Полный текст (927 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء بن معرور بمهملات الخزرجي الصحابي بن الصحابي، شهد بدرا وما بعدها حتى مات وتناول صلى الله تعالى عليه وسلم الذراع فانتهس بسين مهملة أي أخذ بمقدم أسنانه منها وتناول بشر عظما آخر، فلما ازدرد صلى الله تعالى عليه وسلم لقمته أي ابتلع ما انفصل بريقه منها فلا ينافي رواية ابن إسحاق أنه لم يسغها فلفظها، ازدرد بشر بن البراء ما في فيه وأكل القوم في الإمتاع أنهم ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئاً، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بالحجامة وكأن معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم، فأثر قليلا فأمرهم بالحجامة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة.
وفيه أن بشر بن البراء مات من أكلته، قيل من ساعته وقيل بعد حول وبه جزم السهيلي. وروى الدمياطي أنه دفعها إلي أولياء بشر فقتلوها ورواه ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، قال الواقدي وهو أثبت، وقال الزهري أسلمت فتركها.
وروى سليمان بن طرخان في مغازيه أنها قالت لما قال لها ما حملك على ذلك؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرك وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. قال فانصرف عنها حين أسلمت. وجزم في الإصابة بأنها صحابية والله تعالى أعلم. انتهي من المواهب وشرحها.
ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي فقال يا رسول الله إن لي مالا بمكة عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا متفرقا في تجار مكة فأذن لي، فأذن له. قال إنه لابد لي أن أقول؛ قال قل؛ قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا يستمعون الأخبار فلما رأوني ولم يكونوا
стр. 317
علموا بإسلامي قالوا الحجاج بن علاط عنده والله خبر أخبرنا يا أبا محمد فإنه قد بلغنا أن القاطع صار إلي خيبر وهي ريف الحجاز، قلت عندي ما يسركم من الخبر هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله وأسر محمد وقالوا لا نقتله حتى نبعت به إلي مكة فيقتلونه بين أظهرهم، فصاحوا بمكة فقالوا هذا محمد إن ما تنتظرون به أن يقدم عليكم فيقتل بين أظهركم، قال قلت أعينوني على جمع مالي فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلي ما هنالك فجمعوا لي مالي كأحب جمع فلما سمع العباس الخبر أقبل حتى وقف إلي جنبي فقال يا حجاج ما هذا الذي جئت به؟ قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال نعم؛ قلت فاسأخر عنى حتى ألقاك على خلاء، حتى إذا فرغت وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي، فإني أخشى الطلب ثلاثا، ثم قل ما شئت فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم ولقد افتتح خيبر وصارت له ولأصحابه، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي. قال حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وأخذ عصاه حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا هذا والله التجلد أحر المصيبة، قال كلا والله لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم وأحرزوا أموالهم. قالوا من جاءك بهذا الخبر؟ قال الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد عليكم مسلما. قال انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر انتهى المراد من غزوة خيبر.
ثم يلي خيبر فتح واد القرى بضم القاف وفتح الراء مقصور وهو موضع بقرب المدينة. قال الزرقاني غاية ما يفيده كلام الجماعة المعتضد بحديث أبي هريرة أنها أي غزوة واد القرى كانت في آخر صفر أو أول ربيع الأول لأن خيبر كانت في المحرم سنة سبع أو في آخر سنة ست ومدة حصارها بضع عشرة ليلة فلما فتحها خرج إلي الصهباء وأقام بها
стр. 318
حين بنى بصفية ثلاثة أيام بلياليهن ومدة الذهاب والإياب ثمانية أيام فغاية المدة نحو شهر فلا يكون واد القرى في جمادي يعني بهذا رد ما في المواهب والله أعلم. وروى مالك ومن طريقه البخاري ومسلم عن أبي هريرة افتتحنا خيبر ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى واد القرى انتهى.
وفي الكلاعي ولما فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خيبر انصرف إلي واد القرى نزلناها أصلا مع مغرب الشمس ومع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي فوالله أنه ليضع رحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فقتله فقلنا هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والذي نفس محمد بيده إن شملته الآن لتحرق عليه في النار كان غلها من فيئ المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتاه فقال يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي، فقال يوقد لك مثلهما من النار. انتهى.
قوله سهم غرب قال في القاموس وأصابه سهم غرب ويحرك وسهم غرب نعتا أي لا يدرى راميه. وفي المواهب أنه ﵇ أقام بواد القرى أربعة أيام يحاصرهم، وفي الزرقاني قال الواقدي عبأ صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلي سعد بن عبادة وراية إلي الحباب بن المنذر وراية إلي سهل بن حنيف وراية إلي عباد بن بشر ثم دعاهم إلي الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحصنوا دماءهم وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم فقتله الزبير ثم آخر فقتله الزبير ثم آخر فقتله علي، ثم آخر فقتله أبو دجانة، ثم آخر فقتله أبو دجانة حتى قتل منهم أحد عشر، كلما قتل رجل دعا من بقي إلي الإسلام. ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود
стр. 319
فيدعوهم إلي الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها صلى الله تعالى عليه وسلم عنوة وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وقسم ما أصاب على أصحابه بواد القرى وترك الأرض والنخيل بأيدي يهود وعاملهم عليها، وأقطع جمرة بالجيم ابن هوذة بفتح الهاء والمعجمة العذري رمية سوط من واد القرى وأصاب مدعما سهم غرب ومدعم بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين آخره ميم عبد أسود هداه له رفاعة بن زيد أحد بنى الضبيب كما في مسلم، وهو بضم المعجمة وفتح الموحدة بعدها نون وقيل بفتح المعجمة وكسر الموحدة. وفي رواية للصحيحين فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر.
فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن الشملة التي غلها من خيبر تشتعل عليه نارا، والشملة كساء يلتف فيه. وقيل إنما تسمى شملة إذا كان لها هدب وتقييد بعض بالغلط إن ثبت أنه الواقع عنا وإلا فاللغة الإطلاق وقوله سهم عائر بالعين المهملة أي لا يدرى راميه فهو بمعنى سهم غرب كما في الرواية الأولى.
وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر وقال كان على ثقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجل يقال له كركرة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هو في النار في عباءة غلها. وكلام عياض يشعر باتحاد قصته مع قصة مدعم، وقصة مدعم كانت بواد القرى ومات بسهم وغل شملة والذي أهداه له صلى الله تعالى عليه وسلم رفاعة بخلاف كركرة فأهداه هوذة بن علي وغل عباءة ولم يمت بسهم فافترقا.
نعم في مسلم عن غمر، لما كان يوم خيبر قالوا فلان شهيد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم كلا إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة فهذا يمكن تفسيره بكركرة، قاله الزرقاني.
ولما بلغ فتح واد القرى أهل تيماء صالحوه صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 320
على الجزية وصالحه أهل فدك وخيبر على أن لهم نصفها وله ﵇ نصفها. وتيماء بفتح الفوقية وإسكان التحتية، والمد بلدة بين الشام والمدينة على نحو سبع مراحل من المدينة، ثم أجلاهم عمرو رضى الله تعالى عنه لما أتاه الثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان.
ثم بعد فتح واد القرى غزوة القضاء ، كذا ترجم الكلاعي وترجم في المواهب بعمرة القضاء. قال الزرقاني كذا ترجم البخاري عند الأكثر وللمستملي وحده غزوة القضاء. انتهى.
وترجم ابن أبي جمرة بعمرة القضاء. قال وبعضهم لم يذكرها في غزوات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى. ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي أنه ﵇ خرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر، فبلغهم ذلك ففزعوا.
وقال ابن الأثير أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها مسببة عن غزوة الحديبية، قيل سميت بذلك لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها في الحديبية واعترض بأن عمرة الحديبية لم تفسد حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامة حكما لثبوت الأجر فيها، ولذا عد الصحابة عمره ﵇ أربعا، عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة من الجعرانة وكلهن في ذي القعدة وعمرة مع حجته ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وقيل لأنه ﵇ قاضى في شأنها قريشا أي عاهدهم وصالحهم عليها عام الحديبية ولذا يقال لها عمرة القضية. وهذا هو الظاهر، قال أهل اللغة يقال قاضى فلانا عاهده وتسمي أيضا عمرة القصاص لأنهم صدوه ﵇ عن العمرة في ذي القعدة سنة ست فاقتص ﵇ منهم ودخل مكة في الشهر الذي صدوه فيه سنة سبع، قاله ابن هشام، ورجحه السهيلي لنزول هذه الآية فيها وهي: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ قال ابن إسحاق لما رجع صلى الله
стр. 321
تعالى عليه وسلم من خيبر إلي المدينة أقام بها شهري ربيع وما بعده إلي شوال يبعث سراياه فيما بين ذلك ثم خرج في ذي القعدة مؤتمرا مكان عمرته التي صد عنها. وفي المواهب وشرحها تواترت الأخبار أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما أهل ذو القعدة سنة سبع أمر أصحابه أن يعتمروا وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية وخرج معه صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين ألفان سوى النساء والصبيان واستخلف على المدينة أبا رهم بضم الراء وسكون الهاء كلثوم بن الحصين الغفاري وقال ابن هشام عويف بالفاء مصغرا بن الأضبط بضاد معجمة وطاء مهملة الديلمي ويقال بمثلثة بدل الفاء وقال البلاذري أبا ذر، وساق ﵇ ستين بدنة وحمل السلاح والبيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس فلما بلغ ذو الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة وقدم السلاح واستعمل عليه بشيرا كأمير ابن سعد والد النعمان فقيل يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا أن لا تدخلها إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب. فقال ﵇ أنا لا ندخله عليهم الحرم. ولكن يكون قريبا منا، فإن هاجنا من القوم هيج كان السلاح قريبا منا. وأحرم صلى الله تعالى عليه وسلم من باب المسجد ولبى والمسلمون يلبون معه ومضى ابن مسلمة في الخيل إلي مر الظهران فوجد نفرا من قريش وسألوه عن سبب مجيئه بالخيل فقال هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصبح بفتح الصاد وشد الموحدة أي يأتي هذا المنزل غدا إن شاء الله فأتوا قريشا فاخبروهم، ففزعوا وقالوا والله ما أحدثنا حدثا وإنا على كتابنا ومدتنا ففيم يغزونا محمد؟ وبعثوا مكرزا في نفر حتى لقوه ببطن ياجج بتثليث الجيم فقالوا والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر وقد شرطت أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر، فقال إني لا أدخل عليهم بسلاح، فقال هو الذي تعرف به البر والوفاء، ثم رجع إلي مكة فقال إن محمدا على الشرط الذي شرط لكم ونزل ﵇ بمر الظهران وقدم السلاح إلي بطن ياجج موضع قال ابن الأثير على ثمانية
стр. 322
أميال من مكة ينظر من به إلي أنصاب الحرم أي أعلام حدوده وخلف ﵇ أوس بن خولي بفتح المعجمة وفتح الواو ضبطه العسكري واقتصر عليه في التبصير الخزرجي البدري في مائتي رجل وخرجت أشراف قريش إلي رؤوس الجبال عداوة لله ولرسوله، ولم يقدروا على الصبر على رؤيته ﵇ يطول بالبيت. وفي رواية خرجوا غيظا وحنقا بفتح المهملة والنون وقاف وهو عطف تفسير ونفاسة أي حسدا يقال نفس بالشيء بالكسر حسده عليه. وخرج صلى الله تعالى عليه وسلم راكبا على ناقته القصوى والمسلمون متوحشون السيوف محيطون به مخافة أن يؤذيه غلمان المشركين، فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وابن رواحة آخذ بزمام راحلته يقول:
(خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله)
(ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله)
(يا رب إني مؤمن بقيله ... إني رأيت الحق في قبوله)
قوله خلوا أي تنحوا، وسبيله طريقه، وقوله نضربكم بسكون الباء للتخفيف كقراءة أبي عمر ﴿إن الله يأمركم﴾ وقوله:
(فاليوم اشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل)
وقوله على تنزيله أي النبي مكة:
إن عارضتم ولا نرجع كما رجعنا يوم الحديبية أو على تنزيل القرآن، وإن لم يتقدم له ذكره نحو ﴿حتى توارت بالحجاب﴾. والهام جمع هامة وهي الرأس ومقيله محل نومه نصف النهار كناية عن محل الراحة أي يزيل الرأس عن العنق، قوله ويذهل الخليل إلخ ... أي لكونه يهلك أحدهما فيذهل الهالك عن الحي والحي عن الهالك، والقيل المقول.
فلما أنشده ابن رواحة قال عمر: يا بن رواحة أبين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفي حرم الله تقول شعرا؟ فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم خل عنه يا عمر فلهي فيهم أسرع من نطح النبل أي فلهي أبلغ في نكايتهم وإيذائهم وقهرهم من رمي السهام، وفي رواية:
стр. 323
(خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله)
(في صحف تتلى على رسوله ... بأن خير القتل في سبيله)
(نحن قتلناكم على تنزيله ... كما قتلناكم على تأويله)
قوله تنزيله أي القرآن، وقوله بأن الباء زائدة، وسبيله الثاني جهاد أعدائه، وفي السابق الطريق المحسوس فلا إيطاء، وقوله على تأويله أي على إنكاركم ما أول به كما فهمنا منه، والمعنى نحن نقاتلكم على إنكار تأويله كما قتلناكم على إنكار تنزيله، مصدر بمعنى اسم المفعول، أي ما نزل عليه، الدال على رسالته وصدقه في كل ما جاء به. وقال ابن هشام أن قوله نحن ضربناكم على تأويله إلخ .. من قول عمار بن ياسر يوم صفين والدليل على ذلك أن المشركين لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، قال ابن كثير وفيه نظر فقد تابع ابن إسحاق عليه موسى بن عقبة وغيره وجاء من غير وجه عن عبد الرزاق قال في الفتح إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك والتقدير على رأي ابن هشام نحن ضربناكم على تأويله أي حتى تذعنوا إلي ذلك التأويل انتهى المراد من الزرقاني.
قال ابن سعد وغيره ولم يزل رسول صلى الله تعالى عليه وسلم يلبى حتى استلم الركن أي الحجر الأسود بمحجنه بكسر الميم وفتح الجيم عصا معوجة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه مشاة.
وفي الصحيحين أن المشركين قالوا إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم بتخفيف الهاء وشدها أي أضعفتهم حمى يثرب. فأمرهم صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرملوا بضم الميم أي يسرعوا الأشواط الثلاثة جمع شوط بفتح الشين وهو الجري إلي الغاية والمراد هنا الطواف حول الكعبة، وفي جواز تسمية الطوفة شوطا. وعن الشافعي كراهته، وإنما أمرهم بذلك ليري قريشا قوتهم وأمرهم أن يمشوا بين الركنين اليمانيين حيث لا تراهم قريش إذ كانوا من قبل قعيقعان، فلما رملوا قال المشركون ما
стр. 324
وهنتهم، وأمر صلى الله تعالى عليه وسلم مائتين من أصحابه حين طافوا وسعوا أن يذهبوا إلي أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم، ففعلوا وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة ثلاثا كما اشترطه مع قريش في الهدنة وتزوج ﵇ في سفره هذا ميمونة بنت الحارث زوجها له العباس وأصدقها عنه العباس أربعمائة درهم، وكانت جعلت أمرها إلي العباس. وكانت أختها أم الفضل تحته، قال ابن عباس تزوجها وهو محرم، قال في المواهب وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب وهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها إلا بعد ما حل ووهل بكسر الهاء أي غلط لمخالفته للمروي عنها نفسها وعن أبي رافع وكان الرسول بينهما وعن سليمان بن يسار وكان مولاها فقد اتفقوا كلهم على أنه كان حلالا وقال يزيد بن الأصم عن خالته ميمونة تزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن حلالان بسرف ورواه مسلم وهو بفتح السين وكسر الراء وبالفاء ما بين التنعيم وبطن مرو وهو إلي التنعيم أقرب وتوفيت بعد ذلك به. ويزيد هذا يقال أن له رؤية ولم تثبت وهو ابن أخت ميمونة.
غزوة مؤتة كذا ترجمها البخاري وابن إسحاق في طائفة. وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأمراء ووجه تسميتها غزوة كثرة جيش المسلمين فيها وشدة ما لاقوا فيها من الحرب مع الكفار وسماها القسطلاني وابن أبي جمرة وغيرهما سرية لأنها طائفة من جيشه صلى الله تعالى عليه وسلم بعثها ولم يخرج معها أنظر الزرقاني وفي المواهب وهي بضم الميم وسكون الواو وبغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين وهي من عمل البلقاء بالشام دون دمشق وكانت في جماد الأولى سنة ثمان انتهى.
وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام وأما
стр. 325
الموتة بلا همز فضرب من الجنون. وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول في صلاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، وفسره الراوي فقال نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة انتهى، انتهى من الزرقاني.
وسببها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل الحارث بن عمير الأزدي ثم اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء بكتاب إلي أمير بصرى من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني فمنعه شرحبيل بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء بن عمرو الغساني كافة معروف من أمراء قيصر وأوثقه فضرب عنقه قال في المواهب ولم يقتل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رسول غيره. فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثة آلاف وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن قتل فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتضى المسلمون لرجل من بينهم يجعلونه عليهم، وروى أنه كان ثم يهودي فقال يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد أعهد فإنك لا ترجع إلي محمد إن كان نبيا، قال زيد فأشهد أنه رسول صادق بار، قالوا وعقد لهم ﵇ لواء أبيض ودفعه إلي زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلي الإسلام فإن أجابوا وإلا فأقول لكم استعينوا بالله وقاتلوهم.
وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فودعهم ولما ودع ابن رواحة بكى فقالوا ما يبكيك؟ فقال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ آية ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فلست أدرى كيف لي بالصدور بعد الورود. فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال ابن رواحة.
стр. 326
(لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا)
(وطعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا)
(حتى يقولوا إذا مروا على جدث ... أرشده الله من غاز وقد رشدا)
وذات فرع بكسر الفاء وسكون الراء وغين معجمة أي واسعة يسيل دمعها، والزبد محركة رغوة الدم، قاله الزرقاني. وقوله تنفذ الأحشاء يقال نفذه كنصره خرقه كأنفذه ورشد كفرح ونصر. ولما ودع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال:
(أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أرزي به القدر)
(فثبت الله ما أتاك من حسن ... في المرسلين ونصرا كالذي نصروا)
(إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا)
وقوله نظروا يعنى المشركين، قاله الكلاعي، وفي الزرقاني أنه حين اهـ إلي قوله فثبت الله قال له صلى الله تعالى عليه وسلم وأنت فثبتك الله يا بن رواحة. وحدث زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه:
(إذ أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء)
(فشأنك فانعمي فخلاك ذم ... ولا أرجع إلي أهلي وراء)
(وجاء المسلمون وغادرونى ... لأرض الشام مشتهى الثواء)
(هنالك لا أبالى طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء)
قوله خلاك ذم أي فارقك الذم، فلست بأهل له ومشتهى الثواء أي الإقامة، أي لا أريد رجوعا والبعل الذي يشرب بعروقه من رطوبة الأرض؛ قال فلما سمعتهن بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل، قوله فخفقني أي ضربني، والدرة بالكسر التي يضرب بها، ثم مضى القوم حتى نزلوا معان بضم الميم على ما صوبه الوقشي وغيره. ونقل مغلطاي فتحها عن البكري ونقل عنه الروض ضمها بعين مهملة فألف فنون وهو جبل بالشام، وبلغ المسلمين أن هرقل نزل مئاب بفتح الميم من أرض البلقاء
стр. 327
في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام وبهراء وبلي مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى يقال له مالك بن رافلة فأقام المسلمون ليلتين على معان لينظروا في أمرهم وقالوا نكتب إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونخبره الخبر فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال يا قوم والله إن التي تكرهون لا التي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة وما نقالتهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنين إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة. وقال ابن رواحة في محبسهم ذلك:
(جلبنا الخيل من أجا وفرع ... تغر من الحشيش لها العكوم)
(حذوناها من الصوان سبتا ... أزل كأن صفحتها أديم)
(فقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم)
(فرحنا والجياد مسومات ... تنفس في مناخرها السموم)
(فلا وأبي مئاب لنأتينها ... وإن كانت بها عرب وروم)
(فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم)
(بذي لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم)
(فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتها فتنكح أو تئيم)
وفرع بالضم موضع من أضخم أعراض المدينة، وقوله تغر السهيلي تغر بالراء أي يجمع بعضها إلي بعض والصوان فعال من الصون لأنه يصون حوافرها أي اتخذنا لها نعالا من حديد وجعلها سبتا لها مجازا وأظهر من هذا أن يكون أراد بالصوان يبيس الأرض أي لا سبت لها إلا ذلك ووزنه فعلان من قولهم نخلة صاوية أي بابسة والجموح الراحة والبريم خيط تحتزم به المرأة وقوله فراضية المعيشة أي المعيشة المرضية لأن أهلها راضون كذا رأيته معزوا للسهيلي، وقوله مسومات أي مضمرات حسان أو معلمة في وجوهها شية من السمت وهي العلامة وعليه فقيل العلامة هي الغرة والتحجيل وقيل الكي والله أعلم.
стр. 328
وفسرت في الآية بهذين وغيرهما كما في الريان للوالد رضى الله تعالى عنه والقوانس جمع قونس وهو أعلى بيضة الحديد وعبأنا هيأنا والسموم الريح الحارة واللجب الصوت والسبت بالكسر جلود البقر أو كل جلد مدبوغ أو بالقرظ انتهى من القاموس.
ثم مضى المسلمون إلى مؤتة فجاءهم من جموع العرب والروم ما لا طاقة لهم به من العدد الزائد على مائتي ألف والعدد بضم العين من السلاح والكراع بضم الكاف وهو جماعة الخيل خاصة والحرير والذهب إظهارا للشدة والقوة، بكثرة الأموال وآلات الحرب وفي هذا فرط شجاعة الصحابة وعدم مبالاتهم بأنفسهم لأنهم باعواها لله إذ أقدام ثلاثة آلاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب إنما هو لما وقر في قلوبهم: ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ (الآية) ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾، فتعبأ المسلمون فجعلوا على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري وعلى الميسرة عناية بن مالك الأنصاري قال في المواهب فقاتل الأمراء الثلاثة يومئذ على أرجلهم، قال الزرقاني قد يشعر تخصيصهم أن من عداهم قاتلوا على حالهم التي كانوا عليها من مشي أو ركوب فحمل اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فقاتل على فرسه حتى ألحمه القتال، فنزل عن فرس له شقراء فقاتل حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة كما لابن هشام قال اليعمري أو أربع وثلاثين ولابن عبد البر أن سنه إحدى وأربعون ضربه رجل من الروم ضربة فقطه نصفين. وفي رواية للبخاري أيضا عن ابن عمر ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية.
وللبخاري أيضا عن ابن عمر فعددت به خمسين بين ضربة بالسيف وطعنة برمح ليس منها شيء في دبره يعني ظهره وجمع بينهما بأن الزيادة باعتبار ما فيه من رمي السهام فإن ذلك لم يذكر في رواية أخرى.
والخمسون ليس منها شيء في دبره أي ظهره والباقي قد يكون في بقية جسده، ولا يستلزم ذلك أنه ولاهم دبره وإنما هو محمول على أن الرمي جاء من جهة قفاه أو جانبه.
وفي رواية لأبي داوود وغيره أن جعفرا عقر فرسه وعقر بفتح العين
стр. 329
المهملة والقاف وبالراء أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف وفي رواية فعرقبها، قال ابن إسحاق فكان جعفر أول مسلم عقر في الإسلام قال في الروض ولم يعب ذلك عليه أحد فدل على جوازه إذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين فلم يدخل هذا في النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا وهذا حديث حسن وفي بقيته أنه قتل وهو يقول:
(يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها)
(والروم روم قد دنى عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها)
على إذ لاقيتها ضرابها)
وقطعت يده في تلك الوقعة وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه ثم قتل فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله تعالى أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء أخرجه ابن عبد البر.
قال محمد بن عبد الباقي والمقصود أن الله أكرمه بذلك في مقابلة قطعهما فلا يستلزم عدم رد يديه بل بعد ردهما أعطاه الجناحين وأخرج الطبراني عن عبد الله بن جعفر الشبيه خلقا وخلقا كأبيه قال قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء وروى عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال مر بي جعفر الليلة في ملإ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم واختلف في أن الجناحين حقيقيان وهو المختار وروى عن البخاري أنه قال يقال لكل ذي ناحيتين جناحان، قال الحافظ لعله أراد بهذا حمل الجناح على المعنوي دون الحسي وجرى عليه السهيلي فقال ليسا كما يسبق إلي الوهم كجناحي الطائر وريشه لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر، وقد عبر القرآن عن العضض بالجناح توسعا في قوله: ﴿واضمم يدك إلي جناحك﴾ وقد قال العلماء في أجنحة الملائكة أنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة. فقد ثبت أن لجبريل ﵇ ست مائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك. قال فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها ولا ورد ببيانها خبر فنؤمن بها من غير بحث عن
стр. 330
حقيقتها انتهى.
قال الحافظ في الفتح ولا مانع من الحمل على الظاهر، وكون الصورة البشرية أشرف من الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية كما هي وإعطاء الجناحين مضموما إلي عود يديه يصيره في المنظر أتم من حال بقية نوع الإنسان فالأجنحة له كالزينة والحلي لمن تحلي وتزين وروى البيهقي مرسلا أن جناحي جعفر من ياقوت فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة وأنه ليس من جنس أجنحة الطير التي هي من ريش فهذا يرد قوله أنها صفة ملكية وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ أخرجه ابن مندة بفتح الميم وقد قال بعض العلماء أن هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الحشوية ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة وقال تعالى ﴿أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ انتهى من الزرقاني.
ولما قتل جعفر أخذ اللواء عبد الله بن رواحة ثم تقدم وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
(أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه)
(أن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنة)
(قد طالما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه)
وقال أيضا:
(يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت)
(وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت)
وإن تأخرت فقد شقيت)
يعنى صاحبيه زيدا وجعفرا.
ثم نزل فأتاه ابن عم له يعرف بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت فانتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده فأخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
وذكر ابن أبي جمرة أنه قال أي نفس إلي أي شيء تتوقين إلي فلانة فهي طالق وفلان وفلان غلمان له فهم أحرار وإلي معجب حائط له فهو لله ورسوله ثم قاتل حتى قتل رضى الله عنهم أجمعين انتهى.
стр. 331
قال سعيد بن أبي هلال بلغني أنهم دفنوا زيدا وجعفرا وابن رواحة في حفرة واحدة وفي الصحيح وما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأووا من فضل الشهادة ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم بفتح الهمزة وسكون القاف وبالراء والميم البلوي البدري حليف بني العجلان بطن من الأنصار فقال يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم قالوا أنت لها، قال ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. وفي الصحيح أخذ الراية سيف من سيوف الله تعالى حتى فتح الله على يديه، وفي رواية ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم اللهم أنه سيف من سيوفك فأنت تنصره، فمن يومئذ يسمى سيف الله.
وفي المواهب وشرحها وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين وعدد من قتل منهم اثنا عشر رجلا الأمراء الثلاثة ومسعود بن الأسود وهو من بنى عدي بن كعب ووهب بن سعد بن أبي سرح وهو من بنى مالك بن حسل وعباد بن قيس الخزرجي والحارث بن النعمان وسراقة بن عمرو النجاريان وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث وزاد ابن الكلبي والبلاذري هويجه الضبي وهو بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الموحدة فجيم فهاء تأنيث وروى أنه لما قتل فقد جسده وفي هذا من مزيد عناية الله تعالى بالمسلمين ما لا يخفى إذ عدتهم ثلاثة آلاف وقاتلوا أكثر من مائتي ألف سبعة أيام، ولم يقتل منهم إلا ثلاثة عشر كذا ذكر ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين وقال الحاكم قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة وكانت الهزيمة على المشركين وهذا ظاهر حديث الصحيح كما مر قريبا، وفيه أيضا عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقى في يدي إلا صفحة يمانية بتخفيف الياء وحكى شدها. وقال ابن إسحاق انحازت كل طائفة عن الأخرى من غير هزيمة، قال اليعمري وهو المختار لكن قال الشامي وافق ابن إسحاق شر ذمة لكنه خلاف ظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ففتح على يديه والأكثرون على أن خالد والمسلمين
стр. 332
قاتلوا المشركين حتى هزموهم، وفي حديث أبي عامر أن خالداً لما حمل اللواء حمل على القوم فهزمهم أسوأ هزيمة حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا ونحوه عن الزهري وابن عقبة وابن عائد وعروة وغيرهم، وقال في الفتح اختلف أهل النقل في المراد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى فتح الله عليهم هل كان هناك هزيمة للمشركين أو المراد بالفتح انحياز المسلمين حتى رجعوا سالمين انتهى المراد منهما. وقال الإمام ابن أبي جمرة اختلف العلماء في عسكر المسلمين هل كانت الهزيمة عليهم أو على المشركين فحكى ابن سعد أنها كانت على المسلمين إلى أن قال وذهب جماعة أن الهزيمة كانت على المشركين وهو الأقرب ورجحه البيهقي.
وعن العطاف بن خالد لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد فلما أصبح جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم وقال قد جاءهم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين فقتل منهم مقتلة لم يقتلها قوم، وكذا ذكر موسى بن عقبة. وذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري وكذا ذكر موسى بن عقبة. وذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري وكان رأس ميمنة المسلمين قتل مالك بن رافلة ويقال رافلة البلوي وهو أمير عرب النصارى فقال يفتخر:
(طعنت ابن رافلة ابن الأرش ... برمج مضي فيه ثم انحطم)
ثم قال:
(وسقنا نساء بني عمه ... غداة رقوقين سوق الغنم)
وفيه التصريح بأنهم سبوا نساءهم وبعد البيت الأول:
(ضربت على صيره جيده ... فما مال كما مال غصن السلم)
والصير جانب الشيء وطرفه وضميره للجيد والله أعلم. أي ضربت جيده على جانبه. ولما أصيب القوم قال صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيداً ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً ثم صمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة ما يكرهون ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أخذها عبد الله بن
стр. 333
رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً ثم قال لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواح ازوراراً عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا؟ فقيل لي مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى وذكر ابن عقبة أن يعلى بن أمية الحنظلي حليف قريش وأمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية الخفيفة وبها اشتهر وبأبيه معاً وقيل هي أم أبيه وهي أم العوام والد الزبير قاله الزرقاني وهو الذي قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك. قال أخبرني فأخبره خبرهم كله فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفاً فلم تذكره. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معركتهم.
وللطبراني عن أبي اليسر بفتح التحتية والمهملة كعب بن عمر السلمي بفتحتين البدري أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي صلى الله تعلى عليه وسلم بمصابهم. وقال حسان يبكيهم:
(تأوبني ليل بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر)
(لذكرى حبيب هجيت لي لوعة ... سفوحاً وأسباب البكاء التذكر)
(بلى إن فقدان الحبيب بلية ... وكم من كريم يبتلى ثم يصبر)
(رأيت خيار المسلمين تواردوا ... شعوب وخلفا بعدهم يتأخر)
(فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر)
(وزيد وعبد الله حين تتابعوا ... جميعاً وأسباب المنية تخطر)
(غداة مضوا بالمومنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة ازهر)
(أغر كضوء البدر من آل هاشم ... أبي إذا سيم الظلامة مجسر)
(فطاعن حتى مال غير موسد ... بمعترك فيه قنى متكسر)
(فصار مع المستشهدين ثوابه ... جنانه وملتف الحدائق أخضر)
(وكنا نرى في جعفر من محمد وفاء وأمراً حازماً حين يأمر)
(وما زال في الإسلام من آل هشام ... دعائم عز لا يزلن ومفخر)
(بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير)
(وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقير وماء العود من حيث يعصر)
(بهم تفرج اللواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر)
стр. 334
(هم أولياء الله أنزل حكمه ... عليهم وفيهم ذو الكتاب المطهر)
وشعوب بفتح المعجمة المنية، والمظلمة بكسر اللام وكثمامة تظلمه الرجل قاله في القاموس، والبهاليل جمع بهلول بالضم وهو الوضيء الوجه مع طول، والمأزق المضيق من مضايق الحرب والعماس كسحاب المظلم.
وقال كعب بن مالك:
(نام العيون ودمع عينيك يهمل ... سحا كما وكف الطباب المخضل)
(في ليلة وردت علي همومها ... طوراً أحن وتارة أتململ)
(واعتادني حزن فبت كأنني ... ببنات نعش والسماك موكل)
(وكأن ما بين الجوانح والحشا ... مما تأوبني شهاب مدخل)
(وجداً على النفر الذين تتابعوا ... يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا)
(صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل)
(صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... حذر الردى ومخافة أن ينكل)
(فمضوا أمام المسلمين كأنهم ... فنق عليهن الحديد المرفل)
(إذا يهتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم فنعم الأول)
(حتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصفوف المجدل)
(فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل)
(قرم علا بنانه من هاشم ... فرعاً أشم وسؤدد ما ينقل)
(قوم بهم عصم الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل)
إلى أن قال:
(بيض الوجوه ترى بطون أكفهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل)
(وبهديهم رضي الإله الخلقة ... وبجدهم نصر النبي المرسل)
وهمل دمعه كضرب، ونصر فاض، والطباب بكسر الطاء المهملة جمع طبابة وهي سير بين خرزتين في المزادة فإذا كان غير محكم وكف منه الماء والخنين بالمعجمة حني ببكاء فإذا كان بالمهملة فليس معه بكاء (انظر الروض) وأسندوا بالنون وروي بهمزة بعد السين من الإسناد وهو الإسراع في السير وصبروا حبسوا والفنق جمع فنيق وهو الفحل والمرفل السابغ الضافي وقوله فتغير القمر قال السهيلي قوله حق لأنه إن كان عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعله قمراً فقد
стр. 335
كان تغير بالحزن لفقد جعفر وإن أراد القمر نفسه فإنه حق أيضاً لأن المفهوم منه تعظيم المصاب كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه أراد شدة تأديب الأهل وتأفل بتثليث الفاء أي تغيب ماضيه كضرب ونصر وعلم وقوله وبجدهم روي بالحاء المهملة أيضاً أي شجاعتهم وإقدامهم.
ثم بعد مؤتة غزوة فتح مكة زادها الله تعالى تشريفاً وتعظيماً قال ابن أبي جمرة وكانت في رمضان سنة ثمان، وكان المسلمون عشرة آلاف وقال الزهري وعروة اثني عشر ألفاً انتهى المراد منه.
وقال في الاكتفاء غزوة الفتح. وأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جماد الأخيرة ورجب ثم عدت بنو بكر بن عبد منات بعد كنانة بعد خزاعة انتهى المراد منه.
وقال في المواهب ممزوجاً ببعض كلام الزرقاني ثم فتح مكة زادها الله تعالى شرفاً وهو كما قال العلامة بن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيد الكفار والمشركين والإضافة للتشريف وقوله جعله هدى للعالمين أي هادياً لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس في دينه أفواجاً أي جماعات وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً أي سروراً، والاطناب جمع طنب بضمتين وهو حبل الخباء شبه العز بالخباء المتين وأثبت له الأطناب تخييلاً والجوزاء يقال إنها تعرض في جوز السماء أي وسطها خرج إليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للتين خلتا من رمضان كما رواه أحمد بسند صحيح وهو أصح مما قال الواقدي أنه خرج لعشر ليال خلون منه وليس بقوي وروى البيهقي عن الزهري أنه صبح مكة لثلاث عشرة ليلة خلت منه وروي عن الزهري أيضاً أنه قال لا أغدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان أو خرج في رمضان بعدما دخل وعند مسلم أنه دخل مكة لست عشرة ولأحمد لثمان عشرة وجمع بينهما بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي. وسبب خروجه نقض العهد الذي وقع في الحديبية وذلك أن الصلح وقع على أن من أحب أن
стр. 336
يدخل في عهده ﷺ دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقده صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب وكان ﵇ عارفاً بذلك وجاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه الصلام عارفاً بذلك وجاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب وهو باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هشام لخزاعة إذا قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي غائبهم يقر بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكم عهود الله وعقوده وما لا ينسى أبداً ليد واحدة والنصر واحد ما أشرف ثبير وثبت حراء وما بل بحر صوفه ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبد الدهر سرمدا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ولا حلف في الإسلام انتهى.
والحلف المنهي عنه ما كان على الفتن والقتال والغارات والذي قواه الإسلام ما كان على نصر المظلوم وصلة الأرحام ونصرة الحق وكان بين بني بكر وخزاعة حروب في الجاهلية وذلك أن مالك بن عباد من بن الحضرمي خرج تاجراً فعدا عليه خزاعة فقتلوه وأخذوا ماله وكان حليف للأسود بن رزن بفتح الراء وكسرها فزاي ساكنة وتفتح فنون فعدت بنو بكر على خزاعي فقتلوه حمية للأسود فعدت خزاعة على بني الأسود وهم ذؤيب وسلمى بفتح السين وكلثوم فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم فبينما هم كذلك بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتشاغلوا عن ذلك فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية وهو يومئذ قائد بني الديل من بني بكر في بني الديل حتى بيت خزاعة على ماء عندهم بأسفل مكة يقال له الوتير بفتح الواو وكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء قال السهيلي وهو في كلام العرب الورد الأبيض سمي به الماء فأصاب منهم رجلاً يقال له منبه وكان ضعيف الفؤاد وكان معه رجل يقال له تميم فقال له منبه يا تميم انج بنفسك فوالله إني لميت قتلوني أو تركوني لقد أنبت فؤادي فأفلت تميم وأدركوا منبهاً فقتلوه واستيقظت خزاعة فاقتتلوا فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة لا إله له يا بني
стр. 337
بكر، أصيبوا ثأركم وأمدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل بعضهم معهم ليلاً في خفية منهم صفوان بن أمية وعثمان بن شيبة وسهيل بن عمرو وحويط بن عبد العزاي ومكرز بن حفص، فلما دخلوا مكة لجأت خزاعة إلى دال بديل بن ورقاء الخزاعي ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظنون أنهم لا يعرفون وأن هذا لا يبلغه ﵊ وأصبحت خزاعة مقتولين على باب بديل فقال سهيل لنوفل قد رأيت الذي صنعنا بك وبمن قتلت من القوم وقد حصرتهم تريد قتل من بقي وهذا ملا نطاوعك عليه فاتركهم، فتركهم، وندمت قريش على ما صنعوا وعرفوا أنه نقض للعهد.
فائدة:
الديل بكسر الدال المهملة وسكون الياء كما قاله الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما وقال الأصمعي وسيبويه وأبو حاتم وغيرهم هو بضم الدال وكسر الهمزة وإنما فتحت في النسب كما فتحت ميم النمر في النمري ولام سلمة في السلمي فراراً من توال الكسرات وكان عيسى بن عمر ويونس وغيرهما ويكسرونها من النسب. قال الأصمعي وهو شاذ وهو الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وقول الشامي بكسر الدال وسكون الهمزة وتسهيل فيه نظر لأن الذين قالوا بكسر الدال إنما قالوا بعدها تحتية لا همزة والذين همزة إنما قالوا بكسرها والدال مضمومة نقلها العلامة الزرقاني.
ولما انقضى القتال خرج عمرو بفتح العين وقيل بضمها بن سالم الخزاعي في أربعين را كباً من خزاعة فقدموا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ويستنصرونه فقام صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يجر ردائه ويقول لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي. وفي المعجم الكبير عن ميمونة قالت بات عندي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة فسمعته يقول في متوضئه لبيك لبيك لبيك، ثلاثاً، نصرت نصرت نصرت ثلاثاً، فلما خرج قلت يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك لبيك لبيك لبيك ثلاثاً، نصرت نصرت نصرت ثلاثاً، كأنك تكلم إنساناً؟ ! فقال هذا راجز بني كعب يستصرخني
стр. 338
ويزعم أن قريشاً أعانت عليهم بني بكر ففي أخباره به قبل قدومه علم من أعلام النبوة وفي آخر الحديث فأقمنا ثلاثاً ثم صلى ﵇ بالناس صبح اليوم الثالث فسم‘ت الراجز ينشده:
(يا رب إني الخ ... والرجز المذكور هو قوله:
(يا رب إني ناشد محمدا)
(حلف أبينا وابيه الأتلدا ... قد كنتم ولدا وكنا والدا)
(ثمت أسلمنا ولم ينزع يدا ... فانصر هداك الله نصرا أيدا)
(ودع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا)
(ابيض مثل البدر يسموا صعدا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا)
(في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشاً أخلوك الموعدا)
(ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي فيك داء رصدا)
(وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا)
(هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعاً وسجدا)
يقول قتلونا وقد أسلمنا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم نصرت. ثم عرض عنان من السماء، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. قاله الكلاعي والعنان بفتح المهملة ونونين بينهما ألف السحاب، قوله ناشد أي طالب ومذكر، وحلف بكسر المهملة وسكون اللام مناصرة، والأتلد أي الأقوم مما بيننا وبينه صلى الله تعالى عليه وسلم وقول الشامي أي القديم لا يناسب أفعل التفضيل وولد بضم الواو وسكون اللام لغة في ولد وذلك أن ولد بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذلك أم قصي وثمت حرف عطف أدخل عليها تاء التأنيث ونصراً أيدا قوياً مستمراً. وروي نصراً اعتدا بفتح المهملة وكسر الفوقية أي حاضراً مهيئاً ومدداً بفتحتين جيوشاً ينصروننا وقوله فيهم رسول الله أتى به لدفع توهم أنه يبعث سرية وتجرد روي بمهملة أي غضب وبجيم أي شمر وتهيأ لحربهم وسيم مبني للمفعول وخسفاً بفتح المعجمة وضمها أي أولى ذلا وتربد تغير وصعدا بضمتين والفيلق كصيقل الجيش وميثاقك: عهدك، والمؤكدا أي بالكتب والإشهاد ولست بضم التاء وروي بفتح التاء مع التاء في تدعوا وبيتونا أي قصدونا ليلاً من غير علم، وهجدا نوماً، جمع هاجد. قال السهيلي
стр. 339
وأسلمنا من السلم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد انتهى.
وتأوله بعضهم بأنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون ولا يخفى بعده. وفي رواية غير زياد هم قتلونا بصعيد هجدا. نتلوا القرآن ركعاً وسجداً. وهذا يبطل التأويل انتهى من الزرقاني.
وقوله أن اعتدا بكسر التاء هو بالتحريك أيضاً كما في القاموس وكداء كسماء جبل بأعلى مكة وهو الذي دخل منه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل منه خالد ومن معه ومده البوصيري ضرورة في قوله وأكدى عند إعطائه القليل كداء، قاله شراحه، ورصده رقبه، والرصد محركة الراصدون، وروى الواقدي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال كأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول جدد العهد وزدني في المدة وهو راجع بسخطه ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان فقالا لئن لن يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه فقال أبو سفيان قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وخفت من شرها، قالوا وما هي؟ قال رأت دماً أقبل من الحجون يسير حتى وقف بالخندمية مريا ثم كان ذلك الدم كأن لم يكن فكرهوا الرؤيا فقال أبو سفيان هذا أمر لم نشهده ولم أغب عنه لا يحمل إلا علي والله ما شورت فيه ولا هويته حتى بلغني ليغزوننا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي وما بد في أن آتي محمداً فأكمله. فقالت قريش أصبت فخرج ومعه مولى وله على راحلتين وقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل على بنته أم حبيبة فذهب ليجلس على فراشه صلى الله تعالى عليه وسلم فطوته عنه وقالت أنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر ثم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئاً، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال ما أنا بفاعل. فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الذر لجالدتكم به ما كان من حلفنا جديداً فأخلفه الله وما كان متيناً فقطعه الله وما كان منه مقطوعاً فلا وصله الله ثم أتى علياً وعنده فاطمة وعندها حسن غلام يدب بين
стр. 340
يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بي رحماً وإن قد جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائباً فاشفع لي فقال علي ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم صلى الله تعالى عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. قالت والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس وما كان يجير أحد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال لعلي يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال والله ما أعلم شيئاً يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الح بأرضك. فقال أوترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فلما قدم على قريش قالوا وما وراءك؟ قال جئت محمداً فكلمته فوالله ما رد علي شيئاً ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، وفي لفظ أعدى العدو، ثم أتيت علياً فقال أنت سيد بني كنانة فأجر بين الناس، فناديت بالجوار، قالوا هل أجاز ذلك محمد، قال لا. قالوا رضيت بغير رضا وجئت بما لا يغني عنا ولا عنك شيئاً، والله ما زاد علي على أن لعب بك. فقال والله ما وجدت غير ذلك.
قال في المواهب فتجهز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غير إعلام أحد بذلك، قال الزرقاني أي أولاً فلا ينافي ما عند ابن إسحاق وغيره أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيأ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس وبغته كمنع فاجأه، وقال حسان يحرضهم ويذكر مصاب رجال خزاعة:
(عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رجال بني كعب تحز رقابهم)
(بأيدي رجال لم تسل سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجس ثيابها)
(ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمر وحرها وعقابها)
(فلا تأمننا يا ابن أم مجالد ... إذا احتلبت صرفا واعضل نابها)
(فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها)
стр. 341
قوله عناني: عناه الأمر يعنيه ويعنوه أهمه وقوله بأيدي رجال يعني قريشاً وابن أم مجالد عكرمة بن أبي جهل، فكتب حاطب بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمر بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدراً كتاباً وأرسله إلى مكة يخبر بذلك مع امرأة استأجرها سماها ابن إسحاق سارة والواقدي كنود قيل كانت مولاة للعباس وقيل مولاة عمر بن هاشم بن المطلب فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال ﵇ لعلي والزبير والمقداد كما أخرجه الشيخان عن علي وللبخاري عن علي أيضاً بعثني وأبا مرثد الغنوي والزبير وكلنا فارس قال الحافظ يحتمل أن الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحداً فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعاً له، فقال ﵇ انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة فإن بها ظعينة أي امرأة في هودج معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها. قال علي فانطلقنا تعادي بنا خيلنا بحذف إحدى التاءين أي تجري حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، ولابن إسحاق من مرسل عروة فأدركاها بالخليقة خليقة بني أحمد بقاف وخاء معجمة كسفينة منزل على اثنين وعشرين ميلاً من المدينة ولابن عقبة أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية وبالهمزة وبالميم واد بالمدينة فيحتمل أن الروضة اسم لمكان يشتمل عليهما وإلا فما في الصحيح أصح. قاله العلامة الزرقاني. قال فقلنا أخرجي بهمزة قطع الكتاب. قالت ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً. فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بفتحتين؛ وللاصيلي بضم الكاف وكسر المعجمة مخففة، قلنا لتخرجن الكتاب بضم الفوقية وكسر الراء والجيم أو لنلقين الثياب بضم النون وكسر القاف، وللأصيلي بضم الفوقية وحذف التحتية فأخرجته، من عقاصتها بكسر المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب. وقال المنذري هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله وقيل هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها، فأتينا به أي بالكتاب، رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 342
وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال يا حاطب ما هذا؟ قال يا رسول الله لا تعجل علي. ولابن إسحاق أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت إني كنت مرءاً ملصقاً بضم الميم وفتح الصاد في قريش أي مضافاً لهم أي كنت حليفاً وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ولم أفعله فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أما إنه قد صدقكم. زاد البخاري في بدر لا تقولوا له إلا خيراً فقال عمر يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم.
قوله لعل الله ورسوله الخ قال النووي هذا الترجي راجع إلى عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى.
وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم وقد قال العلماء الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد وأبي داود بالجزم بلفظ أن الله اطلع على أهل بدر واتفقوا أن هذه البشارة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها فأنزل الله تعالى في حاطب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ قال في الفتح وإنما قال عمر دعني يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضرب عنق هذا المنافق مع تصديق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به ونهيه أن يقال له إلا خيراً فيما كان عند عمر من الشدة في الدين وبغض المنافقين فظن أن من خالف ما أمر به ﵇ من اخفاء مسيره عن قريش يستحق القتل لكنه لم يجزم به فلذلك استأذن في قتله ولو جزم به لما استأذن وأطلق عليه منافقاً لإظهاره خلاف ما أبطن فلم يرد عمر أنه أظهر الإسلام وأخفى الكفر وعذر حاطب ما ذكره من خوفه على أهله وماله فإنه فعل ذلك متأولاً أن
стр. 343
لا ضرر فيه كما صرح به في قوله كتبت كتاباً لا يضر الله ورسوله واستشكل قوله اعملوا ما شئتم فإن ظاهره الإباحة وهو خلاف عقد الشرع. وأجيب بأن هذا خطاب تشريف وإكرام تضمن أنهم حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وصاروا بها أهلاً لأن يغفر لهم ما يلحقهم من الذنوب بعد هذه الوقعة إن وقع وليس المراد أنهم أنجزت لهم مغفرة الذنوب اللاحقة بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما سيقع. فقد أظهر الله تعالى صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريق المثلى يقطع بذلك من أحوالهم من اطلع على سيرهم ولذا لما شرب قدامة بن مظعون من أهلها أيام عمر وحدّه رأى عمر في المنام من يأمره بمصالحة قدامة. وقيل في الجواب أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مفغورة وما أحسن قوله:
(وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع)
نقله الزرقاني عن ابن حجر والقسطلاني. ثم مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفاً كما مر فسبعت سليم وقيل ألفت وألفت مزينة وفي كل القبائل عدداً وأوعب المهاجرون والأنصار ولم يتخلف منهم أحد قاله الكلاعي وكان العباس أسلم قديماً فخرج بأهله وعياله مهاجراً ولقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالجحفة وقيل بذي الحليفة وسار معه إلى الفتح وبعث ثقله إلى المدينة. قال البلاذري وقال له صلى الله تعالى عليه وسلم هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوءتي آخر نبوءة. وكان ممن لقيه بالطريق ابن عمه وأخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة. أبو سفيان بن الحارث ومعه ولده جعفر وكان غلاماً مدركاً وشهد هو وأبوه حنيناً وكان أبو سفيان يألف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة ولا يفارقه فلما بعث عاداه وهجاه وأجابه حسان عنه كثيراً، قال القسطلاني وكان لقاءهما له ﵇ بالأبواء وأسلما قبل دخوله مكة وقيل لقيه هو وعبد الله بن أبي أمية ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيا بضم السين وسكون القاف قرية جامعة والعرج بفتح فسكون قرية جامعة على ثلاثة أميال في المدينة بطريق مكة وبهذا
стр. 344
القول جزم ابن إسحاق وعين المحل فقال لقياه بنقب العقاب فأعرض صلى الله تعالى عليه وسلم عنهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال. يعني قوله والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلماً إلى السماء فتعرج فيه، وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله تعالى أرسلك، فقالت له أم سلمة لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك وهذا نهي لهما في الظاهر وهو في الحقيقة سؤال له ﵇ أن يقبل عليهما وتلطفت في العبارة أدباً أن تخاطبه بصورة نهي، فلما خرج إليهما الخبر بذلك قال أبو سفيان والله ليأذنن أو لأخرجن بابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رق لهما ثم إذن لهما فدخلا عليه وأسلما وأنشد أبو سفيان:
(لعمرك إني يوم أحمل رايتي ... لتغلب خيل اللات وخيل محمد)
(لكالمدلج الحيران أظلم ليلة ... فهذا أواني حين اهدي واهتدي)
(الأبيات)
وقال علي لأبي سفيان إيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل وجهة فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف، ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً ففعل ذلك أبو سفيان فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم لا تثريب أي لا عتب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
ويقال أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حياء منه منذ أسلم. وقال عند موته لا تبكن علي فإني لم أنطق بخطيئة منذ أسلمت. ولما نزل ﵇ بمر الظهران أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار لتراها قريش فترعب من كثرتها قال الزرقاني ولم يأمر باقي من معه وهم ألفان بالإيقاد تخفيفاً ولم يبلغ قريشاً مسيره وهم مغتمون خائفون من غزوه إياهم فبعثوا أبا سفيان وقالوا خذ لنا أماناً من محمد فخرج أبو سفيان وحكيم بن جزام وبديل مصغر بن ورقاء الخزاعي وأسلموا كلهم يوم الفتح حتى أتوا مر الظهران فلما
стр. 345
رأوا العسكر أفزعهم ولابن أبي شيبة فإذا النيران قد أخذت الوادي كله، وفي البخاري فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان ما هذه النيران والله لكأنها نيران عرفة فقال له بديل بن ورقاء هذه نيران بني عمرو بفتح العين وفي رواية نيران بني كعب يعني بهما خزاعة، وعمر هو ابن لحي كما في الفتح وغيره فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك أي من أن تكون هذه نيرانها يعني خزاعة فرأوهم ناس من حرس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذوهم فقالوا من أنتم؟ فقالوا هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. فقال أبو سفيان هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزل على أكباد قوم لم يعلموا بهم. وعند ابن إسحاق أن العباس خرج ليلاً على بغلته صلى الله تعالى عليه وسلم قال فوالله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيراناً ولا عسكراً. فقال بديل هذه خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيروانها. قال فعرفت صوته، فقلت أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال أبا الفضل، قلت نعم. قال ما لك فداك أبي وأمي، قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الناس وأصباح قريش والله، قال لما الحيلة فداك أبي وأمي قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى أتى بك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاستأمنه لك، فركب خلفي فسرت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلته صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته حتى مر بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى رأبا سفيان قال أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد وركضت البغلة فسبقته واقتحمت عن البغلة فدخلت عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد، فدعني فأضرب عنقه، قلت يا رسول الله إني قد أجرته، فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر فوالله لئن كان من رجال بني عدي بن كعب لما قلت هذا ولكنك قد علمت أنه من رجال بن عبد مناف، فقال
стр. 346
مهلاً يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من إسلام الخطاب فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت به فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وما أكرمك وما أوصلك والله إلا لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني شيئاً بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فإن في نفسي منها شيء حتى الآن. فقال له العباس ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، فشهد شهادة الحق وأسلم. قال العباس قلت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن ابا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً قال نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما سار قال صلى الله تعالى عليه وسلم احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة أي أنفه، وفي رواية حطم بفتح الحاء المهملة الخيل بفتح المعجمة وسكون التحتية، أي ازدحامها، وحبسه العباس هناك ليرى الجميع فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة، على أبي سفيان والكتيبة بوزن عظيمة قطعة من الجيش من الكتب بفتح فسكون وهو الجمع قال الواقدي وأول من قدم ﵇ خالد بن الوليد في سلم وهم ألف أو تسعمائة معهم لواءان يحملهما خالد بن الوليد في سليم وهم ألف وتسعمائه معهم لواءان يحملهما العباس بن مرداس وخفائف بضم المعجمة بن ندبة بمض النون وراية مع الحجاج بن علاط فقال من هؤلاء؟ فقال خالد بن الوليد، قال الغلام؟ قال نعم. قال ومن معه قال بنو سليم، قال مالي وبني سليم؟ ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين وأفتاء العرب فقال من هؤلاء؟ قال الزبير بن العوام، قال ابن أختك؟ قال نعم. فمرت بعدهما كتيبة في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر فقال من هذه؟ قال غفار بكسر الغين المعجمة، قال مالي ولغفار؟ أي ما كانت بيني وبينهم حرب، ثم مرت أسلم بفتح اللام كما في القسطلاني في المناقب في
стр. 347
أربعمائة فقال من هؤلاء؟ قال أسلم، قال ما لي ولأسلم؟ ثم مرت بنو كعب بن عمرو، قال هؤلاء حلفاء محمد ﷺ ، ثم مرت مزينة فيها مائتا فرس، قال من هؤلاء؟ قال مزينة، قال مالي وما لمزينة قد جاءتني تتقعقع من شواهقها، ثم مرت جهينة في ثمانمائة، قال من هؤلاء؟ قال جنهينة، قال ما لي ولجهينة، والله ما كان بيني وبينهم حرب قط، وفي رواية زيادة أشجع وتميم وفزارة وفي البخاري زيادة سعد بن هذيم وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بضم المهملة بن أسلم بضم اللام كما في ابن حجر والزرقاني والقسطلاني بن الحاف بمهملة وفاء ابن قضاعة حتى مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الكتيبة الخضراء التي لم ير مثلها معه المهاجرون والأنصار مع كل بطن من الأنصار لواء وراية وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدث ولعمر فيها زجل بصوت عال وهو يقول رويدا يلحق أو لكم آخركم، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد فيها. قال ابن هشام والعرب تكني بالخضرة عن السواد وبه عنها ولعله إيثار للون المحبوب لنفرة النفوس من السواد، وفي البخاري يقال فيها ألفا دارع أي بالتثنية وكان على الأنصار سعد بن عبادة معه الراية فقال يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي يوم حرب لا مخلص منه أو يوم قتل يقال لحم فلان إذا قتله اليوم تستحل الكعبة أي يقتل من أهدر دمه ولو تعلق بأستارها وقتال من عارض من أهل مكة وبإزالة ما يزعمون أنه تعظيم لها من أصنام وصور وقد وقع جميع ذلك فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار بالمعجمة المكسورة وخفة الميم أي الهلاك تمنى أن ت كون له قوة فيحمي قومه قاله عجزا، وقيل معناه هذا يوم الغضب للحرم إن قدر عليه وقيل معناه هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي بقربك للمصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فسمع مقالة سعد رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله ما نأمن أن تكون لسعد في قريش صولة وللواقدي أن عثمان وعبد الرحمن قالا ذلك جميعاً، فقال لعلي الحقه وخذ الراية منه وكن أنت تدخل بها وروى الأموي أن أبا سفيان قال له صلى الله تعالى عليه وسلم لما حاذاه أمرت بحذف الاستفهام بقتل قومك؟ قال لا وذكر له ما قال سعد ثم ناشده الله
стр. 348
تعالى والرحم فقال يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة أي الرأفة اليوم يعز الله تعالى قريشاً أي بالإسلام وإنقاذهم من الضلال وحجزهم عن الوقوع في المهالك.
وأرسل ﵇ إلى سعد فأخذ الراية منه ودفعها لابنه قيس ورأى ﵇ أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى ابنه. ولابن عساكر أن سعداً لما قال ذلك عارضت امرأة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا نبي الهدى إليك لجا الخ ...
فلما سمع الشعر دخلته رأفة فأمر بالراية فأخذت من سعد ودفعت لابنه. وللواقدي أنه أبى أن يسلمها إلا بأمارة منه ﵇ فأرسل إليه بعمامته. وعنعد أبي يعلي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دفع الراية إلى الزبير فكان معه لواء المهاجرين ولواء الأنصار والظاهر في الجمع بين هذه الثلاثة كما للحافظ أن علياً أرسل لينزعها ويدخل بها ثم خشي تغيير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه فخشي سعد أن يقع من ابنه شيء يكرهه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسأله أن يأخذها منه، فأخذها الزبير وعند الواقدي والأموي أن الشعر لضرار بن الخطاب الفهري قال أبو الربيع وهو من أجود شعره قال الحافظ وكان ضراراً أرسل به المرأة ليكون ذلك أبلغ في انعطافه ﵇ على قريش والشعر المذكور هو:
(يا نبي الهدى اليك لجا ... حيي قريش ولات حين لجائي)
(حين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء)
(والتقت حلقة البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء)
(إن سعداً يريد قاصمة الظهـ ... ر بأهل الحجون والبطحاء)
(خزرجي لو يستطيع من الغيـ ... ـظ رمانا بالنسر والعواء)
(وغير الصدر لا يهم بشيء ... غير سفك الدما وسبي النساء)
(قد تلظى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسوءة السوءاني)
(إذ ينادي بذل حي قريش ... وابن حرب بذا من الشهداء)
(فلئن أقحم اللواء ونادا ... يا حماة الأدبار أهل اللواء)
(ثم ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء)
стр. 349
(لتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع في أكف الإماء)
(فانهينه فإنه أسد الأسـ ... ـد لدى الغاب والغ في الدماء)
(إنه مطرق يريد لنا الأمـ ... ـر سكوتا كالحية الصماء)
ولجا بالألف للضرورة وهو بالهمزة من باب نفع وتعب كما في المصباح وروي آخره وأنت خير لجاء، وسعة بفتح السين وهو كناية عن شدة كربهم حتى كأن الأرض لم تسعهم، وقوله وعاداهم إلخ ... أي فعل لهم فعل المعادي فسلط عليهم ما لا طاقة لهم به وحلقتا البطان تثنية حلقة والبطان بكسر الموحدة حزام يجعل تحت بطن البعير، كناية عن شدة الأمر، والصيام بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح اللام وميم الداهية وكذا الصلعاء بفتح المهملة وسكون اللام وكأنه بحذف حرف العطف وقاصمة الظهر كاسرته يعني الخصلة المانعة لهم من كل الأمور حتى كأنها كسرت ظهورهم فصاروا لا حراك لهم والنسر بفتح النون نجم والعواء بفتح المهملة وشد الواو والوغر بفتح الواو وكسر المعجمة وبالراء من الوغرة وهو شدة توقد الحر، ويهم بفتح فضم وتلظى تلهب وهند هي بنت عتبة والسوءة السوءاء الخلة القبيحة وأقحم اللواء ارسله في عجلة والأدبار جميع دبر وهو الظهر وثابت بتثلثة فألف فموحدة رجعت وبهم بضم ففتح جمع بهمة للفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه والهيجاء الحرب والفقعة بكسر الفاء فقاف فعين جمع فقاع بكسر الفاء وفتحها وسكون القاف ضرب من الكمأة أبيض رخو يشبه به الرجل الذليل والقاع والمكان المستوى والأسد بضم فسكون والغاب أجم الأسد والغ بالمعجمة أنظر الزرقاني.
وفي القاموس أن الفقع بالفتح ويكسر وجمعه كعنبة وفي الجوهري أن المفتوح جمع فقعه كجبإ وجبأة جمع الفقع بالكسر فقعة كقرد وقردة ويشبه به الرجل الذليل لأن الدواب تنجله بأرجلها انتهى.
وروي أن ابا سفيان لما مر به المسلمون قال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، فقال إنها النبوءة، فلما جاء قومه صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت شاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم والحميت بفتح المهملة
стр. 350
وكسر الميم وسكون التحتية ففوقية الزق، نسبته إلى السمن والدسم بدال فسين مكسورة، الكثير الودك، والأحمس بحاء وسين مهملتين الذين لا خير عنده؛ من قولهم عام أحمس أي لا مطر فيه (انظر الزرقاني) فقال ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا قاتله الله، فما تغني دارك عنا. قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس في دورهم وإلى المسجد.
ولما انتهى ﵇ إلى ذي طوى وقف على راحلته ووضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه بضم المهملة والنون بينهما مثلثة ساكنة أي لحيته ليكاد يمس رحله، ولما وقف هناك قال ابو قحافة لابنة له وقد كف بصره أظهريني على أبي قبيس فأشرفت به عليه فقال ماذا ترين قالت أرى سواداً مجتمعاً، قال تلك الخيل. قالت وأرى رجلاً يسعى بين ذلك السواد مقبلاً ومدبراً قال ذلك الوزاع يعني الذي يأمر الخيل، ثم قالت والله انتشرت السواد، فقال قد والله أذن، دفعت الخيل فأسرعي إلى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته. ولما دخل ﵇ المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فقال ﷺ هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه. قال أبو بكر هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليك، فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال أسلم، فأسلم. ورآه صلى الله تعالى عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة فقال غيروا من شعره ودخل يومئذ خالد بن الوليد من أسفل مكة من مدى بالضم والقصر وكان على المجنبة اليمنى وهو بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة كما في الزرقاني وكان أبو عبيدة على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة فراء وهم الذين لا دروع لهم وكون أبي عبيدة على الحسر رواه أحمد والنسائي وروى مسلم أن أبا عبيدة كان على البياذقة بفتح الموحدة وخفة التحتية فألف فذال معجمة فقاف فتاء تأنيث أي الزجالة، فارسية معربة، فلما دخل خالد من كدى وجد بها جموعاً من بني بكر وناساً من هذيل ومن الأحابيش فقاتلوا خالداً ورموه بالنبل فقاتلهم فانهزموا، أقبح الانهزام وقتل من بني بكر نحواً من عشرين رجلاً ومن هذيل ثلاثة أو أربعة
стр. 351
وعند ابن سعد والواقدي وقتل أربعة وعشرون رجلاً من قريش ويحتمل الجمع بأنه من مجاز الحذف أي من حزب قريش حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة بفتح المهملة والواو وبينهما زاي ساكنة ثم راء فهاء تأنيث كانت سوقاً بمكة ثم أدخلت في المسجد وهربوا حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال، ونظر رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم إلى البارقة فقال ما هذه البارقة وقد نهيت عن القتال؟ فقالوا نظن أن خالداً قوتل وبدء بالقتال. قال ابن عقبة وقال صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن لخالد، لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال هم بدؤونا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت. فقال ﵇ قضاء الله خير وقتل يومئذ من خيل خالد رجلان شذا عنه سلكا طريقاً غير طريقه وهما حبيش بمهملة ثم موحدة ثم تحتية ثم معجمة كما رواه الأكثر وروي أنه بمعجمة فنون فتحتية فمهملة والصواب الأول كما في الإصابة وهو مصغر على كلا الضبطين ابن الأشعري بشين معجمة وعين مهملة وهو لقب واسمه خالد بن سعد الخزاعي أخو أم معبد صاحبة قصة الهجرة وثانيهما كرز بضم الكاف وسكون الراء ابن جابر بن حسل بمهملتين بكسر فسكون ابن الأحب بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة الفهري وكان من رؤساء المشركين وهو الذي أغار على سرحه ﵇ في بدر الأولى وأسلم قديماً وبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم في أثر الرعبينيين وأصيب من خيل خالد أيضاً سلمة بن الميلاء الجهني، ولما دخل ﵇ مكة عهد إلى امرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن أبي سرح بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملة ابن الحارث القرشي العامري وكان قد أسلم وكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ارتد وفر يوم الفتح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له فزعموا أنه ﵇ صمت طويلاً ثم قال نعم. فلما انصرف عثمان قال لمن حوله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل هلا أومأت إلي، فقال إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين. وأفاد سبط بن الجوزي أن
стр. 352
الرجل عباد بن بشر وقيل عمرو حسن إسلامه وكانت له ولله الحمد المواقف المحمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية ومنهم ابن خطل بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة قيل اسمه عبد الله وقيل هلال ورده القسطلاني واسم خطل عبد مناف من بني تميم ابن فهر، ذكر الواقدي أن ابن خطل خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة فلما رءا خيل الله دخله الرعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى أتى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه ودخل تحت أستار البيت. فأمر ﵇ بقتله فقتل وفي المواهي أن أصح ما ورد في تعيين قاتله أنه أبو برزة بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة نضلة بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة ابن عبيد الأسلمي وقيل قتله الزبير وقيل اشترك فيه أبو برزة وسعيد بن حريث المخزومي وقيل استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق إليه سعيد فقتله وإنما أمر ﵇ بقتله لأ، هـ كان مسلماً فبعثه ﵇ مصدقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان الأنصاري يخدمه فنزل منزلاً فأمره أن يصنع له طعاماً ونام فاستيقظ ولم يصنع شيئاً فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركاً. ولأنه كان له أمتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وممن أمر بقتله أيضاً قينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجوه ﵇ والقينة الأ/ة غنت أ/ لا وكثيراً ما يطلق على المغنية، وهما فرتنا بفاء مفتوحة وراء ساكنة فمثناة فوقية فنون فألف وقريبة بالقاف والراء والموحدة مصغراً وضبطه الصغاني بفتح القاف وكسر الراء أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. ولغير ابن إسحاق أن فرتنا هي التي أسلمت ومنهم سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب بن بلتعة وقيل كانت مولاة للعباس وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تغني به، ومنهم عكرمة ابن أبي جهل أسلم وحسن إسلامه روي أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائهاً في البلاد وكانت امرأته أم حكيم بنت عمه الحارث أسلمت قبله فاستأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروي أنه لما رجع معها جعل يطلب جماعها فتأبى وتقول
стр. 353
أنت كافر وأنا مسلمة فقال أن أمراً منعك مني لا أمر كبير. فلما وافى مكة قال ﵇ لأصحابه يأتيكم عكرمة مؤمناً فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي، ومنهم الحويرث بالتصغير بن نقيد بنون وقاف مصغراً بن وهب بن عبد بن قصي كان يعظم القول في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وينشد هجاءه ولما حمل العباس فاطمة وأم كثلوم ابنتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخس الحويرث الجمل بهما فرمى بهما الأرض وشارك هبارا في نخس جمل زينب لما هاجرت وقتله علي ومنهم مقيس بميم فقاف ثم سين مهملة ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة الليثي وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ في غزوة ذي قرد يظنه من العدو فجاء مقيس المدينة مظهراً للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غرة من قاتل أخيه مقيس المدينة مظهراً للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غزة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركاً فأهدر دمه وقتله نميلة تصغير نملة ابن عبد الله الليثي رجل من قومه فقالت أخت مقيس في ذلك:
(لعمري لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس)
(فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس)
ومقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح التحتية وآخره سين مهملة وخرس المرأة صنع لها الخرسة بالضم وهي طعام النفساء، ومنهم هبار بفتح الهاء وتشديد الموحدة بن الأسود بن مطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ناخس جمل زينب وكان شديد الأذى للمسلمين، أسلم رضي الله تعالى عنه بالجعرانة ومنهم كعب بن زهير وأسلم بعد ذلك ومدح، ومنهم هند بنت عتبة ذكرها الحاكم فيمن أهدر دمه أسلمت فأتته ﵇ بالأبطح وقالت الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت نقابها فقالت أنا هند بنت عتبة. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم مرحباً بك. ومنهم وحشي بن حرب أسلم وأتاه ﵇، قال فلما رآني، قال وحشي! ؟ قلت نعم يا رسول الله! قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة فحدثته فلما أفرغت قال ويحك غيب وجهك عني، فكنت
стр. 354
أتنكب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله؛ ومنهم الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي ذكره أبو معشر كذا في المواهب وشرحها وذكر غير واحد أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعوا أناساً بالخندمة بالخاء المعجمة ونون جبل في أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين فناوشوهم شيئاً من القتال فقتل ابن الميلاء من خيل خالد وقتل من المشركين اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا، وفي ذلك يقول جماش بن قيس بجيم مكسورة وميم مخففة وشين معجمة يخاطب امرأته حين لامته على الفرار وقد كان يصلح سلاحه ويعدها أن يخدمها بعض المسلمين ويقول:
(إن تقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وأله)
(وذو غرارين سريع السله)
ولما فر ولامته قال:
(إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمه)
(أبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه)
(يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه)
(لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمه)
والآلة بفتح الهمزة الحربة العريضة النصل والسلاح وجميع أداة الحرب، وذو غرارين تثنية غرار بالكسر وهو حد السيف، والغمغمة أصوات الأبطال عند القتال، والنهيت الزئير والهمهمة تردد الزئير في الصدر، قاله في القاموس وقوله وأبو بقلب الهمزة وأبو يزيد سهيل بن عمرو والمؤتمة كمطفل امرأة لها أيتام وجمعها مئاتم والمؤتمة الاسطوانة قاله في الحلة السيرا ويروى هذا الشعر أي الأخير للمرعاش الهذلي.
وفي البخاري وغيره أنه ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زود بنسج من الدروع على قدر الرأس وفي مسلم أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء وكانت الخطبة عند باب الكعبة وجمع بينهما باحتمال أنه أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة، وأن العمامة ملفوفة فوق المغفر إشارة للسؤدد أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه الشريف
стр. 355
من صدا الحديد وفي البخاري من أسامة أنه قال قبل أن يدخل مكة بيوم يا رسول الله أين تنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ وكان عقيل وارث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه علي ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين وأخرجه الفاكهاني وقال في آخره ويقال أن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم ثم صارت لعبد المطلب فقسمها بين ولده ثم صار له صلى الله تعالى عليه وسلم نصيب أبيه اهـ.
وقوله في دارك بحذف الاستفهام؟ وفي البخاري قال عليه الصالة والسلام منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر أي في حال كفرهم أن لا يبالغوا بني هاشم ولا يناكحوهم وحصروهم في الشعب يعني بالخيف المحصب، قال الحافظ والخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن المسيل الماء.
وفي البخاري عن أم هانئ بنت أبي طالب أنه ﵇ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثمان ركعات ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته وأجارت أم هانئ حموين لها أي رجلين من أقارب زوجها وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت فدخل علي علي أي ابن أبي طالب فقال والله لاقتلنها فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآني قال مرحباً وأهلاً بأم هانئ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ فالرجلان المذكوران الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وقيل ثانيهما عبد الله بن أبي ربيعة، وأما ما روي من أنهما الحارث وهبيرة زوجها فليس بشيء لأن هبيرة هرب عند الفتح إلى نجران ومات بها مشركاً، قاله الحافظ؛ ولما كان الغد من يوم الفتح في عشرين من رمضان قام ﵇ خطيباً على باب البيت بعدما خرج منه بحمد الله ثم قال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقولا إن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي
следующие страницы →