Полный текст (927 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وعند ابن سعد والواقدي وقتل أربعة وعشرون رجلاً من قريش ويحتمل الجمع بأنه من مجاز الحذف أي من حزب قريش حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة بفتح المهملة والواو وبينهما زاي ساكنة ثم راء فهاء تأنيث كانت سوقاً بمكة ثم أدخلت في المسجد وهربوا حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال، ونظر رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم إلى البارقة فقال ما هذه البارقة وقد نهيت عن القتال؟ فقالوا نظن أن خالداً قوتل وبدء بالقتال. قال ابن عقبة وقال صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن لخالد، لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال هم بدؤونا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت. فقال ﵇ قضاء الله خير وقتل يومئذ من خيل خالد رجلان شذا عنه سلكا طريقاً غير طريقه وهما حبيش بمهملة ثم موحدة ثم تحتية ثم معجمة كما رواه الأكثر وروي أنه بمعجمة فنون فتحتية فمهملة والصواب الأول كما في الإصابة وهو مصغر على كلا الضبطين ابن الأشعري بشين معجمة وعين مهملة وهو لقب واسمه خالد بن سعد الخزاعي أخو أم معبد صاحبة قصة الهجرة وثانيهما كرز بضم الكاف وسكون الراء ابن جابر بن حسل بمهملتين بكسر فسكون ابن الأحب بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة الفهري وكان من رؤساء المشركين وهو الذي أغار على سرحه ﵇ في بدر الأولى وأسلم قديماً وبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم في أثر الرعبينيين وأصيب من خيل خالد أيضاً سلمة بن الميلاء الجهني، ولما دخل ﵇ مكة عهد إلى امرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن أبي سرح بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملة ابن الحارث القرشي العامري وكان قد أسلم وكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ارتد وفر يوم الفتح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له فزعموا أنه ﵇ صمت طويلاً ثم قال نعم. فلما انصرف عثمان قال لمن حوله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل هلا أومأت إلي، فقال إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين. وأفاد سبط بن الجوزي أن
стр. 352
الرجل عباد بن بشر وقيل عمرو حسن إسلامه وكانت له ولله الحمد المواقف المحمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية ومنهم ابن خطل بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة قيل اسمه عبد الله وقيل هلال ورده القسطلاني واسم خطل عبد مناف من بني تميم ابن فهر، ذكر الواقدي أن ابن خطل خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة فلما رءا خيل الله دخله الرعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى أتى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه ودخل تحت أستار البيت. فأمر ﵇ بقتله فقتل وفي المواهي أن أصح ما ورد في تعيين قاتله أنه أبو برزة بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة نضلة بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة ابن عبيد الأسلمي وقيل قتله الزبير وقيل اشترك فيه أبو برزة وسعيد بن حريث المخزومي وقيل استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق إليه سعيد فقتله وإنما أمر ﵇ بقتله لأ، هـ كان مسلماً فبعثه ﵇ مصدقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان الأنصاري يخدمه فنزل منزلاً فأمره أن يصنع له طعاماً ونام فاستيقظ ولم يصنع شيئاً فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركاً. ولأنه كان له أمتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وممن أمر بقتله أيضاً قينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجوه ﵇ والقينة الأ/ة غنت أ/ لا وكثيراً ما يطلق على المغنية، وهما فرتنا بفاء مفتوحة وراء ساكنة فمثناة فوقية فنون فألف وقريبة بالقاف والراء والموحدة مصغراً وضبطه الصغاني بفتح القاف وكسر الراء أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. ولغير ابن إسحاق أن فرتنا هي التي أسلمت ومنهم سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب بن بلتعة وقيل كانت مولاة للعباس وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تغني به، ومنهم عكرمة ابن أبي جهل أسلم وحسن إسلامه روي أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائهاً في البلاد وكانت امرأته أم حكيم بنت عمه الحارث أسلمت قبله فاستأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروي أنه لما رجع معها جعل يطلب جماعها فتأبى وتقول
стр. 353
أنت كافر وأنا مسلمة فقال أن أمراً منعك مني لا أمر كبير. فلما وافى مكة قال ﵇ لأصحابه يأتيكم عكرمة مؤمناً فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي، ومنهم الحويرث بالتصغير بن نقيد بنون وقاف مصغراً بن وهب بن عبد بن قصي كان يعظم القول في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وينشد هجاءه ولما حمل العباس فاطمة وأم كثلوم ابنتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخس الحويرث الجمل بهما فرمى بهما الأرض وشارك هبارا في نخس جمل زينب لما هاجرت وقتله علي ومنهم مقيس بميم فقاف ثم سين مهملة ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة الليثي وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ في غزوة ذي قرد يظنه من العدو فجاء مقيس المدينة مظهراً للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غرة من قاتل أخيه مقيس المدينة مظهراً للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غزة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركاً فأهدر دمه وقتله نميلة تصغير نملة ابن عبد الله الليثي رجل من قومه فقالت أخت مقيس في ذلك:
(لعمري لقد أخزى نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس)
(فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس)
ومقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح التحتية وآخره سين مهملة وخرس المرأة صنع لها الخرسة بالضم وهي طعام النفساء، ومنهم هبار بفتح الهاء وتشديد الموحدة بن الأسود بن مطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ناخس جمل زينب وكان شديد الأذى للمسلمين، أسلم رضي الله تعالى عنه بالجعرانة ومنهم كعب بن زهير وأسلم بعد ذلك ومدح، ومنهم هند بنت عتبة ذكرها الحاكم فيمن أهدر دمه أسلمت فأتته ﵇ بالأبطح وقالت الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت نقابها فقالت أنا هند بنت عتبة. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم مرحباً بك. ومنهم وحشي بن حرب أسلم وأتاه ﵇، قال فلما رآني، قال وحشي! ؟ قلت نعم يا رسول الله! قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة فحدثته فلما أفرغت قال ويحك غيب وجهك عني، فكنت
стр. 354
أتنكب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله؛ ومنهم الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي ذكره أبو معشر كذا في المواهب وشرحها وذكر غير واحد أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعوا أناساً بالخندمة بالخاء المعجمة ونون جبل في أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين فناوشوهم شيئاً من القتال فقتل ابن الميلاء من خيل خالد وقتل من المشركين اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا، وفي ذلك يقول جماش بن قيس بجيم مكسورة وميم مخففة وشين معجمة يخاطب امرأته حين لامته على الفرار وقد كان يصلح سلاحه ويعدها أن يخدمها بعض المسلمين ويقول:
(إن تقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وأله)
(وذو غرارين سريع السله)
ولما فر ولامته قال:
(إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمه)
(أبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه)
(يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمه)
(لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمه)
والآلة بفتح الهمزة الحربة العريضة النصل والسلاح وجميع أداة الحرب، وذو غرارين تثنية غرار بالكسر وهو حد السيف، والغمغمة أصوات الأبطال عند القتال، والنهيت الزئير والهمهمة تردد الزئير في الصدر، قاله في القاموس وقوله وأبو بقلب الهمزة وأبو يزيد سهيل بن عمرو والمؤتمة كمطفل امرأة لها أيتام وجمعها مئاتم والمؤتمة الاسطوانة قاله في الحلة السيرا ويروى هذا الشعر أي الأخير للمرعاش الهذلي.
وفي البخاري وغيره أنه ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زود بنسج من الدروع على قدر الرأس وفي مسلم أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء وكانت الخطبة عند باب الكعبة وجمع بينهما باحتمال أنه أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة، وأن العمامة ملفوفة فوق المغفر إشارة للسؤدد أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه الشريف
стр. 355
من صدا الحديد وفي البخاري من أسامة أنه قال قبل أن يدخل مكة بيوم يا رسول الله أين تنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ وكان عقيل وارث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه علي ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين وأخرجه الفاكهاني وقال في آخره ويقال أن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم ثم صارت لعبد المطلب فقسمها بين ولده ثم صار له صلى الله تعالى عليه وسلم نصيب أبيه اهـ.
وقوله في دارك بحذف الاستفهام؟ وفي البخاري قال عليه الصالة والسلام منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر أي في حال كفرهم أن لا يبالغوا بني هاشم ولا يناكحوهم وحصروهم في الشعب يعني بالخيف المحصب، قال الحافظ والخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن المسيل الماء.
وفي البخاري عن أم هانئ بنت أبي طالب أنه ﵇ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثمان ركعات ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته وأجارت أم هانئ حموين لها أي رجلين من أقارب زوجها وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت فدخل علي علي أي ابن أبي طالب فقال والله لاقتلنها فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآني قال مرحباً وأهلاً بأم هانئ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ فالرجلان المذكوران الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وقيل ثانيهما عبد الله بن أبي ربيعة، وأما ما روي من أنهما الحارث وهبيرة زوجها فليس بشيء لأن هبيرة هرب عند الفتح إلى نجران ومات بها مشركاً، قاله الحافظ؛ ولما كان الغد من يوم الفتح في عشرين من رمضان قام ﵇ خطيباً على باب البيت بعدما خرج منه بحمد الله ثم قال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقولا إن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي
стр. 356
ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خير أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. قال اذهبوا فأنتم الطلقاء بضم الطاء وفتح اللام وقاف أي الذين أطلقوا فلم يقترفوا ولم يسترقوا والطليق الأسير إذا أطلق والمراد بالساعة التي أحلت له ﵇ من طلوع الشمس إلى العصر قوله إن الله حرم مكة أي أظهر تحريمها للملائكة وإن لم توجد يومئذ لكن أرضها موجودة إذ هي أول ما وجد من الأرض فتحريمها أمر قديم وشريعة سالفة ولا ينافيه ما في مسلم أن غبراهيم حرم مكة فإن إسناد التحريم إليه من حيث أنه بلغه ويسفك بكسر الفاء وقد تضم وهما لغتان والسفك صب الدم ويعضد بفتح التحتية وكسر المعجمة أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفاس قال الحافظ والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر وذكر الواقدي أنه قبض مفتاح السقاية من العباس ومفتاح البيت من عثمان، وروى ابن أبي شيبة انه أتى بدلو من زمزم فغسل منها وجهه ما تقع منه قطرة إلا في يد إنسان إن كانت قدر ما يحسوها حساها وإلا مسح جلده والمشركون ينظرون، فقالوا ما رأينا ملكاً قط أعظم من اليوم. قال في المواهب وقد أجاد العلامة الشقراطسي حيث يقول في قصيدته المشهورة:
(ويوم مكة إذ أشرفت في أمم ... تضيق عنها فجاج الوعث والسهل)
(خوافق ضاق ذرع الخافقين بها ... في قاتم من عجاج الخيل والإبل)
(وجعفل قذف الأرجاء ذي لجب ... عرمرم كجناح الليل منسجل)
(وأنت صلى عليك الله تقدمهم ... في بهو إشراق نور منك مكتمل)
(ينير فوق أغر الوجه منتجب ... متوج بعزيز النصر مقتبل)
(بسمو أمام جنود الله مرتياً ... ثوب الوقار لأمر الله ممتثل)
(خشعت تحت بهاء العز حين سمت ... بك المهابة فعل الخاضع الوجل)
(وقد تباشر أملاك السماء بما ... ملكت إذ نلت منه غاية الأمل)
(والأرض ترجف من زهو ومن فرق ... والجو يزهر إشراقاً من الجذل)
(والخيل تختال زهواً في أعنتها ... والعيس تنثال رهواً في ثنى الجدل)
(لولا الذي خطت الأقلام من قدر ... وسائق من قضاء غير ذي حول)
стр. 357
(أهل ثهلان بالتهليل من طرب ... وذاب يذبل تهليلاً من الذبل)
(الملك لله هذا عز من عقدت ... له النبوءة فوق العرش في الأزل)
(شعبت صدع قريش بعدما قذفت ... بهم شعوب شعاب السهل والقلل)
(قالوا محمد قد زادت كتائبه ... كالأسد تزئر في أنيابها العصل)
(فويل مكة من آثار وطأته ... وويل أم قريش من جوى الهبل)
(فجدت عفواً بفضل العفو منك ولم ... تلمم ولا بأليم اللوم والعذل)
(أضربت بالصفح صفحاً عن طوائلهم ... طولاً أطال مقيل النوم في المقل)
(رحمت واشج أرحام أتيح لها ... تحت الوشيح نشيج الروع والوجل)
(عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف ... مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل)
(أزكى الخليقة أخلاقاً وأطهرها ... وأكرم الناس صفحاً عن ذوي الزلل)
(زان الخشوع وقار منه في خفر ... ارق م، خفر العذراء في كلل)
(وطفت بالبيت محبوراً وطاف به ... من كان عنه قبيل الفتح في شغل)
(وحل أمن ويمن منك في يمن ... لما أجابت إلى الإيمان عن عجل)
(وأصبح الدين قد حفت جوانبه ... بعزة النصر واستولى على المل)
قوله أشرفت أي علوت عليها وظهرت على أخذها، وتضيق بالتاء والياء، ,الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين والوعث بفتح الواو وسكون المهملة ومثلثة المكان الواسع الدهس بمهملأة فهاء مفتوحتين فمهملة تغيب فيه الأقدام ويشق المشي فيه، والسهل بسكون الهاء وفتحها ضرورة ونسخة بضمتين جمع سهل ما لان من الأرض ولم يبلغ أن يكون وعثاً، والإضافة بيانية؛ وخوافق بالجر بدل من أمم بتقدير الضمير أي منها والمراد راياتها من خفقت الراية تخفق بكسر الفاء وضمها أؤ صفة لأمم من خفق الأرض بنعله وخفق في البلاد ذهب، والبرق لمع والطائر طار فوصفها بسرعة السير ولمعان الحديد وصوت وقع الحوافر وبالرفع مبتدأ أي لها خوافق أي رايات أو خبر أي هي يعني الأمم، والذرع الواسع والخافقان المشرق والمغرب؛ وقاتم مغبر وعجاج بفتح المهملة أي غبار؛ والجحفل الجيش الزائد على أربعة آلاف. قال في المحكم إن كان فيه خيل وقذف الأرجاء بفتح القاف والذال المعجمة وبضمها أي متباعد النواحي واللجب بالتحريك كثرة الأصوات وعرمرم بفتح أوله وثانيه أي كثير العدد وشبهه بالليل في سده الأنف واسوداده
стр. 358
لكثرة السلاح، وفي نسخة كزهاء السيل بضم الزاي أي قدره ومنسحل بسين وحاء مهملتين اسم فاعل أي مسرع في سيره وتقدمهم بضم الدال أي تتقدم عليهم أي التقدم المعنوي لأنك الآمر المطاع لا الحسي لأنه قدم الكتائب أمامه؛ والبهو البناء العالي ومكتمل أي تام شبه جسده الشريف بالبناء المرتفع واستعار له اسمه وأضافه إلى إشراق النور المحيط به أو استعار البهو للجيش وأراد بالنور ما علاه من البهاء والمعنى وأنت تقدمهم في جيش عظيم كالبناء المرتفع في عدم الوصول إليه وذلك البناء ذو نور مشرق وقوله عقدت بالبناء للمفعول أي أظهرت والأزل بالتحريك القدم والمجرور متعلق بعقدت وفوق العرش حال منه والمراد به مجرد التعظيم لأن النبوءة موجودة حقيقة في الأزل قبل وجود الأشياء فلا عرش وشعبت بفتح المعجمة والمهملة، أصلحت والصدع الشق وشعوب بفتح المعجمة وضم المهملة علم للمنية لا ينصرف من شعب إذا فرق بأنها تفرق الجماعات فشعب من الأضداد وشعاب بالنصب جمع شعب بالكسر فيهما وقذفت اي رمت والقلل جمع قلة وهي هنا رأس الجبل وقالوا أي أهل مكة وزادت كثرت وتزأر تصوت والعصل بضمتين جمع أعصل وهو الناب الشديد المعوج وويل كلمة يعبر بها عن المكروه والجوى الحزن والهبل الثكل وقوله فجدت عفواً إلخ .. أي سهلاً من غير كد في السؤال وقوله بفضل العفو أي ترك العقوبة مع القدرة عليها فمعنى العفو مختلف وتلمم من ألم بالشيء إذا دنا منه أو نال منه يسيراً يعني أنه ﵇ لم يقابل أهل مكة باللوم فضلاً عما فوقه بل صفح عنهم أي ترك عقابهم مع القدرة عليهم فهو بمعنى العفو وطوائلهم جمع طائلة أي عداوة وطولاً بالفتح أي تفضلاً ومناً وواشج بمعجمة وجيم أي مختلطة وإضافته لأرحام من إضافة الصفة للموصوف أي أرحاماً مختلطة وأتيح بالبناء للمجهول قدر ونائبه نشيج بفتح النون وكسر المعجمة وبالجيم وهو بكاء يخالطه شهيق والوشج بفتح الواو وكسر المعجمة وبالجيم ما نبت من القنا ملتفاً وقيل عامة الرماح والمعنى أن الذين رحمتهم قرابتهم شديدة الاتصال بك فأزلت عنهم البكاء لما اشتد روعهم ووجلهم من سطوة جيشك والروع والوجل مترادفان واللطف بالتحريك وزان من الزينة وفاعله وقار
стр. 359
والخفر محركة شدة الحياء والكلل بكسر الكاف جمع كلة بكسرها أيضاً وهو ستر رقيق ومحبوراً منعماً والمنتجب المتخير من أصل نجيب أي كريم والمقتبل المستقبل الخير على كسر الياء وبفتحها المقابل بالخير من قولهم رجل مقتبل الشباب أي لم ير فيه أثر كبر. وقوله ينير بضم التحتية أي يضيء النور المذكور فوق أغر الوجه أي أبيضه ومتوج لابس للتاج الذي تلبسه الملوك وهو شبه عصابة تزين بالجوهر ويسموا يعلو ومرتدياً حال والوقار العظمة والسكينة وترجف بضم الجيم تهتز أي كادت تهتز، قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ أي كادت تبلغها إذ لو بلغتها لماتوا والزهو السرور والفرق الفزع فهي تهتز من أجل السرور بهذا الجيش لإزالته ما كان بها من الفساد ومن الفزع من صولته والجو ما تحت السماء ويزهر بفتح الهاء يضيء والجذل الفرح وتختال زهواً أي تتبختر في مشيتها كبراً وعجباً فتغاير معنى الزهو هنا مع ما سبق والأعنة جمع عنان بالكسر وهو سير اللجام والعيس الإبل البيض يخالط بياضها شقرة وتنثال بفتح الفوقية وسكون النون فمثلثه فلام تنصب من كل جهة ورهواً بالمراء أي ذات رهو وهو السير السهل وقال الطرابلسي أي ساكنة أو متتابعة انتهى.
وكأن المراد بسكونها أنها انتصبت مطمئنة بلا فزع وثنى بكسر المثلثة وفتح النون والجدل بضمتين جمع جديل وهو الزمام المجدول أي المضفور وثنى الجدل ما انثنى منها أي التوى على أعناق الإبل والزمام ما كان في الأفق وحول بكسر ففتح أي تغير وأهل بفتحات واللام ثقيلة أي رفع صوته وثهلان بمثلثة مفتوحة جبل معروف والتهليل قول لا إله إلا الله ويذبل كينصر اسم جبل والذبل الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي جفت وإذا قطعت كذلك كانت أجود وأصلب وتهليلاً صياحاً من أجل الفزع أنتهى. وغالب التفسير للزرقاني وبعضه للقسطلاني.
ولما فتح الله مكة على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم قال الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه فلما قضى الوحي قال يا معشر الأنصار، قالوا
стр. 360
لبيك يا رسول الله قال قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قالوا قلنا ذلك يا رسول الله قال فما اسمي إذاً؟ كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون يقولون والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم. الضن بكسر الضاد المعجمة وشد النون أي البخل والشح به، أي أن يشركنا فيه أحد غيرنا كما ضبطه الشامي ولعله الرواية وإلا ففتحها لغة أيضاً ويعذرانكم بكسر الذال يقبلان عذركم وفي فضالة بفتح الفاء ابن عمير بن الملوح بضم الميم وفتح اللام والواو المشددة الليثي أن يقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فلما دنى منه قال له ﵇ أفضالة؟ قال، عم يا رسول الله. قالأ ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله. وضحك ﵇ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده المباركة على صدره، فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث، فقلت لا. وانبعث يقول:
(قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يابا على الله والإسلام)
(لو ما رأيت محمداً وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام)
(لرأيت دين الله أضحى واضحاً ... والشرك يغشى وجهه الإظلام)
وطاف ﵇ بالبيت سبعاً على القصواء والسلمون معه ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام الناقة وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وقيل يوم الاثنين. قال الزرقاني ولا عاضد له وكان حول البيت ثلاث مائة وستون صنماً فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيبه، وفي مسلم بسية القوس وهي سكر المهملة وتخفيف التحتية ما عطف من طرفه وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، فيقع الصنم لوجهه وللطبراني فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته ولابن أبي شيبة عن عمر فما وجدنا مناخاً في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال وصح عن ابن عمر قال أقبل
стр. 361
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح على ناقته القصواء وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة وهو مردف أسامة ومعه بلال وعثمان بن طلحة بن أبي طلح’ بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ثم دعى عثمان بن طلحة فقال ائتني بالمفتاح فذهب إلى أمه سلافة بضم السين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء بنت سعيد الأنصارية وأسلمت بعد فأبت أن تعطيه المفتاح وعن الواقدي أنها قالت له واللات والعزى لا أدفعه إليك، فقال لا لات ولا عزى قد جاء أمر غير ما كنا فيه والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، فأعطيته إياه فجاء به إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ففتح الباب، وعثمان. هذا له صحبة وهجرة ولا ولد له وأبوه طلحة قتل بأحد كافراً ثم دفع المفتاح إلى عثمان وقال خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. وقال القسطلاني ويقال له أي لعثمان الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم زاد في الفتح ولآل بيته بحجبهم الكعبة ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وشيبة هذا من مسلمة الفتح وهو ابن عم عثمان بن طلحة المتقدم وعثمان لا ولد له كما مرّ.
خاتمة:
قال أكثر العلماء أن مكة فتحت عنوة واحتجوا بما وقع التصريح به في الأحاديث الصحيحة من الأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد وتصريحه ﵇ بأنها أحلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي به في ذلك. وعن الشافعي أنها وقعت صلحاً بما وقع من التأمين ولإضافة الدور إلى أهلها ولأنها لم تقسم وأجبت بأن التأمين إنما يكون صلحاً إذ كف المؤمن عن القتال وقريش لم تلتزم ذلك بل استعدوا للحرب وقاتلوا فقاتلهم الصحابة حتى هزموهم ودخلوها عنوة وأجيب عن الثاني بأن ترك القسمة لا يستلزم عدم العنوة وقد تفتح البلدة عنوة ويترك لهم دورهم وغنائمهم وقد فتح أكثر البلاد عنوة فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان وقد زات مكة بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية
стр. 362
البلاد وهي دار النسك ومتعبد الخلق وقد جعلها الله تعالى حرماً سواء العاكف فيه والبادي انظر فتح الباري والمواهب وشرحها، وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة بعد فتحها تسع عشرة وروي خمس عشرة ليلة وهو يقصر الصلاة لأنه لم ينو إقامة، قال الكلاعي ومما قيل من الشعر في فتح مكة قول حسان، وذكر ابن هشام أنه قالها قبله:
(عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء)
(ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفتها الروامس والسماء)
(وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء)
(فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء)
(بشعثاء التي قد تيمته ... فليس لقلبه منها شفاء)
(كأن سبيئة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء)
(إذا ما الاشربات ذكرن يوماً ... فهن لطيب الراح الفداء)
(نوليها الملامة أن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء)
(ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا اللقاء)
(عدمنا خليلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء)
(ينازعن الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء)
(تظل جيادنا متمطرات ... تلطمن بالخمر النساء)
(فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء)
(وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء)
(وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء)
(وقال الله قد أرسلت عبداً ... يقول الحق أن نفع البلاء)
(شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء)
(وقال الله قد يسرت جنداً ... هم الأنصار عرضتها اللقاء)
(لنا في كل يوم من معد ... سباء أو قتال أو هجاء)
(فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء)
(ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء)
(بأن سيوفنا تركتك عبداً ... وعبد الدار سادتها الإماء)
(هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء)
(أتجهوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء)
стр. 363
(فمن يهجو ورسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء)
(فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء)
(لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء)
وكذلك ذكر موسى بن عقبة أن حسان قال هذا في مخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الفتح وأنه لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى ابي بكر رضي الله تعالى عنه فتبس لقول حسان يلطمن بالخمر النساء، السبيئة ككريمة الخمر وبيت رأس موضع بالشام تنسب إليه الخمر والمغث الخصام وكداء بالفتح والمد من أعلى مكة وهو الذي دخل منه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكدى بالضم والقصر من أسفلها وهو الذي دخل منه خالد ومن معه، وأما ما في مرسل عروة أن خالداً دخل من كداء بالفتح والمد من أعلاها وأنه ﵇ دخل من أسفلها من كدى فهو مخالف للأحاديث الصحيحة المسندة في البخاري كما قاله الحافظ وغيره. وقوله الأسل أي الرماح وفي مسخة الأسد جمع أسد وتمطرت الخيل جاءت بعضها يسبق بعضا وأنكر الخيل غير يطلمهن بتقديم الطاء على اللام أن ينفضن بخمرهن ما عليهن من غبار ونحوه وفي القاموس، التلطيم ضربك الخبزة بيدك ومنه قول حسان رضي الله تعالى عنه يلطمن بخمر النساء ورواية يلطمهن أي بتقديم اللام ضعيفة أو مردودة أي تمسح النساء العرق عنهن بالخمر انتهى منه.
ومصغيات أي مميلات رؤوسهن كالمستمع، وعرضتها بالضم أي همتها، ونحكم بضم الكاف نرد ونمنع من حكمت الدابة بالتحريك وهي ما أحاط بح نكي الفرس من اللجام. وقال الشاعر:
(ابني حنيفة احكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا)
والمعنى أنا نفحمهم فتكون قوافينا لهم الحكمة للدابة، وقوله مغلغلة قال في القاموس ورسالة مغلغلة محمولة من بلد إلى بلد انتهى.
وبرح الخفاء ظهر أو ذهب فسر بهما وقوله ويمدحه أي ومن يمدحه. ومن شعر الفتح قول ابن الزبعري رضي الله تعالى عنه:
(منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم)
(مما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم)
стр. 364
(يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم)
(إني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال أهيم)
(أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني بها مخزوم)
(وأمد أساب الردى ويقودني ... أمر الغوات وأمرها مشؤوم)
(فاليوم امن بالنبي محمد ... قلبي ومخطء هذه محروم)
(مضت العداوة وانقضت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم)
(فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... زللي فإنك راحم مرحوم)
(وعليك من علم المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم)
(الله يعلم أن أحمد مرسل ... مستقبل في الصالحين كريم)
(قرم علا بنيانه من هاشم ... فرع تمكن في الذرى وأروم)
البلابل: الأحزان وكذا الهموم، والرواق ككتاب وغراب قال في القاموس هو من الليل مقدمه وجانبه انتهى.
ومعناه والله تعالى أعلم مكتنزة الظلمة والبهيم الأسود والخطة بالضم شبه القصة والامر والأواصر الأرحام والقرابات والأروم ويضم الأصل ثم بعد الفتح " غزوة حنين " بالتصغير كما في التنزيل وهو واد قرب ذي المجاز وهو سوق للعرب على فرسخ من عرفة بناحية كبكب كجعفر جبل وراء الخطيب إذا وقف وقيل ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف سمي باسم حنين بن قاين بن مهاليك وتسمى غزوة هوازن قبيلة كبيرة فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بمعجمة فمهملة مفتوحتين بن قيس عيلان، وسببها أنه ﵇ لما فرغ من الفتح تمالأت هوازن وثقيف على حرب المسلمين وأشفقوا أن يغزوهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا إن محمداً لاقى قوماً لا يحسنون القتال فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم وروى الرواقدي أن هوازن أقامت سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب فأجمعت هوازن أمرها وكان رئيسهم مالك بن عوف وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة وأسلم بعد غزوة الطائف وصحب فخرج إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في اثني عشر ألفاً من المسلمين عشرة آلاف خرج بهم من المدينة وألفين ممن أسلم من أهل مكة قاله في المواهب والآلاف العشرة أربعة آلاف من الأنصار وألف من جهينة وألف من
стр. 365
مزينة إلى آخرها رواه أبو الشيخ قاله الزرقاني، قال الشامي وعلى قول عروة والزهري وابن عقبة يكون جميع من سار بهم أربعة عشر ألفاً لأنهم قالوا أنه قدم مكة باثني عشر ألفاً وأضيف غليهم ألفان من الطلقاء قال شيخنا ولا يتعين بل يجوز أن الألفين الذين لحقوا به بعد خروجه من المدينة رجعوا بعد الفتح وبقي من خرج معه من المدينة وانضم إليهم ألفان من الطلقاء قاله الزرقاني.
ولما خرج استعمل عتاب بفتح المهملة والفوقية المشددة وبالموحدة ابن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون التحتية ابن أبي العيص بكسر المهملة ابن أمية الأموي بن عبد شمس. وخرج معه ثمانون من المشركين منهم صفوان بن أمية وكان ﵇ استعار منه مائة درع واستعار من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح ولما أرسل إلى صفوان يستعيره قال أغصباً يا محمد فقال بل عارية مضمونة حتى نردها إليك واختلفوا في قوله عارية مضمونة هل هو صفة موضحة أو مقيدة فمن قال بالأول قال تضمن إذا تلفت ومن قال مقيدة قال لا إلا بالشرط نقله الزرقاني. وروى الترمذي وغيره عن الحارث بن مالك خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثوا عهد بجاهلية وكانت لكفاء قريش من سواهم شجرة عظيمة يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها فرأينا ونحن نسير سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال صلى الله تعالى عليه وسلم الله أكبر ثلاثاً، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم، قال في المواهب فوصل صلى الله تعالى عليه وسلم حنيناً ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر فرجعوا إليهم وقد تفرقت أوصالهم أي مفاصلهم من الرعب، قال الزرقاني فقال ويلكم ما شانكم؟ قالوا رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى والله ما نقاتل أهل الأرض أن نقاتل إلا أهل السماء، فإن
стр. 366
أطتنا رجعت بقومك. فقال أف لكم بل أنتم أجبن أهل العسكر فحسبهم عنده وقال دلوني على رجل شجاع فأجمعوا له على رجل فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما اصاب من قبله قال ما رأيت؟ قال رأيت رجالاً بيضاً على خيل بلق ما يطاق النظر إليهم فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى فلم يثن ذلك مالكاً عن وجهه، وروى ابن إسحاق أن هوازن سألت دريد بن الصمة الرياسة عليها فقال وما ذاك وقد عمى بصري وما استمسك على ظهر الرس ولكن أحضر معكم لأشير عليكم بشرط أن لا أخالف فقالوا لا نخالفك فجاء مالك بن عوف وكان جماع أمرهم إليه فقال لا نخالفك فقال ردريد إنك تقاتل رجلاً كريماً قد أوطأ العرب وخافته العجم وأجلى يهود ويومك هذا الذي تلقى فيه محمداً ما بعده يوم قال مالك إني لأطمع أن ترى ما يسرك فخرج مالك بالظن والأموال وأقبل دريد فقال لمالك مالي أسمع بكاء الصغير ونهاق الحمير وخوار البقر قال أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله ونماله يقاتل عنهم فقال دريد راعي ضأن والله ما له وللحرب؟ وقال وهل يرد المهزم شيء إنها إن كانت لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك فارفع الأموال والنساء والذراري إلى ممتنع بلادهم ثم ألق اقوم على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من ورائك وإن كانت عليك أحرزت أهلك ومالك، فقال مالك واله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك، فغضب دريد وقال يا معشر هوازن ما هذا برأيي إن هذا فاضحكم وممكن منكم عدوكم ولاحق بحصن ثقيف وتارككم فانصرفوا وارتكوه. فسل مالك سيفه وقال إن لم تطيعوني فأقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر فقال بعضهم لبعض لئن عصيناه ليقتلن نفسه وهو شارب ونبقي مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه فاجمعوا رأيكم مع مالك فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال:
(يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع)
(أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع)
وفطاء بفتح الواو وسكون المهملة وبالفاء والمد والزمع بفتح الزاي والميم صفة محمودة في الخيل انتهى كلام الزرقاني.
ولاصدع محركة من الأوعال والظباء الفتى الشاب القوي قاله في
стр. 367
القاموس ومعنى ليتني فيها جذع أي شاب وأضع أسرع كأوضع ثم إنه ﵇ وجه عبد الله بن أبي حدرد بمهملات كجعفر الصحابي ابن الصحابي الأسلمي إلى هوازن فأقام فيهم يوماً أو يومين وللواقدي أنه أي ابن حدرة سمع مالكاً يقول لأصحابه أن محمداً لم يقاتل قوماً قبل هذه المرة وإنما كان يلقى قوماً لا علم لهم بالحرب فإذا كان السحر فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبنائكم من ورائكم ثم صفوا واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف واحملوا حملة رجل واحد واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولاً. قال محمد بن عدب الباقي قوله بعشرين ألف سيف صواب ويأتي تحقيقه اهـ.
وعند ابن أبي داود عن سهل بن الحنظلية الأنصاري الأوسي ممن بايع تحت الشجرة أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير أي بالغوا فيه حتى كان عشيته فجاء رجل فارس قال الحافظ هو ابن أبي حدرد فقال إني انطلقت من بين أيديكم حتى بلغت جبل كذا وكذا وإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله، قوله عن بكرة أبيهم بفتح الموحدة وسكون الكاف قاله ابن الأثير وغيره فهو الرواية هنا وفتح الكاف لغة وهي كلمة يراد بها الكثرة وتوفر العدد وليس هناك بكرة حقيقة وهي التي يستقى عليها فاستعيرت هنا وكان المراد اجتماع بني أب على بكرة أبيهم التي يستقي عليها وظعنهم بضمتين أي نساءهم وأصل الظعينة الراحلة يظعن عليها أي يسار وسميت المرأة بذلك لأنها تظعن من زوجها حيث ما ظعن ولأنها تحمل على الراحلة فهي من تسمية المحمول باسم الحامل وقيل الظعينة المرأة التي في الهودج ثم قيل للمرأة بلا هودج وللهودج بلا امرأة ظعينة قاله القسطلاني والزرقاني وروى الحاكم وصححه عن أنس لما اجتمع الناس يوم حنين أعجبتهم كثرتهم فقال القوم اليوم والله نقاتل حين اجتمعنا فكره رسوق الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما قالوا وروي عن ابن إسحاق قال قال رجل حنين لن نغلب اليوم من قلة فشق ذلك على النبي
стр. 368
صلى الله تعالى عليه وسلم لأن ظاهره الافتخار وعند ابن إسحاق أيضاً أنه ﵇ قال لن نغلب اليوم من قلة قال الشامي والصحيح أن قائل ذلك غيره صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ركب صلى الله تعالى عليه وسلم بغلته البيضاء وعند ابن سعد وغيره أنها دلدل وفيه نظر لأن دلدل أهداها له المقوقس وفي مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة بضم النون وخفة الفاء ومثلثة الجذامي ولبس درعين والمغفر واستقبل الصفوف وبشرهم بالفتح إن صبروا ولما كان ثلث الليل الأخير عبأ مالك بن عوف أصحابه في واد حنين وهو واد أجوف ذو شعاب ومضايق وفرق الناس فيها وأمرهم أن يحملوا على المسلمين حملة واحدة وعبأ صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه ووضع الألوية والرايات في أهلها فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من الكثرة لأنهم أكثر من عشرين ألفاً وذلك في غبش الصبح بالتحريك أي بقية ظلمته ولابن إسحاق في عماية الصبح بفتح المهملة وخفة الميم أي بقية ظلمته ولا ينافي هذا ما عند أبي داود عن أبي عبد الرحمن بن يزيد أنه ﵇ أتاه حين زالت الشمس قال ثم سرنا يومنا فقلينا العدو لأنه يجمع بينهما بأنهم ساروا بقية اليوم ونزلوا حنيناً ليلاً والتقوا بغبش الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وكانوا كامنين فيه فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مكة لحدوث عهدهم بالإسلام فقالوا أخذلوه وانزهم الناس قال الحافظ والعذر لمن انهزم من غير المولفة أن العدو أكثر من ضعفهم انتهى.
بل في النور أنهم كانوا أضعاف المسلمين وما في البيضاوي والبغوي من أن ثقيفاً وهوازن كانوا أربعة آلاف لا ينافيه بأنهم انضم إليهم من العرب ما بلغوا به ذلك. قاله الزرقاني. واقتصر الثعالبي في تفسيره على أن جموع العدو بلغت ثلاثين ألفاً نقله الوالد حفظه الله في الريان ولما رأى من معه من المؤلفة ما وقع تكلم رجال بما في قلوبهم فقال أبو سفيان بن حرب وكان إسلامه مدخولاً لا ينتهي هزيمتهم دون البحر وصرخ جبلة بن الحنبل وقيل كلدة بن الحنبل وأسلم بعد ألا بطل السحر
стр. 369
اليوم. فقال له أخوه لأمه صفوان بن أمية وهو حينئذ مشرك أسكت فض الله فاك لئن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن وقال شيبة ابن عثمان بن أبي طلحة لما رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين ذكرت أبي وعمي قتلهما حمزة أي بأحد فقلت اليوم أدرك ثأري في محمد فجئته عن يمينه فإذا أنا بالعباس قائماً عليه درع بيضاء قلت عمه لن يخذله فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث قلت ابن عمه لن يخذله فجئته من خلفه فدنوت منه فرفع إلى شواظ من نار فنكصت على عقبي فالتفت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا شيبة ادنه، ف ٦ دنوت فوضع يده في صدري فاستخرج الله الشيطان من قلبي فرفعت إليه بصري فلهو أحب إلي من سمعي وبصري فقال لي يا شيبة قاتل الكفار، فقاتلت معه صلى الله تعالى عليه وسلم ولما انهزم المسلمون ثبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وطفق يركض بغلته قبل العدو وثبت معه عمه العباس وابنه الفضل وعلي بن أبي طالب وابنا عمه أبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وابن أبي سفيان واسمه جعفر وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد وأيمن بن أيمن وقتل يومئذ وابوه عبيد بن زيد بن عمرو بن بلال الخزرجي كذا نسبه سعد وابن منده وذلك أن أم أيمن بركة الحبشية تزوجت في الجاهلية عبيداً بمكة ثم نقلها إلى المدينة وولدت له أيمن ثم مات عنها فرجعت إلى مكة فتزوجها زيد بن حارثة قاله البلاذري وغيره، ونقله الزرقاني وصرح البخاري في ذكر أسامة بن زيد بن حارثة أن أيمن هذا رجل من الأنصار قال في الفتح وأبوه هو عبيد بن عمرو بن بلال من بني الحبلى من الخزرج ويقال أنه كان حبشياً من موالي الخزرج تزوج أم أيمن قبل زيد بن حارثة فولدت له أيمن واستشهد يوم حنين أيمن مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نسب إلى أمه لشرفها على أبيه، وشهرتها عند أهل البيت النبوي وتزوج زيد ابن حارثة أم أيمن فولدت له أسامة انتهى منه بلفظه.
وعلى أنه خزرجي اختصر القسطلاني في شرح البخاري ولفظه ونسب إلى أمه لأنها كانت أشهر من أبيه عبيد بضم العين ابن عمرو بفتحها ابن هلال الخزرجي الأنصاري ولشرفها بحضانته صلى الله تعالى عليه
стр. 370
وسلم انتهى.
وقوله لابن حجر ويقال أنه حبشي هو قول ابن عبد البر والصواب الأول كما في الإصابة نقله الزرقاني. ففي اقتصار اليدالي على أنه حبشي مخالفة لمن رأيت وهو تابع للقسطلاني في المواهب والله تعالى أعلم.
وروى مسلم عن العباس شهدت يوم حنين فلزمته صلى الله تعالى عليه وسلم أنا وأبو سفيان بن الحارث وأنا آخذ بلجام بلغته أكفها مخالفة أن تصل إلى العدو وأبو سفيان آخذ بركابه وفي البخاري عن البراء بن عازب وسأله رجل أفررتم عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين فقال لا لكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يفر كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ولقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول:
(أنا النبي لا كذر ... أنا ابن عبد المطلب)
وللبخراي في الجهاد فنزل أي عن البغلة فاستنصر وفي مسلم فقال الله أنزل نصرك وجمع بينهما هنا وبين ما مر عن مسلم أن أبا سفيان كان آخذاً بزمامها أولاً فلما ركضها ﵇ في نحر العدو خشري العباس فأخذ بلجامها يكفها وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالاً له لأنه عمه وفي مسلم عن البراء كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا الذي يحاذيه يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال في المواهب قوله لا كذب فيه إشارة إلى أن صفة النبوءة يستحيل معها الكذب وكأنه قال ولست بكاذب فيما أقول حتى انهزم بل أنا متقين أن ما وعدني به الله تعالى من النصر حق لا يجوز علي الفرار وفي ركوبه ﵇ للبغلة في موطن الحرب والطعن والضرب مع أنها لا تصلح للكر ولا للفر وإنما هي من مراكب الطمأنينة دلالة على نهايته في الشجاعة وثبات القلب والتوكل على الله تعالى
стр. 371
وأن الحرب عنده كالسلم وقوله أنا ابن عبد المطلب إنما انتسب لجده لأن شهرته بجده كانت أكثر من شهرته لأبيه، لأن أباه توفي شاباً في حياة عبد المطلب وشهرة جده ظاهرة شائعة وكان سيد قريش وليس هذا بشعر وإن كان متزناً إذ لم يقصد ﵇ وزنه، وعند ابن ابي شيبة لم يبق معه ﵇ إلا أربعة نفر ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم علي والعباس بين يديه وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان وابن مسعود من الجانب الأيسر وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل أي بقتل الملائكة على المتبادر.
وفي الترمذي عن ابن عمر لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون وما مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مائة رجل وقال الحافظ هذا أكثر ما وقفت عليه في عدد من ثبت. وروى أحمد والحاكم أنه ثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار وللنووي أنه ثبت مه اثني عشر وممن ذكر الزبير بن بكار أنه ثبت معه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ونوفر بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب وشيبة بن عثمان الحجبي وعند الواقدي وغيره أبا دجانة وأبا طلحة وحارثة بن النعمان وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير وأبا بشر المازني وأم سليم وغير ذلك.
قال في المواهب وقع في شعر عباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة فقط لقوله:
(نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ... وقد فر من قدر فر عنه فأقشعوا)
(وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه ... لما مسه في الله لا يتوجع)
وأقشعوا أي انكشفوان مطاوع قشع متعدياً، وعشارنا أيمن بن عبدي كما في الاستيعاب قالأه الزرقاني، وحصل فيمن ثبت خمسة أقوال أربعة الحافظ أنه قال لعل هذا يعني العشرة التي ذكر العباس هو المثبت ومن زاد على ذلك يكون عجل الرجوع فعد فيمن لم ينهزم، انتهى.
وقبل البيتين المتقدمين:
стр. 372
(ألا هل أتى عرسي مكري ومقدمي ... بواد حنين والأسنة تشرع)
ولما انكشف المسلمون أمر ﵊ العباس وكان صيتا قيل كان يسمع قوته من ثمانية أميال فقال يا عباس نادي يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة يعني الشجرة التي بايعوه تحتها بيعة الرضوان يا أصحاب سورة البقرة وخصت بالذكر حين الفرار لتضمنها كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة أو لتضمنها أوفوا بعهدي أوفي بعدكم، أو ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، قاله الزرقاني. فلما سمع المسلمون نداء العباس أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها حتى نزل صلى الله تعالى عليه وسلم كأنه في حرجة بفتح المهملة والراء وبالجيم شجر ملتف. قال العباس فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من رماح الكفار أخرجه البيهقي أي خاف أن يصيبه منها شيء بغير قصد لشدة عطفهم عليه. وفي رواية فأج ابوا لبيك لبيك، فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره يخلي سبيله ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة فاقتتلوا مع الكفار وعند ابن إسحاق حتى إذا اجتمع عليه مائة منهم استقبلوا الناس فاقتتلوا فكانت الدعوى للأنصار ثم خلصت أخيراً للخزرج وكانوا صبراً عند الحرب فأشرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنظر إلى قتالهم فقال الآن حمي الوطيس، والوطيس التنور يخبز فيه يضرب مثلاً بعد نطقه به ﵇ إذ هو أول من نطق به كما صرح به غير واحد من شدة الحرب التي يشبه حرها حره وتناول ﵇ حصيات من الأرض ثم قال شاهت الوجوه أي قبحت خبر بمعنى الدعاء ورمى بها في وجوه المشركين، زاد مسلم ثم قال انهزموا ورب محمد. فما خلق اللهم منهم إنساناً إلا ملأ عينيه من تلك القبضة بضم القاف الشيء المقبوض وهو المناسب هنا. قال البرهان ويجوز فتحها فما رجع الناس إلا والأسرى عنده صلى الله تعالى عليه وسلم مكتفون وروى البيهقي والطبري وغيرهما عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله
стр. 373
تعالى عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة فلما لقينا جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا فانهزمنا وركبوا أكتافنا. وفي رواية وكانت إياها أي الهزيمة، وفي سيرة الدمياطي كان سيمى الملائكة يوم حنين عمائم حمر أرخوها بين أكتافهم وفي رواية عمائم خضر فيحتمل أن بعضها حمر وبعضها خضر، وعن جبير بن مطعم رأيت قبل هزيمة القوم أي المشركين والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك انها الملائكة ولم يكن إلا هزيمة القوم والبجاد بكسر الموحدة والجيم الخفيفة آخره دال مهملة الكساء، وجمعه بجد أراد أن الملائكة لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض صاروا كالبجاد المتصل أجزاؤه بنسجه. وعن شيوخ من الأنصار رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاماً فإذا نمل مبثوث فإن كنا ننفضه عن ثيابنا فكان نصر الله أيدنا به، ولعل نزولهم في صورة النمل ليظهروا للمسلمين فسألوا عنهم ويتوصلوا بذلك للعلم لأن ذلك من معجزاته ﵇، نقله الزرقاني. وروى أحمد والحاكم والبيهقي برجال ثقاة عن ابن مسعود قال كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين فولى الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار فقمنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله تعالى عليهم السكينة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته لم يمض قدماً فجادت به صلى الله تعالى عليه وسلم بغلته فمال السرج، فقلت ارتفع رفعك الله، فقال ناولني كفاً من تراب فضرب وجوههم وامتلأت أعينهم تراباً وجاء المهاجرون والأنصار سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب فولى المشركون الأدبار والسكينة الطمأنينة وجاد بغلته لعل معناه خرجت عن الاستقامة قال الزرقاني.
وروى البخاري في التاريخ عن عمرو بن سفيان قال قبص صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حنين قبضة من الحصي فرمى بها وجوهنا فما
стр. 374
خيل لنا إلا أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا انتهى.
ولما ثبت معه صلى الله تعالى عليه وسلم من ثبت، كان رجل من هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح أمام هوازن إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينما هو كذلك إذ أهوى إليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار فأتى علي من خلفه وضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه وضرب الأنصاري الرجل ضربة أطنت قدمه بنصر ساقه، وحدث أنس أن أبا طلحة يوم حنين استلب عشرين رجلاً ولما انهزمت هوازن استحر القتل في ثقيف في بني مالك فقتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم فيهم ذو الخمار ولما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة فقاتل بها حتى قتل فقال ﵇ أبعده اللن فإنه كان يبغض قريشاً وكانت راية الأحلاف مع قارب ابن الأسود، فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل غير رجلين يقال لأحدهما وهب، وللآخر الجلاح، فلما قتل الجلاح قال ﵇ قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من أمر هنيدة يعني الحارث بن أوس، ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة وتبعت خيله صلى الله تعالى عليه وسلم من سلك في نخلة فأدرك ربيعة بن رفيع بالفاء مصغرا دريد بن الصمت فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، فإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام فقال له دريج ما تريد؟ قال أقتلك. قال ومن أنت؟ قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئاً فقال بئس ما سلحتك أمك. خذ سيفي من مؤخر الرجل ثم أضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدحماغ فإني كذلك كنت أضرب ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمت، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك، ولما ضربه تكشف فإذا بطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها، فقالت أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً، وقالت عمرة بنت دريد ترثي أباها:
(قالوا قتلنا دريداً، قلت قد صدقوا ... فظل دمعي على السربال ينحدر)
(لولا الذي قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف يأتمروا)
اهـ من الاكتفاء. وفي الزرقاني أن ربيعة أدرك دريداً في ست مائة
стр. 375
نفس فقتله فيما جزم به ابن إسحاق. قال وروى البزار بإسناد حسن عن أنس لما انهزم المشركون انحاز دريد في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة فقال حلوهم لي أي صفوهم، فحلوهم، فقال هذه قضاعة ولا بأس عليكم منها.
ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال هذه سليم، ثم رأوا فارساً وحده فقال حلوه لي، فقالوا معتجر بعمامة سوداء، فقال هذا الزبير بن العوام وهو قاتلكم ومخرجكم عن مكانكم، فالتفت الزبير فرآهم فمضى إليهم وتبعه جماعة فقتلوا ثلاثمائة وحز رأس دريد بن الصمت فجفلوا بين يديه فيحتمل أن ربيعة كان في جماعة الزبير، فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازاً نقله الزرقاني عن الحافظ، قال في المواهب: واستشهد من المسلمين أربعة منهم أيمن ابن أم أيمن وقتل من المشركين أكثر من سبعين، قال الزرقاني أي وقت الحرب فلا ينافي حديث البزار السابق، انتهى.
وبقيتهم يزيد بن زمعة بن الأسود بن مطلب بن أسد، جمح به فرسه، الجناح بلفظ جناح الطائر فقتل وسراقة بن الحارث الأنصاري وأبو عامر الأشعري كما عند ابن إسحاق وعند ابن سعد بدل يزيد بن زمعة، رقيم بضم الراء وفتح القاف ابن ثعلبة بن زيد بن لوذان بضم اللام وسكون الواو وذال معجمة لكن ابن إسحاق ذكره فيمن استشهد بالطائف، انتهى.
وذكر ابن إسحاق أن مالك بن عوف النصري بالصاد المهملة نسبة إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن وهو رئيسهم لما وصل إلى ثقيف منزهماً وجاءه ﵇ وفد هوازن فسألهم عنه، فقالوا هو مع ثقيف فقال أخبروه أنه إن أتاني مسلماً رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل، فأوتي مالك بذلك فركب مستخفياً فأتاه فرد عليه أهله وماله وأعطاه المائة وأسلم وحسن إسلامه، وقال:
(ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد)
(أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد)
(وإذا الكتيبة عودت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند)
стр. 376
(فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد)
فاستعمله ﵇ على من أسلم من قومه وتلك القبائل فكان يقاتل بهم ثقيفاً لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه. انتهى المراد من كلامه.
وبعث ﵇ عبيد بن سليم بالصتغير فيهما ابن حضار بفتح المهملة وشد المعجمة فألف فراء أبا عامر الأشعري وهو عم أبي موسى عبد الله بن قيس حين فرغ من حنين، في طلب من فر من هوازن إلى أوطاس بفتح الهمزة وسكون الواو وطاء وسين مهملتين وهو واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هو وثقيف ثم التقوا بحنين، قال الحافظ والراجح أن وادي أوطاس غير واد حنين ويوضحه أن ابن إسحاق ذكر أن هوازن لما انهزموا صارت فرقة إلى الطائف وطائفة إلى نخلة وطائفة إلى أوطاس، وكان مع أبي عامر سلمة بن الأكوع الفارس المشهور، فانتهى إليهم أبو عامر فإذا هم مجتمعون، فقاتلوه فقتل منهم أبو عامر نفسه تسعة أخوة مبارزة، بعد أن يدعوا كل واحد منهم إلى الإسلام، ويقول اللهم اشهد عليه، ثم برز له العاشر معلماً بعمامة صفراء فدعاه إلى الإسلام وقال اللهم اشهد عليه، فقال اللهم لا تشهد علي. فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم وحسن إسلامه.
وكان ﵇ إذا رآه يقول هذا شريد أبي عامر بالراء، كذا ذكر ابن هشام عن من يثق به وجزم الواقدي بأن العاشر لم يسلم، وأنه الذي قتل أبا عامر وعلى الأول فاختلف فيمن قتل أبا عامر ﵁.
فقيل رماه ابنا جشم بن معاوية وهما العلاء بفتح المهملة وأوفى فأصاب أحدهما قبله والآخر ركبته فقتلاه فقتلهما أبو موسى الأشعري، وقيل أن أبا عامر قتله سلمة بن دريد بن الصمت فقتله أبو موسى وخلف أبا عامر أبو موسى في استخلافه، فقاتلهم حتى فتح الله عليه وظفر المسلمون بالسبايا والغنائم وكان في السبي الشيماء بفتح المعجمة وسكون التحتية ويقال فيها الشماء بلا ياء بنت الحارس بن عبد العزى واسمه جدامة بضم الجيم ودال مهملة وميم أو خذافة بضم الحاء المهملة وذال معجمة فألف ففاء أو خذافة بمعجمة مكسورة وذال معجمة أخته ﵇ من الرضاعة، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم قال إن
стр. 377
قدرتم على بجاد رجل من بني سعد فلا يفلتنكم، وكان أتاه مسلم فقتله وقطعه عضواً عضواً، ثم أحرقه بالنار فظفروا به فساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء وأتعبوها بالسير، فقالت تعلمون والله إني أخت صاحبكم فلم يصدقوها فلما انتهوا إلى إليه صلى الله تعالى عليه وسلم قالت يا رسول الله إني أختك، قال وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضضتنيها وأنا متوركتك، فعرف العلامة فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه ورحب بها ودمعت عيناه، وقال لها إن أحببت فعندي محببة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت بل تمتعني وتردني إلى قومي فأسلمت ومتعها ﵇ وردها إلى قومها وأنزل الله تعالى ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ إلى قوله ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾، ثم جمعت له صلى الله تعالى عليه وسلم سبابا أهل حنين وأموالهم فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها منصرفة من الطائف ويأتي ذكرها إن شاء الله، وقال العباس بن مرداس السلمي في يوم حنين:
(عفى مجدل من أهله فمتالع ... فمطلى أريك قد خلى فالمصانع)
(ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا ... رخي وصرف الدهر للحي جامع)
(حبيبية ألوت بها غربة النوى ... لبين فهل ماض من العيش راجع)
(فإن تتبعي الكفار غير ملومة ... فإني وزير للنبي وتابع)
(دعانا إليهم خير وفد علمتهم ... خزيمة والمراد منهم وواسع)
(فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داوود رائع)
(يبايعه بالأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين نبايع)
(فجسنا مع المهدي مكة عنوة ... بأسيافنا والنقع كابن وساطع)
(علانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع)
(ويوم حنين حين سارت هوازن ... حميم وآن من دم الجوف ناقع)
(صبرنا مع الضحاك لأي يستفزنا ... قراع الأعادي منهم والوقائع)
(أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء مخذروف السحابة لامع)
(عشية ضحاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع)
(نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنا الأقربين نتابع)
стр. 378
(ولكن دين الله دين محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع)
(أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمه الله دافع)
مجدل كمنبر موضع ومتالع بالضم جبل والمطلى بكسر الميم ويمد المسيل الضيق أو الأرض السهلة وأريك كأمير واد، وغربة بفت المعجمة وسكون الراء فموحدة فتاء تأنيث البعد، قاله البناني. وجسنا ترددنا خلال دورها، وخذروف السحاب كعصفور البرق اللامع؛ واعتص بالسيف ضرب به ضرب العصى؛ وقوله نذود أخانا الخ .. يريد أن سليم من قيس كما أن هوازن من قيس أي نقاتل أخواننا من هوازن عن إخواننا من سليم ولو نرى في الدين مصالاً مفعلاً من الصولة لكنا مع الأقربين يعني هوازن.
وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري بعثني يعني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أبي عامر فرمى أبو عامر في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته قال أبو موسى فقلت له يا عم من رماك فأشار إلى فقال ذلك قاتلي الذي رماني.
فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي، ألا تثبت، فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته فقلت لأبي عامر قتل الله قاتلك، قال فأنزع السهم مني فنزعته منه فنزى منه الماء قال يابن أخي أقرئ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مني السلام وقل له يستغفر لي ثم مات فرجعت فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر ودعى بماء فتوضأ ثم رفع يديه وقال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، ورأيت بياض أبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة في الجنة فوق كثير من خلقك. فقلت ولي فاستغفر، قال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً.
стр. 379
ثم بع حنين "غزوة الطائف" وقدمها الناظم في البيت السابق لأنه لم يقصد ترتيب الغزوات وهو بلد كبير على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق، كثير الأعناب والفواكه، قاله في المواهب.
قال الزرقاني ولك الجمع بأن الثلاث من عمران مكة والاثنتين من آخر ما ينتهي إليها من توابعها المنسوبة إليها انتهى.
سمي بذلك لأنه طاف على الماء في الطوفان ولأن جبريل طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها الله إلى الحجاز بدعوة إبراهيم، أو لأن رجلاً من الصدف أصاب دماً بحضرموت ففر إلى وج وحالف مسعود بن معتب وكان له مال عظيم فقال هل لك أن نبني طوفاً عليكم يكون لكم ردء من العرب؟ فقالوا نعم. فبناه وهو الحائط المطيف به، قاله في القاموس.
وقال في المواهب وقيل إن أصلها أي سبب تسميتها بذلك أن جبريل ﵇ اقتلع جنة أصحاب الصريم فسار بها إلى مكة فطاف بها حول البيت ثم أنزلها حيث الطائف، وكانت أولاً بنوا حي صنعاء، قال الزرقاني وكانت قصة أصحاب الجنة بعد عيسى بزمن يسير ذكر هذا النقاش وغيره. وفي الروض قيل وج هو الطائف، وقيل اسم واد بها ويشهد له قول الشاعر:
(أتهدي لي الوعيد ببطن وج ... كأني لا أراك ولا تراني)
ويقال بتخفيف الجيم والصواب تشديدها، ويقال وج وأج بالهمز بدل الواد، قاله يعقوب. انتهى.
وعلى التشديد اقتصر القسطلاني وواوه مفتوحة سميت برجل من العمالقة وهو أول من نزلها، قاله في الفتح، قال الكلاعي ولما قدم فلُّ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وصنعوا الصانع للقتال، ولم يشهد حنيناً ولا الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن مسلمة، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق؛ ثم سار صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين اهـ المراد منه.
стр. 380
والدبابة مشددة آلة للحرب، يدخل فيها الرجال فيدبون فيها إلى الحصون فينقبونها. وسار ﵇ إليها في شوال سنة ثمان، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته في ألف من أصحابه، قال في المواهب وكانت ثقيف لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم بالطائف، ورموه بالتشديد أي أصلحوه، وأغلقوه عليهم بعد أن أدخلوا فيه ما يصلحهم من القوت لسنة وتهيؤوا للقتال؛ انتهى.
فدنى خالد من الحصن فدار به ثم نادى بأعلى صوته ينزل إلى أحدكم أكلمه وهو آمن، أو اجعلوا لي مثل ذلك وأدخل عليكم، فقالوا لا ينزل غليك رجل منا ولا تصل إلينا، إن صاحبكم لم يلق قوماً يحسنون قتاله غيرنا.
قال خالد فاسمعوا من قولي، نزل صلى الله تعالى عليه وسلم بأهل الحصون يثرب وخيبر وأنا أحركم مثل يوم قريظة حصرهم أياماً ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلهم في صعيد واحد وسبى الذرية ثم فتح مكة وأوطأ هوازن في جموعها. قالوا لا نفارق ديننا. وكانت ثقيف أدخلت معها عقيلاً وغيرهم من العرب، قال في المواهب ومرّ صلى الله تعالى عليه وسلم في طريقه بقبر أبي رغلان وهو أبو ثقيف فاستخرج منه غصناً من ذهب اهـ وكان يتوكأ عليه كما في الزرقاني.
وروى ابن إسحاق والبيهقي عن ابن عمر أنه ﵇ قال هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف وكان من ثمود بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه اهـ وليس أبو رغال هذا هو دليل أبرهة لما مرّ بالطائف فإن بين مولده ﵇ وهلاك ثمود ألوفاً، وسار ﵇ حتى نزل قريباً من حصنهم ولا مثل له في حصون العرب، فرمت ثقيف المسلمين بالنبل رمياً شديداً كأنه رجل جراد بكسر الراء وسكون الجيم وهو الجماعة الكثيرة، فأصيبت قوم من المسلمين بجراحة، واستشهد منهم اثني عشر رجلاً، منهم عبد الله بن أبي امية أخو أم سلمة لأبيها، وسعيد بن سعيد
стр. 381
بن العاصي الأموي، وعرفطة بضم المهملة وسكون الراء وضم الفاء وطاء مهملة بن حباب بضم المهملة وخفة الموحدة عند ابن عقبة وابن هشام. ولابن إسحاق أنه ابن جناب بجيم ونون الأزدي ومنهم عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني مخزوم والسائب وعبد الله ابنا الحارث بن قيس السهمي، وجليحة بضم الجيم وفتح اللام وسكون التحتية وحاء مهملة بن عبد الله ومن الأنصار ثابت بن الجزع بفتح الجيم والمعجمة ومهملة السلمي والحارث بن سهل والمنذر بن عبد الله ورقيم بن ثابت ذكره هنا ابن إسحاق وذكره ابن سعد في شهداء حنين ويزيد بن زمعة بن الأسود الأسدي ذكره ابن سعد هنا، وأما ابن إسحاق فعده في شهداء حنين وهو الذي تقدم. ورمى عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ بسهم فاندمل جرحه ثم نقض بعد ذلك فمات في خلافة أبيه ﵃ أجمعين، وعده ابن إسحاق وأتباعه في الاثني عشر وأسقط منهم يزيد بن زمعة، كما مر، لكن عبد الله ليس بشهيد لبقائه بعد الحرب مدة طويلة كما قاله المالكية، والشافعية، وارتفع ﵇ بعد قتل هؤلاء إلى موضع مسجد الطائف اليوم الذي بناه عمرو بن أمية بن وهب بن معتب لما أسلمت ثقيف، وكانت فيه سارية فيما يزعمون لا تطلع عليها الشمس يوماً من الدهر إلا سمع لها نقيض أكثر من عشر مرات بنون وقاف وتحتية ومعجمة أي صوت، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب وضرب لهما قبتين وكان يصلي بين القبتين في مدة حصارهم كلها، وهي ثمانية عشر أو خمسة عشر يوماً؛ ولوي بضعاً وعشرين. وروى مسلم عن أنس أنهم حاصروهم أربعين ليلة اهـ.
ونصب عليهم المنجنيق بفتح الميم وتكسر وميمه أصلية والنون زائدة ولذا حذفت في الجمع وهو معرب وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، وكان قدم قبل الطفيل الدوسي لما رجع من سرية ذي الكفين. وذكر ابن إسحاق أن المسلمين دخلوا في دبابة وهي من جلود البقر يوم الشدخة فيما شدخ فيه من الناس ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه،
стр. 382
فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد المحماة بالنار فأحرقت الدبابة، فخرج المسلمون من تحتها وقد أصيبت منهم من أصيب؛ فأمر صلى الله تعالى عليه وسلم بقطع أعنابهم، ونخيلهم وتحريقها فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إني أدعها لله وللرحم، أي لأن أمة آمنة أمها برة بنت عبد العزى بن قصي، وأم برة هذه أم حبيب بنت أسعد وأمها برة بنت عوف وأمها قلابة بنت الحارث وأم قلابة هند بنت يربوع من ثقيف، قاله ابن قتيبة، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي، ثم نادى مناديه ﵇ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، قال الدمياطي فخرج منهم بضعة عشر رجلاً، المنبعث وكان اسمه المضجع، فسماه ﵇ المنبعث عبد عثمان بن عامر والأزرق عبده كلدة بفتح فسكون ويحنس بضم التحتية وفتح المهملة، والنون المشددة والسين المهملة، والنبال عبد يسار بن مالك وأسلم بعد، فرد إليه ولاءه، وإبراهيم بن جابر عبد خرشة بفتح المعجمتين والراء بينهما ويسار عبد عثمان بن عبد الله، ونافع عبد غيلان بن سلمة فلما أسلم غيلان رد ﵊ إليه ولاءه، ونافع بن مسروح ومرزوق غلام لعثمان بن عبد الله، والأزرق أبو عتبة وأبو بكرة، عبد الحارث بن كلدة بفتحتين قاله الزرقاني.
ولما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم منهم الحارث بن كلدة في أوائل العبيد ليردوهم إلى الرق فقال ﵇ أولئك عتقاء الله لا سبيل إليهم، لكنه رد ولاء بعضهم إلى ساداتهم، ثم إن خولة بنت حكيم السلمية زوجة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان، أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف. وأمر عمر بن الخطاب أن يؤذن بالرحيل، فأذن بالرحيل، فضج الناس من ذلك فقالوا نرحل ولم يفتح علينا الطائف، فقال ﵇ فاغدوا على القتال، فغدوا فأصاب المسلمين جراحات ولم يفتح
стр. 383
لهم فقالوا يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادعوا الله عليهم فقال اللهم اهد ثقيفاً وإئت بهم وفي رواية زيادة مسلمين قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنا قافلون إن شاء الله تعالى فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يضحك، وفقئت يومئذ عين أبي سفيان بن حرب، وذكر ابن سعد أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له وهي في يده هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال أيهما أحب إليك عين في الجنة أي عين ماء لا الباصرة أو أدعو الله أن يردها عليك. قال بن عين في الجنة ورمى بها.
وروى القزويني أن أبا جهل لطم فاطمة فشكت إلى أبيها صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لها ايت ابا سفيان فأتته فأخبرته فأخذ بيدها حتى وقف على أبي جهل، فقال الطميه كما لطمك، ففعلت، فجاءت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبرته فرفع يديه وقال اللهم لا تنسها لأبي سفيان .
قال ابن عباس ما شككت في إسلامه إلا لدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذكره السيوطي وشهد أبو سفيان اليرموك، تحت راية ابنه يزيد فقاتل وفقئت عينه الأخرى، رضي الله تعالى عنه. وقد أجاب الله تعالى دعاءه لثقيف، فجاؤوا مسلمين سنة تسع، ولما انصرف ﵇ من الطائف، نزل بالجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وقد تكسر وتشدد الراء وكان حين خرج من حنين قد أمر بجمع الغنائم إليها وحبسها بها حتى قدم فقسم الغنائم بها، بعد أن استأنى بقسمها بضع عشرة ليلة كما في الصحيح، ينتظر قدوم هوازن مسلمين، وقدم عليه هوازن مسلمين، وقدم عليه هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أن معي من ترون وقد استأنينا بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قسمت السبي فاختاروا إما السبي وإما المال، فاختاروا السبي وكلم ﵇ الناس في رد سبيهم عليهم فردوهم كلهم إلا عيينة بن حصن فأبى أن يرد عجوزاً عنده قال هذه أم الحي لعلهم أن
стр. 384
يغلوا فداءها؛ ثم ردها بست قلائص على ما لابن إسحاق. وروى البيهقي عن الإمام الشافعي أنه ردها بلا شيء. وذكر ابن سعد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كسى كل واحد من السبي قبطية؛ وقال ابن عقبة كساهم ثياب المعقد بضم الميم وفتح العين وشد القاف، ضرب من برود هجر، وفي الاكتفاء أن عيينة لما امتنع من رد العجوز قال زهير بن صرد والله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد أي ولا لبنها بعزيز فردها بست فرائض حين قال له ذلك. وأعطى صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً يتألفون ويتألف قومهم فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن الحارث بن كلدة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وصفوان بن أمية وكل هؤلاء من أشراف قريش والأقرع بن ح ابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف النصري أعطى كل واحد من هؤلاء المسلمين من قريش وغيرهم، مائة بعير وأعطي دون المائة رجالاً من قريش منهم مخرمة بن نوفر وعمير بن وهب وأعطي سعيد بن يربوع المخزومي وعدي بن قيس السهمي خمسين خمسين، وأعطى عباس بن مرداس أبا عير فسخطها وقال يخاطب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
(وكانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر في الأجرع)
(وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع)
(فأصبح نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والاقرع)
(وقد كنت في الحرب ذا تدرء ... فلم يعط شيئاً لم أمنع)
(وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع)
(وما كنت دون أمرء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع)
فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اقطعوا عني لسانه. فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه. انتهى من الاكتفاء.
وزاد الزرقاني من أعاه مائة أسيد بفتح فكسر بن جارية بجيم
стр. 385
وتحتية الثقفي، وفيه أنه أعطي العباس بن مرداس دون مائة فلما قال الأبيات أتم المائة له، وعزاه لمسلم وغيره وزاد الزرقاني أيضاً ممن أعطاه مائة يزيد بن أبي سفيان، وقال إنه أعطاه معها أربعين أوقية، وكذا أخوه معاوية وكذا أبوهما، وأعطى النضير بمعجمة مصغراً ابن الحارث مائة بعير أيضاً.
وفي مسلم أنه أعطى لصفوان مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة، وقال الواقدي يقال أن صفوان طاف معه صلى الله تعالى عليه وسلم يتصفح الغنائم إذ مرّ بشعب مملوء إبلاً وغنماً فأعجبه وجعل ينظر إليه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟ قال نعم. قال هو لك بما فيه. فقال صفوان أشهد أنك رسول الله، ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نبي انتهى المراد منه.
ولما أعطى هذه العطايا قال ناس من الأنصار يغفر الله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم وحدث بذلك رسول الله صلى تعالى عليه وسلم، فارسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم بفتح الهمزة والدال جلد مدبوغ ولم يدع معهم غيرهم ثم قال لهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رحالكم؟ بالمهملة أي بيوتكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به. ثم قالوا يا رسول الله قد رضينا.
وروي أنهم بكوا حتى أخضلوا لحاهم. وفي البخاري عن جبير بن مطعم بينما أنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه الناس مقفله بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء أي زمن رجوعه من حنين علقت بفتح العين وكسر اللام الخفيفة فقاف، برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي لزمته الأعراب حتى اضطروه إلى سمرة فقال الحافظ شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب، ويقال هي شجرة الطلح، فخطفت رداءه فوقف ﵇ وقال
стр. 386
أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً، وفي المواهب أن السبي ستة آلاف رأس من النساء والأطفال والإبل أربعة وعشرون ألف بعير وإن الغنم أكثر من أربعين ألفاً، والفضة أربعة آلاف أوقية قال الزرقاني ولم يذكر عدد البقر، والحمير مع أنهما كانا معهم أيضاً.
ولنذكر قصة قدوم هوازن عليه، ﵊
وكان وفد هوازن أول الوفود والوفد الجماعة المختارة للقدوم في لقاء العظماء قال النووي وأقره في المواهب، قال الزرقاني وكأنه استعمال عرفي وإلا ففي اللغة القادم مطلقاً، ذكر ابن عقبة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما انصرف من الطائف ووصل إلى الجعرانة في الليلة الخامسة من ذي القعدة وفيها سبي هوازن قدم عليه وفد هوازن مسلمين وفيه تسعة من أشرافهم فبايعوا، ثم قالوا يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات لك فقال سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم؟ السبي أم المال؟ قالوا أخيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا. ولا نتكلم في شاه ولا بعير. فقال أما الذى لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم. وفي رواية غيره وقالوا إنا إخوانكم في الدين، وإنا نستشفع برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المسلمين فتكلم خطباءهم فأبلغوا فيه ورغبوا المسلمين في رد سبيهم ثم قام صلى الله تعالى عليه وسلم حين فرغ وشفع لهم وحض المسلمين وفي رواية أنهم قالوا له إنا أهل وعشيرة فقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا من الله عليك.
وقام خطيبهم وهو زهير بالتصغير بن صرد السعدي الجشمي أبو جرول ويقال أبو صرد فقال يا رسول الله إن اللواتي في الحظائر جمع حظيرة
стр. 387
وهي السرب الذي يصنع للإبل والغنم يكفها، وكان السبي في حظائر مثلها، خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، ولو أنا ملحنا أي أرضعنا والملح الرضاع للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت رجونا عطفه، وأنت خير المكفولين، ثم أنشأ يقول:
(أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر)
(أمنن علي ببيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها في دهرها غير)
(أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر)
(إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرحم الناس حلما حين تختبر)
(أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملاؤه من محضها الدرر)
(إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر)
(لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر)
(إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر)
(فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر)
(يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر)
(إنا نؤمل عفوا منك نلبسه ... هاد البرية إذ تعفو وتنتصر)
(فاعفو عفى الله عن ما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر)
قال: فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر، قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقالت قريش ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لله ولرسوله وقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا؛ وقال عيينة أما أنا وبنو فزارة فلا. قال العباس بن مرداس وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم بلي؛ ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لهم عباس وهنتموني، فقال ﵇ أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إليهم أبناءهم ونساءهم، وقوله رسول الله منادي وفي سببية وقوله فإنك المرء ال لاستغراق أفراد الجنس أي المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في
стр. 388
الرجال وندخر أي لما يعرض لنا من الأهوال وقوله بيضة أي أهل وعشيرة وغير بكسر المعجمة وفتح التحتية أي تغير وانتقال من صلاح لفساد، والغماء الحزن والغمر بفتح المعجمة وفتح الميم الحقد وهتافا الخ أي صوتاً مشتملاً على حزن وإن لم تداركه جوابه محذوف أي هلكوا أو هو شرط في ابقيت، فلا حذف ومحضها بفتح الميم أي لبنها الخالص والدرر بكسر المهملة وفتح الراء الدرر، والدرر بكسر الراء كثرة اللبن وسيلانه جمع درة، ويزينك بفتح الياء وشالت نعامته ارتفعت والنعامة باطن القدم أي هلك، واستبق مفعوله محذوف أي ثناءًا يدوم وزهر بضمتين وكفرت بالبناء للمفعول، وقوله مشتهر أي مشتهر حسنه بين الناس، ومرحت كفرح نشطت، وكمت بضم الكاف وسكون الميم جمع كميت، والهياج القتال واستوقد بالبناء للمفعول، وتلبسه بضم الفوقية وكسر الموحدة وهادي منادي، أي هادي البرية، وفي نسخة هذي إشارة للنسوة وقوله فاعفوا بالإشباع والظفر: الفوز. قاله الزرقاني.
وها أنا أذكر ما وعدت بذكره إن شاء الله تعالى: وهي غزوة سليم ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بحران؛ وهذه الخمس بعد بدر وقبل أحد.
أما " غزوة بني سليم " فهي أولها، وجزم ابن إسحاق بأنها بعد بدر، بسبعة أيام وتعرف بغزوة قرقرة الكدر ويقال قرارة الكدر ويقال قراقر وقرقرة بفتح القافين وحكى البكري ضمهما والمعروف فتحهما وبعد كل قاف راء، أولاهما ساكنة ثم هاء تأنيث. وفي الصحاح قراقر على فعالل بضم القاف اسم ماء ومنه غزوة قراقر، قاله محمد بن عبد الباقي.
وفي المواهب وفي أول شوال وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث خرج ﵊ في مائتي رجل يريد بني سليم فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة ذي قرقرة، وهي أرض ملساء والكدر طير في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع، فأقام بها ﵇ ثلاثاً، وقيل
стр. 389
عشراً، فلم يلق أحداً. قال الزرقاني والكدر بضم الكاف وسكون الدال وسببها أنه ﵊ بلغه أن بهذا الموضع جمعاً من بني سليم بضم السين وفتح اللام وغطفان وذكر ابن إسحاق والجماعة أنه أرسل نفراً من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم صلى الله تعالى عليه وسلم في بطن الوادي فوجد رعاء بالكسر جمع راع فيهم غلام يقال له يسار بتحتية ومهملة فسأله عن الناس فقال لا علم لي بهم إنما أورد الخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا في المياه ونحن عزاب في النعم.
وانصرف صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر بها إلى المدينة واقتسموا غنائمهم وكانت خمسمائة بعير بصرار وهو بكسر الصاد المهملة فراء مهملة مخففة فألف فراء ثانية موضع قريب من المدينة وقيل بئر قديمة على ثلاثة أميال منها من طريق العراق، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين فأصاب كل رجل منهم بكران، وصار يسار في سهمه صلى الله تعالى عليه وسلم فأعتقه وخمس بكسر المعجمة من إظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع وأخمس الرجل وردت إبله انتهى.
وكانت غيبته ﵇ عن المدينة خمسة عشر ليلة واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وقيل بن أم مكتوم وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق وسباء بكسر السين المهملة فموحدة فألف فمهملة، وعرفطة بمهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة فطاء مهملة غفاري، ويقال كناني وصحابي شهير، واستعمله ﵇ عليهما أيضاً عام خيبر، وابن أم مكتوم اسمه عمرو عند الأكثر وقيل عبد الله وهو ابن قيس بن زائدة القرشي العامري وأمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية؛ قال الزرقاني ولم تسلم وجمع بين القولين بأنه استخلف سباعاً للحكم وابن أم مكتوم للصلاة على عادته انتهى.
стр. 390
ثم بعد غزوة بني سليم على ما في المواهب، " غزوة بني قينقاع " بتثليث النون والضم أشهركما قاله القسطلاني وهم بطن من اليهود، رهط عبد الله بن سلام، ﵁، قيل كانوا أشجع اليهود وأكثرهم مالاً وأشدهم بغياً، وكانت طوائف اليهود الثلاثة قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع صالحهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يحاربوه وأن لا يألبوا عليه وقيل أن لا ينصروه ممن دهمهم من عدوه فنقض الثلاثة العهد، فأمكن الله منهم رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتل قريظة وأجلى الآخرين. وأول من نقض منهم بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة، ولما أصاب المسلمون قريشاً يوم بدر جمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع، فقال يا معشر يهود احذروا من الله تعالى مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتبكم، وعهد الله إليكم، فقالوا يا محمد إنك تري أنا مثل قومك لا يغرك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن عباس ما أنزل هؤلاء الآية إلا فيهم ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾.
وكان من أمر فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع فجلست إلى صائغ يهودي، قال البرهان والظاهر أنه من قينقاع، فراودها عن كشف قناعها، فأبت فعمد الصائغ بفتح الميم وتكسر إلى طرف ثوبها من ورائها فعقده إلى ورائها وخله بشوكة فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون ووقع الشر بين المسلمين وبني قينقاع، فسار إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في نصف شوال بعد أن استخلف على المدينة أبا لبابة بشير بفتح الموحدة أو
следующие страницы →