحبشي بالضم كما في القاموس، قال ومنهم أحابيش قريش لأنهم تحالفوا إلخ .. وخرج رسول الله تعالى عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع بفتح السين المهملة وسكون اللام وبالعين المهملة جبل بالمدينة وكانوا ثلاثة آلاف فضرب عسكره والخندق بينه وبين القوم وكان يبعث الحرس إلى المدينة، قال ابن سعد فكان يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة خوفا على الذراري من بني قريظة، وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عهد بني قريظة وكان صالح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قومه فأغلق كعب بابه دون حيي وأبى أن يفتح له وقال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم إني قد عاهدت محمدا فلست بناقص ما بيني وبينه فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقا، فقال ويحك افتح لي أكلمك، فقال ما أنا بفاعل، فقال والله إن أغلقت دوني إلا تخوفا على جشيشتك أن أكل معك منها، ففتح له فقال ويلك يا كعب جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ولم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى نقض عهده وبرئ مما كان بينة وبين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا مثل أصله البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد من ذروته وغاربه فيجد لذة فيأنس عند ذلك فضرب مثلا في المراوضة والمخاتلة، قال الحطيئة:
(لعمرك ما قراد بني بغيض ... إذا نزع القراد بمستطاع)
стр. 253
قوله جشيشتك: قال في القاموس جشه كسره، ثم قال والجشيشة ما جش من بر ونحوه والمجشة الرحى والجشيشة حنطة تطحن جليلا فتجعل في قدر ويقلى فيه لحم أو تمر فيطبخ اهـ.
وعن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال كنت يوم الأحزاب أنا وعمر بضم العين ابن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان وهو بضمتين حصن مبنى بحجارة فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت إلى منزلنا قلت يا أبت رأيتك تختلف إلى بني قريظة قال أرأيتني يا بني؟ قلت نعم. قال كان رسول الله ﷺ قال من يأت بني قريظة فيأتني بخيرهم؟ فانطلقت فلما رجعت جمع لي صلى الله تعالى عليه وسلم بين أبويه في الفداء فقال فداك أبي وأمي أخرجه الشيخان. وعند أصحاب المغازي فلما انتهى الخبر أي خبر نقض قريظة للعهد إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بفتح الخاء المعجمة وشد الواو ففوقية ابن جبير الأوسي البدري، زاد الواقدي وأسيد بن حضير، فقال انطلقوا لتنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم فإن كان حقا فلحنوا إلى لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا فاجهروا به للناس، فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله فتكلموا فيه بما لا يليق وتبرؤا من عهده فشاتمهم سعد بن معاذ فنهاه سعد بن عبادة وقال ما بيننا أربي من المشاتمة ثم أقبل السعدان ومن معهما فلحنوا له كما أمرهم، فقالوا عضل والقادرة، قال السهيلي اللحن العدول بالكلام عن الوجه المعروف عند الناس إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول عن الصواب المعروف، وتفتوا بضم الفاء وشد الفوقية أي لا تكسروا من قوتهم وتوهنوهم وضرب العضد مثلا لأنه كناية عن الرعب الداخل في القلب ولم يرد كسرا حقيقيا ولا العضد الذي هو العضو وإنما هو عبارة عما يدخل من
стр. 254
الوهن في القلب وهو من أفصح الكلام، وقوله عضل والقارة أي غدروك كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم من أعلى الوادي من قبل المشرق غطفان ومن أسفل منهم من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم بالنون والجيم أي ظهر النفاق من بعض المنافقين فأراد ﷺ أن يعطي عيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فقال السعدان يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ قال بل شيء نصنعه لكم. والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم. فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نجن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة. والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال ﷺ فأنت وذاك.
قال ابن عائذ وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة يريد قتل النبي ﷺ كما عند أبي نعيم على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فاندقت عنقه، فكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، وعن الزهري أنهم أعطوهم في ذلك عشرة ألاف درهم، فرد إليهم النبي ﷺ إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم أن تدفنوه ولا أرب لنا في ديته.
وقال ابن إسحاق وأقام ﵊ وعدوهم يحاصرهم ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل لكن كان عمرو بن عبد ودّ العامري
стр. 255
اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى كانوا بالسبخة فبارزه علي فقتله، وبارز نوفل بن عبد الله بن المغيرة فقتله الزبير وقيل قتله علي، ورجعت بقية الخيول منهزمة انتهى من المواهب.
قال الزرقاني عن ابن سعد وعمرو بن عبد ودّ له يومئذ تسعون سنة والنفر الذين معه هم عكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب كما في ابن إسحاق وقوله خيولهم بالرفع بدل من الفاعل وقوله قتله الزبير: ضربة بالسيف حتى شقه اثنتين وقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس فقيل ما رأينا مثل سيفك، فقال ما هو السيف ولكنها الساعد. وما ذكره عزاه في الفتح لابن إسحاق فتبعه المصنف ولم يذكر ذلك ابن هشام في روايته عن ألبكائي عنه فلعله في رواية غيره ثم هو معارض لما قدمه عن ابن عائذ وهو الذي ذكره ابن هشام عن زياد عن ابن إسحاق ومثله في رواية أبي نعيم وعليه اقتصر اليعمري، وذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله انتهى كلامه.
وفي الاكتفاء أن الفوارس المذكورين خرج إليهم علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وكان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يوم بدر حتى أثخنته الجراح فلم يشهد أحدا، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز؟ فبارز علي بن أبي طالب، فقال يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، فقال له علي فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام، قال لا حاجة لي بذلك، قال فإني أدعوك إلى النزال، قال له ولم يا بن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك. قال علي لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي
стр. 256
إسحاق في غير رواية البكائي أن عمرو لما نادى من يبارز؟ قام علي وهو مقنع في الحديد، فقال أنا له يا نبي الله. فقال له أجلس إنه عمرو. النداء وجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون لي رجلا؟ فقام علي فقال أنا يا رسول الله، قال اجلس إنه عمرو ثم نادى الثالثة فقال:
(ولقد لححت من النداء ... لجمعكم هل من مبارز)
(ووقفت إذ جبن المشجع ... وقفة الرجل المناجز)
(وكذاك إني لم أزل ... تسرعا قبل الهزاهز)
(إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز)
فقام علي رضي الله فقال أنا له رسول الله، فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمرو؟ فأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمشى إليه علي وهو يقول:
(لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز)
(ذو نية وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز)
(إني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز)
(من ضربة نجلاء ... يبقى ذكرها عند العجائز)
فقال له عمرو من أنت؟ قال علي. فقال غيرك يا بن أخي من أعمامك من هو أسن فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا ويقال أنه كان على فرسه فقال له علي كيف أقاتلك وأنت على فرسك ولكن انزل فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي على حبل العاتق فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن عليا قد قتله، وكانت صفية بنت عبد المطلب في أطم حسان بن ثابت قالت وحسان معنا فيه
стр. 257
مع النساء والصبيان، قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسوله الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا إن أتانا آت، قالت قلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما أمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود فانزل إليه فاقتله، قال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله ولقد علمت ما أنا بصاحب هذا، فلما قال لي ذلك احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت للحصن فقلت لحسان انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا انه رجل، فقال ما لي بسلبه من حاجة انتهى المراد من الإكتفاء.
وفي الزرقاني أن عليا لما خرج إلى عمرو أعطاه ﷺ سيفه وعممه وقال اللهم أعنه عليه لما قتله قال له عمر بن الخطاب ﵁ هلا سلبته درعه؟ فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ فقال إنه حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحييت. وفيه عن السهيلي بعد ذكر ما مرّ عن صفية في شأن حسان فحمل هذا على أن حسان كان جبانا وأنكره بعض العلماء منهم ابن عبد البر لأنه حديث منقطع الإسناد ولو صح لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعرا وكانوا يناقضونه ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن ولا وسمه به فدل ذلك على ضعف حديث ابن إسحاق، وإن صح فلولا أنه كان معتلا ذلك اليوم بعلة تمنعه من شهود القتال ان انتهى.
وكانت عائشة ﵂ يوم الخندق في حصن بني حارثة وكان من أحرز حصون المدينة وكانت معها أم سعد بن معاذ وكان ذلك قبل أن يضرب الحجاب قالت عائشة فمر سعد وعليه درع مقلصة وقد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقل بها أي يسرع في نشاط وهو يقول:
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل
стр. 258
لا باس بالموت إذا حان الآجل
وقالت له أمه الحق يا بني فقد والله أخرت. قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي عليه، قالت وخفت عليه أين أصاب السهم فرمى سعد بسهم قطع منه الأكحل رماه حبان بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة، قال سعد عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقنى لها فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة وقد أجاب الله دعاءه فلم يقم لقريش حرب بعدها وما مات حتى حكم في بني قريظة.
وعن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم والأكحل بفتح الهمزة والحاء المهملة بينهما كاف ساكنة عرق في وسط الذراع، قال الخليل هو عرق الحياة يقال أن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر بفتح الهمزة والهاء بينهما موحدة ساكنة وفي الفخذ النسا بفتح النون مقصورا إذا قطع لم يرقا الدم قال الأصمعي والنسا عرق من الورك إلى الكعب وابن العرقة هو جبان بن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن هصيص وابن عامر بن لؤي والعرقة أمه كذا قال السهيلي وقال ابن الكلبي هي أم عبد مناف جد أبيه وهو عنده حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف وحبان بكسر المهملة وشد الموحدة والعرقة بفتح العين المهملة وكسر الراء واسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم تكني أم فاطمة ولقبت بذلك لطيب ريحها. انتهى ملخصا من الكلاعي والواهب وشرحها.
وفي القاموس ولبن عرق ككتف فسد طعمه عن عرق البعير المحمل عليه وحبان بن العرقة وقد تفتح الراء وهي أمه قلابة لقبت به لطيب ريحها، وهو الذي رمى سعد بن معاذ ﵁. انتهى.
стр. 259
وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الشدة والخوف لتظاهر عدوهم عليهم بضعا وعشرين ليلة. قريبا من شهر على ما في العيون وشهرا على ما في الهدى وعشرين يوما على ما لابن عقبة ثم ان نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف، بنون وفاء مصغر، الأشجعي، أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت. فقال إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم! قالوا صدقت، ليست عندنا بمتهم.
فقال إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وأبنائكم ونساؤكم لا تقدروا أن تحولوا منه إلى غيره وإنهم جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وأموالهم ونساؤهم بغيره فإن رأوا غرة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبينه ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم على أن تقاتلوا معهم محمدا. فقالوا لقد أشرت بالرأي. ثم أتى قريشا فقال لهم قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا وإنه قد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكم وه نصحا لكم فاكتموه عني، قالوا نفعل، قال إن يهود ندموا على ما صنعوا وأرسلوا إلى محمد إنا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم نعيم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا فلا تدفعوا لهم رجلا واحدا، ثم أتى غطفان وقال إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني، قالوا صدقت، قال فاكتموا عني، قالوا نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش وكان من صنع الله لرسوله أن أبا سفيان ورؤوس غطفان أرسلوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين فقالوا إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر فأعدوا
стр. 260
للقتال حتى نناجز محمدا أو نفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت لا نعمل فيه شيئا وكان قد أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بمقاتلين حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن اشتد عليكم القتال أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا به، فقالت قريش وغطفان والله إن الذي حدثكم به نعيم لحق، فأرسلوا إليهم أنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا. وقالت قريظة أن الذي ذكر لكم نعيم لحق فأرسلوا إليهم إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله عليهم الريح في ليال شديدة البرد فكفأت قدورهم وطرحت أبنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى وسلم ما أختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه لينظر ما فعل القوم، وحدث حذيفة وقد قال له رجل من أهل الكوفة أرأيتم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحبتموه؟ قال نعم. قال فكيف كنتم تصنعون؟ قال والله لقد كنا نجهد، قال والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على وجه الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة والله لقد رأيتني بالخندق في ليلة باردة مطيرة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا، فقال من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم ثم يرجع يشترط له الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن ليي بد من القيام، فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم وانظر ماذا يفعلون؟ ولا تحدثن بعدنا شيئا حتى تأتينا. فذهبت فدخلت فيهم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقالوا أبو سفيان لينظر كل أمريء من جليسه فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت من أنت؟ قال فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش
стр. 261
إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام هلك الخف والكراع بضم الكاف اسم لجمع الخيل واختلفنا وبنو قريظة ولقينا من هذه الريح ما ترون لا يطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقد يده إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى إن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهمي، فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه، فلما راني أدخلني إلى رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد واني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر. وفى رواية عنه أنه قال لما بعثه: حفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا. قال فأذهب الله عنى القر بضم القاف أي البرد والفزع فإذا الريح لا تتجاوز عسكرهم شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس نحو عشرين في طريقي معتمين، فقالوا له أخبر صاحبك أن الله قد كفاه القوم بالريح والجنود.
وعند أبي نعيم فو الله ما خلق الله قرا ولا فزعا في جوفي إلا خرج فما وجدت منه شيئا فمضيت كأنما أمشي في حمام. وفي رواية البيهقي عن حذيفة لما دخلت نظرت في ضوء نار توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته وحوله عصبة قد تفرق عنه الأحزاب وهو يقول الرحيل الرحيل، ولم أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش لأضعه في كبد القوس لأرميه في ضوء النار فذكرت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمسكت ورددت سهمي، فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال ليأخذ كل رجل منكم يد جليسه فضربت بيدي على يد الذي عن يميني، فقلت من أنت؟ معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي، فقلت من أنت قال عمرو بن العاص فعلت ذلك خشية أن يفطن بى فبدرتهم بالمسألة. وروي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب أهزم
стр. 262
الأحزاب، اللهم أهزمهم وزلزلهم. وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله وقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال نعم. قولوا اللهم استر عوراتنا أي عيوبنا وتقصيرنا، وأمن، بمدّ الهمزة وكسر الميم مخففة ويجوز القصر والتثقيل، روعاتنا، أي خوفنا وفزعنا.
وفي البخاري أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم الخندق، ملأ الله بيوتهم، أي الكفار، أي أحياء وقبورهم أي أمواتا نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس. زاد مسلم صليناها بين المغرب والعشاء، وزاد مسلم أيضا بعد قوله الوسطى صلاة العصر، قال النووي أما تأخيره ﵇ العصر حتى غابت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو بل تصلى بحسب الحال.
ولما أجلى الله عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الأحزاب قال ﵇ لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا. وفي رواية أنه قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعا كثيرة لا يغزونكم بعدها أبدا ولكن أنتم تغزونهم.
قال الزرقاني وذكر الواقدي أنه ﵇ قال ذلك بعد أن انصرفوا. وذكر ابن إسحاق والواقدي أنه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير وكلهم من الأنصار: سعد بن معاذ جرح فيه ومات من جرحه بعد حكمه في بني قريظة، وأنس بن أوس وعبد الله بن سهل الأوسيون والطفيل بن النعمان وثعلبة بن غنمة بمهملة ونون مفتوحتين وكعب بن زيد الخزرجيون رضي الله عن جميعهم.
وزاد الدمياطي: قيس بن زيد بن عامر وعبد الله بن منبه العبدري أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي
стр. 263
وعمرو بن عبد ود العامري، قاله العلامة محمد بن عبد الباقي وقال حسان يوم الخندق يجيب عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش:
(هل رسم دراسة المقام يباب ... متكلم لمحاور بجواب)
(قفز عفا رهم السحاب رسومه ... وهبوب كل مظلة مر باب)
(ولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب)
(ودع الديار وذكر كل خريدة ... بيضاء أنسة الحديث كعاب)
(واشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرسول غضاب)
(ساروا بجمعهم إليه وألبوا ... أهل القرى وبوادي الأعراب)
(جيش عيينه وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلبة الأحزاب)
(حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرسول ومغنم الأسلاب)
(وغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب)
(بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب)
(وكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم في الأجر خير ثواب)
(من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهاب)
(وأقر عين محمد وصحابه ... وأذل كل مكذب مرتاب)
أرض يباب كسحاب خراب، والمحاورة المراجعة في الكلام، والرهم كعنب جمع رهمة بالكسر وهي المطر الضعيف الدائم والمعصفة الريح الشديدة عصفت الريح كضرب اشتدت، وعصفت فهي معصف ومعصفة والمرباب الدائمة من أرب بالمكان أقام به، والحلول النازلون جمع حال، والخريدة: الحيية المتسترة، والكعاب كسحاب ناهدة الثديين، وألبوا: جمعوا، والمتخمط: المتكبر والشديد الغضب، والأيدي: القوة.
وقال كعب بن مالك يجيب ابن الزبعرى أيضا:
(أبقى لنا حدث الحروب بقية ... من خيل نحلة ربنا الوهاب)
(بيضا مشرفة الذرى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب)
(كاللوب يبذل جمها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب)
(وترائعا مثل السراج نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب)
(عري الشوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسار في الآراب)
(قواد تراح إلى الصياح إذا غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب)
стр. 264
(وتروح سالبة الضمار وتارة ... ترد العدا وتؤب بالأسلاب)
(يغدون بالزعف المضاعف شكة ... وبمترصات في الثقاب صياب)
(وصوارم ترع الصياقل عليها ... وبكل أروع ماجد الأنساب)
إلى أن قال:
(جاءت سخينة كي تغالب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب)
قوله مشرفة الذرى: أراد بها الأطام وهي الحصون، وأراد بالمعاطن منابت النخل عند الماء شبهها بمعاطن الإبل، ووصف النخل بأنها حم لأنها تضرب إلى السواد من شدة الخضرة والأحلاب جمع حلب بالتحريك وأصله اللبن المحلوب شبه به ما يجتنى من النخل واللوب جمع لوبة بالضم وهي الحرة، وهي الأرض التي لبستها حجارة سود، وجمها وحفيلها أي الكثير منها، والمنتاب الزائر، والنزائع يعني بها الخيل التي نزعت من العدو، وقوله مثل السراج بالجيم أي كل واحد منها كالسراج، وبالحاء جمع سرحان وهو الذئب جمعه على تقدير الألف والنون ولو جمعه على لفظه لقال سراجين، والمقضاب مزرعة القضب، وجزتها ما يجز منها للخيل، والقود جمع قوداء وهي طويلة العنق والضراء الكلاب الضارية والكلاب جمع كالب وهو صاحب الكلاب الذي يصيد بها والمترصات المحكمات يعني الرماح المثقفة، والعلب الجساوة والخشونة، يقال علب النبات أي جسا وغلظ وسخينة مما سميت به قريش قديما انتهى. معزوا للسهيلي.
وقوله تراح إلى الصياح بفتح المثناة أي تفرح وتخف، وفي القاموس راح للأمر يراح رواحا وروحا وراحا فرح انتهى. والصياقل جمع صيقل وهو شحاذ السيوف وجلاؤها والثقاف ككتاب ما تسوى به الرماح والأروع من يعجبك بحسنه أو بشجاعته انتهى من القاموس.
وفيه وسخينة كسفينة طعام رقيق يتخذ من دقيق ولقب لقريش لاتخاذها إياه تعير به انتهى.
стр. 265
" غزوة بني قريظة " ولما دخل صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة يوم الأربعاء الذي انصرف فيه من الخندق لسبع بقين من ذي القعدة كما لابن سعد وهو وأصحابه ووضعوا السلاح، جاء جبريل ﵇ وقت الظهر معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج والاعتجار أن يلفها على رأسه يرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه كما في النهاية وتبعه الشامي ونحوه في القاموس والاستبرق ضرب من الديباج غليظ، قال ابن سعد وكانت سوداء وأرخى منها بين كتفيه، والرحالة بكسر الراء وخفة الحاء المهملتين سرج من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد والجمع رحائل والقطيفة كساء له خمل والديباج بكسر الدال وقد تفتح وفي رواية للبخاري لما رجع ووضع السلاح واغتسل أي للتنظيف من أثار السفر أتاه جبريل فقال قد وضعت السلاح بحذف الاستفهام، والله ما وضعناه أخرج إليهم وأشار إلى بني قريظة بضم القاف وفتح الراء وسكون التحتية وبالظاء المعجمة فتاء تأنيث، قال السمعاني اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة قرب المدينة فنسيت إليهم وقريظة والنضير أخوان من أولاد هارون ولابن إسحاق أن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم أي مزلزل حصونهم فالمفعول محذوف. ولابن سعد فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطح أي ارتفع الغبار في زقاق كغراب أي سكة بني غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون بطن من الخزرج. وفي البخاري عن أنس لكأني أنظر إلى الغبار في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة، روي بنصب موكب بتقدير انظر وبالجر بدل من الغبار والرفع خبر مبتدإ محذوف أي هذا وهو نوع من السير أو جماعة الفرسان أو جماعة يسيرون برفق، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مناديا ينادي، قال البرهان لا أعرفه، وقال الشامي هو بلال فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وعند
стр. 266
ابن عائذ أن جبريل ﵇ قال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم قم فشد عليك سلاحك فو الله لأذقنهم دق البيض على الصفا فبعث صلى الله تعالى عليه وسلم مناديا ينادي يا خيل الله اركبي وعند ابن سعد ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف معهم ستة وثلاثون فرسا واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة ولبس صلى الله تعالى عليه وسلم الدرع والمغفر والبيضة وأخذ قتادة بيده وتقلد القوس وركب فرسه اللحيف بفتح اللام وضمها وحاء مهملة كأمير وزبير ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة والمعروف بالحاء المهملة قاله ابن الأثير. وللطبراني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما أتى بني قريظة ركب على حمار له يقال له يعفور، فإن صحا فيمكن أنه ركب الفرس بعض الطريق والحمار بعضها وقدم عليا برايته فسار حتى لقيه فقال لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابيث، قال لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ ! قال نعم. قال لو رأوني لم يقولوا شيئا. فلما دنا من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا. ومر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء. فقال ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم. ونزل ﵇ بئرا من أبارهم يقال لها بئر أنا في الشامية بالضم وتخفيف النون وقيل بالفتح والتشديد، وقيل بموحدة بدل النون وقيل غير ذلك، قاله الزرقاني. وفي القاموس في مادة أنى الشيء ما نصه وأنا كهنا او كحتى أو بكسر النون المشددة بئر بالمدينة لبنى قريظة انتهى. فالإضافة بيانية والله أعلم.
ولما سار الناس وحانت العصر وهم في الطريق قال بعضهم لا نصلي إلا في بني قريظة، ولم يأتوا إلا بعد صلاة العشاء ولم يبالوا بخروج الوقت حملا للنهي على حقيقته. وقال بعضهم لم يرد منا إلا الإسراع إلى قريظة
стр. 267
وصلوا فذكر ذلك له صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يعنف أي لم يلم واحدا منهم لا التاركين ولا الفاعلين. قال ابن إسحاق وحاصرهم ﵊ خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار أي بلغ بهم غاية المشقة وأجهدهم بالألف وبلاه بمعنى ورويا هنا ولابن مسعود حاصرهم خمس عشرة ليلة وألقى الله في قلوبهم الرعب، فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد، يا معشر يهود قد نزل بكم ما ترون وإني أعرض عليكم خلالا ثلاثا أي خصالا بكسر الخاء المعجمة جمع خلة بفتح المعجمة وشد اللام، قاله الشامي، قالوا وما هي؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، فأبوا. فقال فإذا أبيتم هذه فهلم فنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رجالا مصلتين بكسر اللام أي مجردين من السيوف من أغمادها لم نترك وراءنا ثقلا بفتحتين ونقاتل حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك فلن نترك وراءنا ما نخشى عليه فقالوا أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فقال فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وعسى أن يكون محمدا وأصحابه قد أمنوا فيها فأنزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة بكسر المعجمة وشد الراء أي غفلة. قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قردة وخنازير.
قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه في ليلة حازما وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة أحد النقباء واسمه رفاعة، وقيل مبشر بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش بفتح الجيم والهاء وكسرهما فشين معجمة أي فزع وأسرع إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد وذلك أنهم لما أيقنوا بالهلكة
стр. 268
أنزلوا شمأس بن قيس فكلمه صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينزلوا على ما نزل بنو النضير من ترك الأموال والحلقة والخروج بالنساء والذرارى وما حملت الإبل إلا الحلقة فأبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل فأبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينزلوا إلا حكمه وعاد إليهم شماس بذلك، فقال أبو لبابة نعم، واشار بيده إلى حلقة أنه الذبح، قال أبو لبابة فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فندمت واسترجعت فنزلت وأن لحيتي لمبتلة من الدموع والناس ينظرون رجوعي إليهم، ثم انطلق أبو لبابة فلم يأت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى الاتبط في المسجد وقال في رواية وكان ارتباطي إلى الاسطوانة المخلقة أي التي طليت بالخلوق بوزن رسول وهو ما يخلق به من الطيب، وقال لا أبرح من مكاني هذا حتى أموت أو يتوب الله علي. وعاهدت الله أن لا أطأ بني قريظة ولا أرى في بلدة خنت الله ورسوله فيها.
فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه، قال أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. قال فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا أكل فيهن شيئا ولا أشرب. قال هشام أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته فتحله في وقت كل صلاة فتربطه. ولابن عبد البر أنه ارتبط بسلسلة ربوض بفتح الراء المهملة وضم الموحدة فواو فضاد معجمة أي عظيمة غليظة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه وكاد يذهب بصره فكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة أو اراد أن يذهب لحاجة فإذا فرغ أعادته. والظاهر أن امرأته تقيدت به ست وبنته في باقي البضع فلا تنافي بين الروايتين كما في الزرقاني، ونزلت توبته عليه صلى الله تعالى وسلم وهو في بيت أم سلمة استأذنته ﵇ أن تبشره فأذن لها فبشرته وذلك ضرب الحجاب، فثار إليه
стр. 269
الناس ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه كذا في المواهب وغيرها. والآية التي نزلت في توبته: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ إلى ﴿رحيم﴾، قال كاتبه سمح الله له وقد مرّ في الكلام على التفصيل بين فاطمة وأمها ﵄ أن فاطمة هي التي حلته وأنه لما أرادت أنتحله امتنع من أجل يمينه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم، فاطمة بضعة مني، فحلته، فإن صح هذا فيكون معنى قوله أطلقه أي أمرها هي بإطلاقه والله تعالى أعلم.
ثم نزل ثعلبة بن السعية وأسيد بن السعية وأسد بن عبيد وهم ليسوا من بني قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم، أسلموا الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكمه صلى الله تعالى عليه وسلم فأحرزوا دماءهم وأموالهم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعد القرظي القروي فمر بحرس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة فلما رآه قال من هذا؟ قال أنا عمرو بن سعد، وكان أبي أن يدخل بني قريظة في غدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمنا عثرات الكرام، فخلى سبيله فخرج حتى بات في مسجده صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة ثم ذهب فلم يدر أين توجه، فذكر شأنه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال ذلك رجل نجاه الله بوفائه انتهى من الاكتفاء.
ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا أن ينزلوا على حكمه صلى الله عليه تعالى وسلم فقالت الأوس، قد فعلت في موالي الخزرج أي بني قينقاع ما علمت، أي حين سأله إياهم ابن أبي ووهبهم له، فقال ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى. قال فذلك إلى سعد بن معاذ، ابن هشام وحدثني من أثق به أن عليا صاح وهم محاصرون: يا كتيبة الإيمان. وتقدم هو والزبير وقال والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم، فقالوا ننزل على حكم سعد وكان ﵇ قد جعله
стр. 270
في خيمة امرأة من اسلم في المسجد النبوي يقال لها رفيدة بضم الراء وفتح الفاء وسكون التحتية فدال مهملة فهاء تأنيث وكانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على من به ضيعة من المسلمين. وعن الواقدي أن اسمها كعيبة بالكاف أوله وبالتصغير وهما امرأتان اختلف فيمن تنسب الخيمة إليه منهما وليس أحدهما أسما والآخر لقبا قاله الزرقاني.
ولما حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سعدا أتاه قومه فحملوه على حمار لأعرابي عليه قطيعة وقد وطئوا له بوسادة من أدم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم.
فلما أكثروا عليه قال لقد ءان لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم والمسلمين قال ﵊ قوموا إلى سيدكم فانزلوه، قال رجل من بني عبد الأشهل قمنا له على أرجلنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد الأنصار وأما الأنصار فيقولون عم بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسلمين، فقاموا إليه فقالوا إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فاحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك أي مناصرتهم ومعاونتهم لك قبل اليوم فجلس إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك؛ فقال سعد فإني أحكم فيهم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء؛ فقال ﵊ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة بالقاف جمع رقيع بتذكير العدد علامعنى السقف إذا السماء مؤنثة وقياسه سبع، وأراد أن الحكم ينزل من فوق، ومثله قول زينب زوجني الله من نبيه من فوق سبع سماوات أي نزل تزويجها من فوق. قال في المواهب والرقيع السماء سميت بذلك
стр. 271
لأنها رقعت بالنجوم قال الزرقاني وظاهره أن كل سماء مرقوعة بالنجوم وهو أحد قولين والآخران الكواكب في السماء الدنيا حكاهما ابن كثير. وفي رواية للبخاري عن أبي سعيد لقد حكمت فيهم بحكم الله وربما قال بحكم الملك أي بكسر الام كما رجحه الحافظ وهما بمعنى. وعند اكرماني بفتح اللام أي جبريل لأنه ينزل بالأحكام، وعند ابن عائذ من حديث جابر فقال أحكم فيهم يا سعد فقال الله ورسوله أحق بالحكم، قال قد أمرك الله أن تحكم فيهم وأمر ﵇ ببني قريظة بعد نزولهم من الحصن فكتفوا وجعلوا ناحية والنساء والذرية ناحية أدخلوا المدينة وحبسوا في دار رملة بنت الحارث بن ثعلبة النجارية والواقدي يقول رملة بنت الحدث بفتح الدال المهملة بغير ألف قبلها قال السهيلي والصحيح الأول، وعن عروة أنهم حبسوا في دار أسامة بن زيد قال في الفتح ويجمع بانهم جعلوا في بيتين كما صرح به في حديث جابر عند ابن عائذ انتهى.
وفي السبل سيق الرجال إلى دار أسامة والنساء والذرية إلى دار رملة فأمر لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأحمال تمر فنشرت لهم فباتوا يأكلون منها وحفر لهم أخدودا بضم الهمزة أي شق مستطيل في السوق وأخرجوا إليه أرسالا فضربت أعناقهم أي ضربها علي والزبير وأسلم الأنصاري كما في الطبراني وكانوا ستمائة أو سبعمائة، قال السهيلي والمكثر يقول ما بين الثمانمائة إلى تسعمائة وبقى ﵇ عند الأخدود حتى فرغوا منهم عند الغروب فرد عليهم التراب واصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم لنفسه الكريمة، ريحانة بنت شمعون بن زيد إحدى بني عمرو بن قريظة عند الأكثر وقيل كانت من بني النضير متزوجة في قريظة رجل أسمه الحكم، وتزوجها ﵇ بعد أن أسلمت وحاضت حيضه وكانت جميلة وسيمة وأصدقها أثنتي عشرة أوقية ونشا أي نصف أوقية، وأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية وضرب عليها الحجاب وغارت عليه غيرة
стр. 272
شديدة وطلقها تطليقة فشق عليها فأكثرت البكاء فراجعها ولم تزل عنده حتى ماتت راجعة من حجة الوداع سنة عشر، ودفنت بالبقيع، ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما، وقيل كان يطؤها بملك اليمين والأول أثبت عند أهل العلم، كما قاله الواقدي، واقتصر عليه ابن الأثير انتهى من المواهب وشرحها.
وفي المواهب وشرحها وفي الكلاعي أنهم قالوا لكعب بن أسد سيدهم وهو يذهب بهم إرسالا إلى رسول الله صلى تعالى الله عليه يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون أن الداعي لا ينزع؟ وأن من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. وأوتي بعدو الله حيي بن أخطب وعليه جلة فقاحية قد شقها من كل ناحية قدر أنملة ليلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل ثم قال أيها الناس لا بأس بأمر الله كتاب وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه وقتل من نسائهم امرأة واحدة لم يقتل من نسائهم غيرها.
قالت عائشة ﵂ والله إنها لعندي تحدث تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقتل رجالها إذا هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا قلت لها ويلك ما لك؟ قالت أقتل. قلت ولم؟ قالت لحدث أحدثته. فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تعجب من طيب نفسها وكثرة ضحكها مع علمها أنها تقتل. قال ابن هشام هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، وقوله فقاحية نسبة إلى الفقاح كرمان وهي الزهور إذا انفتحت أكمامه وعلى فلان حلة فقاحية وهي على لون الورد حين هم ان ينفتح وكان الزبير كاميرا بن باطيا القرظي قد من على ثابت بن قيس بن شماس يوم بعاث أخذه وخلى سبيله فجاءه ثابت يوم قتل قريظة وهو أي الزبير شيخ كبير فقال إني أردت أن أجزيك بيدك عندي فاستوهبت رسول الله صلى اله تعالى عليه وسلم
стр. 273
عليه وسلم دمه فقال له ﵇ هو لك فأتاه فأخبره فقال له الزبير شيخ كبير لا أهل له ولا مال فما يصنع بالحياة فا ستوهب ثابت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم امرأته وولده فقال هم لك، فأخبره فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فسأل ثابت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماله فقال هو لك، فأتاه فأخبره، فقال يا ثابت ما فعل الذي كأن وجهه مرأة صينية تترأى فيه عذارى الحي كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموال؟ قال قتل. قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب ابن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال قتلوا. قال فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا الحقتني بالقوم فو الله ما في العيش بعد هؤلاء خير. وقدمه ثابت فضرب عنقه انتهى وبعضه باختصار.
وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالغنائم فجمعت؛ قال الزرقاني وهي ألف وخمسمائة سيف وثلاث مائة درع وألفا رمح وخمسمائة ترس وحجفة وخمر وجرار سكر بفتحتين أي نبيذ تمر فاهرق ذلك كله ولم يخمس وجمال نواضح وماشية كثيرة قاله ابن سعد وحجفة بحاء مهملة فجيم ترس صغير وأخرج الخمس من المتاع والسبي وصار الخمس إلى محمية بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية فتحتية مخففة مفتوحة بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي فهمزة الزبيدي بضم الزاي وفتح الموحدة حليف بني سهم كان قديم الإسلام وهاجر إلى الحبشة وكان عامل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الأخماس وذكر الكلبي أنه شهد بدرا، ولما انقضى أمر بني قريظة انفجر جرح بضم الجيم سعد بن معاذ الذي أصابه في الخندق بعد أن أشرف على البرء فمات شهيدا، قال الزرقاني لعل مراده شهيد الآخرة، فقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم غسله وصلى عليه ولو كان شهيد المعترك لم يفعل به ذلك، وفي البخاري أنه دعى زاد مسلم
стр. 274
وتحجر جرحه للبرء أي تيبس أي دعي بذلك لما كاد جرحه يبرأ، فقال كما في البخاري اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد في قوم أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فا بقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت قد وضعتها فافجر ها بضم الجيم أي الجراحة واجعل موتي فيها. قال الحافظ فيه جواز تمنى الشهادة وهو مخصوص من عموم النهي عن تمنى الموت وفيه صبر سعد فانفجرت من لبته بفتح اللام والموحدة المشددة موضع القلادة من صدره، هذه رواية مسلم. وقال ابن خزيمة فإذا لبته قد انفجرت من كلمه وكان الجرح ورم حتى وصل إلى صدره فأنفجر من ثم. قال الحافظ فلم يرعهم بفتح أوله وضم ثانيه وسكون العين المهماة، أي لم يفزع أهل المسجد، وفي المسجد خيمة لرجل من بني غفار بكسر المعجمة الفاء إلا الدم يسيل إليهم وذكر ابن إسحاق ان الخيمة لرفيدة الأسلمية قال الحافظ فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار بكسر المعجمة وخفة الفاء إلا الدم يسيل إليهم وذكر ابن اسحاق ان الخيمة لرفيدة الأسلمية قال الحافظ فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الدم الذي يأتينا من قبلكم أي من جهتكم؟ فإذا سعد يغذوا بغين فذال معجمتين أي يسيل جرحه دما فمات منها.
ولأحمد عن عائشة فانفجر كلمه وقد كان برئ إلا مثل الخرص بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة من حلي الأذن انتهى.
وسبب انفجار جرحه أنه مرت به عنز وهو مضجع فأصاب ظلفها موضع النحر فانفجر الدم حتي مات، وحضر جنازته ﵁ سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن، رواه الشيخان من حديث جابر، وثبت عن عشرة من الصحابة أو أكثر قال ابن عبد البر هو ثابت اللفظ من طرق متواترة وقال البراء اهتز سريره لم يلتفت إليه العلماء انتهى.
وفي العتبية أن مالكا سئل عنه فقال أنهاك أن تقوله، وما يدري المرء أن يتكلم بهذا. قال ابن رشد إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل
стр. 275
أن العرش إذا تحرك يتحرك الله لتحركه كالجالس منا على كرسيه، وليس العرش موضع استقرار الله تعالى، وتنزه عن مشابهة خلقه، انتهى. واختلف في تأويله فقالت طائفة على ظاهره واهتزازه تحركه فرحا بقدوم روح سعد، لأن العرش جسم مخلوق، قابل للحركة والسكون، وجعل الله تعالى فيه تمييزا حصل به هذا التحرك، ولا مانع منه، كما قال تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ أي ينزل من علو إلى سفل، وهذا القول هو المختار عند القسطلاني ورجحه السهيلي وقال آخرون المراد باهتزازه استبشاره وقبوله بأن أودع فيه إدراكا علم بموته ففرح به وبهذا صدر الفتح ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يريدون حركة جسمه، بل أنه يرتاح إليها، وقال الحربي هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقول أظلمت الأرض لموت فلان، ولم تظلم، وقامت له القيامة ولم تقم، وقال جماعة المراد اهتزاز سرير الجنازة، قال في المواهب وهو باطل ويرده صريح الروايات اهتز لموته عرش الرحمن فإن إضافته إليه تأبى السرير ومن قال هذا لم تبلغه هذه الروايات، وقيل المراد اهتزاز حملة العرش فرحا بقدومه. وروى الترمذي وصححه أن جنازته لما حملت قال المنافقون ما أخف جنازته. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم أن الملائكة كانت تحمله وكأن المنافقين قالوا ذلك بزعمهم الفاسد أن خفته لخفة ميزانه، فرد عليهم ﵇، وكان سعد رجلا بادنا ولما حمل بكت أمه وقالت ويل أم سعد، سعدا، صرامة وحدا، وسؤددا ومجدا وفارسا معدا سد به مسدا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم كل نائحة سعد بن معاذ. وقال لها ليرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ابنك يضحك الله له واسم أمة كبشة بنت رافع بن عبيد الأنصارية الصحابية ثم الخزرجية ذكر ابن سعد أنها اول من بايع من النساء وأهديت له علية السلام حلة حرير فجعل أصحابه يعجبون من لينها، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة
стр. 276
خير منها وألين. والمناديل جمع منديل بكسر الميم وفتحها وهو أدنى الثياب لأنه معد للوسخ والامتهان وتمسح به الأيدي وينفض به الغبار ويلف فيه الثياب وفي هذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، إذ كان أدنى ثيابه أفضل من حلة الملوك فما ظنك بأعلاها.
وروى أن إنسانا قبض من تراب قبره قبضة، ثم نظر إليها فإذا هي مسك، وعن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك الصحابي بن الصحابي قال: كنت ممن حفر لسعد قبره فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا.
وفي الحديث لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجي منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه، وقوله لو كان أحد، أي من أمم إلا الأنبياء لأنهم أي الأنبياء لا يضغطون ولا ترد فاطمة بنت أسد بأن نجاتها بسبب اضجاعه ﵇ في قبرها، ولا قارئ الإخلاص في مرض موته لأن نجاته بسبب هذه القراءة، والمنفي نجاة أحد منها بلا سبب، وروى ابن الأعرابي والبيهقي وابن مندة أنه ﵇ قال أن ضغطة القبر على المؤمن كضم الأم الشفيقة يديها على رأس ابنه يشكو إليها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، انتهى من المواهب وشرحها.
تتمة:
أسهم صلى الله تعالى عليه وسلم يوم قريظة جماعة أسهم للفارس سهم له وسهمان لفرسه وأخرج الخمس من الغنيمة ومضت تلك السنة في المغازي وقال مغلطاي في هذه السنة وهي سنة خمس فرض الحج وقيل سنة ست هي التي فرض فيها وصححه غير واحد وقيل سنة سبع وقيل سنة ثمان ورجحه ثلاثة من العلماء وقال حسان يذكر بني قريظة:
(تفاقد معشرا نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير)
(هم أوتوا الكتاب فضيعوه ... وهم عمي عن التوراة بور)
(كفرتم بالقرآن أو تيتم ... بتصديق الذي قال النذير)
стр. 277
(وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير)
ولما سمع ذلك أبو سفيان بن الحارث قال أدام الله ذلك من صنيع. وحرق في طوائفها السعير في أبيات لم يأل فيها أن صدق حسان ثم تلي غزوة قريظة من غزواته ﵇، غزوة بني لحيان بكسر اللام وفتحها كما في الزرقاني وغيره، ولحيان بن هذيل بن مدركة، قال الحافظ وزعم الهمداني النسابة أن لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا غليهم، قال ابن سعد كانت في غرة ربيع الأول سنة ست من الهجرة، وقال ابن إسحاق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة أي في السنة الخامسة، وصححه ابن حزم، وقيل كانت في رجب وقيل في شعبان وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج إلى بني لحيان يطلبهم ببعث الرجيع خبيب وأصحابه وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة بكسر الغين المعجمة وشد الراء أي غفلة في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم فسلك على غراب أي بلفظ الطائر جبل بناحية المدينة ثم على طريقة إلى الشام ثم على محيص بفتح الميم وكسر الحاء فصاد مهملتين ثم على البتراء تأنيث أبتر، ثم صفق بشد الفاء أي عدل ذات اليسار فخرج على بين بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية ونون وضبطه الصغاني بفتحهما واد بالمدينة على صخرات الثمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ثم أسرع السير حتى انتهى إلى منازلهم بغران بضم الغين وخفة الراء ونون واد بين أمج بفتحتين فجيم وعسفان بضم العين فسمعوا به صلى الله تعالى عليه وسلم فهربوا في رؤوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد فأقام يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية وخرج حتى نزل عسفان.
قال في المواهب فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع بهم قريش فيذعرهم بفتح التحتية والعين أي يفزعهم فأتوا كراع الغميم ولم يلقوا كيدا والغميم بفتح المعجمة وكسر الميم فتحتية ساكنة فميم، واد أمام
стр. 278
عسفان بثمانية أميال والكراع بضم الكاف وخفة الراء وعين مهملة جبل أسو بطرف الحرة ممتد إليه، والكراع ما سال من أنف الجبل وطرف كل شيء قاله في النور انتهى.
وفي الكلاعي أنه لما نزل عسفان بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قافلا وهو يقول حين وجد راجعا أئبون تائبون عابدون بربنا حامدون وأعوذ بالله من وعثاء السفر وكأبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال انتهى.
وقوله بعث فارسين يمكن الجمع بينه وبين ما تقدم كما في الزرقاني بأنه بعثهما ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه وقوله أئبون بعد الهمزة أي نحن راجعون إلى الله وقوله لربنا متعلق بالصفات الثلاث قبله على طريق التنازع وكذا يتعلق بما بعده ووعثاء بمثله أي مشقة والكآبة: الحزن، وغاب صلى الله تعالى عليه وسلم عن المدينة أربع عشرة ليلة ثم بعد غزوة بني لحيان غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء قاله في المواهب زاد الحافظ وحكي الضم فيهما وحكي ضم أوله وفتح ثانية قاله الزرقاني وآخره دال مهملة وهو ماء على نحو بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان قاله السهيلي، والقرد لغة الصوف وتسمى أيضا غزوة الغابة بغين معجمة فألف فموحدة وهو شجر لاحتطاب الناس ومنافعهم على بريد من المدينة وهو بعد مجتمع الأسيال وأضيفت الغزوة إليها لكون اللقاح التي أغار عليها عينية بن حصن فيها فخرج صلى الله تعالى عليه وسلم في أثره كانت عند الغابة ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى مع ذكر الغارة التي هي سببها عند ذكر الناظم لها.
وقوله بني المصطلق مراده به انه صلى الله تعالى عليه وسلم قاتل في غزوة بني المصطلق أي وقع فيها قتال من أصحابه وهو معهم وتسمى غزوة بني المصطلق بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام فقاف لقب بذلك لحسن صوته وارتفاعه من الصلق وهو رفع
стр. 279
الصوت وهو أول من غنى من خزاعة واسمه جذيمة بجيم بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة ابن سعد بن عمرو بفتح العين بن ربيعة بن حارثة بطن من خزاعة بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المخففة، قال في القاموس حي من الأسد سموا بذلك لأنهم تخز عوا عن قومهم أي تخلفوا وأقاموا بمكة انتهى. وتسمى أيضا غزوة المريسيع بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة آخره عين مهملة وكانت كما قال ابن سعد يوم الاثنين في ليلتين خلتا من شعبان سنة خمس ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق ورجحه الحاكم، وفي البخاري عن ابن إسحاق في شعبان سنة ست وبه جزم خليفة والطبري والذي لابن عقبة سنة خمس قال الحاكم وكونها سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق، قال الحافظ في الفتح ويؤيده ما في حديث الافك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب آلافك فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الافك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا لأنه مات أيام قريظة وكانت في سنة خمس على الصحيح، ثم قال فظهر أن مات أيام قريظة وكانت في سنة خمس على الصحيح، ثم قال فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق لأنها في شوال سنة خمس أيضا فيكون سعد موجودا في المريسيع. ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جرحه في قريظة انتهى من المواهب وشرحها.
وقد مر بعض هذا وعلى ما لابن إسحاق اقتصر الكلاعي وسببها أنه ﵇ بلغه أن رئيسهم الحارث بن أبي ضرار والد جويرية أم المؤمنين وأسلم لما جاء في فدائها دعي قومه ومن قدر عليه من العرب إلى حرب رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم فأجابوه وتهيؤوا للمسير معه وكانوا ينزلون بناحية الفرع بضم الفاء والراء كما نقل السهيلي وجرى عليه في المشارق وعن الأحوال اسكان الراء ولم يذكره غيره كما في التنبيهات لكن قال مغلطاي أن الحازمي وافقه وتبعهما
стр. 280
ابن الأثير والصنعاني وغيرهما وهو موضع من ناحية المدينة بينه وبين المريسيع مسيرة يوم، وفي سيرة مغلطاي يومين، فقال وبين المدينة والفرع ثمانية برد انتهى.
وأما الفرع بفتحتين فموضع بين الكوفة والبصرة (أنظر الزرقاني) فلما بلغه ذلك بعث إليهم بريدة بضم الموحدة وفتح الراء المهملة مصغرا ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الاسلمي ليعلم حالهم فاستاذنه أن يقول فأذن له فأتاهم فوجدهم قد جمعوا الجموع فكلم الحارث وقالوا له من الرجل؟ قال: منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل فأسير في قومي ومن أطاعني حتى نستأصله، قال الحارث ونحن على ذلك فعجل علينا، فقال بريدة اركب الآن وآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك ورجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره خبرهم فندب صلى الله تعالى عليه وسلم الناس وخرج مسرعا في بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة مثلها ليس لهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا عرض الدنيا واستخلف على المدينة زيد ابن حارثة وقيل أبا ذر وقيل نميلة الليثي تصغير نميلة وقادوا ثلاثين فرسا للمهاجرين منها عشرة ومعه صلى الله تعالى عليه وسلم لزاز بكسر اللام وزاي مكررة مخففة لينهما ألف من لاززته أي الصقته كأنه لصق بالمطلوب لسرعته وقيل لاجتماع خلقه ومعه الظرب بفتح الظاء المعجمة كما في القاموس والسبل والنور وتكسر على ما في بعض نسخ النور وصدر به الشامي فراء مكسورة فموحدة واحد الظراب وهي أي الروابي الصغار سمي بذلك لكبره وسمنه وقيل لقوته وصلابته وذكر الشامي أنهما من جملة عشرة المهاجرين، قاله الزرقاني وخرجت عائشة وأم سلمة ﵄ وأصاب ﵇ جاسوسا لهم فسألوه عنهم فلم يذكر من شأنهم شيئا فعرض عليه الإسلام فأبى فأمر عمر بن الخطاب بضرب عنقه وبلغ الحارث ومن معه مسيره ﵇ وأنه قتل جاسوسه فسيء بذلك هو ومن معه وخافوا خوفا شديدا، وتفرق
стр. 281
عنهم من كان معهم من العرب ولقيهم ﵇ على المريسيع فضرب عليه قبة وصف أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر وقيل إلى عمار بن يسار وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر ﵇ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما انفلت منه إنسان فقتلوا عشرة وأسروا سائرهم أي باقيهم، قال البرهان قال بعض شيوخي كانت الأسرى أكثر من سبعمائة فطلبتهم منهم جويرية ليلة دخوله بها فوهبهم لها انتهى.
ولا يشكل بما رواه ابن إسحاق أنه لما خرج الخبر إلى الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج بجويرية قال الناس أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت عائشة فلقد عتق بتزويجها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها لأن طلبها إياهم لا يمنع كون المسلمين لما سمعوا أنه تزوجها أطلقوا الأسرى، قاله الزرقاني، وقال ابن سعد كانت إبلهم ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان المسبي مائتي بيت، قال القسطلاني ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، كذا ذكره ابن إسحاق انتهى.
قال محمد بن عبد الباقي هو أي الرجل المقتول هشام بن صبابة بمهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى أصابه أنصاري يقال له أوس من رهط عبادة بن الصامت يرى أنه من المشركين فقتله خطئا وقدم اخوه مقيس بن صبابة من مكة مسلما في الظاهر فقال يا رسول الله جئتك مسلما وأطلب دية أخي قتل خطئا فأمر له بدية أخيه فأقام غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فأهدر صلى الله تعالى عليه وسلم دمه فقتل يوم الفتح انتهى.
ومقيس كمنبر بتحتية بعد القاف وهو وأخوه من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث ثم قال في المواهب والذي في البخاري عن ابن عمر يدل على أنه أغار على غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه أن النبي صلى الله
стр. 282
تعالى عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون بغين معجمة فألف فراء مشددة أي غافلون وانعامهم تستقي على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وهم علي الماء فيحتمل ان يكونوا لما دهمهم المسلمون وهم علي الماء تصافوا ووقع القتال بين الطائفتين وثبتوا قليلا ثم وقعت الغلبة عليهم للمسلمين بحملهم حملة رجل واحد انتهي باختصار قليل. وبينما الناس علي ذلك الماء وردت واردة للناس ومع عمر أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بفتح الجيم وسكون الهاء ابن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني حليف بني عمرو بن الخزرج علي الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب ابن أبي فقال أقد فعلوها قد نافرونا في بلادنا والله ما أعدنا وهؤلاء إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل علي من حضره من قومه وفيهم زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية أي الضابطة لما سمعته وهو غلام حدث فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم احللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلي دار غيركم فمشي زيد بن أرقم إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره الخبر وذلك عند فراغه من عدوه وعند عمرو بن الخطاب فقال مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: فكيف يا عمرو إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ! لا. ولكن أذن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس ومشي ابن أبي إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين بلغه ما سمعه منه فحلف بالله ما قلت ما قال، وكان شريفا عظيما في قومه، فقال من حضر من الأنصار يا رسول الله عليك السلام، عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه حدبا على ابن أبي فلما استقل صلى الله تعالى عليه وسلم لقي أسيد بن حضير فحياه تحية النبوؤة ثم قال يا رسول الله رحلت في ساعة منكرة ما كنت
стр. 283
ترحل في مثلها؟ ! فقال له رسول صلى الله تعالى عليه وسلم أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال وأي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبي قال وما قال؟ قال زعم أنه إن رجع الي المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال يا رسول الله عليك السلام أرفق به فو الله لقد جاء بك الله وإن قومه لينظمون له الحرز ليتوجوه فإنه ليري أن قد استلبته ملكا ثم متن بفتح الميم والمثتناة الفوقية وبالنون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالناس أي سار بهم يومهم ذلك حتي أمسا وليلتهم حتي أصبح وساروا يومهم ذلك حتي آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نواما وإنما فعل ذلك ليغشل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ثم راح بالناس فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال ﷺ لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بالتابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين قد مات ذلك اليوم ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي ومن معه فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم بأذن زيد بن الأرقم فقال هذا الذي أوفي الله باذنه، وفي رواية إن الله صدقك يا زيد. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فقال يا رسول الله عليك السلام إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه إني أخشي أن تأمر به غيري فيقتله فأقتله مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلي الله تعالي عليه وسلم بل ترفق به، وتحسن صحبته ما بقي معنا، وكان بعد ذلك إذا حدث الحدث عاتبه قومه وعنفوه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم بركة من أمري. وفي الإكتفاء أن مقيسا لما رجع الي مكة قال في قتل قاتل أخيه والعياذ
стр. 284
بالله تعالى:
(شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا ... تصرج ثوبيه دماء الأخادع)
(وكانت هموم النفس من أجل قتله ... تلم فتحيني وطاء المضاجع)
(حللت به وتري وأدركت ثأرتى ... وكنت إلى الأوثان أول راجع)
(ثأرت به جهرا وحملت عقله ... سرات بني النجار أرباب فارع)
وقال أيضا:
(جللته ضربة باتت لها وشل ... من نافع الجوف يعلوه وينصرم)
(فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تامنن بني بكر إذا ظلموا)
وتضرج تلطخ والأخادع عروق القفا ووطاء أي لين، وفارع اسم حصن لهم وجللته علوته ووشل أي متحلب وناقع الجوف دمه. وأصاب ﵇ من بني المصطلق سبيا كثيرا فقسمه في أصحابه وكان فيمن أصيب يومئذ أمنا جويرية ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبته علي نفسها. قال عائشة وكانت تعني جويرية امرأة حلوة لها ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تستعينه في كتابتها فوالله ما هو إلا ان رأيتها علي باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيري منها ما رأيت فدخلت عليه فقال: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لا يخفي عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس أو ابن عمر له فكاتيته فجئت أستعينك علي كتابتي. قال فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال اقضي عنك كتابنك وأتزوجك؟ قالت نعم با رسول الله، قال قد فعلت. وخرج الخبر إلي الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد تزوج جويرية فقال الناس هؤلاء أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم انتهى. وروى الواقدي أنها قالت رأيت قبل قدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بثلاث كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله تعالى
стр. 285
عليه وسلم فلما سبينا رجوت الرؤيا اهـ. قم بعث صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بني المصطلق الوليد بن عقبة مصدقا فلما سمعوا به ركبوا إليه فهابهم وأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره أنهم هموا بقتله ومنعوا صدقاتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم صلى الله تعالى عليه وسلم بغزوهم فقدم وفدهم فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونودي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعنا فبلغنا أنه رغم أنا خرجنا لنقتله والله ما جئنا لذلك. فأنزل الله فيه وفيهم (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) - الآية، ولم يسلم الوليد إلا في الفتح سنة ثمان. وكونها نزلت في أمر الوليد قال ابن عبد البر لا أعلم فيه خلافا بين أهل العم بتاويل القرآن. وفي رجوعه ﵇ من هذه الغزوة قال أهل الإفك في الصديقية الطاهرة ابنة الصديق ما انزل الله كتابه ببراءتها رضي الله تعالى عنها منه، ففي الصحيحين عنها: خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه حتى إذا فرغ صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوته تلك ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمضيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلي رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملو هودجي فرحلوه علي بعيري الذي كنت اركبه عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا، فلم يغشهن اللحم إنما ياكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء
следующие страницы →