← Сира

Сира · id 145166

نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار

عبد القادر المجلسي

Полный текст (927 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً، وفي المواهب أن السبي ستة آلاف رأس من النساء والأطفال والإبل أربعة وعشرون ألف بعير وإن الغنم أكثر من أربعين ألفاً، والفضة أربعة آلاف أوقية قال الزرقاني ولم يذكر عدد البقر، والحمير مع أنهما كانا معهم أيضاً. ولنذكر قصة قدوم هوازن عليه، ﵊ وكان وفد هوازن أول الوفود والوفد الجماعة المختارة للقدوم في لقاء العظماء قال النووي وأقره في المواهب، قال الزرقاني وكأنه استعمال عرفي وإلا ففي اللغة القادم مطلقاً، ذكر ابن عقبة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما انصرف من الطائف ووصل إلى الجعرانة في الليلة الخامسة من ذي القعدة وفيها سبي هوازن قدم عليه وفد هوازن مسلمين وفيه تسعة من أشرافهم فبايعوا، ثم قالوا يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات لك فقال سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم فأي الأمرين أحب إليكم؟ السبي أم المال؟ قالوا أخيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا. ولا نتكلم في شاه ولا بعير. فقال أما الذى لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم. وفي رواية غيره وقالوا إنا إخوانكم في الدين، وإنا نستشفع برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المسلمين فتكلم خطباءهم فأبلغوا فيه ورغبوا المسلمين في رد سبيهم ثم قام صلى الله تعالى عليه وسلم حين فرغ وشفع لهم وحض المسلمين وفي رواية أنهم قالوا له إنا أهل وعشيرة فقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم وهو زهير بالتصغير بن صرد السعدي الجشمي أبو جرول ويقال أبو صرد فقال يا رسول الله إن اللواتي في الحظائر جمع حظيرة

стр. 387

وهي السرب الذي يصنع للإبل والغنم يكفها، وكان السبي في حظائر مثلها، خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، ولو أنا ملحنا أي أرضعنا والملح الرضاع للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت رجونا عطفه، وأنت خير المكفولين، ثم أنشأ يقول: (أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر) (أمنن علي ببيضة قد عاقها قدر ... مشتت شملها في دهرها غير) (أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر) (إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرحم الناس حلما حين تختبر) (أمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملاؤه من محضها الدرر) (إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر) (لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر) (إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر) (فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر) (يا خير من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر) (إنا نؤمل عفوا منك نلبسه ... هاد البرية إذ تعفو وتنتصر) (فاعفو عفى الله عن ما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر) قال: فلما سمع رسول الله ﷺ هذا الشعر، قال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقالت قريش ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لله ولرسوله وقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا؛ وقال عيينة أما أنا وبنو فزارة فلا. قال العباس بن مرداس وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم بلي؛ ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لهم عباس وهنتموني، فقال ﵇ أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إليهم أبناءهم ونساءهم، وقوله رسول الله منادي وفي سببية وقوله فإنك المرء ال لاستغراق أفراد الجنس أي المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في

стр. 388

الرجال وندخر أي لما يعرض لنا من الأهوال وقوله بيضة أي أهل وعشيرة وغير بكسر المعجمة وفتح التحتية أي تغير وانتقال من صلاح لفساد، والغماء الحزن والغمر بفتح المعجمة وفتح الميم الحقد وهتافا الخ أي صوتاً مشتملاً على حزن وإن لم تداركه جوابه محذوف أي هلكوا أو هو شرط في ابقيت، فلا حذف ومحضها بفتح الميم أي لبنها الخالص والدرر بكسر المهملة وفتح الراء الدرر، والدرر بكسر الراء كثرة اللبن وسيلانه جمع درة، ويزينك بفتح الياء وشالت نعامته ارتفعت والنعامة باطن القدم أي هلك، واستبق مفعوله محذوف أي ثناءًا يدوم وزهر بضمتين وكفرت بالبناء للمفعول، وقوله مشتهر أي مشتهر حسنه بين الناس، ومرحت كفرح نشطت، وكمت بضم الكاف وسكون الميم جمع كميت، والهياج القتال واستوقد بالبناء للمفعول، وتلبسه بضم الفوقية وكسر الموحدة وهادي منادي، أي هادي البرية، وفي نسخة هذي إشارة للنسوة وقوله فاعفوا بالإشباع والظفر: الفوز. قاله الزرقاني. وها أنا أذكر ما وعدت بذكره إن شاء الله تعالى: وهي غزوة سليم ثم غزوة بني قينقاع، ثم غزوة السويق، ثم غزوة غطفان، ثم غزوة بحران؛ وهذه الخمس بعد بدر وقبل أحد. أما " غزوة بني سليم " فهي أولها، وجزم ابن إسحاق بأنها بعد بدر، بسبعة أيام وتعرف بغزوة قرقرة الكدر ويقال قرارة الكدر ويقال قراقر وقرقرة بفتح القافين وحكى البكري ضمهما والمعروف فتحهما وبعد كل قاف راء، أولاهما ساكنة ثم هاء تأنيث. وفي الصحاح قراقر على فعالل بضم القاف اسم ماء ومنه غزوة قراقر، قاله محمد بن عبد الباقي. وفي المواهب وفي أول شوال وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث خرج ﵊ في مائتي رجل يريد بني سليم فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة ذي قرقرة، وهي أرض ملساء والكدر طير في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع، فأقام بها ﵇ ثلاثاً، وقيل

стр. 389

عشراً، فلم يلق أحداً. قال الزرقاني والكدر بضم الكاف وسكون الدال وسببها أنه ﵊ بلغه أن بهذا الموضع جمعاً من بني سليم بضم السين وفتح اللام وغطفان وذكر ابن إسحاق والجماعة أنه أرسل نفراً من أصحابه في أعلى الوادي واستقبلهم صلى الله تعالى عليه وسلم في بطن الوادي فوجد رعاء بالكسر جمع راع فيهم غلام يقال له يسار بتحتية ومهملة فسأله عن الناس فقال لا علم لي بهم إنما أورد الخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا في المياه ونحن عزاب في النعم. وانصرف صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر بها إلى المدينة واقتسموا غنائمهم وكانت خمسمائة بعير بصرار وهو بكسر الصاد المهملة فراء مهملة مخففة فألف فراء ثانية موضع قريب من المدينة وقيل بئر قديمة على ثلاثة أميال منها من طريق العراق، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين فأصاب كل رجل منهم بكران، وصار يسار في سهمه صلى الله تعالى عليه وسلم فأعتقه وخمس بكسر المعجمة من إظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع وأخمس الرجل وردت إبله انتهى. وكانت غيبته ﵇ عن المدينة خمسة عشر ليلة واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وقيل بن أم مكتوم وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق وسباء بكسر السين المهملة فموحدة فألف فمهملة، وعرفطة بمهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة فطاء مهملة غفاري، ويقال كناني وصحابي شهير، واستعمله ﵇ عليهما أيضاً عام خيبر، وابن أم مكتوم اسمه عمرو عند الأكثر وقيل عبد الله وهو ابن قيس بن زائدة القرشي العامري وأمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية؛ قال الزرقاني ولم تسلم وجمع بين القولين بأنه استخلف سباعاً للحكم وابن أم مكتوم للصلاة على عادته انتهى.

стр. 390

ثم بعد غزوة بني سليم على ما في المواهب، " غزوة بني قينقاع " بتثليث النون والضم أشهركما قاله القسطلاني وهم بطن من اليهود، رهط عبد الله بن سلام، ﵁، قيل كانوا أشجع اليهود وأكثرهم مالاً وأشدهم بغياً، وكانت طوائف اليهود الثلاثة قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع صالحهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يحاربوه وأن لا يألبوا عليه وقيل أن لا ينصروه ممن دهمهم من عدوه فنقض الثلاثة العهد، فأمكن الله منهم رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتل قريظة وأجلى الآخرين. وأول من نقض منهم بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة، ولما أصاب المسلمون قريشاً يوم بدر جمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع، فقال يا معشر يهود احذروا من الله تعالى مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتبكم، وعهد الله إليكم، فقالوا يا محمد إنك تري أنا مثل قومك لا يغرك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن عباس ما أنزل هؤلاء الآية إلا فيهم ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾. وكان من أمر فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع فجلست إلى صائغ يهودي، قال البرهان والظاهر أنه من قينقاع، فراودها عن كشف قناعها، فأبت فعمد الصائغ بفتح الميم وتكسر إلى طرف ثوبها من ورائها فعقده إلى ورائها وخله بشوكة فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون ووقع الشر بين المسلمين وبني قينقاع، فسار إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في نصف شوال بعد أن استخلف على المدينة أبا لبابة بشير بفتح الموحدة أو

стр. 391

رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري الأوسي فتحصنوا فحاصرهم أشد الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة بفتح القاف وكسرها وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض فقذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن له أموالهم وأن لهم النساء والذرية، فأمر ﵇ المنذر بن قدامة الأوسي البدري بتكتيفهم أي بشد أيديهم خلف أكتافهم، فكتفوا فمر بهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول فأراد أن يطلقهم فقال له المنذر أتطلق قوماً أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بربطهم؟ والله لا يفعله أحد إلا ضربت عنقه. وكلم ابن أبي فيهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وألح عليه فقال يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خلفه وكان يقال لها ذات الفضول، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويحك أرسلني، وغضب ﵇ حتى رأوا لوجهه ظللاً، جمع ظلة وهي السحابة كناية عن تغير وجهه، ثم قال ويحك أرسلني، قال والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر بمهملتين أي لا درع معه وثلاث مائة دارع وقد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرء أخشى الدوائر. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هم لك فقال صلى الله تعال عليه وسلم حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم. وتركهم من القتل وأمر أن يجلوا من المدينة فيلحقوا بأذرعات، قال ابن سعد وولي إخراجهم عبادة بن الصامت وقيل محمد بن مسلمة، فما كان أقل بقاءهم فيها قيل، لم يدر عليهم الحول وأخذ من حصنهم سلاحاً وآلة كثيرة، وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي، فتبرء عبادة من حلفهم وفيه وفي ابن أبي أنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ (إلى قوله) ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾ انظر الزرقاني.

стр. 392

" ثم غزوة السويق " فالسويق قمح أو شعير يغلى ثم يطحن، فيتزود به ملتوتاً بماء أو سمن أو عسل، أو وحده بالسين، قال ابن دريد وبنو العنبر يقولونه بالصاد، وكانت في ذي الحجة، بفتح الحاء وكسرها لخمس خلون على رأس اثنين وعشرين شهراً من الهجرة، كما لابن سعد، وقال ابن اسحاق في صفر، وعن ابن اسحاق أيضاً إنما كان خروجه في ذي الحجة، وذكر بعضهم أنها في سنة ثلاث وعليه فيصح كونها في صفر وسميت بذلك لأنه كان أكثر زاد المشركين، فكانوا يلقونه للتخفيف، وغنمه المسلمون واستخلف أبا لبابة على المدينة وسببها أن أبا سفيان بن حرب لما رجع بالعير من بدر إلى قريش ورجع فل قريش بفتح الفاء وشد اللام أي منهزموهم نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة أي لا يمس النساء وأن لا يمس الطيب حتى يغزو محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم ليأخذ ثأر المشركين الذين قتلوا ببدر، فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه حتى أتي العريض بضم المهملة وفتح الراء وسكون الياء التحتية وفي النور أنه واد بالمدينة وفي الكلاعي فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة على بريد أو نحوه من المدينة، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه وانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه وصاحب كنزهم فاستأذنه فآذن له، فقراه وسقاه، وفطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالاً منهم فأتوا ناحية العريض فحرقوا أصوار نخل وقتلوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له ثم انصرفوا راجعين، ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وطرحوا من أزوادهم يتخففون منها للنجاء وكان أكثر ما طرحوه السويق. فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا رسول الله أتطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال نعم.

стр. 393

وفي المواهب خرج ﵊ في طلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جروب السويق وهي عامة أزوادهم يتخففون للهرب ويأخذها المسلمون ولذا سميت غزوة السويق، ولم يلحقه ﵊. وكانت غيبته عن المدينة خمسة أيام أي بيومي الدخول والخروج كما في الزرقاني. وأورد ابن هشام وأبو الربيع هذه الغزوة قبل قينقاع وعند بعض أهل السير أنها في سنة ثلاث كما مر، وقناة بفتح القاف وخفة النون واد بالمدينة وسلام بتشديد اللام وتخفيفه ومشكم كمنبر وقراه أضاف، وسقاه أي الخمر، كما قال أبو سفيان. (سقاني فرواني كميتا مدامة ... على ظماٍ مني سلام ابن مشكم) والجرب جمع جراب ككتاب، وإلى هذه الغزوة أشار الشيخ البدوي بقوله: (وغزوة السويق في أثر أبي ... سفيان إذ حرق نخل يثرب) (وغال نفسين وكان آلى ... لا يقرب النساء أو ينالا) (وكان يلقي جرب السويق ... مخافة اللحوق في الطريق) (فسميت بذاك ثم بعدها ... قرقرة الكدر لقوم عندها) وقوله يثرب قال الخازن في قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿يا أهل يثرب﴾ يعني يا أهل المدينة وقيل يثرب اسم الأرض، ومدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من ناحية منها سميت باسم رجل من العماليق كان قد نزلها، وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، فقال هي طابة، كأنه كره هذه اللفظة لما فيها من التثريب وهو التقريع والتوبيخ أ. هـ. وفي الذهب الإبريز عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من قال للمدينة يثرب فاليستغفر الله إنها طابة ثلاث مرات، نقله في الريان.

стр. 394

فائدة: ذكر القسطلاني في شرح البخاري أن للمدينة ثمانية وعشرين اسماً وأنها إن علقت على المحموم شفي بإذن الله تعالى. وقد كنت نظمتها قبل فأوردت نظمها هنا للتبرك وهو: (مدينة طيبة وطيبة ... وطائب وحرم طابة) (محفوظة مرزوقة ومؤمنة ... حبيبة مدخل صدق حسنه) (دار السلامة ودار السنة ... مختارة جعلتهن جنه) (بدار الأبرار وبالشافية ... ودار الأخيار وبالمسكينة) (بيت الرسول حرم الرسول ... رب أنلني قاصي المأمول) (ودار الإيمان ودار الهجرة ... أكالة القرى بها اقبل توبتي) (بدار فتح قبة الإسلام ... وبالمباركة هب مرام) (وبالمقدسة فامحق العدا ... فهذه أسماء دار أحمد) (صلى عليه فالق الإصباح ... ما حسر الليل عن الصباح) (إن عقلت قالوا على المحمومي ... شفي بإذن الملك القيوم) وذكر غيره من أسمائها المحبة، وا لمحبوبة، والمرحومة، والجبابرة، والمجبورة، والقاصمة، والعذراء، وغير ذلك. وقد ذكر القاضي في المشارق بمكة ستة عشر اسماً وقد كنت نظمتها وذكرتها هنا تتميماً للفائدة وهي: (أسماء خير الأرض بعد الحسنه ... مثوى إمام الرسل خذها حسنه) (عمن سواه في العلوم فاقا ... وأشرق الغرب به إشراقاً) (حين بدت مشارق الأنوار ... به فحاز أحسن الفخار) (سيدنا القاضي أبو الفضل العلم ... عياض ذو التبريز في العلم الأعم) (أم القرى والعرش والباسة ... والرأس والقادس والنساسة) (كوتى المقدسة ثم مكة ... ح اطمة ثم صلاح بكة) (وأم رجم معها البيت العتيق ... فاعلة من بس أو نس تليق) (بها توسلنا إلى الرحمن ... في نيل ما نبغي من الأماني) وفي القاموس النس: السوق واليبس، ثم قال والناسة والنساسة: مكة، سميت بذلك لقلة الملك بها إذ ذاك، أو لأن من بغى فيها ساقته أي أخرج

стр. 395

منها. ثم يلي ذلك على ما في المواهب " غزوة غطفان "، قبيلة من مضر وعطفان بن سعد بن قيس عيلان وتسمى أيضاً غزوة ذي أمر، قال القسطلاني في المواهب بفتح الهمزة والميم، زاد شارحه وشد الراء موضع من ديار غطفان، قاله ابن الأثير وغيره. وأفاد قول البكري في معجمه أفعل من المرارة أنه ممنوع الصرف انتهى. وفي نظم البدوي المجلسي وبعدها ذو إمّر وغطفان كلاهما تدعا به وتستبان ولم يتعرض شارحه لضبطه ولم يذكر في القاموس هذا الموضع، وإنما فيه امرأة كامعة بلد وجبل اهـ. ولعل البيت فذو أمر بعدها وغطفان وتسمى أيضاً غزوة أنمار فلها ثلاثة أسماء وهي بناحية نجد وكانت لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهر من الهجرة، وسببها أن جمعها من بني ثعلبة بن سعد بن قيس بن ذبيان بن بغيض بفتح الموحدة وكسر المعجمة وإسكان التحتية وضاد معجمة ابن ريث براء مفتوحة وتحتية ساكنة ومثلثة ابن غطفان، قاله الزرقاني وجمعاً من بني محارب بن خصفة بفتح الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة ابن قيس عيلان وغطفان ومحارب ابنا عم تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، جمعهم دعثور بضم الدال المهملة وضم المثلثة ابن الحارث المحاربي وسماه الخطيب غورث بفتح الغين المعجمة وحكي اهمالها وبعضهم ضم أوله وواوه ساكنة وراؤه مفتوحة وآخره مثلثة ويقال غويرث بالتصغير، بمعجمة أو مهملة، وسماه غيره غورك، بكاف بدل المثلثة مع إعجام أوله وإهماله، وظاهر كلام ابن بشكوال أن دعثورا غير غورث، وفي الإصابة قصة دعثور تشبه قصة غورث المخرجة في الصحيح فيحتمل التعدد، أو أحدهما اسم والآخر لقب. وكان غورث شجاعاً فدعى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 396

المسلمين للخروج وخرج في أربعمائة وخمسين فارساً أي شجاعاً أو تناوبوا ما معهم من الأفراس، فلا ينافي قول ابن سعد ومعهم أفراس، قال البرهان ولا أعلم عدتها فلما سمع المشركون بقدوم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بلادهم هربوا في رؤوس الجبال، فلما كان المسلمون بذي القلصة وهو بفتح القاف والصاد المهملة الثقيلة موضع على اربعة وعشرين ميلاً من المدينة أصابوا رجلاً من بني ثعلبة يقال له حبان بكسر الحاء، قال البرهان ولا أعلم له ترجمة في الصحاب اهـ. والصواب ما في الشامية أنه جبار بالجيم وشد الموحدة، وبعد الالف زاء، فقد ذكره ابن فتحون وصاحب الإصابة في حرف الجيم، فقالا جبار الثعلبي، أسره الصحابة في غزوة ذي أمر، فأدخلوه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره من خبرهم، وقال لن يلاقوك سمعوا بمسرك وهربوا في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك فدعاه إلى الإسلام فأسلم وضمه إلى بلال ليعلمه الشرائع وأصاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجففهما واضجع تحتها والمشركون ينظرون إليه، وقد اشتغل المسلمون في شؤونهم فقالوا لدعثور لشجاعته قد انفرد محمد فعليك به؛ ولما رآه قال قتلني الله إن لم أقتل محمداً. فأقبل ومعه سيف حتى أقام على رأسه ﵊ فقال من يمنعك مني الآن؟ فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الله. فدفع جبريل في صدره فوقع على ظهره، فوقع السيف من يده فأخذه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من يمنعك مني؟ قال لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ر سول الله. وأعطاه صلى الله تعالى عليه وسلم سيفه، فقال أما والله لأنت خير مني، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أنا أحق بذلك منك. ثم أتى قومه فقالوا ما لك ويلك؟ فقال نظرت إلى رجل طويل أبيض قد دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك وشهدت بأن محمداً رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى. لا أكثر عليه جمعاً.

стр. 397

فعاهم إلى الإسلام فاهتدى به خلق كثير وأنزل تعالى على ما ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (الآية)، ثم رجع صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيداً وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة، وقيل خمس عشرة وقال قتادة ومجاهد وغيرهما نزلت في بني النضير لما ذهب إليهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فهموا أن يطرحوا عليه صخرة يقتلونه بها، فأخبره جبريل فقام من ذلك المكان ورجع إلى المدينة. وقيل قصة السيف، ونزول الآية كانا في غزوة ذات الرقاع وقال بعضهم الصواب أنهما قصتان في غزوتين، وقد مرّ الخلاف في اسم الرجل هل دعثور أو غورث أو هما اثنان والله تعالى أعلم. ثم بعد ما مرّ " غزوة بحران " بضم الموحدة وفتحها وسكون المهملة، فراء فألف فنون، موضع من ناحية الفرع بفتحتين كما قيده السهيلي وتسمى غزوة بني سليم قاله في المواهب، وقال الزرقاني عن البرهان الذي في الروض أنه بضمتين من ناحية المدينة، ويقال هي أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة وسببها أنه ﵊ بلغه أن جمعاً من سليم ببحران وخرج لست خلون من جمادى الأولى في ثلاث مائة رجل واستعمل عبد الله بن أم مكتوم على المدينة حتى إذا كان دون بحران بليلة، لقي رجلاً من بني سليم فأخبره أن القوم افترقوا فحبسه مع رجل وسار حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا فرجع ولم يجد أحداً، ولم يلق كيداً، وكانت غيبته عشر ليال، ولابن إسحاق أن خروجه ﷺ في هذه الغزوة كان إلى قريش، فسار حتى بلغ بحران، معدنا بالحجاز، من ناحية الفرع، فأقام به شهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، وللشيخ البدوي: (وبعدها غزوة بحران إلي ... أم القرى أو لسليم الجهلا)

стр. 398

" غزوة تبوك " وهي آخر غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم وهي قبل حجة الوداع بلا خلاف، وكانت في رجب سنة تسعه، قال ابن عائذ وكانت بعد الطائف بستة أشهر ولا يخالف هذا كونها في رجب إذا حذفنا الكسور لأنه ﵊ دخل المدينة في ذي الحجة رجوعه من الطائف قاله الزرقاني. وفي المواهب وذكر البخاري لها بعد حجة الوداع لعله خطأ من النساخ اهـ. وتبوك بفتح الفوقية وضم الموحدة مخففة بغير صرف للأكثر وتصرف على إرادة الموضع، مكان بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وقول المواهب وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق مراده على التقريب بدليل ما مرّ من كلام الفتح. ووقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة ففي مسلم والموطأ عن معاذ أنهم خرجوا معه صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إنكم ستأتون غداً إن شاء الله تعالى عين تبوك، فمن جاء فلا يمس من مائها ستأتون غداً إن شاء الله تعالى عين تبوك، فمن جاء فلا يمس من مائها شيئاً (الحديث)، وهذا يدل على قدم تسمية المكان بذلك. وقيل سميت بذلك لقوله ﵊ للرجلين اللذين سبقاه إلى العين ما زلتما تبوكانها منذ اليوم. قال ابن قتيبة فبذلك سميت العين تبوك. والبوك كالنقش والحفر وهي غزوة العسرة أي السدة أي لأن الخروج إليها كان في حرّ شديد، ليالي الخريف وجدب كثير مع قلة الظهر والنفقة، ولذا لم يور صلى الله تعالى عليه وسلم فيها كعادته في غيرها من الغزوات. فلم يغز غزوة إلا ورى بغيرها إلا في هذه فجلى للمسلمين أمرهم فيها ليتأهبوا أهبة السفر البعيد في الحر الشديد والقحط، وتسمى بالفاضحة لافتضح المنافقين فيها لما نزل فيهم نحو ﴿وقالوا لا تنفروا في الحرّ﴾، ﴿ومنهم من يقول ائذن لي﴾، ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾، ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ إلى غير ذلك. وكان خروجه إليها صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الخميس؛ وفي

стр. 399

البخاري قلما كان إذا خرج لسفر إلا يوم الخميس، زاد النسائي جهاداً وغيره، في أزيد من ثلاثين ألفاً. وعند ابن أبي زرعة سبعين ألفاً، وجمع الشامي بينهما بأن من قال ثلاثين لم يعد التابع، ومن قال سبعين عد التابع والمتبوع. وأقل ما قيل فيه إنه ثلاثون ألفاً، قاله الزرقاني. وقال ابن الخازن ذكر بعض العلماء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش، قال الحسن العشرة منهم يخرجون على بعير واحد، يعتقبونه وكان زادهم التمر المسوس ولاشعر المتغير، وكان النفر منهم يخرجون وما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه ثم يشرب عليها جرعة من الماء حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة. نقله الشيخ الوالد حفظه الله تعالى في الريان. وفي المواهب وكانت الخيل عشرة آلاف، قاله الزرقاني، عقبه رواه الواقدي، وقيل بزيادة ألفين وعليه حمل في الفتح ما في بعض طرق مسلم، والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف، قال تحمل على إرادة الفرسان انتهى. وسببهما أنه بلغه أن الروم تجمعت مع هرقل بالشام وأجلبت معهم لخم وجذام وغسان وعامرة وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء ولم يكن لذلك حقيقة فأمر أصحابه بالتأهب وقال وهو في جهازه للجد ابن قيس هل لك في جلاد بني الأصفر؟ قال أبو لا تأذن لي ولا تفتني، فلقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى أن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض ﵊ عنه، وقال أذنت لك فنزل فيه ﴿ومنهم من يقول ائذن لين ولا افتني﴾ أي إن كان يخاف الفتنة وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ثم خرج ﵇ قال المناوي فعسكر بثينة الوداع ومعه زيادة على ثلاثين

стр. 400

ألفاً، إلى أن قال وجمع بأن الثلاثين ثم المتبوعين والأربعين هم الأتباع فالجملة سبعون ألفاً، ومعه عشرة آلاف فرس، وضرب ابن أبي علي حدة العسكر أسفل منه وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين فلما سار المصطفى تخلف ابن أبي فيمن تخلف من أهل الريب وقالوا يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، ثم سار ودفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر ورايته العظمى إلى الزبير وخلف علياً على أهله، فقال المنافقون ما خلفه إلا استثقالاً، فأتاه وأخبره، فقال كذبوا، لكن خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. ولما مر ﵇ بالحجر سجى ثوبه واستحث راحلته ثم قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفاً من أن يصيبكم ما أصابهم وقال لا تشربوا من ماء بئر ولا يتوضأ منه، وما من عجين عجنتموه فأطعموه الناضح، ولا تأكلوا منه، فأصبح الناس لا ماء معهم، فعطشوا فجعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها، فقال أبو بكر قد عودك الله في الدعاء فادعو؛ فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى أرسل الله سبحانه فأمطرت حتى ارتووا وحملوا. فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق، ترى ما دعى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمطرنا، فقال إنما مطرنا بنوء كذا، فأنزل الله: ﴿وتجعلون رزقكم أنك تكذبون﴾ ثم ضلت القصواء وخرج الصحابة في طلبها، فقال بعض المنافقين اليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، فأطلعه الله تعالى عليها، فقال ﵇ إن رج لاً قال كذا وذك .. وإني لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها فهي في الوادي في شعب كذا حبستها شجرة بزمامها فوجدوها كذلك. ولما انتهى إلى تبوك أتاه صاحب إيلة وأطاله الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوها وكتب لهم كتاباً بالأمان، وبعث خالد بن الوليد إلى

стр. 401

أكيدر دومة فوجده يصيد البقر ليلاً، هو وأخوه حسان في نفر من قومه فأخذه خالد وأتى به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن قتل أخاه حسان فصالح أكيدر وأعطى الجزية اهـ المراد من كلام المناوي. وقد مر بعث خالد هذا في البعوث، وفي المواهب ولما مر صلى الله تعالى عليه وسلم بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بديار ثمود قال لا تشربوا من مائها شيئاً ولا يخرجن أحدكم منكم إلا ومعه صاحبه، ففعل الناس إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجة والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجيلى طي فأخبر بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ألم أنهكم ثم دعى للذي خنق على مذهبه فشفي وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين قدم المدينة. قوله: ولا يخرجن أحد منكم أي الليلة كما عند ابن إسحاق وذلك لحكمة علمها ولعلها أن الجن لا تقدم على اثنين، وقد روى الإمام في الموطأ مرفوعاً: إن الشيطان يهم بالواحد الباجي أي باغتياله، ويحتمل أنه يهم بصرفه عن الحق، وقوله لحاجة أي لتغوط، وخنق بمعجة مبني للمفعول اي صرع ومذهبه بفتح الميم والهاء بينهما معجمة ساكنة هو الموضع الذي يتغوط فيه، وقوله دعا للذي بلام الجر وفي نسخة دعا الذي أي طلبه يتغوط فيه، وقوله دعا للذي بلام الجر وفي نسخة دعا الذي أي طلبه فحضر والأولى أظهر. قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي. وفي مسلم والموطأ عن معاذ أنهم وردوا عين تبوك وهي تبض بشيء من ماء وأنهم غرفوا منها قليلاً قليلاً، حتى اجتمع في شن، ثم غسل صلى الله تعالى عليه وسلم وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها فتفجرت بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال يا معاذ يوشك أن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا ملئى جناناً وتبض بفتح الفوقية وكسر الموحدة وضاد معجمة أي تقطر وتسيل هكذا، رواه ابن مسلمة وابن القاسم ورواه يحيى وطائفة بالمهملة أي تبرق قاله الباجي، قاله الزرقاني؛ ولما انتهى

стр. 402

عليه السلام إلى تبوك أتاه صاحب أيله بفتح الهمزة وهو يُحنة بضم التحتية وفتح المهملة والنون المشددة فتاء تأنيث ابن رؤبة النصراني فصالحه وأعطاه الجزية وأتاه أهل جربى بجيم مفتوحة فراي ساكنة فموحدة تقصر وتمد وأهل أذرح بهمزة مفتوحة وذال معجمة ساكنة وراء مهملة مضمومة وحاء مهملة قيل هي فلسطين، وهما بلدان بالشام بينهما ثلاثة أميال، قال في القاموس وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطني، وهي ما بين ناحيتي خوضي كما بين المدينة وجربى وإذرح قاله محمد بن عبد الباقي. ولما أتوه أعطوه الجزية أي التزموها كما فعل يحنة، ووجد ﵇ هرقل بحمص دار الشام باطلا، ولم يهم بذلك فكتب له كتاباً يدعوه إلى الإسلام فقارب الإجابة ولم يجب ثم انصرف ﵇ بعد أن قام بتبوك بضم عشرة ليلة وقال الدمياطي عشرين ليلة يصلي بها ركعتين ولم يلقي كيدا، أي حربا. وذكر الواقدي أنه شاور أصحابه في التقدم، فقال عمر أن كنت أمرت بالمسير فسر، فقال لو أمرت بالمسير لم أستشرك فيه، فقال يا رسول الله إن للروم جموعاً كثيرة وليس بها مسلم، وقال دنونا وأفزعهم دنوك فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله أمرا انتهى. ولما أراد ﵇ الخروج إلى تبوك أرسل إلى أهل مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم فجاء البكاؤون يستحملونه أي يطلبون منه ما يركبون وكلهم معسر لا يحب التخلف عن الغزو معه، فقال لا أجد ما أحملكم عليه. ومنهم سالم بن عمير الأوسي وعلبة بن زيد الأنصاري من بني عمرو وابن عوف وعبد الرحمن بن كعب المازري من بني مازر بن النجار وحرمي بن عمر من بني مازن أيضاً ومنهم هرم بن عبد الله بن رفاعة الأنصاري والعرباض ابن سارية السلمي وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار المزنيان، وبنو مقرن المزني وهم النعمان وسويد

стр. 403

ومعقل وعقيل وعبد الرحمن وسنان وهند، كما في المواهب ومقرن، بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء الثقيلة، قال الواقدي وابن نمير بنوه سبعة كلهم صحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال أبو عمر ليس ذلك لأحد من العرب غيرهم، قال الحافظ وقد ذكر هو في ترجمة هند بن حارثة الأسلمي ما ينقض ذلك، فأخرج الطبراني أن ولد مقرن كانوا عشرة نزل فيهم ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، قاله الزرقاني؛ وروي أن عثمان بن عفان حمل في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرساً فقال ابن هشام حدثني من أثق به أن عثمان أنفق ألف دينار غير الإبل والزاد، وما يتعلق بذلك، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض. وذكر بعضهم أن عثمان جهز ثلث الجيش حتى كان يقال ما بقيت لهم حاجة. قال الزرقاني واقل ما قيل إنهم ثلاثون ألفاً فيكون جهز عشرة آلاف. وروي أنه ﵇ قال لا يضر عثمان ما فعل بعدها. وروي أنه قال له غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها. ولما خرج ﵊ تخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب في أمره صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم كعب بن مالك الأنصاري ثم السلمي بفتحتين، قال في حديث تخلفه تجهز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، وأصبح صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض شيئاً، فقلت أتجهز بعده بيوم أو بيومين ثم ألحقهم ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً. فلم يزل بي حتى أسرعوا وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك. ومنهم مرارة بضم الميم وراءين الأولى خفيفة بن الربيع الأوسي ثم العمري بفتح العين وسكون الميم نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن

стр. 404

ملك الأوسي وهلال بن أمية الأوسي ثم الواقفي بقاف ثم فاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس وسبب تخلف مرارة أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه قد غزوت قبله فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه قال اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك، وسبب تخلف هلال أنه كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهل ولا مال. وفي هؤلاء الثلاثة نزل ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾، وتخلف أبو ذر لأن بعيره كان أعجف، فقال أعلفه أياماً ثم ألحق به ﵇، فعلفه أياماً ثم خرج فلم يرد به حركة فحمل متاعه على ظهره وسار، قال أبو ذر فطلعت عليه نصف النهار وقد أخذ مني العطش، أي وكان ﵊ نزل في بعض الطريق، وعند بن إسحاق فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا لرجل يمشي على الطريق وحده، فقال ﵇: كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر. فقال رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فكان كذلك، فمات بالربذة ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ثم شعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولا هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا به ذلك. وأقبل ابن مسعود في رهط من أهل العراق فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق، وقد كادت الإبل تطؤها فقال لهم الغلام هذا أبو ذر فأعينونا على دفنه، فاستهل ابن مسعود يبكي ويقول صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم حدثهم ابن مسعود بالحديث. وتخلف أبو خيثمة سعد بن خيثمة فقال تخلفت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخلت حائطاً فرأيت عريشاً قد رش بالماء ورأيت زوجتي فقلت ما هذا بإنصاف، رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في السموم والحر وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات

стр. 405

وخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال صلى الله تعالى عليه وسلم كن أبا خيثمة، فجئت فدعى لي: وقوله كن أبا خيثمة وكن أبا ذر معناه الدعاء، كما تقول أسلم، أي سلمك الله، أي اللهم اجعله أبا ذر، وقيل معناه أنت أبو ذر، أنت أبو خيثمة انظر الزرقاني. قال في المواهب لما دنى صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه فخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: (طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع) (وجب الشكر علينا ... ما داعا لله داع) قال الزرقاني وبعدهما: (أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع) وقال القسطلاني وقد وهم بعض الرواة وقال: إنما كان هذا الشعر عند مقدمه المدينة وهو وهم ظاهر لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم منمكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك انتهى. وقوله بعض الرواة هو عبد الله بن محمد المعروف بابن عائشة، وقوله كما قدمت ذلك أي في الهجرة قاله الزرقاني، وفي البخاري لما رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوة تبوك فدنى من المدينة قال إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا يطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر وهذا يؤيد معنى ما روي: نية المؤمن خير من عمله، فإن نية نؤلاء خير من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم في بيوتهم، والمسابقة إلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال، قاله في المواهب وقوله وادياً قال البيضاوي هو كل منفرج ينفرج فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال وشاع بمعنى الأرض، وقوله معكم أي بالنيات، ولأحمد وابي داود لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من سير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، ولابن حبان وأبي عوانة إلا أشركوكم في الأجر

стр. 406

والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، قال المهلب يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ (الآية) فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ثم استثنى أولى الضرر من القاعدين فكأنه أحلقهم بالفاضلين وقوله نية المؤمن الخ .. رواه الطبراني والديلمي مرفوعاً بهذا اللفظ ورواه البيهقي وغيره بلفظ أبلغ وكلها ضعيفة لكن بمجموعها يتقوى كما أفاده السخاوي. وقوله فإن نية هؤلاء خير الخ. أي فشاركوهم في الثواب، وزادوا راحة الأبدان، وقصد المصنف بهذا ما عساه يقال غاية ما أفاده الحديث المشاركة أما الزيادة المستفادة من أفعل التفضيل فلا ثم لضعفه جعله مؤيداً بحديث الصحيح انتهى. ومن الزرقاني ولما رجع ﵇ من تبوك نزل بذي أوان بفتح الهمزة وكسرها لغة بلفظ الأوان أي الحين، بلد بينها وبين المدينة ساعة من نهار فجاءه خبر مسجد الضرار من السماء فدعا مالك ابن الدخشم بضم الدال المهملة والشين والمعجمة بينهما خاء معجمة ساكنة ويقال الدخيشم بالتصغير ويقال بنون بدل الميم مكبراً ومصغراً الأوسي البدري، ومعن ابن عدي العجلاني البلوي حليف الأنصار شهد أحداً، فقال ﵊ انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فانطلقا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وذلك بعدما أنزل فيه: ﴿الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً﴾ (الآية). قال عامة أهل التفسير الذين اتخذوه كانوا اثني عشر منهم خذام بخاء مكسورة وذال معجمتين بن خالد وثعلبة بن حاطب ومعتب ابن قشير وعباد بن حنيف وبحزج بموحدة مفتوحة فمهملة ساكنة فزاي مفتوحة فجيم، بنوه يضارون به بني عمرو بن عوف أهل مسجد قباء الذي أسسه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما قدم المدينة وصلى فيه ورأى ذلك ناس من بني غنم بفتح المعجمة وسكون النون ابن عوف فقالوا في طائفة من المنافقين نبني نحن أيضاً مسجداً كما بنوا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام

стр. 407

ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من سلاح وقوة فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه، فكانوا يرصدون قدومه وقد خرج محارباً لله ورسوله ولما بنوه لأغراضهم الفاسدة المضارة والكفر والإرصاد أرادوا أن يصلي فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر أتاه جماعة منهم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة للمرضى والحاجة والليلة الممطرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة كما قال تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلى الحسنى﴾ أي هذه الأمور التي أظهروها والله يشهد أنهم لكاذبون. وروي أنه ﵇ قال لبحزج ويلك ما أردت فقال والله ما أردت إلا الحسنى فنزلت الآية، ولما أتوه وهو يتجهز فقالوا له ذلك، قال ﵇ إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه فنزلت هذه الآية. وفي حديث عند البيهقي فأنزل الله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وقد قدمنا في الهجرة الخلاف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وأن الصحيح أنه مسجد قباء وفي صحيح مسلم أنه المسجد النبوي ولا منافاة فكل منهما أسس على التقوى (انظر المواهب وشرحها). ولما أشرف صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة قال هذه طابة، فلما رأى أحداً قال هذا جبل يحبنا ونحبه. فائدة: قال في النشر: قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عامر: الذين اتخذوا بغير واو قبل الذين، وقرأ الباقون بالواو انتهى. وقال الثعالبي على أن قوله وآخرون مرجون لأمر الله في المنافقين يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلاً من آخرون أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين اهـ.

стр. 408

وقال ابن جزي قرأ الذين بغير واو صفة لقوله وآخرون، أو على تقديرهم الذين، وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين هم أهل مسجد الضرار، وقرئ بالواو عطفاً على آخرون وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين أنهم الثلاثة الذين خلفوا نقله الشيخ الوالد حفظه الله تعالى في الريان وقال الزرقاني ومعتب بن قشير بقاف ومعجمة مصغر ترجم له في القسم الأول من الإصابة، ثم قال وقيل كان منافقاً وقيل أنه تاب وذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً انتهى. وفي الزرقاني قبل هذا أنه ﵇ لما قدم المدينة وهدم مسجد الضرار عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه داراً، فقال ما كنت أتخذه وقد أنزل الله فيه ما أنزل، ولكن اعطه ثابت بن أقرن، فإنه لا منزل له فأعطاه، فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ولا حمام ولا دجاج، وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة قالوا ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة فأبصروا الدخان يخرج منها اهـ. وقال الناظم: (وضعفها البعوث دون مين) يعني أن البعوث التي أرسلها ﵊ إلى جهاد الكفار ولم يخرج فيها بنفسه الشريفة ضعف الغزوات التي خرج فيها ﵇ أي قدرها مرتين فهي خمسون لأن الغزوات قد مر له أنها خمس وعشرون، وقوله ضعفها بكسر الضاد المعجمة والضمير المضاف إليه للغزوات، والمين: الكذب، والبعوث: جمع بعث، وهو في الاصطلاح من أرسله صلى الله تعالى عليه وسلم لقتال العدو ولم يحضر معه بنفسه ويسمى أيضاً عندهم سرية كما في المواهب وشرحها وسيرة العراقي وشرحها والغزوات جمع غزوة والمغازي جمع مغزى وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والغالب إطلاق الغزوة على كل عسكر حضره صلى الله تعالى عليه وسلم بنفسه الكريمة وقد تطلق علي على هو أعم من ذلك، فقد تطلق على ما وقع من قصده ﵇ للكفار بنفسه أو

стр. 409

بجيش يرسله إليهم فيشمل البعوث ولذا ترجم كثير منهم بكتاب المغازي ثم يذكر مع الغزوات البعوث انظر الزرقاني وغيره. وحكمة قعوده صلى الله تعالى عليه وسلم عن بعوثه الرفق بالمسلمين كما أفاد ذلك في قوله ﵊ والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق أن يقعدوا بعدي. والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيى ثم أقتل، ثم أحيى ثم أقتل، ثم أحيى ثم أقتل، رواه مالك والشيخان عن أحمد عن أبي هريرة بتكرير ثم ست مرات. والسرية بوزن عطية والسارية أيضاً، سموا بذلك لأنهم يكونوا خلاصة العسكر وخيارهم كما في النهاية. قال في الفتح وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه وهي من مائة إلى خمس مائة فإن زاد فمنسر بالنون فمهملة، فإن زاد على ثمانمائة سمي جيشاً فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلاً، انتهى. وظاهره أن ما دون المائة لا يسمى سرية وهو مخالف لقوله نفسه في المقدمة، قال ابن السكيت السرية ما بين الخمسة إلى الثلاث مائة وقوله منسر بوزن مجلس ومنبر قاله الزرقاني، وفي المواهب أن سراياه سبع وأربعون، قال الزرقاني كما رواه ابن سعد وبه جزم أول الاستيعاب فيما قاله الشامي، والذي في النور عن ابن عبد البر أنها خمس وثلاثون وقال ابن إسحاق في رواية البكائي أنها ثمان وثلاثون وفي الفتح عن ابن إسحاق ست وثلاثون والواقدي ثمان وأربعون وابن الجوزي ست وخمسون، انتهى المراد منه. وقال المناوي في شرحه للعراقي البعوث جمع بعث، وهو كما في المصباح وغيره الجيش تسمية بالمصدر والسرية بفتح المهملة وكسر الراء وشد التحتية القطعة من الجيش، سموا به لأنهم خلاصة العسكر؛ والسري الشيء النفيس. وفي فتح الباري السرية التي تخرج في الليل والسارية بالنهار، سميت سرية لأنها تخفي ذهابها وهي قطعة من

стр. 410

الجيش تخرج منه وتعود إليه اهـ المراد منه. قال العراقي: (عدتها من بعث أو سرية ... ستون فالأول بعث حمزة) (لنحو سيف البحر من ناحية ... العيص لم يقتتلوا بالجملة) يعني أن أول بعوثه صلى الله تعالى عليه وسلم بعث حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر بكسر المهملة أي ساحله من ناحية العيص بكسر العين المهملةوسكون التحتية وصاد مهملة موضع ببلاد بني سليم وقيل بأرض جهينة والتقوا واصطفوا للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان مسالماً للفريقين فانصرفوا ولم يقتتلوا بعثه في ثلاثثين من المهارين يتعرض عيراً لقريش وعقد له لواء أبيض وحمله أبو مرثد فكان أول من غزى في سبيل الله وأول من عقدت له راية في الإسلام وذلك في رمضان على رأس سبعة أشهر وقيل في ربيع الأول وقيل في جمادى ولم يعرف لمجدي إسلام قاله المناوي. وقوله فحجز بفتح الحاء والجيم وبالزاي أي فصل، ومجدي بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال آخره ياء مشددة واسم أبي مرثد كناز بفتح الكاف وشد النون فألف فزاي ابن الحصين بمهملتين مصغراً الغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني ابن يعصر حليف حمزة واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع أمير الجيش وفي الفتح اللواء الراية وكان الأصل أن يمسكلها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه وقال ابن العربي اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه والراية ما يقعد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل اللواء علامة لمحل الأمير والراية يتولاها صاحب الحرب، والعير المذكورة ثلاثمائة راكب فيها أبو جهل اللعين، وقوله على رأس سبعة أشهر أي تقريباً فلا ينافي أن قدومه ﵇ لا تنثني عشرة ليلة خلت من

стр. 411

ربيع وقوله وقيل في ربيع أي سنة اثنتين انظر الزرقاني. ثم بعد بعث حمزة سرية عبيدة المطلبي ورصدر في الاكتفاء بأنها قبل سرية حمزة ثم سرية سعد بن أبي وقاص ثم سرية عبد الله بن جحش ثم بعث عمير الخطمي لقتل عصماء بنت مروان ثم بعث سالم بن عمير الأنصاري إلى قتل أبي عفك اليهودي، ثم بعث محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف، ثم بعث زيد بن حارثة إلى القردة، ثم بعث أبي سلمة بن عبد الأسد لطلب طليحة بن خويلد وأخيه الأسديين، وأسلم طليحة بعد ثم بعث عبد الله بن أنيس الجهني الأنصاري لقتل سفيان بن خالد الهذلي، ثم بعث عاصم بن ثابت إلى الرجيع، ثم بعث المنذر بن عمرو ومعه القراء إلى بئر معونة، وقدمه عبد الرحيم العراقي على بعث الرجيع ثم بعث محمد بن مسلمة للقرطاء ثم بعث عكاشة إلى غمر مرزوق ماء لبني أسد، ثم بعث محمد بن مسلمة إلى ذي القصة موضع يريد بني ثعلبة، فبعث أبي عبيدة بن الجراح إليهم، فبعث زيد بن حارثة إلى الجموم، ثم بعث زيد أيضاً إلى العيص ثم بعثه رابعة إلى الطرق، فبعثه خامسة إلى حسمى، فبعثة سادسة إلى واد القرى ثم بعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل ثم بعث علي بن أبي طالب إلى فدك يريد بني سعد بن بكر، ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة، ثم سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق ثم سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام، ثم بعث كرز بن جابر إلى العرينين، ثم بعث عمرو بن أمية إلى قتل أبي سفيان بن حرب، ثم بعث ابان بن سعيد الأموي إلى نجد على ما ذكر العراقي، وقال أنه بعد فتح خيبر، لكن قال المناوي في شرحه قال الحافظ بن حجر ولا أعرف هذه السرية انتهى ولما يذكره في المواهب. ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى تربة، ثم سرية أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى بني كلاب، فبعث بشير بن سعد الأنصاري لفدك، فبعث غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة فبعث

стр. 412

بشير بن سعد إلى يمن وجبار فسرية الأخرم بن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم فسرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح، فبعث غالب ثالثة إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك فسرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر فبعث كعب بن عمير الغفاري إلى ذات إطلاح ثم سرية عمرو بن العاصي إلى ذات السلاسل فبعث أبي عبيدة إلى سيف البحر، وتعرف بسرية الخبط، فسرية أبي قتادة إلى نجد فسريته أيضاً إلى اضم، فبعث خالد لهدم العذى فسرية عمرو بن العاصي لهدم سواع فبعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة فبعث خالد إلى بني جذيمة قبيلة من بني عبد القيس، فبعث طفيل الدويسي إلى هدم ذي الكفين صنم فسرية قيس بن سعد بن عبادة إلى صداء فبعث الضحاك بن سفيان الكلابي إلى قومه فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم ثم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ثم سرية عبد الله بن عوسجدة إلى بني عمرو بن حارثة بن عمرو ثم بعث قطبة بن عامر الخزرجي إلى خثعم فبعث علقمة بن مجزز بضم الميم وفتح الجيم ومعجمتين الأولى مكسورة ثقيلة وحكي فتحها والأولى أصوب المدلجي إلى طائفة من الحبشة ثم سرية علي إلى هدم صنم طيء واسمه الفلس بضم الفاء وسكون اللام آخره سين مهملة كذا في المواهب وضبطه بعضهم بالفتح وسكون للام ثم بعث عكاشة إلى الجباب بكسر الجيم فسرية خالد إلى أكيدر دومة الجندل فبعث خالد أيضاً إلى بني عبد المدان فبعث علي إلى اليمن ثم بعث بني عبس لما وفدوا عليه ﵇ وهم تسعة نفس فبعثهم سرية إلى عير لقريش وآخر من بعثه ﵇ أسامة بن زيد بعثه إلى أبني بهمزة فموحدة فنون فألف مقصورة بوزن حبلى بناحية البلقاء من الشام. ولنذكر كلاما مختصراً في البعوث إن شاء الله تعالى. أما بعث حمزة فقد مرّ، وأما سرية عبيدة ففي المواهب التصدير بأنها بعد بعث حمزة وكانت إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية

стр. 413

أشهر من الهجرة في ستين راكباً أو ثمانين من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد وعقد له لواء أبيض حمله مصطح كمنبر بن أثاثة بضم الهمزة وتفتح كما في القاموس وخفة المثلثتين ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف واسم مصطح عوف، ولقبه مصطح، فخرج عبيدة بمن معه حتى لقي جمعاً عظيماً من المشركين عليهم أبو سفيان كما قال الواقدي أنه الثبت، أو عكرمة بن أبي جهل أو مكرز بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء فزاي ووجد بخط ابن عبدة أنه بفتح الميم وقال ابن خليل بضم الميم وكسر الراء، والمعتمد الأول، وهو ابن حفص بن الأحنف العامرين ولم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمي يومئذ بسهم فكان أول من رمى بسهم في سبيل الله أي جنسه فلا ينافي قول الواقدي أنه نثر كنانته فتقدم أصحابه وقد تترسوا عنه، فرمى بما في كنانته وهو عشرون سهماً ما منها سهم إلا جرح إنساناً أو دابة ثم انصرف القوم عن القوم وفرّ إلى المسلمين من المشركين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار قاله الزرقاني، وللعراقي بعد ذكره لبعث حمزة. (فبعثه عبيدة بن الحارث ... لرابغ أو قبل ذا أو ثالث) (بأنه شيع كلا منهما ... معا لذاك أشكل ذا وأبهما) (وكان رمى بينهم لم يعدو ... أول من رمى بسهم سعد) قال المناوي عقب قوله أو ثالث، أي وقيل قول ثالث بأنه أي المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم شيع كلاً منهما، ولارسالهما معاً أشكل ذا على بعض الناس وأبهم بضم الهمزة، قال القسطلاني هذا مشكل بقولهم أن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر لكن يحتمل أن يكون المصطفى ﵇ عقد رايتهما معاً ثم تأخر خروج عبيدة لرأس الثمانية لأمر اقتضاه اهـ.

стр. 414

قال في الاكتفاء ويقال إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في غزوة عبيدة هذه: (أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقت وأمر في العشيرة حادث) (ترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث) (رسول اتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث) (إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهربوا هرير المحجرات اللواهث) (فإن يرجعوا عن غيهم وضلالهم ... فما طيبات الحل مثل الخبائب) (وإن يركبوا طغيانهم وعقوقهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث) إلى أن قال: (ونحن أناس من ذئابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث) (فأولى برب الراقصات عشية ... حراجيج تخدي في السريح الرثائث) (كأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البير ذات النبائث) (لئن لم يفيقوا عاجلاً عن ضلالهم ... ولست إذا ءاليت يوماً بحانث) (لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث) المحجرات الداخلات في الجحر بالضم يعني هر واهرير الكلاب الداخلة في الجحر تلهث عطشاً أو تعباً وأولي أحلف والجراجيج الطوال وتخدي تسرع والسريح شبه النعل تلبسه أخفاف الإبل، والرثائث البوالي، والنبائث جمع نبيثة وهي تراب البئر، والطوامث الحيض. تنبيه: ذكر غير واحد أن الراجح أن هاتين السريتين قبل ودان ولذا اقتصر عليه في المواهب وأوردهما في الاكتفاء بعد غزوة الأبواء انظر الزرقاني. ثم سرية سعد بن مالك الزهري آخر العشرة موتاً، بعثه ﵇ إلى الخرار بخاء معجمة مفتوحة وراءين مهملتين الأولى ثقيلة كما في الصغاني والمجد، والنور والمناوي، فما في نسخة محرفة من الشامي من

стр. 415

أنه بتشديد الزاي الأولى لا يلتفت إليه وهو ماء لبني زهير أو واد بالحجاز يصب على الجحفة وذلك في ذي القعدة بكسر القاف وفتحها على رأس تسعة أشهر وجعلها ابن عبد البر بعد بدر في السنة الثانية وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود لأنه تبناه في عشرين من المهاجرين يعترضون عيراً لقريش، فخرجوا على أقدامهم يكمنون بالنهار ويمشون بالليل فصبحوا الخرار صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس فرجعوا ولم يلقوا كيداً انظر المناوي، ومحمد بن عبد الباقي، وللعراقي بعد ما تقدم، فبعثه سعد إلى الخرار للعير فأتت رجعوا للدار يعني المدينة ثم بعد بدر الأولى سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، ابن رياب براء مكسورة فتحتية آخره موحدة الأسدي البدري المستشهد في أحد وذلك في رجب على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة وهم ثمانية أو اثني عشر من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد، روى البغوي عن سعد بن أبي وقاص بعثنا صلى الله تعالى عليه وسلم في سرية وقال لأبعثن عليكم رجلاً أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله بن جحش فكان أول أمير في الإسلام وقال اليعمري سمي في هذه السرية أمير المؤمنين وقال غيره سماه صلى الله تعالى عليه وسلم أمير المؤمنين، بعثهم إلى نخلة على ليلة من مكة والطائف وهي على لفظ واحدة، النخل، وهي موضع وهو الذي ينسب إليه بطن نخلة وهي التي اجتمع الجن بها وكبت له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما سارهما فتح الكتاب فإذا فيه: فإذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم ولا تستكره أحداً على الخروج معك، فقال سمعاً وطاعة وأخبر أصحابه أنه نهاه أن يستكره أحداً منهم فلم يتخلف أحد منهم يتعقب كل اثنين منهم على بعير وسلك على الحجاز حتى إذا كان ببحران بفتح الموحدة وضمها أضل سعد بن مالك وعتبة بن غزوان جملهما الذي كان يعتقبان عليه فتخلفا

стр. 416

في طلبه ومضى عبد الله في أصحابه حتى نزل بنخلة يرصد قريشاً فمرت عير لهم تحمل زبيبياً وأدماً بفتح الهمزة والدال أي جلوداً فيها عمرو بن الحضرمي واسمه عبد الله عباد أو ابن غمار وعم هذا وعامر والعلاء وأختهم الصعبة أسلمت هي والعلاء والصعبة هي أم طلحة بن عبيد الله وفي العير أيضاً عثمان بن نوفر بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان فنزلوا قربهم فهابوهم فحلق عكاشة رأسه وقيل واقد وأشرف عليهم فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار بضم العين وشد الميم أي معتمرون لا بأس عليكم منهم فقيدوا ركابهم وسروحوها وصنعوا طعاماً فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب، إن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم، فقتلوا عمرو بن الحضرمي رماه واقد بن عبد الله بسهم فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وأسلم عند رسور الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستاقوا العير فكانت أول غنيمة في الإسلام، فقسمها ابن جحش وعزل الخمس قبل أن يفرض فقدموا المدينة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأخر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها وتكلمت قريش أن محمداً سفك الدماء وأخذ المال في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ (الآية)، ففرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش. (تعدون قتلى في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشدا) (صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد) (وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد) (فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد) (سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد) (دماً وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من الحقد عاند)

стр. 417

قوله وأعظم منه أي وأشد منه، أي من القتل الواقع منا فيه، مبتدأ وخبره صدودكم، والجملة بينهما اعتراضية وجواب لو محذوف أي لعلم أن فعلكم أعظم وسقينا خبران ومفعوله الثاني قوله دماً وغل بالضم طوق من حديد يجعل في العنق وأما بكسرها فالحقد كما في المصباح انظر الزرقاني. وبعثت قريش إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في فداء الأسيرين عثمان والحكم بن كيسان مولى أبي جهل فقال ﵊ لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعداً وعتبة إنا نخشاكم عليهما فإن قتلتموهما قتلنا صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة بعدها بأيام ففداهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل واحد بأربعين اوقية فأما الحكم فأسلم واستشهد ببئر معونة ذكره ابن إسحاق وابن عقبة، وروى الهيثم أنه تزوج آمنةبنت عفان أخت عثمان، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ومات بها كافراً. وللعراقي بعدما قدمته عنه: (بعث ابن جحش بعده أو أول ... بنخلةفغنموا وقتلوا) (في سلخ شهر رجب إنسانا ... وأنزل الله به قرآنا) (أي يسألونك أزالت كرباً ... وبأمير المؤمنين لقبا) وقوله أو أول أي وقيل أن بعث ابن جحش هو أول البعوث، قوله في سلخ شهر رجب أي آخره، وقوله به أي فيه، ثم بعد بعث بن جحش بعثه عليه السلامعمير بن عدي الأوسي ثم الخطمي بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى جده خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، قيل إنه أول من أسلم من بني خطمة وكان أعمى بعثه إلى عصماء بفتح العين وسكون الصاد المهملتين والمد بنت مروان اليهودية زوجة يزيد بن زيد الخطمي الصحابي وكانت تؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل عليها ليلاً وحولها نفر من ولدها نيام وهو أعمى كما مرّ فجسها بيده ونحى عنها ولداً لها كانت ترضعه فوضع سيفه على صدرها حتى

стр. 418

أنفذه من ظهرها ثم صلى الصبح معه صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وأخبره بذلك، فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت منه صلى الله تعالى عليه وسلم، فهي من كلامه الوجيز البليغ الذي لم يسبق إليه ﵊ أي لا يعارض فيها معارض ولا يطلب بديتها. ولابن إسحاق أنه لما رجع إلى قومه وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها فقال أنا قتلتها فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم فأهدرها صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينتطح فيها عنزان وسماه البصير لكمال إيمانه وقوة قلبه، وقال من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله فلينظر إلى عمير بن عدي، فقال عمر انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى وسمي ابن دريد بن عدي عمر غشميراً بمعجمتين قبل الميم، وقال فعليل من الغمشرة وهي أخذ الشيء بالغلبة، قال في الغصابة صحفه ابن دريد وإنما هو عمير لا شك فيه، ولا ريب انظر الزرقاني وللعراقي: (فبعثه عميراً الخطميا ... لقتل عصما هجت النبيا) قال المناوي في شرحه وكان لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة أشهر من الهجرة، ثم بعده بعث سالم بن عمير بن ثابت الأوسي العقبي البدري أحد بني عمرو بن عوف وكان من البكائين بعثه ﵊ إلى قتل أبي عفك بفتح المهملة والفاء الخفيفة فكان يقتل رجل أعفك أي أحمق وهو يهودي كان في بني عامرو بن عوف وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض على النبي ﷺ ويهجوه، فقال ﵇ من لي بهذا الخبيث فقال سالم على نذر إن لم أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة بكسر المعجمة وشد الراء المهملة أي غفلة حتى كانت ليلة صائفة أي حارة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم سالم به فأقبل إليه ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه

стр. 419

حتى خش، أي دخل في الفراش فصاح عدو الله أبو عفك فثار إليه أي اجتمع ناس ممن هم على قوله وأدخلوه منزله وقبروه وكان ذلك في رأس شوال راس عشرين شهراً من الهجرة. وقالت أمامة بضم الهمزة المريدية بضم الميم وكسر الراء وقيل بفتحها نسبة إلامريد بطن من بلى الصحابية في ذلك: (تكذب دين الله والمرأ أحمدا ... لعمري الذي أمناك أن بيس ما يمني) (حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن) ولعمري الذي أمناك أي وحياتي الذي أنشأك وحباك بموحدة أعطاك، وحنيف مسلم، قاله الزرقاني وللعراقي: (فبعث سالم إلى أبي عفك ... قتله آذى النبي وأفك) بفتح الهمزة والفاء أي كذب على المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما قال. ثم بعد ذلك سرية محمد بن مسلمة بفتح الميم الأوسي، ثم الأشهلي شهد بدراً والمشاهد كلها، بعثه ﵊ ومعه أربعة من الأوس أبو نائلة بنون وبعد الألف تحتية كما في الفتح وللقسطلاني وبعد الألف همزة سلكان بكسر السين المهملة وسكون اللام ابن سلامة بن وقش بسكون القاف وفتحها الأوسي ثم الأشهلي أيضاً شهد أحداً وغيرها وعباد بفتح المهملة وشد الموحدة ابن بشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة الأشهلي أيضاً البدري والحارث بن أوس ابن معاذ ابن أخي سعد بن معاذ وأبو عبس بمهملتين بينهما موحدة ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة الأوسي الحارثي البدري وسبب بعثتهم أنه ﵇ لما بعث زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة إلى من بالمدينة بخبر بدر بشيرين قال كعب بن الأشرف وكان من طيء ثم من بني نبهان أمه من بني النضير أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء لبطن الأرض خير لي من ظهرها، فلما تيقن عدو الله الخبر خرج إلى مكة فجعل يحرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويبكي أصحاب القليب ويهجو رسول الله صلى

стр. 420

الله تعالى عليه وسلم فيهجوه هو حسان، ثم رجع إلى المدينة فشبب أي تغزل بنساء المسلمين وآذاهم فقال ﵊ منلنا بابن الأشرف وفي رواية من لكعب بن الأشرف أي من ينتدب لقتله فقد استعلن لعدواتنان وهجائنا، فقد خرج إلى المشركين فجمعهم لقتالنا وقد أخبرني الله بذلك، فقال محمد بن مسلمة أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك. وفي رواية أنه ﵇ أمر سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه ففعل. وفي رواية أنه ﵊ قال له إن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، فشاوره فقال له توجه إليه واشكوا الحاجة وسله أن يسلفكم طعاماً. ولابن إسحاق أنه مكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه فذكر ذلك له صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب؟ قال يا رسول الله قلت لك قولاً لا أدري هل أفين لك به أم لا. قال إنما عليك الجهد. ولما اجتمع القوم المذكورون على قتله أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا رسول الله لابد لنا أن نقول قولاً غير مطابق للواقع يسر كعباً لنتوصل به للتمكن من قتله، قال قولوا ما بدى لكم فأنتم في حل من ذلك. ومشى معهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلمإلى بقيع الغرقد وقال انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ثم رجع ﵇ إلى بيته وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه وكان حديث عهد بعرس فهتف به أبو نائلة وكان أخاه من الرضاعة فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها فقالت إنك امرء تحارب وإن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة. قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائماً ما أيقظني، فقالت والله إني لأعرف في صوته الشر. وفي البخاري أسمع صوته كأنه يقطر منه الدم، قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة لأجاب اهـ. فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه وقالوا هل لك يابن الأشراف أن

стр. 421

تمشي إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا فقال إن شئتم فخرجوا يتماشون ثم إن أبا نائلة شام يده بمعجمة وميم مخففة أدخلها في فود رأسه ثم شم يده، فقال ما رأيت كالليلة طيباً أعطر ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم عاد بمثلها فأخذ بفود رأسه فقال اضربوا عدو الله. وفي البخاري أن ابن مسلمة قال لأصحابه إذا ما جاء كعب فإني نائل بشعره أي آخذ به فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم ينفح منه ريح الطيب، فقال ما رأيت كاليوم ريحاً، فقال عندي أعطر نساء العرب، فقال ابن مسلمة أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم. فشمه ثم أشم أصحابه، وفي رواية فقال ابن مسلمة إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ونحن ما نجد ما نأكل وإني قد أتيتك أستسلفك، قال كعب وأيضاً والله لتملنه، وفي رواية وأحب أن تسلفنا طعاماً، قال وأين طعامك؟ قالوا أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال ألم يأن لكم أن تعرفوا أنما أنتم عليه من الباطل اهـ؟ قال نعم، ارهنوني، قالوا أي شيء تريد؟ قال ارهنوني نساءكم؛ قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ فقال فارهنوني أبنائكم. قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أيو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللامة، يعني السلاح، وإنما قالوا له ذلك لئلا ينكر عليهم مجيئهم بالسلاح. وفي رواية أن أبا نائلة جاءه فقال له ويحك يابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني. قال افعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال، فقال كعب: أما والله لقد كنت أخبرك أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال إني أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك، وإن معي أصحابي على مثل رأيي وقد أردت ان آتيك بهم فتبيعهم ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء فقال إن في الحلقة لوفاء، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه. قال الحافظ ويحتمل أن كلاً منهما كلمه في ذلك لأن أبا نائلة

стр. 422

أخوه من الرضاعة وابن مسلمة ابن أخيه. وفي رواية الواقدي وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه اهـ. فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً. قال ابن مسلمة فذكرت مغولاً في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله والمغول لكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو شبه سيف قصير تغطيه الثياب أو حديدة دقيقة لها حد ماض وثنته بضم المثلثلة وشد النون المفتوحة سرته. وإنما قتلوه على هذا الوجه لأنه نقض عهده ﷺ وهجاه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحداً ثم جاء مع أهل الحرب معيناً عليه، قاله المازري، قال عياض وقيل لأن محمد بن مسلمة لن يصرح له بالأمان وإنما كلمه في أمر البيع واشتكى إليه ولا يحل لأحد ان يقول أن قتله كان غدراص، وقد قال ذلك إنسان في مجلس على كرم الله وجهه فأمر به فضربت عنقه، وروي أنهم لما قتلوه حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة وأصاب الحارث بن أوس ذباب سيف من أسياف الصحابة فجرح رأسه أو رجله ونزفه الدم فاحتملوه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فتفل ﵇ على جرحه فلم يوذه، فقال عباد بن بشر في ذلك شعراً: (صرخت به فلم يعرض لصوتي ... وأوفى طالعاً من رأس خدر) (فعدت له فقال من المنادي ... فقلت أخوك عباد بن بشر) (وهذي درعنا رهناً فخذها ... لشهر إن وفى أو نصف شهر) (فقال معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغنى من غير فقر) (فأقبل نحونا يهوي سريعاً ... وقال لنا لقد جئتم لأمر) (وفي أيماننا بيض جداد ... مجربة بها الكفار نفر) (فعانقه ابن مسلمة المردى ... به الكفار كالليث الهزبر) (وشد بسيفه صلتا عليه ... فقطره أبو عبس بن جبر) (وكان الله سادسنا فأبنا ... بأنعم نعمة وأعز نصر) (وجاء برأسه نفر كرام ... هم ناهيك من صدق وبر)

стр. 423

قوله فقطره بالقاف أي صرعه صرعة شديدة، ولما انتهوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبروه بقتله قال لهم أفلحت الوجوه. فقالوا وجهك يا رسول الله. وروي ووجهك بواوين وحذفها أمس بالأدب، لأنها تثبت فلاح وجهه مع وجوههم. ورموا برأسه بين يديه فحمد الله تعالى على قتله، فأصبحت اليهود مذعورين ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا. وللعراقي: (فمبعثه محمد بن مسلمه ... في فرقة لقتل كعب الملامه) (جاءوا برأسه فأذرموه ... قال لهم أفلحت الوجوه) ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة بالقاف المفتوحة وسكون الراء وقيل بالفاء أي المفتوحة وكسر الراء اسم ماء من مياه نجد قاله في المواهب، وسببها أن قريشاً لما كان من وقعة بدر ما كان خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون إلى الشام فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار بكسر التاء وتخفيف الجيم وبضم الفوقية وشد الجيم، فيهم أبو سفيان واستأجروا فرات بضم الفاء بن حيان بفتح المهملة وشد التحتية الرفعي البكري حليف بني سهم دليلاً لهم، ومعهم فضة كثيرة قال ابن إ سحاق هي عظم تجارتهم قال الزرقاني بضم فسكون أي أكثر فبعث إليهم ﵊ زيداً في مائة راكب فلقيهم بالقردة فأصاب العير فأتى بها وأعجزه الرجال فخمسها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فبلغت قيمة الخمس عشرين ألف درهم. وعند مغلطاي خمسة وعشرين ألف درهم وقدموا بالدليل فرات بن حيان أسيراً فأسلم وأرسله ﵇ بعد ذلك إلى ثمامة بن أثال في شأن مسيلمة ومر ﵇ به وهو مع أبي هريرة والرحال بن عفوة فقال ضرس أحدكم في النار مثل أحد فما زال فرات وأبو هريرة خائفين حتى بلغهما ردة رحال وإيمانه بمسيلمة فخرا ساجدين، وهذه السرية، قال ابن سعد هي أول سرية خرج فيها زيد أميراً، قال وكان بعثه لهلال جمادى الآخرة على رأس

стр. 424

ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة يعترض عيراً لقريش فيها صفوان بن أمية الجمحي وحويطب بن عبد العزى القرشي العامري وعبد الله بن أبي ربيعة انتهى. وأسلموا بعد كلهم. وفي المناوي ومعهم مال كثير منه فضة نحو ثلاثين ألف درهم وثلاثمائة مثقال ذهباً، وذكر ابن إ سحاق هذه السرية قبل قتل ابن الأشرف وكان قتله بأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً من الهجرة. وللعراقي بعدما تقدم: (فبعثه زيداً إلى القردة ... ماء بنجد بقريب غمزة) (فصلوا مائة ألف مغنماً ... واسروا فرات ثم أسلما) قال المناوي في شرحه بعد قوله القردة بفتح الراء والقاف على الأشهر وضبطه الدمياطي بفاء مفتوحة وراء ساكنة وغمزة قال بفتح الغين المعجمة وميم ساكنة موضع بين نجد وتهامة من طريق الكوفة. وقال حسان بن ثابت في غزوة بدر الأخيرة يؤنب قريشاً في أخذهم تلك الطريق: (دعوا فلجأت الشام قد حال دونها ... جلاد فأفواه المخاض الأوارك) (بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقاً وأيدي الملائك) (إذا سلكت للغر من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك) (أقمن على الرس النزون ثمانيا ... بأرعن جرار عظيم المبارك) (بكل كميت جوزه نصف خلقه ... وقب طوال مشرفات الحوارك) (ترى العرفج العامي تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطي الرواتك) (فإن تلف في تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيان يكن رهن هالك) (وإن تلف قيس بن امرئ القيس بعده ... نزد في سواد لونه لون حالك) ومنها كمنا فتح الورود: (وأبلغ أبا سفيان عني رسالة ... فإنك من غر الرجال الصعالك) الفلجات بالجيم جمع فلج وهو الماء يجري ورواه أبو حنيفة بالحاء وقال الفلجة المزرعة والمخاض واحدتها خلفة من غير لفظها وقد قيل في

стр. 425

الواحد ماخض وعندي أن المخاض في الحقيقة ليس بجمع وإنما هو مصدر ولذلك وصف به الجمع، وفي التنزيل فأجاءها المخاض كذا رأيته معزواً للسهيلي. والأوارك الأكلة للأراك فتفتح أفواهها لذلك والرس البئر المطوية بالحجارة والنزوع كصبور القريبة القعر وجيش أرعن عظيم له فضول والكميت الأحمر، والقب الضوامر والحارك أعلى الكاهل، والعامي الذي مر عليه عام، والرواتك المسرعات، والرتك سير النعام، وفرات مر قريباً ضبطه ونسبه. ثم سرية أبي سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة إلى قطن بفتح القاف والطاء المهملة والبنون جبل بناحية فيذ بفتح الفاء وسكون التحتية وبالدال المهملة ماء لبني أسد بن خزيمة ومعه مائة وخمسون من المهاجرين والأنصار وسببها أن الوليد بن زبير الطائي أخبره صلى الله تعالى عليه وسلم أنه مرّ بطليحة وسلمة ابني خويلد الأسدي وهما يدعوان قومهما ومن أطاعهما لحربه ﵇ فنهاهم قيس بن الحارث فلم ينتهوا، فبعث إليهم أبا سلمة وعقد له لواء وقال سر حتى تنزل بأرض بني أسد، فأغر عليهم. فأسرع أبو سلمة السير حتى انتهى إلى أدنا قطن فأغار على سرح لهم مع رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم فجاؤهم وأخبروهم الخبر فتفرقوا في كل وجه وهرب طليحة وأخوه ولم يدركهما أبو سلمة فرجع ولم يلق حرباً، وللعراقي رحمه الله تعالى: (فبعده بعث ابن عبد الأسد ... بقطن لولدي خويلد) (طليحة مع أخيه سلمه ... فد جمعها حرب نبي المرحمة) (فلم يصل حتى تفرق الملا ... وغنموا شاء لهم وإبلا) وطليحة أسلم بعد ذلك وارتد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وادعى النبوءة ثم أسلم إسلاماً صحيحاً ولم يغمض عليه في إسلامه بعد ذلك. وجزم الشامي بأن أخاه سلمة لم يسلم، وقال ابن عبد البر أن
следующие страницы →