← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عنهم من كان معهم من العرب ولقيهم ﵇ على المريسيع فضرب عليه قبة وصف أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر وقيل إلى عمار بن يسار وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر ﵇ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فما انفلت منه إنسان فقتلوا عشرة وأسروا سائرهم أي باقيهم، قال البرهان قال بعض شيوخي كانت الأسرى أكثر من سبعمائة فطلبتهم منهم جويرية ليلة دخوله بها فوهبهم لها انتهى. ولا يشكل بما رواه ابن إسحاق أنه لما خرج الخبر إلى الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج بجويرية قال الناس أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت عائشة فلقد عتق بتزويجها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها لأن طلبها إياهم لا يمنع كون المسلمين لما سمعوا أنه تزوجها أطلقوا الأسرى، قاله الزرقاني، وقال ابن سعد كانت إبلهم ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان المسبي مائتي بيت، قال القسطلاني ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، كذا ذكره ابن إسحاق انتهى. قال محمد بن عبد الباقي هو أي الرجل المقتول هشام بن صبابة بمهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى أصابه أنصاري يقال له أوس من رهط عبادة بن الصامت يرى أنه من المشركين فقتله خطئا وقدم اخوه مقيس بن صبابة من مكة مسلما في الظاهر فقال يا رسول الله جئتك مسلما وأطلب دية أخي قتل خطئا فأمر له بدية أخيه فأقام غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فأهدر صلى الله تعالى عليه وسلم دمه فقتل يوم الفتح انتهى. ومقيس كمنبر بتحتية بعد القاف وهو وأخوه من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث ثم قال في المواهب والذي في البخاري عن ابن عمر يدل على أنه أغار على غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه أن النبي صلى الله

стр. 282

تعالى عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون بغين معجمة فألف فراء مشددة أي غافلون وانعامهم تستقي على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وهم علي الماء فيحتمل ان يكونوا لما دهمهم المسلمون وهم علي الماء تصافوا ووقع القتال بين الطائفتين وثبتوا قليلا ثم وقعت الغلبة عليهم للمسلمين بحملهم حملة رجل واحد انتهي باختصار قليل. وبينما الناس علي ذلك الماء وردت واردة للناس ومع عمر أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بفتح الجيم وسكون الهاء ابن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني حليف بني عمرو بن الخزرج علي الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب ابن أبي فقال أقد فعلوها قد نافرونا في بلادنا والله ما أعدنا وهؤلاء إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل علي من حضره من قومه وفيهم زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية أي الضابطة لما سمعته وهو غلام حدث فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم احللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلي دار غيركم فمشي زيد بن أرقم إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره الخبر وذلك عند فراغه من عدوه وعند عمرو بن الخطاب فقال مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: فكيف يا عمرو إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ! لا. ولكن أذن بالرحيل. وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس ومشي ابن أبي إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين بلغه ما سمعه منه فحلف بالله ما قلت ما قال، وكان شريفا عظيما في قومه، فقال من حضر من الأنصار يا رسول الله عليك السلام، عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه حدبا على ابن أبي فلما استقل صلى الله تعالى عليه وسلم لقي أسيد بن حضير فحياه تحية النبوؤة ثم قال يا رسول الله رحلت في ساعة منكرة ما كنت

стр. 283

ترحل في مثلها؟ ! فقال له رسول صلى الله تعالى عليه وسلم أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال وأي صاحب يا رسول الله؟ قال عبد الله بن أبي قال وما قال؟ قال زعم أنه إن رجع الي المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال يا رسول الله عليك السلام أرفق به فو الله لقد جاء بك الله وإن قومه لينظمون له الحرز ليتوجوه فإنه ليري أن قد استلبته ملكا ثم متن بفتح الميم والمثتناة الفوقية وبالنون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالناس أي سار بهم يومهم ذلك حتي أمسا وليلتهم حتي أصبح وساروا يومهم ذلك حتي آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نواما وإنما فعل ذلك ليغشل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ثم راح بالناس فهبت عليهم ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال ﷺ لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بالتابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين قد مات ذلك اليوم ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي ومن معه فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم بأذن زيد بن الأرقم فقال هذا الذي أوفي الله باذنه، وفي رواية إن الله صدقك يا زيد. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فقال يا رسول الله عليك السلام إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك رأسه إني أخشي أن تأمر به غيري فيقتله فأقتله مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلي الله تعالي عليه وسلم بل ترفق به، وتحسن صحبته ما بقي معنا، وكان بعد ذلك إذا حدث الحدث عاتبه قومه وعنفوه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي أقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعظم بركة من أمري. وفي الإكتفاء أن مقيسا لما رجع الي مكة قال في قتل قاتل أخيه والعياذ

стр. 284

بالله تعالى: (شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا ... تصرج ثوبيه دماء الأخادع) (وكانت هموم النفس من أجل قتله ... تلم فتحيني وطاء المضاجع) (حللت به وتري وأدركت ثأرتى ... وكنت إلى الأوثان أول راجع) (ثأرت به جهرا وحملت عقله ... سرات بني النجار أرباب فارع) وقال أيضا: (جللته ضربة باتت لها وشل ... من نافع الجوف يعلوه وينصرم) (فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تامنن بني بكر إذا ظلموا) وتضرج تلطخ والأخادع عروق القفا ووطاء أي لين، وفارع اسم حصن لهم وجللته علوته ووشل أي متحلب وناقع الجوف دمه. وأصاب ﵇ من بني المصطلق سبيا كثيرا فقسمه في أصحابه وكان فيمن أصيب يومئذ أمنا جويرية ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له فكاتبته علي نفسها. قال عائشة وكانت تعني جويرية امرأة حلوة لها ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تستعينه في كتابتها فوالله ما هو إلا ان رأيتها علي باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيري منها ما رأيت فدخلت عليه فقال: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لا يخفي عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس أو ابن عمر له فكاتيته فجئت أستعينك علي كتابتي. قال فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال اقضي عنك كتابنك وأتزوجك؟ قالت نعم با رسول الله، قال قد فعلت. وخرج الخبر إلي الناس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد تزوج جويرية فقال الناس هؤلاء أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم انتهى. وروى الواقدي أنها قالت رأيت قبل قدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بثلاث كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله تعالى

стр. 285

عليه وسلم فلما سبينا رجوت الرؤيا اهـ. قم بعث صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بني المصطلق الوليد بن عقبة مصدقا فلما سمعوا به ركبوا إليه فهابهم وأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره أنهم هموا بقتله ومنعوا صدقاتهم فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم صلى الله تعالى عليه وسلم بغزوهم فقدم وفدهم فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونودي إليه ما قبلنا من الصدقة فانشمر راجعنا فبلغنا أنه رغم أنا خرجنا لنقتله والله ما جئنا لذلك. فأنزل الله فيه وفيهم (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) - الآية، ولم يسلم الوليد إلا في الفتح سنة ثمان. وكونها نزلت في أمر الوليد قال ابن عبد البر لا أعلم فيه خلافا بين أهل العم بتاويل القرآن. وفي رجوعه ﵇ من هذه الغزوة قال أهل الإفك في الصديقية الطاهرة ابنة الصديق ما انزل الله كتابه ببراءتها رضي الله تعالى عنها منه، ففي الصحيحين عنها: خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه حتى إذا فرغ صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوته تلك ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمضيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلي رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه قالت وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملو هودجي فرحلوه علي بعيري الذي كنت اركبه عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا، فلم يغشهن اللحم إنما ياكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء

стр. 286

الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت لاسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا ولا سمعت منه غير استرجاعه وهوي حتى أناخ راحلته فوطيء علي يدها فقمت إليها وركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتي أتينا الجيش فى نحر الظهيرة وهم نزول فهلك من هلك وكان الذي تولى كبر الافك عبد الله بن أبي بن سلول - الحديث - والجزع بالفتح ويكسر الخرز اليمني وظفار كقطام مدينة باليمن وقيل جبل سميت به المدينة وهي في أقصى اليمن إلي جهة الهند فقال ابن عبد البر انكر قوم أن يكون حسان خاض في الافك، فقال يمدح عائشة رضي الله تعالي عنها ويعتذر: (حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل) (عقلية حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل) (مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل) (فإن قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل) (فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي) (فكيف وودي ما حييت ونصرتي ... بآل رسول الله زين المحافل) (له رتبة عال علي الناس كلهم ... تقاصر عنها رتبة المتطاول) (فإن الذي قد قيل ليس بلائق ... ولكنه قول امراء بي ناحل) وحصان كسحاب عفيفة ورزان كسحاب أيضا صاحبة وقار وعقل ثابت وما تزن أي ما تتهم وغرثى أي جائعة لا تغتاب أحدا وقوله عقيلة حي قال في القاموس العقيلة كسفينة الكريمة المخدرة، ومن القوم سيدهم، والخيم بكسر الخاء المعجمة الطبيعة والنصرة بالضم حسن المعونة واللائق اللاصق والماحل النمام وقيل إن آية التيمم نزلت في هذه الغزوة وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أسفاره حتي إذا كنا في البيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا عل ماء

стр. 287

وليس معهم ماء فأتى الناس إلي أبي بكر فقالوا له ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والناس وليسوا علي ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واضع رأسه علي فخذي قد نام فقال قد حبست رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والناس وليسوا معهم ماء، فقالت عائشة فعاتبني أبو بكر فقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم علي فخذي فقام رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم حتي أصبح علي غير ماء فأنزل الله تعالى آية التيمم فتتيمموا فقال أسيد بن حضير ما هي بأول بركاتكم علينا يا آل أبي بكر، قالت فبعثنا البعير فأصبنا العقد تحته، قال في الفتح قولها في بعض أسفاره قال ابن عبد البر في التمهيد يقال كان ذلك في غزوة بني المصطلق جزم بذلك في الاستذكار وسبقه إلي ذلك الجزم بن حبان وابن سعد فإن كان ما جزموا به ثابتا حمل علي أنه سقط منها فى هذه السفرة مرتين، وقيل ان قولها فى بعض أسفاره هو غزوة ذات الرقاع، وقيل غزوة الفتح، قال الزرقاني وحاصله يعني كلام الفتح، هل السفر المبهم في قول عائشة في بعض أسفاره المريسيع أم ذات الرقاع أو الفتح أقوال وهل سقط العقد مرتين في غزوة واحدة وهي المريسيع أو مرتين في غزوتين، وقولها بالبيداء الخ ... الشك من عائشة، قاله القسطلاني، والبيداء بفتح الموحدة وبالمد قال ابن التين هو ذو الحليفة وذات الجيش بفتح الجيم وسكون التحتية وشين معجمة وهي وراء ذي الحليفة انتهى. وفي القاموس البيداء أرض ملساء بين الحرمين وفيه، وذات الجيش واد قرب المدينة وفيه انقطع عقد عائشة ﵂ ثم بعد المريسيع علي ما ذهب إليه ابن إسحاق غزوة الحديبية وترجم لها البخاري غزوة الحديبية، ولأبي ذر عن الكشميهيني عمرة الحديبية فترجم في المواهب أمر الحديبية، قال الزرقاني في شرحه ولم يقل غزوة أو عمرة لتكون

стр. 288

الترجمة محتملة، والحديبية بتخفيف الياء وتشديدها وهي بئر سمى المكان بها، وقيل شجرة، وقال الطبري قرية قريبة من مكة أكثرها فى الحرم وباقيها في الحل وهي على تسعة أميال من مكة، وقال الواقدي من المسجد، قاله في المواهب. وسببها أنه ﵇ رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، كما ذكره الواقدي، وأما ما رواه البيهقي أنه ﵇ رأي وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين. فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزل: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) (الآية)، فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيرا من الله ثانيا ولا يصلح جعلها سببا في خروجه من المدينة خرج ﵊ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة لا يريد قتالا واستنفر العرب ومن حوله من البوادي ليخرجوا معه لئلا يتعرض له قريش بحرب، وساق الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس وأخرج معه أم سلمة ﵂ فى ألف وأربع مائة، كما فى الصحيحين عن البراء، ويقال ألف وخمسمائة كما فيهما أيضا عن جابر ويجمع بينهما بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال أربعمائة ألغي الكسر ومن قال خمسمائة اعتبره، ويؤيد هذا ما في البخاري عن البراء أيضا أنهم كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر وأما ما في الصحيحين عن ابن أبي أوفي ألف وثلاثمائة فيمكن حمله علي ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة ناس والزيادة من الثقة مقبولة وأما قول ابن إسحاق أنهم سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه وجزم ابن عقبة بأنهم ألف وستمائة، واستخلف علي المدينة ابن أم مكتوم، قاله في المواهب ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب، بضمتين جمع قراب، ومعهم مائتا فرس وبعث ﵇ عينا له من خزاعة يقال له بسر بضم الموحدة وسكون المهملة بن سفيان وقيل بكسر الموحدة وإعجام الشين. وسار صلى الله تعالى عليه وسلم حتى كان بغدير

стр. 289

الأشطاط قريبا من عسفان والاشطاط بشين معجمة وطاءين مهملتين بينهما ألف جمع شط وهو جانب الوادي، اتاه عينه فقال إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت والأحابيش بحاء مهملة وموحدة آخره معجمة جمع أحبوش بضم الهمزة والباء وهم بنو الهون بن خريمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة كانوا تحالفوا مع قريش علي يد قصي بن كلاب، قيل عند الحبشي جبل بأسفل مكة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم نقله الزرقاني. وفي رواية أن بسرا قال له هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمر وقد نزلوا بذي طوي يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، والعوذ بضم العين المهملة وسكون الواو فذال معجمة جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، المطافيل بتفح الميم والطاء المهملة فألف ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فلام التي معها أطفالها يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل، ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتي يمنعوه أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، أي أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون ذلك أدعي لعدم الفرار. قال السهيلي سميت عوذا وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو قاله في المواهب وشرحها. وروي الخرائطي أن بسرا بن سفيان قدم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم عام الحديبية فقال يا بسر هل عندك علم ان أهل مكة علموا بمسيري؟ فقال إني لأطوف بالبيت في ليلة كذا وقريش في أنديتها إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس بصوت أسمع أهل مكة: (هيوا لصاحبكم مثلي صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشرا كرما) (بعد الطواف وبعد السعي فى مهل ... وإن يحوزهم من مكة الحرما) (شاهت وجوههم من معشر ثكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما) فارتجت مكة وتعاقدوا أن لا تدخل عليهم عامهم هذا فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هذا الهاتف سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله

стр. 290

إن شاء الله. فبينما هم كذلك سمعوا من أعلي الجبل صوتا: (شاهت وجوه رجال حالفوا صنما ... وخاب سعيهم ما أقصر الهمما) (إني قتلت عدو الله سلفعة ... شيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما) (وقد أتاكم رسول الله فى نفر ... وكلهم محرم لا يسفكون دما) قال الزرقاني فإن ثبت هذا فكأنه أخبره، فبعثه عينا هل اجتمعوا فذهب وعاد مخبرا له باجتماعهم اهـ. ولما أتاه ﵇ خبرهم استشار أصحابه فقال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، وقال امضوا علي اسم الله. وفي البخاري حتي إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ان خالدا بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش وهي بفتحتين غبار الجيش الأسود كذا قيد به الحافظ والمؤلف يعني القسطلاني قاله الزرقاني، فانطلق خالد يركض نذيرا لقريش وسار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتي إذا كان بثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء وهي الطريق التي تشرف علي الحديبية وهي التي يهبط منها علي قريش بركت به ﵇ ناقته القصواء بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الواو ممدود مهموز وقال الناس حل، حل، بفتح الحاء وسكون اللام فيهما وقال الخطابي إن قلت واحدة فبالسكون، وإن عددتها نونت الأولى وسكنت الثانية، وحكى غيره السكون فيهما، والتنوين كنظيره في بخ بخ، وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. يقال حللت فلانا إذا أزعجته عن موضعه لكن الرواية بالسكون قاله القسطلاني فألحت بفتح الهمزة واللام وشد الحاء المهملة أي تمادت علي عدم القيام فلم تبرح عن مكانها، فقالوا خلأت بخاء معجمة ولام وهمزة مفتوحات أي حرنت وبركت من غير علة، القصواء مرتين، قيل كان طرف أذنها مقطوعا والقصو قطع طرف الأذن، وقيل لأنها لا تسبق، فقيل لها ذلك لأنها بلغت أقصى السير فقال النبي صلى

стр. 291

الله تعالى عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق أي بعادة ابن قتيبة، والخلاء لا يكون إلا للنوق ابن فارس لا يقال للجمل خلأ ولكن ألح ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة بضم المعجمة وشد الطاء أي خصلة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت وولي راجعا حتى نزل بأقصى الحديبية. وفي رواية ابن إسحاق: ثم قال للناس أنزلوا. قالوا يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه انتهي. فنزل علي ثمد قليل الماء بفتح المثلثة والميم فيتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش بالري حتي صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي فى نفر من قومه وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أهل نهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنا لم نجاء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا والا فقد جمعوا بفتح الجيم وشد الميم مضمومة يعني استراحوا، وإن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم علي أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أي صفحة العنف كنى بذلك عن القتل، ولينفذن الله أمره. فقال بديل سأبلغهم ما تقول فانطلق حتي أتى قريشا وقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسمعناه يقول قولا فإن شئتم ان نعرضه عليكم فعلنا؟ فقال سفهاءهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول. قال سمعته يقول: كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام عروة بن

стр. 292

مسعود بن معتب بضم الميم وفتح المهملة وشد الفوقية المكسورة الثقفي فقال أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا بلي! قال أو لست بالولد؟ قالوا بلي! قال ابن اسحاق وذلك لأن أن عروة سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف قال فهل تتهموني؟ قالوا لا! قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ بضم المهملة وخفة الكاف أي دعوتهم إلي نصركم؟ فلما بلحوا علي بموحدة وشد لام مفتوحتين فمهملة مضمومة أي امتنعوا من الإجابة جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا بلي! قال فإن هذا يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد عرض عليكم خطة ودعوني ءاتيه، قالوا آئته، فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت أن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وان تكن الأخرى فإني والله لارى وجوها اشوابا يعني أخلاطا من الناس خليقا ان يفروا عنك ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق ﵁، زاد ابن اسحاق وابو بكر قاعد خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة فأقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمه، وعادة العرب الشتم بذلك بلفظ الأم، فأبدله الصديق باللات والبظر بفتح الموحدة وظاء معجمة ساكنة فراء قطعة تبقى فى الفرج بعد ختان المرأة وقيل هو فرج المرأة، وفي المصباح البظر لحمة بين شفري المرأة، واللات صنم كانت ثقيف وقريش يعبدونه وفيه النطق بمستبشع الألفاظ زجرا لمن بدي منه ما يستحق به ذلك فقال عروة من هذا؟ قالوا أبو بكر. فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وذلك انه تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعشر قلائص وغيره يعينه باثتنين وثلاث قاله الواقدي، وجعل عروة يكلم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته الشريفة، والمغيرة بن شعبة بن مسعود قائم على رأس النبي صلى الله تعالى

стр. 293

عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوي عروة أي أو مأبيده إلى لحيته صلى الله تعالى عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحيتة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. زاد عروة بن الزبير فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، وكانت عادة العرب كما في الفتح وغيره أن يتناول الرجل لحية من يكلمه ولا سيما عند الملاطفة، يريدون التواصل، فقال عروة من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة؛ قال أي غدر ألست أسعى في غدرتك، بفتح الغين المعجمة أي جنايتك، ولابن اسحاق: وهل غسلت سوأتك إلا بالامس؟ يريد أن المغيرة كان صحب في الجاهلية ثلاثة عشر من ثقيف من بني مالك لما خرجوا للمقوقس بهدايا فأعطاهم وقصر بالمغيرة لأنه ليس من بني مالك بل من الأحلاف فغار منهم ولم يواسوه فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر فناموا فقتلهم المغيرة وأخذ أموالهم ثم جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم فقال ﵇ أما الإسلام بالنصب علي المفعولية فأقبل وأما المال فلست منه في شيء أي لا أتعرض له لكونه أخذ غدرا لأنه لا يحل أخذ مال الكفار غدرا حال الأمن لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، قاله الزرقاني؛ فبلغ ذلك ثقيفا فتهايج الحيان للقتال بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودي عروة المقتولين وأصلح ذلك، فقام عروة وقد رأى ما يصنع به ﵇ أصحابه لا يتنخم نخامة بضم النون إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده وإذا توضأ كادوا يقتتلون علي وضوئه بفتح الواو أي ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم وما يحدون بضم التحتية وكسر المهملة أي يديمون النظر إليه تعظيما له ولا يسقط شيء من شعره إلا خذوه، فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني فد جئت كسري بكسر الكاف وفتحها فى ملكه، لقب لكل من ملك الفرس، وقيصر في ملكه، لقب لكل من ملك الروم، والنجاشي بفتح النون وتكسر وخفة الجيم فألف فشين

стр. 294

معجمة فتحتية مشددة أو مخففة، لقب لمن ملك الحبشة، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد وأصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فرووا رأيكم. وفي البخاري وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة هو الحليس مصغر ابن علقمة وكان سيد الأحابيش يومئذ قال البرهان الظاهر، هلاكه علي كفره، دعوني آتيه، فقالوا إئته، فلما أشرف علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه، قال صلى الله تعالى عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له أي أثيروها له، أي دفعة، فبعثرها له، فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلي أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. وروي الحاكم أن الحليس لما رأى البدن صاح وقال هلكت قريش ورب الكعبة إن القوم إنما أتوا عمارا. ولابن إسحاق أن الحليس لما قال لهم ذلك، قالوا إنما أنت اعرابي لا علم لك. فغضب الحليس وقال والله ما علي هذا حالفناكم أيصد عن البيت من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين من جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له اكفف يا حليس حتي نأخذ لأنفسنا ما نرضى به، فقام مكرز بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي ابن حفص ابن الأخيف بمعجمة فتحتية ففاء من بني عامر بن لوي، قال في الإصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان بلفظ يقال له صحبة، فقال دعوني آتيه؛ فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر بالفاء والجيم، ولابن اسحاق غادر وذكر الواقدي أن حفص بن الأخيف كان له ولد وضيء فقتله رجل من بني بكر ابن كنانة بدم لهم كان في قريش، فتكلمت قريش في ذلك ثم اصطلحوا فعدى مكرز بعد ذلك علي عامر بن يزيد سيد بنو بكر فقتله غرة فكأنه ﵇ أشار إلي ذلك فجعل مكرز يكلم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال له صلى الله تعالى عليه

стр. 295

وسلم، نحوا مما قال لبديل وأصحابه اهـ. ولنذكر شيئا من شرح هذا الحديث قوله ثمد يعني حفرة فيها ماء قليل قاله القسطلاني وغيره، ويتبرضه بتحتية ففوقية فموحدة فراء مشددة فضاد معجمة أي يأخذونه قليلا قليلا. وقال صاحب العين هو جمع الماء بكفين، وقوله فلم يلبثه الناس بضم أوله وسكون اللام من الألباث أو بضم أوله وكسر الموحدة المثقلة أي لم يتركوه يلبث أي يقيم والأعداد بفتح الهمزة جمع عد بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع له والعوذ المطافيل مر تفسيره ونهكتهم بفتح النون والهاء وكسرها أي بلغت فيهم حتى أضعفت قوتهم، وأضعفت أموالهم، وقوله فإن شاؤوا ماددتهم أي جعلت بيني وبينهم مدة أترك الحرب فيها، والكنانة بكسر الكاف الجعبة التي فيها النبل ويجيش بفتح أوله وكسر الجيم آخره معجمة أي يفور والري قال الحافظ الراء ويجوز فتحها وقوله صدروا عنه أي رجعوا بعد ورودهم، زاد ابن سعد حتي اغترفوا بآنيتهم جلوسا علي شفير البئر. وفي البخاري عن البراء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال دعوها ساعة، فأرووا أنفسهم وركابهم حتي ارتحلوا ويمكن الجمع بأن الأمرين وقعا معا. وبديل بالموحدة مصغر وورقاء بفتح الواو وسكون الراء، وكان بديل سيد قومه، وأسلم يوم الفتح وشهد حنينا والطائف وتبوك، وقيل أسلم قبل الفتح، والعيبة بفتح المهملة وسكون التحتية فموحدة ما يوضع فيه الثياب لحفظها أي أنهم موضع نصح بضم النون وحكي فتحها له صلى الله تعالى عليه وسلم وأشوابا بتقديم المعجمة علي الواو للأكثر، ولأبي ذر عن الكشميهني أو شابا بتقديم الواو علي المعجمة ويروي أو باشا بتقديم الواو علي الموحدة، وخليقا بالخاء المعجمة وبالقاف أي حقيقا وزنا ومعنى، قاله الزرقاني. وفي الاكتفاء ودعا صلى الله تعالى عليه وسلم خراشا بن أمية الخزاعي فحمله علي بعير له وبعثه إلى قريش ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به الجمل، وأرادوا قتله، فمنعته

стр. 296

الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا وأوتي بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخلى سبيلهم، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال يا رسول الله أخاف قريشا علي نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحدا يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلطتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فدعا صلى الله تعالى عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته، فخرج عثمان فلقيه أبان بن سعيد، بن العاصي فحمله بين يديه ثم أجاره انتهى. وفي الزرقاني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بعث إلى قريش كتابا مع خراش بن أمية على جمله ﵇ فعقره عكرمة بن أبي جهل، قال وليس المراد به كتاب الصلح كما يوهمه سياق المواهب بل كتاب أرسله لأشراف قريش كما أخرجه البيهقي والحاكم يعلمهم أنه انما قدم معتمرا، قال الزرقاني بعد كلام وكتب كتابا بعثه مع عثمان بن عفان وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن الله سيظهر دينه فتوجه عثمان فوجد قريشا ببلدح بفتح الموحدة والدال المهملة بينهما لام ساكنة ثم حاء مهملة موضع خارج مكة قد اتفقوا علي منعهم من مكة، فأجاره ابان بن سعيد وحمله علي فرسه وركب هو وراءه، وقال له اقبل وادبر ولا تخف أحدا، بنو سعيد أعزة الحرم، فانطلق حتى أتي أبا سفيان وعظماء قريش وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا، فما أجابوا، فصمموا أنه لا يدخلها هذا العام، فقالوا لعثمان إن شئت أن تطوف فطف، فقال ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قال المسلمون هنيئا لعثمان، خلص إلى البيت فطاف به

стр. 297

دوننا، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن ظني به أن لا يطوف حتي نطوف معا، فبشر عثمان المستضعفين انتهى المراد منه. وفي المواهب عن البخاري انه ﵇ بينما هو يكلم مكرز بن حفص إذ جاء سهيل بن عمرو وإنه لما جاء قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد سهل لكم بفتح السين وضم الهاء كما اقتصر عليه القسطلاني، زاد الدمامني وبضم السين وكسر الهاء مشددة من أمركم ومن زائدة أو تبعيضية، وهذا من التفاؤل وكان يعجبه الفال الحسن، ولما رأى صلة الله تعالى عليه وسلم سهيلا مقبلا قال ﵇ قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا. فلما انتهي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم برك على ركبتيه وتربع المصطفى صلى الله تعالي عليه وسلم وقام عباد بن بشر وسلمة بم أسلم على رأسه مقنعين في الحديد وجلس المسلمون حوله فجرى القول بينهما وأطال سهيل الكلام، وكان خطيب قريش، فقال له عباد أخفض صوتك عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووقع الصلح بينهما علي وضع الحرب بينهم عشر سنين، هذا هو المعتمد. ولابن عقية أنه سنتان، وجمع بينهما الحافظ بأن العشر هي المدة التي وقع الصلح عليها والسنتين هي التي انتهى أمر الصلح فيهما حين نقضته قريش، فقال سهيل هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الكاتب، وهو علي بن أبي طالب، وفي رواية أنه محمد بن مسلمة وجمع بينهما بأن أصل عقد الصلح بخط علي كما في البخاري ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال سهيل أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون والله لا تكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اكتب باسمك اللهم، فكتب ثم قال اكتب هذا ما قاضى وفي رواية ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة، فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما

стр. 298

صددناك عن البيوت وما قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، ووقع الصلح على أن من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه إليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة أي صدورا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة وإنه لا إسلال بكسر الهمزة وهو السرقة والخلسة ولا إغلال أي لا خيانة مصدر أغل أي خان، أما ما في الغنية فغل بغير ألف وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدحل في عقد قريش دخل فيه، فقالت خزاعة نحن في عقد محمد، وقالت بنو بكر نحن في عقد قريش وانك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فتدخلها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. والحكمة في موافقته ﵇ لسهيل على أن من أتي من قريش يرد إليهم وإن كان مسلما كما قال العلماء هي ما ظهر فيه من المصلحة الباهرة والفوائد المتكاثرة التي علمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخفيت على غيره التي كان عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجا وذلك انه قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا يخلون بمن يعلمهم بأموره ﵇ مفصلة، فلما حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين وجاء وهم بالمدينة وذهب المسلمون الى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم من الكفار وسمعوا منهم معجزاته ﵇ الباهرة وأعلام نبوؤته المتظاهرة فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى أسلم منهم خلق فيما بين الصلح والفتح، منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام فأسلموا كلهم يوم الفتح وغير قريش من العرب كانوا ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش فلما أسلم قريش أسلم العرب، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ما كان فتح أعظم من صلح الحديبية لكن

стр. 299

قصر رأيهم عن ما كان بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين ربه، والله تعالى لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، قال الزهري فقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان دخل فيه قبل ذلك أو أكثر نقله الزرقاني، قال ابن إسحاق فإن الصحيفة لتكتب إذ دخل أبو جندل وزن جعفر بن سهيل بن عمرو وكان اسمه العاصي فتركه لما أسلم وكان منع الهجرة وعذب بسبب الإسلام وأخوه عبد الله بن سهيل حضر بدرا مع المشركين ففر منهم إلى المسلمين ثم كان مع المسلمين في الحديبية وكان أبو جندل أوثقه سهيل فخرج وتنكب الطريق وركب الجبال يرسف بكسر السين ويقال بكسرها كما في المقدمة في قيوده والرواية بالضم حتى رمى بنفسه بين المسلمين ففرحوا به فقام سهيل إلى أبي حندل فضرب وجهه وجعل يتلببه أي يجمع عليه ثوبه الذي هو لابسه ويقبض عليه نحره ثم قال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلي صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني فزاد الناس ذلك إلى ما بها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يا أبا جندل أصبر واحتس فإنا لا نغدر وقد تم الصلح قبل أن تأتي، وتلطفت بأبيك فأبي، وإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فوثب عمر يمشي إلى جنبه فيقول اصبر فإنما هم المشركون وإنما دم أحدكم كدم الكلب وبدني قائم السيف منه، يقول عمرو رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية ولما تم كتاب الصلح وهم ينتظرون امضاءه رمي رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر فكانت معاركة بالنبل والحجارة، فارتهن كل فريق من عندهم، وأمسك ﵇ سهيل بن عمرو كما في مغازي أبي الأسود وابن عائذ وابن عقبة وامسك المشركون عثمان فبلغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن عثمان قد قتل وقال لا نبرح حتى نناهز القوم، فدعا الناس إلى بيعه الرضوان

стр. 300

تحت الشجرة وهي سمرة أو أم غيلان، كان ﵇ نازلا تحتها يستظل بها، فبايعوه على الموت كما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع وهو أول من بايع على ما في صحيح مسلم. وروي مسلم عن معقل بن يسار أنهم بايعوه على ان لا يفروا وجمع الترمذي بأن بعضا بايع على الموت، وبعضا على أن لا يفر. وقال الحافظ لا منافاة فالمراد بالمبايعة علي الموت أن لا يفروا ولو ماتوا. وروى الطبراني أن أول من بايع أبو سنان الأسدي واسمه وهب أو عامر أو عبد الله بن محصن أخو عكاشة وكذا رواه ابن مندة والبيهقي وصحح أبو عمر قائلا انه الأكثر والأشهر وقيل ابنه سنان ابن أبي سنان ووضع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شماله في يمينه وقال هذه أي شماله عن عثمان وهذا قد يشعر بأنه لم يقتل فيكون معجزة ويؤيده ما جاء أنه لما بايع الناس قال اللهم ان عثمان في حاجتك وحاجة رسولك فضرب بإحدى يديه علي الأخري فكانت يده لعثمان خير من أيديهم لأنفسهم، قاله الزرقاني. ولما سمع المشركون بهذه البيعة ألقي الله في قلوبهم الرعب فأذعنوا إلى الصلح ولما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره بالحديبية أي نحر أكثره بها، فلا ينافي ما رواه ابن سعد أنه بعث عشرين بدنة لتنحر عنه عند المروة مع رجل من أسلم وكانت البدن سبعين وفيها جمل لأبي جهل فى رأسه برة من فضة ليغيظ به المشركين وكان غنمه يوم بدر ثم حلق وروي أن الذي حلقه يؤمئذ خراش بمعجمتين بن أمية الخزاعي فلما رآه الناس تواثبوا ينحرون ويحلقون وفيهم من قصر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم يرحم الله المحلقين، قالوا يا رسول الله والمقصرين؟ قال يرحم الله المحلقين، قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال يرحم الله المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال والمقصرين. قالوا يا رسول الله لما ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قالو لم يشكوا. ولما حلق هو وأصحابه بالحديبية بعث الله ريحا عاصفة فحملت شعورهم فألقتها إلى الحرم فاستبشروا بقبول عمرتهم، وفي مسلم عن جابر مرفوعا لا يدخل

стр. 301

النار من شهد بدرا والحديبية. وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل عشرين يوما ثم قفل وفي نفوسهم بعض شياء من عدم الفتح، الذي كانوا لا يشكون فيه فأنزل الله تعالى سورة الفتح بين مكة والمدينة بضجنان كما عند ابن سعد يسليهم بها، وهو بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم ونونين بينهما ألف جبل علي بريد من مكة ولما قدم ﵇ المدينة، أتاه أبو بصير بفتح الموحدة وكسر الصاد المهملة عتبة بضم العين وسكون الفوقية وقيل عبيد بموحدة مصغرا بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة بن جارية بجيم وتحتية ابن عبد الله الثقفي حليف لبني زهرة؛ فقوله فى الصحيح رجل من قريش أي بالحلف وهو مسلم وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريف إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر بن لوي سماه ابن سعد خنيس بضم الخاء المعجمة مصغر آخره مهملة ابن جابر والمولى ييقال له كوثر، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام بالكتاب، قال ﵇ يا أبا بصير إنا أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وأن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق معهما إلى قومك، فقال أتردوني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبونني، قال يا أبا بصير انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، وفي رواية فقال له عمر أنت رجل وهو رجل ومعك السيف اهـ. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين ولابن سعد لخنيس بن جابر انتهى والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله إنه لجيد، وفي رواية لأضربن به فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال أبو بصير أرني انظر إليه فأمكنه منه فضربه به أبو بصير حتى برد وفر الآخر حتى دخل المدينة فدخل المسجد يعدو فقال صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 302

لقد رأي هذا ذعرا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول أي إن لم ترده عني. ولابن عائذ وتبعه أبو بصير حتى دفع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو عاض على أسفل ثوبه وقد بدا طرف ذكره والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه وأبو بصير يتبعه فجاء أبو بصير فقال يا بني الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ينصره، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، ولابن عقبة وجاء أبو بصير بسلبه فقال خمسه يا رسول الله قال إني إذا خمسته لم أوف بالعهد الذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شثت. فخرج معه خمسة قدموا معه من مكة مسلمين فخرج حتى أتى سيف البحر بكسر المهملة أي ساحله فنزل العيص بكسر المهملة وسكون التحتية فصاد مهملة وكانت طريق مكة إذا قصدوا الشام وتفلت منهم أبو جندل في سبعين راكبا مسلمين فلحقوا بأبي بصير قريبا من ذي المروة علي طريق قريش فقطعوا مادتهم من طريق الشام وأبو بصير يصلي بأصحابه فلما قدم أبو جندل كان يؤمنهم أي لأنه من قريش، ولابن عقبة واجتمع لأبي جندل ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاث مائة مقاتل وهم مسلمون اهـ. فلا يظفرون بأحد من قريش إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه قالوا ومن خرج منا إليك فهو لك حلال، قال فأرسل إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ولابن عقبة فكتب صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أبي بصير فقدم كتابه وأبو بصير يموت فمات وكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى يده يقرؤه كما فى الكلاعي فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم أبو جندل ومن معه المدينة فلم يزل بها حتى

стр. 303

خرج إلى الشام مجاهدا فاستشهد فى خلافة عمر. وقال أبو جندل فيما صنع فى قريش: (ابلغ قريشا عن أبي جندل ... أنا بذي المروة بالساحل) (في معشر تخفق أيمانهم ... بالبيض فيها والقنا الذابل) (يأبون أن تبقي لهم رفقة ... من بعد اسلامهم الواصل) (ويجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل) (فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقتل المرء ولم يأتل) قوله مسعر حرب كمنبر هو موقد نار الحرب، وفي رواية محش حرب، وفي القاموس وهو محش حرب بالكسر موقد لها. فائدة: اختلف العلماء هل يجوز الصلح مع الكفار على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم؟ فقيل نعم علي ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير وقيل لا وإن ما وقع في القصة منسوخ بحديث أبي داود والترمذي مرفوعا أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى ناراهما. انتهى من المواهب وشرحها. وفي هذه السنة ست كسفت الشمس بالحديبية وظاهر في تلك السنة أوس بن الصامت الخزرجي البدري أخو عبادة من زوجته خولة ويقال لها خويلة بالتصغير بنت ثعلبة بن أصرم الخزرجية أيضا وفيها أيضا استسقي فى رمضان قبل الحديبية فمطر الناس وجزم مغلطاي أن تحريم الخمر كان فى تلك السنة والذي لابن إسحاق أنها حرمت في وقعة بني النضير سنة أربع، والله أعلم. ثم بعد الحديبية غزوة خيبر سميت باسم رجل من العماليق نزلها وهو خيبر أخو يثرب ابنا قانية ابن مهلاليل ذكره البكري واقتصر عليه الروض والفتح وغيرهما وقيل الخيبر بلسان اليهود الحصن ولذا سميت خيابر أيضا ذكره الحازمي قاله العلامة الزرقاني وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام. قال ابن إسحاق أقام رسول

стр. 304

الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر سنة سبع فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر وقيل كانت في آخر سنة ست وروي عن مالك وله جزم إبن حزم زالراجح ما لابن إسحاق ويمكن الجمع بأن من قال سنة ست أراد ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول قاله في المواهب وكان الله وعده إياها وهو بالحديبية: بقوله تعالى: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم﴾ فالمعجل صلح الحديبية والمغانم فتح خيبر، فخرج إليها صلي الله تعالى عليه وسلم مستنجزا ميعاد ربه ومعه ألف وأربعمائة رجل ومائتا فرس ومعه أمنا أم سلمة التي كانت معه في الحديبية. وفي البخاري عن سلمة وهو ابن عمرو بفتح العين وسكون الميمم بن الأكوع الأسلمي أبو مسلم وأبو إياس واسمه سنان ونسب لجده لشهرته أول من بايع تحت الشجرة على ما فى مسلم ومات سنة أربع وسبعين وكان مقداما فى الحرب وكان يقاتل قتال الفارس والراجل، قال خرجنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع عم سلمة ألا تسمعنا من هنيهاتك بهاءين أولاهما مضمومة فنون مفتوحة فتحتية ساكنة وللكشميهني هنياتك بحذف الهاء الثانية وشد التحتية وكان عامر شاعرا؛ وللكشميهني حداء فنزل يحدو ويقول: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا) (فاعفر فداء لك ما تقينا ... وألقين سكينة علينا) (وثبت الأقدام إن لاقينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا) (وبالصياح عولوا علينا ... ونحن عن فضلك ما استغنينا) فقال صلى الله تعالى عليه وسلم من هذا السائق؟ فقالوا عامر بن الأكوع، قال يرحمه الله. ولأحمد غفر لك ربك. قال وما استغفر صلى الله

стр. 305

تعالى عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد، قال رجل من القوم وهو عمر كما فى مسلم وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا بعامر، الحديث، ويأتيفيه أنه بارز مرحبا فرجع ذباب سيفه على ركبته فمات منه. قال بعض الصجابة إن عامرا أحبط عمله فأخبر سلمة بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال كذب من قاله وإن له لأجرين وقوله اللهم فيه الخزم كما تقدم، وقوله فداء لك قال المازري هذه اللفظة مشكلة فإنه لا يقال للباراء سبحانه فديتك لأن ذلك إنما يقال فى مكروه يتوقع حلوله بالمفدى فيختار شخص أن يحل ذلك به ويفديه ولا يتصور ذلك إلا في حق من يجوز عليه حلول المكروه، ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه، بل المراد المحبة والتعظيم فخاطب بها من لا يجوز في حقه الفداء إظهارا للمحبة والتعظيم كما يقال قاتله الله ولا يريد بذلك الدعاء عليه بل التعجب، وكقوله ﵇ تربت يمينك؛ يخاطب عائشة فلم يقصد أصل معناها الذي هو افتقرت حتى لصقت يدك بالتراب بل الانكار والزجر، وقوله ما تقينا بشد الفوقية بعدها قاف للأكثر أي ما تركنا من الأوامر. وللأصيلي والنسفي ما أبقينا بهمزة قطع فموحدة ساكنة أي ما خلفنا من الذنوب، وللقابسي ما لقينا باللام وكسر القاف أي من المناهي، وفي رواية للشيخين ما قتفينا أي اتبعنا من الخطايا وقوله عولوا علينا أي اقصدونا بالدعاء العالي أو اعتمدوا وقوله فجعل عامر يحدو وهذه عادتهم إذا أرادوا تنشيط الإبل فى السير ومر أن الرجز لابن رواحة فيحتمل أنه هو وعامر تواردا عليه وقوله وجبت أي الشهادة اهـ من المواهب وشرحها. وعن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتى خيبر ليلا أي قرب منها فناموا دونها ثم ركبوا إليها فصبحوها كما في طريق أخرى عن أنس صبحنا خيبر فلا تنافي بينهما ونزل بواد يقال له الرجيع بينهم وبين غطفان ليلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم فذكر أن غطفان خرجوا وقصدوا خيبر ليعينوهم فسمعوا خلفهم حسا فى أموالهم وأهليهم فظنوا أن

стр. 306

المسلمين خلفوهم فى ذراريهم فرجعوا وخذلوا أهل خيبر. وفي البخاري فى الأذان وكان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا غزى قوما لم يغز بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانا كف عنه وإلا أغار. وروى ابن اسحاق انه صلى الله تعالى عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لأصحابه قفوا ثم قال اللهم رب السماوات وما أظللن ورب الأراضين وما أقللن ورب الشياطين وما أظللن ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها وأعوذ بك من شر أهلها وشر ما فيها أقدموا باسم الله، وكان يقولها لكل قرية دخلها. وحكى الواقدي أن أهل خيبر لما سمعوا بقصده ﵇ لهم كانوا يخرجون فى كل يوم عشرة آلاف مقاتل مستعدين صفوفا ثم يقولون محمد يغزونا هيهات هيهات فلا يرون أحدا حتى إذا كان الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا ولم تتحرك لهم دابة ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس فخرجوا بالمساحي، وفي رواية أحمد إلى زروعهم بمساحيهم ومكاتلهم والمساحي بمهملتين جمع مسحاة من آلة الحرث وهو من السحو بمعنى الكشف والإزالة، والمكاتل جمع مكتل بكسر الميم وفتح الفوقية وهي القفة الكبيرة التي يحول فيها التراب وغيره. ولما رأت اليهود رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا محمد والله محمد، والخميس ومحمد. خبر هذا محذوفا، أي وفاعل جاء مقدرا والخميس ضبطه عياض بالرفع عطف وبالنصب مفعول معه وأدبروا هرابا، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين وخربت بكسر الراء صارت خرابا والمساحة الفناء وأصلها الفضاء بين المنازل والخميس الجيش سمي به لأنه خمسة أقسام المقدمة والساقة وهي مؤخره والقلب والميمنة والميسرة ويقال لهما الجناحان وقوله خربت خيبر إلخ .. يحتمل أنه قال ذلك بطريق الوحي، ويحتمل أنه تقاؤل أنها ستخرب لما رأى المساحي لأنها من السحو أي الإزالة، ولما كثر فيهم الهجوم والغارة فى الصباح سموا الغارة صباحا وإن وقعت

стр. 307

فى وقت آخر كما فى البيضاوي والصباح مستعار من صباح الجيش المثبت لوقت نزول العذاب، وفي رواية للبخاري أنه قال ذلك ثلاثا وفيه استحباب التكبير عند الحرب وتثليته قال الزرقاني في شرح المواهب وهذا الحديث أصل في جواز التمثيل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس نص عليه بن عبد البر وابن رشيق كلاهما فى شرح الموطأ وهما مالكيان والنووي فى شرح مسلم كلهم فى شرح هذا الحديث، وكذا صرح بجوازه القاضي عياض والباقلاني من المالكية وحكى الشيخ داود اتفاق المالكية والشافعية على جوازه غير أنهم كرهوه فى الشهر خاصة، وروي الخطيب البغدادي وغيره بالاسناد عن مالك أنه كان يستعمله، قال السيوطي هذه أكبر حجة على من زعم أن مذهب مالك تحريمه وأما مذهبنا فأجمع أيمته على جوازه والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه فقد أفشى وأبان أنه أجهل الجاهلين انتهى. وهذا منه قاض بغلطة فيما أورده فى عقود الجمان انتهى كلام الزرقاني بلفظه. قال مغلطاي وغيره وفرق صلى الله تعالى عليه وسلم الرايات فدفع رايته العقاب إلى الحباب بن المنذر وراية لسعد بن عبادة ولواؤه وهو أبيض إلى علي وقد صرح جماعة من اللغويين بترادف الراية واللواء وهو العلم الذي يحمل فى الحرب لكن روي أحمد عن ابن عباس والطبراني عن ابي هريرة قالوا كانت رايته صلى الله تعالى عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض وهو ظاهر فى التغاير فلعل التفرقة بينهما عرفية، قال الحافظ وفي المصباح ولواء الجيش علمه وهو دون الراية وكانت رايته ﵇ العقاب من برد لعائشة وهي سوداء، وفي البخاري كان عليا ﵁ تخلف عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في خيبر وكان رمدا بكسر الميم وللطبراني أرمد شديد الرمد فقال أنا أتخلف عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلحق فلما بتنا الليلة التي فتحت فى صبيحتها قال لأعطين الراية غدا أو ليأخذن

стр. 308

الراية غذا رجل يحب الله ورسوله زاد ابن إسحق ليس يقرأ وفي حديث بريدة لا يرجع حتى يفتح الله له وفي رواية سهل بن سعد لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله تعالى علي يده بغير شك. قال سهل فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعاطها ويدوكون بضم الدال المهملة أي باتوا فى اختلاط واختلاف والدوكة بالكاف الإختلاط، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها وفي مسلم أن عمر قال ما أحببت الإمارة إلا يؤمئذ، قال أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال فأرسلوا إليه فأتوا به، ولمسلم عن سلمة فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده فبصق صلى الله تعالى عليه وسلم فى عينيه ودعا له فبراء بوزن ضرب ويجوز كسر الراء حتى كأن لم يكن به وجع، زاد بريدة فما وجعهما حتى مضى لسبيله أي مات. وروي الطبراني انه قال اللهم اذهب عنه الحر والقر أي البرد، قال علي فما اشتكيتهما حتى يومي هذا قال علي يا رسول أقاتلهم حتى بكونوا مثلنا؟ فقال انفذ علي رسلك حتى ننزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم، وهو من ألوان الإبل المحمودة، قيل المراد أن يكون لك فتتصدق بها وقيل تفتنيها وتملكها وكانت مما يتفاخر العرب بها. قال الحافظ وقع فى رواية البخاري اختصار وهو عند أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم عن بريدة قال لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء فرجع ولم يفتح له فلما كان من الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له وقتل محمود بن مسلمة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لأدفعن اللواء غدا (الحديث). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ لما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: (قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهبوا) قال وبرز له عامر بن الأكوع، فقال:

стр. 309

(قد علمت خيبر أني عامر ... شاك السلاح بطل مغامر) قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه إلى آخر ما مر فبرز له علي ﵁، فقال: (أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابة كريه المنظره) أكيلكم بالسيف كيل السندره) وفي رواية: أوفيكم بالصاع كيل السندره فضرب رأس مرحب فقتله. قال الإمام بن أبي جمرة وشاكي السلاح هو الذي ظهرت حدته وشوكته والمغامر بالغين المعجمة هو المباطش يقال غامره إذا باطشه وقاتله، ولم يبالي بالموت، قال النووي قوله مغامرا أي يركب غمرات الموت وشدائده ويلقي نفسه فيها ويخطر بسيفه، هو بكسر الطاء أي يرفعه مرة ويضعه أخرى، وقوله يسفل له بكسر الفاء من التسفيل وهو التصويب، وقال النووي بضم الفاء أي يضربه من أسفله وحيدرة اسم الاسد، وكانت فاطمة بيت أسد أم علي ﵂ سمته أسدا باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب سماه عليا، والسندرة مكيال ضخم اهـ كلام ابن أبي جمرة وهو الذي ذكر الروايتين المتقدمتين فى البيت والسندرة بفتح السين، قال ابن أبي جمرة وروى البيهقي أن مرحبا خرج وعليه مغفر يماني وحجر مثل البيضة على رأسه، قال فاختلفا ضربتين فبادره علي بضربة نفذ الحجر والمغفر ورأسه ووقع فى الأضراس، وما فى هذا الحديث من أن عليا هو الذي قتل مرحبا هو الصحيح عند ابن عبد البر وكذا قال ابن الأثير أنه الصحيح، الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير، وروى موسى بن عقتبه وابن إسحاق أن الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة الأنصاري وأنه لما خرج يرتجز أجابه كعب بن مالك: (قد علمت خيبر أني كعب ... مفرج الغم جراء صلب)

стр. 310

(حيث تشب الحرب ثم الحرب ... معي حسام كالعقيق عضب) (نطؤكم حتى يذل الصعب ... نعطي الجزا ويباهى النهب) بكف ماض ليس فيه عتب) فقال صلي الله تعالى عليه وسلم من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور الثائر قتل أخي بالأمس، قال فقم إليه، اللهم أعنه عليه. فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة العشر فجعل كل واحد منهما يلوذ بها وكلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل منهما وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالمدرقة فوقع سيفه بها فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله وذكر ابن إسحاق ان ياسر أخا مرحب خرج بعده يقول هل من مبارز فخرج إليه الزبير فقتله فكان الزبير يقول إذا قيل له والله ما كان سيفك صارما يومئذ يقول والله ما كان بصارم ولكن أكرهته، وقيل ان ابن مسلمة لما بارز مرحبا قطع رجليه، قال له مرحب اجهز علي، فقال لا، ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة، فأجهز عليه علي والأول هو الصحيح وكان سيف مرحب مكتوب عليه هذا سيف مرحب من يذقه يعطب، وقوله قتل أخي بالأمس قيل ان مرحبا هو الذي قتل محمود بن مسلمة ألقى عليه رحا من فوق حصن ناعم. وفي حديث أبي رافع زوج سلمى قابلة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقابلة بني فاطمة كلهم، قال ضرب يهودي عليا فطرح ترسه من يديه فتناول باب حصن وترس به فلما فتح الحصن وفرغ من القتال ألقاه، قال ابو رافع فقام إليه سبعة أنا ثامنهم فجهدنا أن نقلبه فما قلبناه. وصدر القسطلاني فى المواهب بأنه لم تحركه سبعون رجلا إلا بعد جهد، وروى البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي

стр. 311

الإسلام هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت فيه الجراح فكاد بعض الناس يرتاب فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهما فنحر نفسه فاشتد رجل من المسلمين فقال يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صدق حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه. فقال قم يا فلان فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. قوله شهدنا خيبر مجاز عن جنسه من المسلمين فالثابت أنه إنما جاء بعد فتحها وشهد قسم غنائمها بها اتفاقا والرجل المذكور قال الحافظ وقع لجماعة ممن تكلم على البخاري أنه قزمان بضم القاف وسكون الزاي المعجمة الظفري بفتح المعجمة والفاء نسبة إلي بني ظفر بطن من الأنصار المكنى أبى الغيداق بمعجمة مفتوحة فتحتية ساكنة آخره قاف ويعكر عليه ما جزم به ابن الجوزي تبعا للواقدي أن قزمان قتل بأحد وكان تخلف عن المسلمين فعيره النساء فخرج حتى صار فى الصف الأول ثم فعل العجائب فلما انكسر المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول الموت أحسن من الفرار فمر به قتادة بن النعمان فقال هنيئا لك الشهادة فقال والله إني ما قاتلت على دين وإنما قاتلت على حسب قومي ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه. لكن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وعن سلمة بن الأكوع ان عليا لما أخذ الرابة خرج يهرول هرولة قال وأنا تتبع أثره حتى ركز رأيته فى رضم من حجارة تحت الحصن فأطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال من أنت؟ قال أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي علوتم وما أنزل الله على موسى أو كما قال، فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقاتل النبي صلى الله تعالي عليه وسلم أهل خيبر وقاتلوه أشد القتال واستشهد من المسلمين خمسة عشر وعدهم الشامي أربعا وثلاثين فالله أعلم. وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون بفوقية قبل السين وفتحها على حصنا

стр. 312

حصنا وهي النطاة بنون فطاء مهملة بوزن حصاة وحصن الصعب بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين وبالموحدة ابن معاذ، وعن معتب بشد الفوقية المكسورة الأسلمي أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا رسول الله جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم نجد عنده شيئاً فقال اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليس بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غنا وأكثرها طعاما وودكا ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه اهـ. ومنها حصن ناعم بنون فألف فمهملة فميم وهو أول حصونها افتتح وعنده قتل محمود بن مسلمة ثم بعد ذلك بقليل دفع ﵇ كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق قاتل محمود إلي محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه وقيل أن مرحبا هو الذي قتل محمود بن مسلمة كما مرّ ومنها حصن قلعة الزبير بن العوام لكونه صار في سهمه، وكان اسمه حصن فنة لكونه على رأس جبل ومنها الشق بفتح المعجمة وكسرها والفتح أعرف وبالقاف المشددة ويشتمل على حصون منها حصن أبي وهو أول ما بدئ به من حصون الشق فتقاتلوا قتالا شديدا ثم تحامل المسلمون فدخلوه يقدمهم أبو دجانة وهرب من فيه من المقاتلة إلي حصن النزار بالشق فغلقوه وامتنعوا به أشد الامتناع وزحف صلى الله تعالى عليه وسلم في أصحابه إليهم فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة، فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم كفا من حصا فحصب به حصنهم فزحف بهم ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله باليد، ومنها حصن البراء بفتح الموحدة وكسر الراء المخففة وبالمد ومنها القموص بفتح القاف وضم الميم وسكون الواو فصاد مهملة وقيل بكاف مفتوحة ففوقية وقيل مثلثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة ويقال بضم الكاف ومنه سبيت صفية، ومنها الوطيح بفتح الواو وكسر

стр. 313

الطاء فتحتية ساكنة فمهملة كما ضبطه ابن الأثير وغيره. قال البكري سمي بالوصيح بن مازن رجل من ثمود ومنها السلالم بضم السين المهملة وقيل بفتحها وكسر اللام قبل الميم ويقال لها السلاليم على ما مر من ضم السين وفتحها وهو حصن بنى أبي الحقيقب وكان آخر حصونها افتتاحا وأخذ كنز آل أبي الحقيق بالتصغير وكان أولا في مسك حمار بفتح الميم وسكون السين أي جلده فلما كثر جعلوه في مسك ثور ثم في مسك جمل قيل وخص جلد الحمار لأن الأرض لا تأكله، وكانوا قد غيبوه في خريبة فدل الله رسوله عليه فأخبره بموضعه كما عند البيهقي عن عروة وله عن ابن عمر أن أهل خيبر شرطوا له صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يكتموه شيئاً فإن فعلوا فلا ذمة لهم، فأتى بكنانة والربيع ابني أبي الحقيق فقال ما فعل مسك حيي الذي جاء به من بني النضير؟ قالا أذهبته الحروب والنفقات فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك. وروي أنهما لما كتماه دعى رجلا من الأنصار فأخبره بموضعه وقال ائتيني به، فأتاه به فضرب عنقهما وسبا أهليهما بالنكث الذي نكثاه، ولما قتل كنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق زوج صفية بنت حيي تزوجها ﵇ بعد أن استبرأها وجعل عتقها مهرها وقد كانت صارت لدحية الكلبي لما جاءه فقال اعطني يا رسول الله جارية من السبي فقال اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية. فجاء رجل فقال يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك؟ قال ادعوه فجاء بها فلما نظر إليها صلى الله تعالى عليه وسلم قال خذ جارية من السبي غيرها كذا في رواية البخاري. وفي رواية لمسلم أن صفية وقعت في سهم دحية وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشتراها من دحية بسبعة أرؤس والأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه نصيبه الذي اختاره لنفسه لما أذن له في أخذ جارية. وإطلاق الشراء على ذلك مجاز لأنه لم يملكها إذ أذنه في أخذ مطلق جارية لم يرد به مثل هذه، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي رواية

стр. 314

البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة. وذكر الشافعي أنه أعطاه أخت زوجها، وإنما أخذها صلى الله تعالى عليه وسلم لأنها بنت ملكهم، وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها نسبا وجمالا، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة اختصاصه ﵇ بها فإن في ذلك رضا الجميع وهي بنت حيي بن اخطب بن سعية بفتح السين وسكون العين المهملتين فتحتية ابن عامر بن عبد بن كعب بن سبطلاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون أخي موسى ﵉، وأمها ضرة بفتح الضاد المعجمة بنت سموال من بنى قريظة، وكانت تحت سلام بن مشكم القرظي ثم فارقها فتزوجها كنانة النضيري وقتل عنها يوم خيبر وكانت عروسا، والعروس وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ما داما في تعريسهما أياما، فاصطفاها ﵇ لنفسه، فخرج حتى بلغ سد الصهباء بفتح السين المهملة وضمها موضع على بريد من خيبر فحلت له أي طهرت من الحيض فبنى بها ﵊ فصنع حيسا بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة أي تمرا مخلوطا بسمن وأقط قال الشاعر: (السمن والتمر جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط) فجعل في نطع وكان وليمة. والنطع بكسر النون وفتح الطاء المهملة وعليها اقتصر ثعلب وكذا في الفرع، ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء انتهى من المواهب وشرحها. وفي القاموس الحيس الخلط، وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق انتهي. وفيه النطع بالفتح والكسر وبالتحريك وكعنب بساط من الأديم ولما بنى بها قال المسلمون هل هي إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، فلما حجبها علموا أنها من

стр. 315

أمهات المؤمنين. قال الحافظ ولد صفية مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله لنبيه. قال الزرقاني يعني أن في أصولها ذلك. والظاهر أنه من جهة الآباء والأمهات كما قيل في قول ابن الكلبي: كتبت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا. فائدة: كانت صفية من الصفي بفتح المهملة وكسر الفاء وشد الياء وهو سهم يختاره ﵇ من الخمس، وقيل كان اسمها قبل السبي زينب، فلما صارت من الصفي سميت صفية. وفي هذه الغزوة حرم لحوم الحمر الأهلية، وقال كعب بن مالك يوم خيبر: (ونحن وردنا خيبرا وفروضه ... بكل فتى عاري الأشاجع مزودي) (جواد لدى الغياث لا واهن القوى ... جريئ على الأعداء في كل مشهد) (عظيم رماد القدر في كل شتوة ... ضروب بنصل المشرفي المهند) (يري القتل مدحا إن أصاب شهادة ... من الله يرجوها وفوزا لأحمد) (يذود ويحمي عن ذمار محمد ... ويدفع عنه باللسان وباليد) (وينصره في كل أمر يريبه ... يجود بنفس دون نفس محمد) والفروض ثلم في النهر يستقى منها والله أعلم. والمذود كمنبر الحامي للحقيقة. وفي هذه الغزوة سمت زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم الشاة وأهدتها له صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي أبي داود أنها أخت مرحب وبه جزم السهيلي وللبيهقي أنها بنت أخي مرحب، وروي أنها جعلت تسأل أي الشاة أحب إليه ﵇ فيقولون أحبها الذراع، فعمدت إلي عنز لها فذبحتها وصلتها أي شوتها، ثم عمدت إلي سم بتثليث السين لا يطنئ بضم التحتية وسكون الطاء المهملة ونون بعدها همزة أي لا يلبث أن يقتل من ساعته وهو المعروف بسم ساعة، وقد شاورت يهود في اختيار سم من جملة سموم عينتها بأن سألت أيها أسرع قتلا، فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه فسمت الشاة وأكثرت

стр. 316

في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء بن معرور بمهملات الخزرجي الصحابي بن الصحابي، شهد بدرا وما بعدها حتى مات وتناول صلى الله تعالى عليه وسلم الذراع فانتهس بسين مهملة أي أخذ بمقدم أسنانه منها وتناول بشر عظما آخر، فلما ازدرد صلى الله تعالى عليه وسلم لقمته أي ابتلع ما انفصل بريقه منها فلا ينافي رواية ابن إسحاق أنه لم يسغها فلفظها، ازدرد بشر بن البراء ما في فيه وأكل القوم في الإمتاع أنهم ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئاً، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بالحجامة وكأن معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم، فأثر قليلا فأمرهم بالحجامة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة. وفيه أن بشر بن البراء مات من أكلته، قيل من ساعته وقيل بعد حول وبه جزم السهيلي. وروى الدمياطي أنه دفعها إلي أولياء بشر فقتلوها ورواه ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، قال الواقدي وهو أثبت، وقال الزهري أسلمت فتركها. وروى سليمان بن طرخان في مغازيه أنها قالت لما قال لها ما حملك على ذلك؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرك وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. قال فانصرف عنها حين أسلمت. وجزم في الإصابة بأنها صحابية والله تعالى أعلم. انتهي من المواهب وشرحها. ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي فقال يا رسول الله إن لي مالا بمكة عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا متفرقا في تجار مكة فأذن لي، فأذن له. قال إنه لابد لي أن أقول؛ قال قل؛ قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا يستمعون الأخبار فلما رأوني ولم يكونوا

стр. 317

علموا بإسلامي قالوا الحجاج بن علاط عنده والله خبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع صار إلي خيبر وهي ريف الحجاز، قلت عندي ما يسركم من الخبر هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله وأسر محمد وقالوا لا نقتله حتى نبعت به إلي مكة فيقتلونه بين أظهرهم، فصاحوا بمكة فقالوا هذا محمد إن ما تنتظرون به أن يقدم عليكم فيقتل بين أظهركم، قال قلت أعينوني على جمع مالي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلي ما هنالك فجمعوا لي مالي كأحب جمع فلما سمع العباس الخبر أقبل حتى وقف إلي جنبي فقال يا حجاج ما هذا الذي جئت به؟ قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال نعم؛ قلت فاسأخر عنى حتى ألقاك على خلاء، حتى إذا فرغت وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي، فإني أخشى الطلب ثلاثا، ثم قل ما شئت فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم ولقد افتتح خيبر وصارت له ولأصحابه، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي. قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا هذا والله التجلد أحر المصيبة، قال كلا والله لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرزوا أموالهم. قالوا من جاءك بهذا الخبر؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد عليكم مسلما. قال انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر انتهى المراد من غزوة خيبر. ثم يلي خيبر فتح واد القرى بضم القاف وفتح الراء مقصور وهو موضع بقرب المدينة. قال الزرقاني غاية ما يفيده كلام الجماعة المعتضد بحديث أبي هريرة أنها أي غزوة واد القرى كانت في آخر صفر أو أول ربيع الأول لأن خيبر كانت في المحرم سنة سبع أو في آخر سنة ست ومدة حصارها بضع عشرة ليلة فلما فتحها خرج إلي الصهباء وأقام بها

стр. 318

حين بنى بصفية ثلاثة أيام بلياليهن ومدة الذهاب والإياب ثمانية أيام فغاية المدة نحو شهر فلا يكون واد القرى في جمادي يعني بهذا رد ما في المواهب والله أعلم. وروى مالك ومن طريقه البخاري ومسلم عن أبي هريرة افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى واد القرى انتهى. وفي الكلاعي ولما فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خيبر انصرف إلي واد القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي فوالله أنه ليضع رحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فقتله فقلنا هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحرق عليه في النار كان غلها من فيئ المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتاه فقال يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي، فقال يوقد لك مثلهما من النار. انتهى. قوله سهم غرب قال في القاموس وأصابه سهم غرب ويحرك وسهم غرب نعتا أي لا يدرى راميه. وفي المواهب أنه ﵇ أقام بواد القرى أربعة أيام يحاصرهم، وفي الزرقاني قال الواقدي عبأ صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلي سعد بن عبادة وراية إلي الحباب بن المنذر وراية إلي سهل بن حنيف وراية إلي عباد بن بشر ثم دعاهم إلي الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحصنوا دماءهم وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم فقتله الزبير ثم آخر فقتله الزبير ثم آخر فقتله علي، ثم آخر فقتله أبو دجانة، ثم آخر فقتله أبو دجانة حتى قتل منهم أحد عشر، كلما قتل رجل دعا من بقي إلي الإسلام. ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود

стр. 319

فيدعوهم إلي الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها صلى الله تعالى عليه وسلم عنوة وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وقسم ما أصاب على أصحابه بواد القرى وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود وعاملهم عليها، وأقطع جمرة بالجيم ابن هوذة بفتح الهاء والمعجمة العذري رمية سوط من واد القرى وأصاب مدعما سهم غرب ومدعم بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين آخره ميم عبد أسود هداه له رفاعة بن زيد أحد بنى الضبيب كما في مسلم، وهو بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل بفتح المعجمة وكسر الموحدة. وفي رواية للصحيحين فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا، والشملة كساء يلتف فيه. وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب وتقييد بعض بالغلط إن ثبت أنه الواقع عنا وإلا فاللغة الإطلاق وقوله سهم عائر بالعين المهملة أي لا يدرى راميه فهو بمعنى سهم غرب كما في الرواية الأولى. وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر وقال كان على ثقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجل يقال له كركرة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هو في النار في عباءة غلها. وكلام عياض يشعر باتحاد قصته مع قصة مدعم، وقصة مدعم كانت بواد القرى ومات بسهم وغل شملة والذي أهداه له صلى الله تعالى عليه وسلم رفاعة بخلاف كركرة فأهداه هوذة بن علي وغل عباءة ولم يمت بسهم فافترقا. نعم في مسلم عن غمر، لما كان يوم خيبر قالوا فلان شهيد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم كلا إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة فهذا يمكن تفسيره بكركرة، قاله الزرقاني. ولما بلغ فتح واد القرى أهل تيماء صالحوه صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 320

على الجزية وصالحه أهل فدك وخيبر على أن لهم نصفها وله ﵇ نصفها. وتيماء بفتح الفوقية وإسكان التحتية، والمد بلدة بين الشام والمدينة على نحو سبع مراحل من المدينة، ثم أجلاهم عمرو رضى الله تعالى عنه لما أتاه الثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان. ثم بعد فتح واد القرى غزوة القضاء ، كذا ترجم الكلاعي وترجم في المواهب بعمرة القضاء. قال الزرقاني كذا ترجم البخاري عند الأكثر وللمستملي وحده غزوة القضاء. انتهى. وترجم ابن أبي جمرة بعمرة القضاء. قال وبعضهم لم يذكرها في غزوات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى. ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي أنه ﵇ خرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، فبلغهم ذلك ففزعوا. وقال ابن الأثير أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها مسببة عن غزوة الحديبية، قيل سميت بذلك لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها في الحديبية واعترض بأن عمرة الحديبية لم تفسد حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامة حكما لثبوت الأجر فيها، ولذا عد الصحابة عمره ﵇ أربعا، عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة من الجعرانة وكلهن في ذي القعدة وعمرة مع حجته ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل لأنه ﵇ قاضى في شأنها قريشا أي عاهدهم وصالحهم عليها عام الحديبية ولذا يقال لها عمرة القضية. وهذا هو الظاهر، قال أهل اللغة يقال قاضى فلانا عاهده وتسمي أيضا عمرة القصاص لأنهم صدوه ﵇ عن العمرة في ذي القعدة سنة ست فاقتص ﵇ منهم ودخل مكة في الشهر الذي صدوه فيه سنة سبع، قاله ابن هشام، ورجحه السهيلي لنزول هذه الآية فيها وهي: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ قال ابن إسحاق لما رجع صلى الله
следующие страницы →